Monthly Archives: يناير 2015

الحرب ضد الفكر المتطرف

“مهداة إلى رائف بدوي”


الموجة اليوم تقوم على “الحرب ضد الفكر المتطرف”، المتمثّل تحديداً في داعش. جيد الأمر، حيث يجب محاربة الفكر المتطرف أيًّ كانت جذوره، فالتطرف خطر في كل الأحوال. لكن من أين يستمد تنظيم القاعدة، وتستمد داعش، وكل المجموعات السلفية تطرفها؟
بمعنى أنه بدل، أو بالتوازي مع، مواجهة الظاهرة التي تتسيّد الآن، يجب محاربة الجذور التي أنتجتها، وتمدها بالاستمرار والقوة. هل نستطيع أن نحدد هذه الجذور؟ البعض يسارع في رد انتقامي لاتهام الإسلام، هكذا بالعموم، لكني لا أريد التعميم، فهو يعمي، ويضلل، ولا يوصل إلى نتائج، حيث سنبقى ننتقد “مجردات”. وأسهل النقد هو الذي يطال “المجردات”. فإذا أخذنا خط المرجعية لكل التيارات السلفية، و”الجهادية” خصوصاً، نصل إلى الإمام الغزالي (وربما ابن حنبل)، ثم ابن تيمية وابن قيم الجوزية، وصولاً إلى محمد ابن عبد الوهاب. وإذا كان للسابقين موقع في النقد التاريخي، فإن الأساس الذي يجب أن يطاله النقد هو هذا الأخير، أي محمد بن عبد الوهاب. ليس لأنه الأجدر، فقد أتي لكي يطبّق ما قاله الأولون (أي ابن تيمية وابن قيم الجوزية)، بل لأن أفكاره باتت هي الأيديولوجية التي تحكم الدولة السعودية.
أي أن مجمل الأفكار التي طرحها الأولون باتت بفعل الوهابية هي أيديولوجية سلطوية تطبّق في مجتمع، هو مجتمع الجزيرة العربية (المسماة السعودية). حيث أنه خارج التحكّم بأموال النفط يجري الحكم وفق “المذهب الوهابي”، وعبر “المطاوعة” الذين يفرضون على الناس “التمسك بالدين”، والخاضعون لـ “هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”، التي تطبّق “الشريعة” وفق المنظور الحرفي، النصي شديد الضيق. وتفرضه على الشعب بالقوة. أليس هذا ما تمارسه “هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” التي تقيمها داعش، وتقيمها جبهة النصرة، وكل التسميات الأخرى للظاهرة ذاتها؟ أليست مرجعيتهم المباشرة هي الوهابية بحذافيرها، وبما عززه محمد بن عبد الوهاب من فتاوى طشيخ الإسلام” ابن تيمية، وصنوه ابن القيم الجوزية؟
كل القيم التي تطبق من قبل هؤلاء “المتطرفين” مستمدة من الأيديولوجية الحاكمة في السعودية. ليس ذلك فقط، بل أن المملكة (جزاها الله خيراً!!) تقوم بجهد كبير من أجل تعميم الوهابية، وتمكينها في “العالم الإسلامي”، وخصوصاً في البلدان العربية. ففي ميزانيتها السنوية ما ينوف عن المليار دولار من أجل “نشر الدعوة”، عبر طباعة كتب ابن تيمية وابن القيم وابن عبد الوهاب، وكل التابعين الذين يكررون أفكار هؤلاء، وفي كثير الأحيان بسذاجة مفرطة، وسطحية شديدة. وتنشط من أجل جذب رجال دين وجمعيات دينية وتجمعات إلى الوهابية. بالتالي فهي تقوم بالتمهيد الأيديولوجي لكل تلك المجموعات المتطرفة، دون أن ننسى أنها تدعمها كذلك.
فمنطق العربية السعودية هو أنه لاستمرار حكم العائلة المالكة، ولضمان تحكمها بمصادر النفط، يجب أن تُخضع المنطقة لأيديولوجية تمنعها من التفكير في التقدم، وتغرقها في متاهات صراعات دموية، وحوارات فكرية سطحية جداً، وهامشية جداً، كل ذلك باسم الدين. لقد لوّعها النهوض العربي في الخمسينات والستينات باسم القومية والاشتراكية، فباتت معنية بتدمير القومية والاشتراكية وكل تطلع نحو التحرر والحداثة باسم “الدين”، أي الوهابية. ولكي تفرض الوهابية أيديولوجية عربية عامة تحكم كل البلدان العربية، حيث حينها تصبح هي المركز المتحكم في مجتمعات تغرق في الجهل والتخلف والصراعات الدموية.
بالتالي فإن الحرب ضد التطرف يعني الحرب ضد الأيديولوجية الحاكمة في السعودية، وكشف التطابق بين داعش والنصرة والقاعدة وممارسات السلطة السعودية. حيث أن ما تطبقه هذه المجموعات هو تقليد للحكم السعودي بالضبط. فرائف بدوي يواجه ما يواجهه كثير من الشباب من قبل داعش والنصرة. و”هيئة الأمر بالمعروف” تمارس الدور ذاته. ووضع المرأة مطابق كذلك. والحسبة أيضاً. لهذا فإن الحرب ضد التطرف يعني دعم ثورة ديمقراطية في الجزيرة العربية، هكذا بالضبط. فالصراع يجب أن يتوجه نحو المركز لكي يضمن شمول الفروع، ولا فائدة من حرب ضد الفروع وحدها.

