Category Archives: يسار وماركسية

المفكر الفلسطيني سلامة كيلة: الثورة السورية لم تنته ولكن تطحنها وحشية النظام والمجموعات الجهادية معاً

عمان – «القدس العربي»: سلامة كيلة مفكر عربي يحمل صدق المبادئ والانتماء للقضية العربية أينما حلت، رافضا الأنظمة الاستبدادية ومدافعا عن الفكر الماركسي. حصل على شهادة العلوم السياسية من جامعة بغداد وانخرط في أنشطة اليسار العربي وسجن على يد النظام السوري ثمانية أعوام قبل أن يستقر به المقام في مصر، وله العديد من المؤلفات والمقالات في الصحف والمجلات العربية. التقته «القدس العربي» وكان هذا الحوار:
■ ما رأيك في «النهضة المجهضة» وهو عنوان لأحد كتبك، وكيف تفسر أسباب فشل النهضة في التاريخ العربي المعاصر؟
□ المحاولة الأولى التي بدأت مع محمد علي باشا في مصر وامتدت إلى بلاد الشام في سياق بناء «إمبراطورية عربية»، قائمة على بناء الصناعة والحداثة، أُجهضت بفعل التدخل الرأسمالي الغربي، حيث عمل محمد علي باشا على تحقيق التطور بالتوازي مع تطور فرنسا وبالتعاون معها قبل ألمانيا بخمسين سنة، وقبل اليابان بسبعين سنة. لكن بريطانيا التي كانت قد دخلت عصر الصناعة صممت على منع تصنيع مصر، لهذا حشدت الدول الغربية دعماً للدولة العثمانية المتهالكة لهزيمة محمد علي، ونجحت في ذلك سنة 1840 حيث فرضت عليه التقوقع في حدود مصر الحالية والتزام عدم تصنيع مصر كما ورد في اتفاق الاستسلام.
بعد ذلك بدأ احتلال البلدان العربية، والسيطرة على مسار تطورها الاقتصادي، حيث كانت الرأسمالية تريد المواد الأولية (القطن، الحرير، وأيضاً القمح)، والأسواق لتصريف سلعها. لهذا حاربت كل محاولة لبناء الصناعة وتحقيق الحداثة، على العكس عملت على تكريس البنى التقليدية والوعي التقليدي، وقامت بتغييرات تخدم سيطرتها ونهبها فقط.
ولا شك في أن نهاية القرن التاسع عشر شهدت انتشار أحلام التطور والحداثة، وطرحت مشاريع كثيرة، كما نشأت حركات تدعو إلى ذلك، وكانت كلها تقوم على تحقيق المثال الرأسمالي الذي انتصر في أوروبا. وإذا كانت هذه المشاريع تواجه من قبل الرأسمالية الأوروبية (عبر دعمها قوى «أصولية» وفكرا تقليديا، أو بالمواجهة المباشرة)، فإن أمر الفشل هذه المرة تعلّق بغياب الحامل الاجتماعي لتلك المشاريع، حيث كانت الفئات التي تستحوذ على المال (كبار ملاّك الأرض والتجار) تميل إلى توظيفها في التجارة والبنوك والخدمات، وليس في الصناعة كما حدث في أوروبا.
جاءت المحاولة الأخيرة في القرن العشرين من طرف الجيش، المغطى بتيار قومي «اشتراكي»، ولقد عبّر بالأخص عن الفلاحين الذين كانوا يعيشون الوضع الأسوأ في مجتمعات كانت ريفية عموماً، وإذا كانت الشعارات العامة تحمل حلم التطور، فقد كان ذلك يعني تحقيق تغيير مجتمعي ينهي البنى التقليدية، ويؤسس لمرحلة جديدة، لكن منطق «الريفي» يقوم على تحقيق ما هو مباشر وخاص، من دون التفات كبير لما هو مجتمعي.
في كل ذلك، فيما عدا التجربة الأولى، نلمس بأن كل محاولات التطور الرأسمالي باءت بالفشل، حتى تلك التي استفادت من التجربة الاشتراكية، من خلال التخطيط وتحكم الدولة بالتطور الاقتصادي، ونتيجة ذلك لم تنتصر قيم الحداثة، واستمرت البنى التقليدية، واستمر الوعي التقليدي.