Advertisements

أربع سنوات على الثورة

أربع سنوات مرّت على ثورة 25 يناير، لم يتحقق شيء. بالتالي، لم تنته الثورة. كل مَن يظنّ أنه يمكن الالتفاف على الثورة، أو تجاوز مطالبها، سيفاجأ بأنه لحق بسابقيه. ليس تكهناً هذا، ولا توهّم أمل، بل نتاج واقع تمثّل في شعب نهض لتحقيق مطالبه. لا يتمرّد الشعب إلا لـ”الشديد القوي”، حيث يصل إلى وضع لا يستطيع العيش فيه. وهذا يتوضح بالأرقام، حين تناول البطالة والأجور، وانهيار التعليم والصحة والبنية التحتية، والحاجة إلى السكن. لا يمتلك الشعب “هواية” التمرّد، لأنه يريد العيش بعيداً عن غول السلطة. لكن، يحدث التمرّد حين يصل إلى حالة لا يستطيع فيها العيش. هذا ببساطة سبب الثورات، كل الثورات في العالم (ربما عدا ما حدث في البلدان الاشتراكية).
حين تجمعت الملايين، بعد كسر حاجز الخوف في 25 يناير، أرادت تغيير واقعٍ عبّرت عنه في أشكال من الإضراب أو الاعتصام أمام مجلس الشعب، أو قطع الطرق، أو في البيانات والمطالبات المستمرة، شمل تقريباً معظم قطاعات الشعب المصري، بدءاً من سنة 2006. والمطالب محدَّدة ومفصّلة. وكان شعار “الشعب يريد إسقاط النظام” الخلاصة التي توضّح أن تحقيق تلك المطالب يفرض إسقاط النظام، وليس تغيير أفراد، أو ترقيع قضايا. فالنظام الذي فرض البطالة العالية، والأجر المتدني، والتهميش، وانهيار التعليم والصحة، هو الذي يجب أن يزول. وهنا، أولاً، النظام الاقتصادي. وبالتالي، الطبقة التي صنعته، والتي قامت على النهب والسمسرة وسرقة أموال الشعب، وتسهيل نهب الرأسمال الخارجي، والشراكة معه في النهب. وبالتالي، مركزت الثروة بيد أقليةٍ باتت تعيش في “عالم سحري”، بينما يعيش الشعب في واقع مزرٍ.
لهذا، كان يجب أن تتحقق المطالب مباشرة، لكي يستكين الشعب، ويعود إلى “حياته الطبيعية”. لم يكن ممكناً التأجيل، أو الانتظار. بالضبط، لأن التمرّد كان قمة حالة الاحتقان التي كبتها الشعب طويلاً. بالتالي، لا وقت للانتظار. هذا ما أسقط محمد مرسي وتجربة الإخوان المسلمين، وهذا ما سيسقط كل من لا يحقق تلك المطالب، ومباشرة. وتحقيقها يعني مصادرة الأموال المنهوبة، وأموال “رجال الأعمال الجدد” التي تراكمت باستغلال السلطة، أو نهب أملاك الشعب. كثيرون صاروا “رجال أعمال” نتيجة نهب “القطاع العام” وأرض الدولة، والسمسرة مع الطغم المالية العالمية، لتسهيل حركة “الاستثمارات قصيرة الأجل”، أي التي تنشط في المضاربة في البورصة، أو في العقارات والنشاط البنكي، لتنهب وترحل سريعاً.
في الذكرى الرابعة، يجب أن يكون واضحاً أن المطلوب تحقيق تغيير عميق في الاقتصاد لمصلحة اقتصاد منتج. وفي الدولة، لكي يجري التخلي عن “سياسة قمعية” معادية للشعب، نشأت عليها الأجهزة. ودولة ممركزة تمارس القهر لمصلحة دولة علمانية ديمقراطية، تطلق كل الحريات، وحق الاضراب والتظاهر، والتنظيم النقابي الحقيقي.
الدولة القائمة هي شكل مصالح الطبقة المسيطرة اقتصادياً، والقائمة على النهب والفساد. وأسست المجتمع الذي ثار عليها في 25 يناير. الآن، على المجتمع أن يفرض دولته التي تحقق مطالبه، وتسمح له بأن يكون السلطة الفعلية. لا تفيد الحلول الجزئية، أو توهم حل ممّن صنع الأزمة المجتمعية. وأيضاً، ليس من الممكن أن يتوقف الحراك الذي بدأ بثورة في 25 يناير، قبل أن يصل إلى ذلك. الشعب تمرّد، يريد تحقيق مطالبه، وهذا يفرض تغييراً عميقاً يقطع مع السياسات السابقة، الاقتصادية والمجتمعية، والسياسة بمعناها العام. بديل آخر هو الضرورة، حكم طبقات أخرى هو الضرورة.
فتحت ثورة 25 يناير، ككل الثورات العربية، الأفق لثورة مستمرة، وضع ثوري يمكن أن يتفجّر في كل لحظة. هذا هو الوضع بالضبط، من دون أن يكون للسلطة مقدرة على كبح الوضع، أو قمعه. إذن، علينا أن نودع الماضي، وأن نفتح أفقاً لعالم جديد.

أفق الثورة وآفاق الحل السياسي في سوريا

الممكنات منذ بدء الثورة
دور الخارج

ما زال النقاش حول “النهاية” الممكنة في الثورة السورية ناشطاً، رغم أن جموع الشعب باتت تريد حلاً بعد أن تشردت وعاشت أسوأ أزمة اقتصادية، وحالة رعب مستمر وقتل وتدمير واعتقال.

بمعنى أن الوضع الشعبي وصل إلى حالة من السوء دفعت إلى القول بأن “الشعب بات يرضى بأي حل”، خصوصاً مع شعور عام بالعجز عن انتصار أي من الطرفين: الثورة والسلطة.

وهو شعور واسع نتج عن الدعم غير المحدود للسلطة من قبل روسيا وإيران (وأتباعها)، واللعب بالثورة من قبل “أصدقائها”، وعدم تقديم سوى ما يضرّها. فأصبحت حالة الاستعصاء هي القائمة منذ ما يقارب العامين. وأصبحت إمكانية انتصار طرف مستحيلة، وما يمكن أن ينتج في أقصى الاحتمالات هو حالة انهيار عام.

هذا الأمر فرض التعلق بأمل الوصول إلى حل، لكن في المقابل هناك من يعتقد أن التحولات العالمية سوف تفرض دعم الثورة من قبل “أصدقائها” لكي تنتصر. ولهذا نلمس أن بعض الانتصارات على الأرض تعلي من هذا الصوت، وكذلك حماس بعض الدول الإقليمية أو الدولية لـ”دعم” الثورة يزيد بروزه.

الممكنات منذ بدء الثورة
حتى يتضح الوضع الآن؛ يمكننا العودة إلى الاحتمالات الممكنة منذ بداية الثورة، هل كان لها أن تنتصر؟ أي أن تسقط النظام كما كُرّر في الشعار؟

هذا سؤال بدهي على ضوء نتائج الثورات في تونس ومصر واليمن وليبيا والبحرين، حيث شهدنا ثلاثة أشكال من المصير، فإما انقلاب السلطة على ذاتها وإبعاد الرئيس، أو التدخل “الدولي”، أو السحق كما في البحرين من قبل السعودية، أو المناورة ومن ثم إبعاد الرئيس كما في اليمن، تحت ضغط دول إقليمية وعظمى.

“إن مقدرة الثورة تتمثل في خلق تفكك في السلطة يدفع إلى تحويل “ديمقراطي” على أمل إعادة السيطرة، لكن واقع الثورة السورية لم يكن يسمح بأكثر من ذلك نتيجة غياب القوى السياسية التي تنظمها”

بمعنى أنه لم يحدث أن وصلت الثورة -في هذه الحالات جميعا- إلى لحظة أن يفرض الشعب سلطته. والسبب في ذلك أن انتصار الثورة يحتاج إلى قوى سياسية لديها رؤيتها وبديلها وتكتيكاتها التي تدفع الثورة نحو الانتصار، وهذا لم يكن قائماً في كل تلك البلدان، وكذلك في سوريا. ولهذا كانت الخيارات المطروحة تتمثل في: إما تحوّل من داخل السلطة يفتح على مرحلة انتقالية كما في تونس ومصر، أو التدخل “الخارجي”.

إن مقدرة الثورة -كما ظهر في البلدان الأخرى- تتمثل في خلق تفكك في السلطة يدفع إلى تحويل “ديمقراطي” على أمل إعادة السيطرة، لكن واقع الثورة لم يكن يسمح بأكثر من ذلك نتيجة غياب القوى السياسية التي تنظمها وتحدد شعاراتها، وتضع الرؤية التي توصل إلى انتصارها وتفرض البديل الذي يحمل مطالب الشعب.

وهو الأمر الذي كان يدفع إلى انتظار حدوث كسر في السلطة. هذا وضع ثورات تونس ومصر واليمن خصوصاً. وهو الوضع ذاته الذي كان يحكم حالة سوريا، بعد أن أدى الاستبداد وتكلس الأحزاب إلى الانقطاع عن “الشارع”، والقطيعة معه في المطالب والشعارات كذلك.

في سوريا؛ كان الخيار لدى أطراف المعارضة يتمثّل في: إما الضغط المحلي والدولي على السلطة لكي تقبل الدخول في مرحلة انتقالية لنقل سوريا “من الاستبداد إلى الديمقراطية”، أو الاندفاع نحو الدعوة إلى تدخل “خارجي”، خصوصاً بعد أن ظهر تدخل الحلف الأطلسي في ليبيا.

لكن الخيار الأول كان يصطدم بتشبث السلطة وحسمها “القتال إلى النهاية”، وبالتالي لم يفد تدخل الجامعة العربية ثم مجلس الأمن الذي عيّن كوفي أنان ممثلاً له وللجامعة العربية لتطبيق المبادرة العربية الدولية. ولم تفد العلاقات مع إيران وروسيا والصين لتحقيق هذا الغرض.

وكان الخيار الثاني يبدو مستحيلاً -منذ البدء- لأسباب كثيرة، منها وضع أميركا “الانكفائي” الذي جعلها تعيد بناء إستراتيجيتها بعيداً عن المنطقة، وأن تحاول التقارب مع روسيا (والآن أيضاً مع إيران)، وكذلك لأن التدخل سيتحوّل إلى حرب إقليمية لم ولن تكون أميركا مستعدة لها، كما يبدو إلى الآن.

من كان يقبل التدخل هو تركيا وفرنسا عبر الحلف الأطلسي، لكن كانت أميركا تلجم هذا الميل، وفي الأخير “باعت” سوريا لروسيا. بمعنى أن الوضع الدولي لم يكن يشير إلى أيّ إمكانية للتدخل العسكري، ولهذا أصبح هذا الخيار نفلاً.

ولهذا كان “الشغل السياسي” يفترض التركيز على تفكيك السلطة، وكان ذلك يعني تسهيل حدوث شرخ فيها يسمح بانتقال إلى “الديمقراطية”. لكن كل السياسة التي جرى اتباعها قامت على عكس ذلك؛ بدءا من التعامل مع “المنشقين”، إلى تحويل مجمل الجيش وأجهزة الدولة إلى عدو، إلى التحريض الطائفي الذي كان يتوافق مع ما تريده السلطة ويؤكد خطابها، إلى الاستهانة بالمسألة الوطنية، وغيرها كثير.

“لقد كانت إستراتيجية المعارضة خاطئة، وبعضها ألحق أبلغ الضرر بالثورة فهي  لم تشتغل من أجل حدوث كسر في بنية السلطة يفتح الطريق لتحقيق مرحلة انتقالية، بل إنها اشتغلت على تكريس تماسك السلطة”

لقد كانت إستراتيجية المعارضة خاطئة، وبعضها ألحق أبلغ الضرر بالثورة (وهنا تمكن الإشارة إلى الإخوان المسلمين والمجلس الوطني الذي تشكّل تحت هيمنتهم، ثم أغلبية معارضة الخارج)، فهي ليس فقط لم تشتغل من أجل حدوث كسر في بنية السلطة يفتح الطريق لتحقيق مرحلة انتقالية -وهذا ما هو ممكن كذلك نتيجة مجمل وضع الثورة- بل اشتغلت على تكريس تماسك السلطة.

حيث اعتمدت على دور دول خارجية، وهي هنا كانت ما زالت تعيش عصر “الحرب الباردة” في عالم شهد تغيّراً كبيراً كان أصلاً في أساس نشوب الثورات (الأزمة المالية العالمية سنة 2008). إضافة إلى تراجع القدرة الأميركية على التدخل، حيث إنها الوحيدة القادرة في الإطار الإمبريالي والمحدِّد كذلك، فقد باتت معنية بمواجهة موجة ثورية بدأت في تونس وتوسعت إلى كل المنطقة، في عالم بات يتحفّز لنشوب الثورات.

دور الخارج
بمعنى أن الثورة السورية باتت عُرضة لتدخلات معاكسة، سواء بشكل صريح مثل دور روسيا وإيران، أو مموه مثل دور “أصدقاء سوريا”.

وبالتالي كان التدخل الخارجي يهدف إلى حماية السلطة ومنع سقوطها، وتشويه الثورة وتفتيتها على أساس طائفي وأصولي ومناطقي من طرف آخر. والسيطرة على مسارها بما لا يسمح لها بأن تتطور إلى الحدّ الذي يهدد السلطة.

هذه العملية جعلت السلطة تعتمد كلياً على إيران/روسيا، وباتت -نتيجة الدور العسكري الكبير الذي قدمته- تقاتل الشعب بقوى خارجية (حزب الله، والمليشيات الطائفية العراقية، والحرس الثوري الإيراني، وخبراء من روسيا وإيران، وحشد من اليمن وباكستان وأفغانستان وروسيا) بعد أن تضعضع الجيش وفقد قوته الرئيسية.

لكن هذه العملية جعلت الكتائب المسلحة المعارِضة تتأسلم إرضاءً للممول، وتتشظى بتعدد مصادر التمويل، وجرى إدخال “الجهاديين” بتضافر بين السلطة وإيران ودول إقليمية (السعودية)، حيث أصبحت القوى الأصولية متمكنة والكتائب الأخرى مشتتة ومطاردة من القوى الأصولية. وباتت حدود الثورة -وفق إستراتيجية الدول الخارجية- هي خلق توازن يتيح الوصول إلى حل تفاوضي. أو كما تكرر “طائف سوري”، أو وفق مبادئ “جنيف 1”.

وبهذا لم يعد الحل قائماً على فعل داخلي محض، حيث باتت الدول الخارجية هي التي يجب أن تتوافق للوصول إلى حل، في ظل مروحة واسعة من المسائل العالقة بينها.

“تقوم المناورة الآن على أن يتم الحل ببقاء بشار الأسد كما يريد ذلك الروس والإيرانيون، بينما تضغط دول أخرى من أجل تنحيته. لكن في كل الأحوال ليس من حل سياسي بوجود بشار الأسد”

ولكن يبدو الميل هنا نحو توافق أميركي/روسي -كما كان في “جنيف 1”- ومن ثم إيراني سعودي، مع موافقة دول إقليمية أخرى (مصر، قطر). لكن يبقى الموقف التركي مربكاً، لأن تركيا لن تحصل على ما كانت قد حصلت عليه من بشار الأسد في أي حل قادم، ولهذا تدفع نحو تعزيز الدور العسكري، وتريد موافقة أميركية على منطقة حظر جوي لكي تفرض بديلها، الذي بات هو الائتلاف الوطني بعد أن سيطرت عليه تماماً.

وهذا ما يمكن أن يعقد الأمر ويؤخر الحل، لكنه لن يغير من أمر التوافق بين البلدان المشار إليها.

ما حاولت قوله هو أن الحل سياسي كان -منذ البدء- لا مخرج غيره. ولقد قادت شراسة السلطة وتعنتها والتدخلات المضادة للثورة إلى أن يصبح الحل السياسي بأيدي دول أخرى.

وتقوم المناورة الآن على أن يتم الحل ببقاء بشار الأسد كما يريد ذلك الروس والإيرانيون، بينما تضغط دول أخرى من أجل تنحيته. لكن في كل الأحوال ليس من حل سياسي بوجود بشار الأسد، ليس نتيجة رفض المعارضة أو أي من الدول الأخرى، بل لأن الحل يهدف إلى إنهاء الصراع وبقاء بشار الأسد لن يسمح بذلك، حيث لن تنخرط القوى المقاتلة على الأرض فيه، ولن تقبل فئات الشعب -بما في ذلك قطاع كبير من الذين يحسبون عليه- بحل دون تنحيته.

وهو الأمر الذي سيُبقي الصراع محتدماً إلى أن تتم القناعة الدولية بتنحي الأسد، خصوصاً من كل من روسيا وإيران. وهما الدولتان اللتان باتتا تعانيان من أزمات اقتصادية صعبة، ولن تستطيعا (نتيجة وضعهما الهش) تجاوز قبول المساومة مع أميركا. خصوصاً أن هذه الأخيرة تقدّم لهما تنازلات في سياق الوصول إلى توافق دولي.

وفي الأخير، الأمر يتطلب حدوث كسر في السلطة كان يجب أن تحدثه الثورة، لكن خطايا المعارضة والتدخلات الخارجية منعت ذلك. الآن لا بد لروسيا وإيران أن تحدثا هذا الكسر من أجل الوصول إلى حل، أو سيستمر الصراع لفترة أخرى. وربما تحدث تغيرات كبيرة في العالم (خصوصاً في روسيا وإيران) تفتح الأفق لهذا الحل.

وهذا يقتضي التركيز على هذا الحل وليس الغرق في أوهام الحسم كما يجري لدى قوى المعارضة التي ستكون خارج اللعبة، أو لدى تركيا التي لن تحصل على ما تريده. طبعاً دون تجاهل تطوير القوى على الأرض، وإعادة بناء الثورة بقدر ما يسمح به الوضع، فربما تسمح أزمات الدول وحدوث نهوض ثوري جديد في أكثر من منطقة، بفتح أفق آخر للثورة يجعلها تنتصر.

المصدر : الجزيرة

Turkey’s delusion in the great game of Syria

Ankara is deluding itself that the current US involvement in the war against the IS might serve its interests.

Since the US-led intervention against the Islamic State group, Turkey has entertained the illusion that Washington would allow Ankara to play a crucial role.

Turkey’s delusions produce, in turn, delusions among parties in the Syrian opposition, who believe Turkish intervention will lead to the overthrow of the Syrian regime.

When the Action Group for Syria laid out the principles of the peace talks known as “Geneva 1” in 2013, Turkey sensed the US had reached a deal with Russia, and subsequently, Turkey had lost out on its interests in Syria.

As a result, Turkey was prompted to comply with Saudi Arabian pressure to allow violent jihadis into Syria, something it had previously rejected as it wanted to overthrow the Assad regime in favour of its own alternative, the National Council, an exile group based in Istanbul.
Turkey helped the passage of fundamentalist groups from around the world into Syria, and stepped up coordination with Saudi Arabia to “sabotage” the US-Russian accord.
Turkey versus the ‘jihadis’

Erdogan is waiting for the US to become bogged down in a way that would require ground forces to break the impasse.

Turkey came to believe that it could control the violent jihadis. It was now a common sight to see fighters from the IS and the Nusra Front on Turkish soil without being arrested or otherwise harassed.
When the US declared war on the IS, Turkey thought it could impose its point of view. Recep Tayyip Erdogan, the president, having lost hope Bashar al-Assad would reform the regime and introduce real democracy, declared that Turkey was entitled to intervene.
In other words, Erdogan was saying that Syria was “his”, and no one else’s.

Because the US is no longer in a position to deploy ground forces, something the war on the IS group requires, Erdogan thought the US would need Turkey. Hence, when US action against the IS group became a certainty, he declared his conditions – the overthrow of the Syrian regime as well as the IS, and the creation of a safe zone in northern Syria (ie a no-fly zone).
Currently, Erdogan is waiting for the US to become bogged down in a way that would require ground forces to break the impasse, and is preparing for this eventuality. This is the Turkish delusion, which assumes all that remains is for the US to come to terms with the necessity of a Turkish intervention after it agrees to Ankara’s conditions.
No doubt the IS has been infiltrated by many intelligence agencies, and world powers are seeking to use the example of its menace to further their own policies.

It can be argued that the US is using the group’s threat to regain a foothold in Iraq and influence the course of events in Syria, or use the course of events in Syria as a bargaining chip the dialogue with Iran and Russia.
Erdogan’s Turkey holds the belief that its intervention will allow it to put its preferred people in power in Damascus.

These people in turn believe this will happen, which is why they have rejected anything less than the end of Assad.

Turkey versus US interests

The US will not accept Turkey’s conditions, however. To begin with, the US does not want Turkey to dominate Syria.
But in the great political game being played over Syria, the IS is almost a sideshow. The US continues to negotiate with Iran and Russia over the country’s future, meaning and Turkey’s focus on the IS group is misguided.

The US believes Turkey must not be allowed to have a regional role bigger than Israel.

Even if the IS group was the only concern, the US believes Turkey must not be allowed to have a regional role bigger than Israel.
The US does not need Turkey in Syria. Washington will not agree a no-fly zone or safe zones, to Turkish intervention in the war on the IS, or to any policy that would let the regime in Syria be overthrown with Turkish help.
The US specifically wants an accord with Iran. For this reason, it will not allow Turkey in.
The Syrian crisis is moving toward a painful level of intractability. It is imperative to understand the conflict cannot end except through a political settlement. This has been clear from the outset.
Of course, the revolution and the battle cannot stop until a solution is reached, on the basis of Geneva 1, which requires Assad and his henchmen to step aside

 

Source: al-Araby al-Jade3ed

درس الثورة في اليمن

كانت الثورة في اليمن، ربما، أكثر ثورة سلمية من بين الثورات العربية الأخرى، فقد صمم شبابها على سلميتها إلى النهاية. على الرغم من أن القبائل مسلحة، وأن جزءاً من الجيش انحاز إلى الثورة. وكانت تعطي “المثال” على الثورات السلمية، (التي لا نستطيع أن نقول الناجحة)، فقد خضعت لمساومات الأحزاب وللتدخل السعودي الخليجي، فتحقق حل شكلي أبعد علي عبد الله صالح، وبقي نظامه كاملاً.
كان الحوثيون وشباب الأحزاب مشاركين في الثورة، وكلهم صمموا على عدم استخدام السلاح. لكن، ما يجري اليوم يوضح جملة مسائل مهمة حين التفكير في الثورة، وفي الأفق المقبل لكل ثورة، فقد اتضح أنه لا إمكانية لتغيير سلمي، حيث لا تسمح السلطة الحاكمة (والطبقة المافياوية المسيطرة) بالوصول إلى تغيير سلمي ينهيها، لهذا تقاوم وتقاتل، وأيضاً، تحاول الالتفاف من دون تقديم تنازلات مهمة. لهذا، نجد الحوثيين، الآن، “يغيرون” بالقوة، ويفرضون ما يريدون بها. بالتالي، لا بد من التفكير في الثورة بطريقة وأفق جديديْن. فأمام تعنت السلطة لا تفيد السلمية، ولا تسمح بتحقيق حتى تغيير معقول، سوى تغيير الأشخاص ربما.
بهذا، تعلمنا أكثر ثورة اتسمت بالسلمية العكس، أن التغيير يحتاج القوة التي تفرضه. ولكن، لنتنبه إلى مسألة أخرى تحكم ما يجري في اليمن، وربما تكون معممة عربياً، يمثل الحوثيون “طائفة”، ولا شك في أنها كانت مهمشة ومفقرة، ولهذا شاركت في الثورة، لكن التنظيم قائم على أساس الطائفة، وبالتالي، يسعى إلى تحقيق مصالح تخص “الطائفة” (أو على الأغلب نخب منها). بالتالي، ليس هو من سيحقق مطالب الثورة، بل إنه يقتنص لحظة ضعف السلطة، وقدرته التسليحية، والدعم الإيراني، ليفرض السلطة التي يريد، وليتحكم بالوضع كله. وهو لا يمتلك حلاً مجتمعياً، بل حلاً لفئة منه (أو الأصح لبعضها)، في سياق سياسة ليبرالية وتبعية لإيران. والمسألتان توضحان كم هو بعيد الحل الذي يطرحه الحوثيون عن مطالب الشعب.
هنا، يظهر، كما ظهر في مناطق أخرى، كيف تستغل “طائفة” نتيجة تهميشها وفقرها، حين توضع في سياق طائفي، ولخدمة مصالح طائفية. لقد أفضى انهيار اليسار إلى إعادة إنتاج أيديولوجية طائفية، لكي تعبّر عن وضعية التهميش والفقر، لكي تدافع عن “المحرومين”، كما حدث في لبنان منذ موسى الصدر وحركة أمل إلى حزب الله. وبالتالي، كيف توضع في سياق خدمة مصالح أخرى، يكرّس تحقيقها التهميش والفقر. بالضبط، لأن هذه الأيديولوجية تقوم على منظور ليبرالي، حتى وإن استقى فهمه من “الإسلام”. وأيضاً كيف يوضع المفقرون في صراع يقسم المفقرين أنفسهم، ويقسم المجتمع على أساس ماضوي. ليخلق “طبقة جديدة”، أو يعزز وضعية فئة رأسمالية من هذه “الطائفة” في مواجهة الفئات الأخرى. ليظهر أن المفقرين يوضعون في سياق خدمة صراع بين فئات متمولة (رأسمالية بمعنى ما).
أفضى غياب البديل الذي يحمل مطالب الشعب (والمجتمع)، وهو بالضرورة ليس ليبرالياً، بل يناهض الليبرالية والرأسمالية، لأن تلك المطالب لا تتحقق إلا في هذا السياق، أفضى إلى أن تعبّر كل فئة، وطائفة وملة ومنطقة، عن طموحها لأن تسيطر هي بديلاً عن الطبقة المسيطرة، أو على الأقل تقاسم السلطة والثروة معها، فبات الصراع تناحر فئات مترسلمة، ويستخدم المفقرون فيه لخدمة هذه الفئة أو تلك، وباستخدام أيديولوجيات قروسيطة، ولخدمة قوى إقليمية.
بهذا، يجب الإفادة من اليمن، لتوكيد أن الثورة ثورة، لا تخضع لمنطق مسبق أولاً، وأن إسقاط النظام يحتاج إلى القوة من أجل ذلك، حيث لا تقبل سلطة بالتخلي عن مصالحها نتيجة “ضغط شارع”. وثانياً إن تجاوز انبعاث الأيديولوجيات القروسطية يفترض بلورة البديل الذي يحقق مطالب الشعب، فذلك وحده ما يشل فاعلية تلك الأيديولوجية، ويوحد المجتمع في مسار تغييري.

الوهم التركي

منذ التدخل الأميركي “ضد داعش”، وتركيا تتوهم أن “المأزق الأميركي في الحرب ضد داعش” سوف يتيح لها لعب دورها. ويستجر هذا الوهم التركي وهماً لدى أطراف في المعارضة السورية بأن الأمور سوف تختلف في المرحلة المقبلة، وسيقود التدخل التركي إلى “إسقاط النظام”.
حين توصلت مجموعة العمل حول سورية إلى مبادئ جنيف1، لمست تركيا أن أميركا قد تفاهمت مع روسيا. وبالتالي، خسرت هي مصالحها في سورية، المصالح التي حصدتها من السلطة الحالية. لهذا، استجابت للضغط السعودي لإدخال “الجهاديين” إلى سورية، بعد أن كانت رافضة له، لأنها تريد إسقاط النظام، وفرض بديلها الذي تمثّل حينها في المجلس الوطني. وأخذت تسهّل مرور وإقامة كل المجموعات الأصولية القادمة من أنحاء العالم لـ “الجهاد” في سورية. وأكثر من ذلك، أخذت تنسّق معها من منظور “التخريب” على التوافق الأميركي الروسي. ولقد ظنت أنها باتت تتحكم فيها، بالضبط كما كان يظن النظام السوري، وأيضاً، النظام في إيران. لهذا، أصبح من الطبيعي أن ترى تحركات عناصر داعش والنصرة في الأراضي التركية، علناً، ومن دون إزعاج.
وحين تقدمت أميركا لـ “الحرب ضد داعش”، ظنت أنها سوف تفرض منظورها، فقد أعلن أردوغان بعد أن يئس من قبول بشار الأسد إصلاح النظام وبناء نظام تعددي، أنه حين يُطرح التدخل في سورية، فتركيا أحق في أن تفعل ذلك. كان هذا التحديد يحيل إلى الصراعات الدولية حول سورية، حيث يبدو أن الرؤية التركية كانت تعتقد أن أميركا سوف تتدخل لصالحها، وتقطع الطريق على تركيا التي ستخسر مكتسباتها. طبعاً، إضافة إلى بروز النهم الروسي. لهذا، كان أردوغان يقول إن سورية “له”، وليس لأيٍّ من الدول الأخرى. لهذا، بعد بيان جنيف1، أخذ “يلعب بداعش”، لاستجرار قرار دولي، يخوّل التدخل العسكري ضدها. ولأن أميركا باتت لا تستطيع إرسال قوات برية، والحرب ضد داعش تستلزم ذلك، اعتقد أردوغان أن أميركا ستكون مضطرة لدوره. بالتالي، بعد أن أصبح التدخل الأميركي قائماً ضد داعش، أعلن شروطه التي تتعلق بـ “إسقاط النظام” أيضاً، عبر فرض “منطقة آمنة في الشمال السوري” (أي فرض منطقة حظر جوي). وهو، إلى الآن، ينتظر “تورط” أميركا، وبالتالي، حاجتها إلى قوى برية، بات يحضّرها لذلك.
هذا هو الوهم التركي الذي ينطلق من أن لعبته بداعش قد نجحت، ولم يبقَ سوى اعتراف أميركي بضرورة تدخل تركيا بعد الموافقة على شروطها. لا شك في أن داعش مخترقة لأجهزة أمنية عديدة، من إيران والنظام السوري إلى السعودية، وصولاً إلى تركيا. وكل من هؤلاء لعب لكي يضعها في سياق استراتيجيته. لكن كل “الحالة الجهادية” مؤسَّسة أميركياً منذ الحرب ضد السوفييت في أفغانستان، وهي ممسوكة في مفاصلها التي تنتج هذه القوة والتقنية العالية والقدرات المالية. وإذا كانت قد خدمت النظم في إيران وسورية وتركيا في الفترة السابقة، فقد وُضعت في خدمة إستراتيجية أميركية جديدة، تهدف إلى إعادة السيطرة على العراق، والتأثير في المسار السوري (أو اتخاذ المسار السوري ورقة ضد في الحوار مع إيران وروسيا). لهذا، أشرت مراراً إلى أن أميركا لا تحارب داعش، بل تخوض الحرب بداعش، أي تستخدمها ضد القوى الأخرى، لكي تتدخل وتفرض شروطها هي. وسنلمس بأن داعش توسعت، في ظل الغطاء الجوي الأميركي، في ساحة يسهل فيها صيد كل حركة، وهذا ما فعلته أميركا في جيش العراق قبل الاحتلال وخلال الغزو.
أقول إن تركيا أردوغان تتوهم قرب تدخلها لفرض “رجالاتها”، وهذا ما يظهر واضحاً في السيطرة الإخوانية على “الحكومة المؤقتة”، كما على الائتلاف. فهي تعتقد أن الوقت قد حان، لكي تتشكل الهيئات التي ستمارس “السلطة” على الأرض التي سيفرض عليها الحظر الجوي، مقدمة لكي تصبح هي السلطة المقبلة في دمشق. لكن، هذا وهم، والأخطر منه أن أطرافاً في المعارضة تعتقد بذلك، وتهيّئ لكي تستلم السلطة. ولهذا، نجدها ترفض الحل السياسي، وتوهم أن الصراع ضد السلطة سينتهي قريباً.

“ما هو ضروري فهم أن لا نهاية للصراع إلا بحل سياسي، وهذا الأمر واضح منذ البدء، لكنه بات مكشوفاً الآن”

لن توافق أميركا تركيا على شروطها، وهي، أصلاً، لا تريد لتركيا أن تسيطر في سورية. ولا بد من نزع الوهم أن أميركا تقاتل داعش، وهو أمر يعني أن كل التكتيك التركي خاطئ. فأميركا تساوم إيران على وضع سورية، وما زالت تتحاور مع الروس حول ذلك. هذا ما يمكن أن يشكل صيغة الحل في سورية، إلا إذا لم تستجب روسيا وإيران لذلك، وظلتا متمسكتين ببشار الأسد، الأمر الذي يمكن أن يدفع إلى تركيز داعش في سورية، بعد ترتيب وضع العراق لمصلحة أميركا، ومن ثم الشغل على ترتيب أميركي للوضع السوري. بالتالي، حتى في ذلك ليس لتركيا دور أساسي، فبالنسبة لأميركا، تمددت تركيا في الفترة السابقة أكثر مما يجب، وعملت، بخلاف السياسة الأميركية، حين فرضت الإدارة الأميركية الحصار على النظام السوري (كما تفعل، الآن، بالعلاقة مع روسيا في ظل العقوبات الأميركية والأوروبية عليها، إذ توافق على مد أنبوب الغاز من أراضيها). ومن ثم لا يجب أن يتجاوز دورها دور الدولة الصهيونية، كما أرادت أن تفعل سابقاً.
هنا الدولة التركية تتوهم بالحاجة الأميركية إليها، وأميركا تسير في مسار آخر. لهذا، لن تقبل فرض حظر جوي أو مناطق آمنة، أو أي تدخل تركي في “الحرب ضد داعش”. وبالتالي، لن تقبل سياسة تقود إلى إسقاط النظام عبر الدور التركي. وكما أشرنا، أميركا تريد التفاهم مع إيران تحديداً. لهذا، لن “تبيع” سورية لتركيا، فهذه من حصة روسيا/ إيران.
يعني ذلك كله أن المراهنة على تغيير معادلة الصراع، عبر الدور التركي في سياق العمل على إسقاط النظام، هي وهم كذلك. فلن تستطيع تركيا لعب أي دور من دون غطاء أميركي. لهذا، لا بد من فهم الوقائع بدقة شديدة، ووضع سورية يسير نحو استعصاء مؤلم. ما هو ضروري فهم أن لا نهاية للصراع إلا بحل سياسي، وهذا الأمر واضح منذ البدء، لكنه بات مكشوفاً الآن. الأمر الذي يدفع إلى بلورة صيغة لهذا الحل والشغل على أساسها، طبعاً من دون توقف الثورة أو وقف الصراع، إلى أن يجري التوصل إلى الحل، على أساس مبادئ جنيف1 التي تنطلق من تنحية بشار الأسد ومجموعته.

المصدر: العربي الجديد

الحرب على الإرهاب

عدنا إلى أجواء الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول سنة 2001، وعادت الحرب على الإرهاب هي التي تحكم الأجندة العالمية. وبدل أميركا صرنا في فرنسا، على الرغم من الفارق الكبير بين حجم العمليتين. وبدل القاعدة صرنا في داعش التي تتخذ الملامح نفسها. لكن، باسم مختلف. ويعود الحديث عن التطرف الإسلامي، والتعصّب النابع من العقيدة نفسها. ومن ثم، يلتمّ زعماء العالم في باريس، لعقد تحالف ضد الإرهاب.
لكن، منذ أشهر والتركيز الإعلامي والسياسي يميل نحو “محاربة الإرهاب”، أي داعش بالتحديد، التي باتت “القوة الثالثة” (أو ربما الرابعة) في العالم. كما أصبح تنظيم القاعدة هو هذه القوة بعد العملية “الخارقة” التي قام بها، والتي سمّاها “غزوة مانهاتن”. لهذا، دعت الإدارة الأميركية، منذ مدة، إلى عقد “تحالف ضد داعش”، وشكلته بمشاركة نحو أربعين دولة، وهي تخوض “حرباً ضروساً” ضده، شملت آلاف الطلعات الجوية، وعشرات آلاف الصواريخ، فقتلت منه ما يقارب الألف عنصر. وفي ظل حربها الجوية هذه، توسّع وتمدّد أكثر ممّا كان، حين بدأت الحرب ضده.
أدين طبعاً كل إرهاب، وكل عملية قتل بسبب المعتقد أو الرأي، وأظن أن الإرهاب ينمو “على هامش” السياسات الإمبريالية، وليس بعيداً عنها. وشرحت ذلك مراراً. كما أشرت إلى أنه ليس فعلاً ذاتياً، على الرغم من أن هناك بيئةً توجِدُ فئات مهيأة ذاتياً لذلك، لكنها تحتاج إلى “محرّك”، و”محرّض”، لكي تستطيع العمل. وحينها، يمكن إيجاد كل المبررات الدينية، واختلاق الفتاوى، أو الارتكاز على تاريخ مشوّه، أو حتى صحيح.
ما يهمّ هو ليس هذا تماماً، فالإرهاب وُجد في كل العصور، واتخذ الأشكال نفسها، وقام على التبريرات نفسها. وكان دائماً مجال استغلال من دول في صراعاتها العالمية. لكن، ما يهم، وما يجب أن نتمعّن فيه، أننا عدنا لتكرار وضع بداية الألفية الجديدة، أي الحرب على الإرهاب، التي كانت تهدف، بالضبط، إلى احتلال أفغانستان والعراق. وأثيرت الضجة حول “الإرهاب الإسلامي” في هذا السياق، لنجد أن تنظيم القاعدة يختفي من أفغانستان بعد احتلالها، و”ينزرع” في العراق بعد احتلاله. فقد قام بـ”مهمته التاريخية” هناك وهنا. ثم مع نهاية العقد الأول، بدا أن الحرب على الإرهاب انتهت، خصوصاً بعد إنجاز الإرهاب “مهمته” في العراق. وأكمل باراك أوباما الأمر بـ”قتل” أسامة بن لادن، لكي يعلن نهاية ظاهرة الإرهاب. بقي التنظيم في اليمن، وظهر في مالي، لكنه لم يعد مجال اهتمام لا الإعلام ولا الساسة.
إذن، لمَ هذه العودة؟
بين نهاية الاهتمام بالإرهاب والعودة إلى الاهتمام به، تقع الثورات التي طالت البلدان العربية. هل يذكر أحد، الآن، أن ثورات قامت، وأن بعضها لا يزال قائماً، وأنها في كل الأحوال مستمرة؟
يأتي طغيان التركيز على الإرهاب على حساب الثورات هذه، حيث بدأت تُعتبر جزءاً من الإرهاب، أليس ما يجري في ليبيا إرهاباً؟ وما يجري في اليمن تمدداً لتنظيم القاعدة؟ وما يجري في سورية هو سيطرة داعش والنصرة وجيش الإسلام؟ والآن، بات الإرهاب عالمياً. إذن، لنتكاتف ضد الإرهاب. هكذا يقول العقل الإمبريالي بالضبط. وهو يقول ذلك لخنق الثورات، وسحقها تحت يافطة محاربة الإرهاب. وهذه اليافطة تهيئ لترتيب العلاقات مع كل النظام القديم في مواجهة الثورة. هذه هي المرحلة الثانية في “الالتفاف” على الثورات، كانت الأولى تتمثل في توافق النظام القديم و”الإخوان المسلمين”، وفشلت، بالضبط لأن الشعب مصمم على الاستمرار إلى أن يحقق مطالبه، التي تقتضي إسقاط النظام، وليس لا الشخص ولا السلطة فقط، بل النظام الاقتصادي السياسي بمجمله.
الآن، بعد الفشل، دخلنا في التفاف آخر، هو “الحرب ضد داعش”. هكذا هو الأمر بالضبط. –