■ وماذا عن مستقبل الثورات التي انخرطت فيها بعض الدول العربية بظهور الثورات المضادة لها؟
□ هو صراع طبقي يجري في شكل جديد. فإذا كان الصراع كامناً سابقاً، أو عبّر عن ذاته في أشكال متعددة من الاحتجاج، بات الآن صراعاً مفتوحاً. الشعب اندفع لتحقيق مطالبه، التي هي في جوهرها اقتصادية، مع مطالب نخب بالحرية والديمقراطية في دولة مدنية. ولقد سيطر على الشارع، لكن غياب البديل، سواء كأحزاب أو كرؤى وبرامج، جعل الطبقة المسيطرة تحاول المراوغة لكي تستمرّ.
السلطة تدافع عن مصالح رأسمالية مافياوية، وتريد تكريس النمط الاقتصادي الريعي القائم، وتكريس النهب الاقتصادي لمصلحة الطبقة الرأسمالية. وكذلك تريد استمرار شكل السلطة الديكتاتوري القمعي، وإعطاء شيء من «الحريات» الشكلية. والشعب لم يعد يستطيع الاستمرار في الوضعية التي بات فيها، من بطالة عالية (خصوصاً بين الشباب)، وأجور متدنية جداً، مع انهيار نظام التعليم والصحة، والفشل في الحصول على مسكن. ولهذا فقد تمرّد وكسر حاجز الخوف التاريخي، والحرص على تحاشي السلطة، بالضبط لأنه لم يعد يستطيع العيش، من دون «وعي سياسي»، أو تصوّر بديل، لأنه يعرف أن المطلوب هو أن توجد الظروف التي تسمح له بالعيش، العيش فقط. وتحديد هذه الظروف عبر بديل هو من مهمة الأحزاب، والنخب التي تنشط في مجال الفكر والسياسة. لكن ظهر واضحاً أن الأحزاب والنخب لا تحمل بديلاً مجتمعياً، بل طرحت «بديلها» الذي يتمثّل في «الحرية» و»الديمقراطية» في ظل الوضعية الاقتصادية القائمة، كما أنها لم تعرف كيف تدفع الشعب الثوري لكي يفرض التغيير الحقيقي عبر السيطرة على الدولة، بل ظلت تراهن على الدولة ذاتها.
هذا الأمر سمح للسلطة بالمناورة، أو بإنجاح سياستها تجاه الثورة، فلم يتحقق شيء مهم إلى الآن، بل ظل الوضع كما هو وظلت المطالب الشعبية كما كانت.
■ تعيش الماركسية اليوم أزمة عالمية وواقعا صعبا في الوطن العربي من حيث التنظير والأحزاب، فكيف ترى هذا المشهد؟
□ بالتأكيد الماركسية في أزمة في كل العالم، والأحزاب التي تدعي الاسترشاد بها هامشية وكثير منها يتلاشى بعد أن ظهر ارتباط وجوده بوجود الاتحاد السوفييتي، حيث ظهر أن الإنتاج النظري الماركسي كان ضعيفاً، وفي الغالب كان تكرارا نصيّا، أو تمحور حول الصراع ضد الإمبريالية أو السوفييت، ولم يلمس جيدأ الواقع العالمي في تحولاته، لهذا حين بدأ التشكيل العالمي الذي نشأ منذ النصف الأول من القرن العشرين يتفكك بانهيار الاتحاد السوفييتي، ومن ثم الأزمة الاقتصادية العالمية سنة 2008، تاهت كل هذه الأحزاب.
تمثلت الأزمة في العجز عن تمثُّل الماركسية كونها منهجية، وتحديد موقع الماركسية فيه بصفتها ترتبط بالعمال والفلاحين الفقراء. ولقد أظهرت الثورات أن كل الأحزاب التي تقول إنها ماركسية باتت من الماضي، حيث تجاوزتها عفوية الشعب، وظهر عدم فهمها لما يجري، فقد تحدث بعضها عن الثورة كثيراً، لكنه حين حدثت الثورة اعتبر أنها ليست الثورة التي قال بها، وبالتالي أنها ليست ثورة. ولا زالت غير قادرة على تحديد دورها الفعلي في الثورة، بل أن كثيرا منها بات يدعم الطبقة المسيطرة ضد الثورة.
■ في ما يخص الثورة السورية، كيف تقيّمها؟ واين توقفت؟
□ الثورة لم تتوقف، ولم تنته، لكن بات يطحنها ليس عنف ووحشية السلطة فقط، بل كذلك المجموعات الأصولية «الجهادية» التي اشتغلت دول عديدة على إدخالها في المشهد، وأيضاً تفتت الكتائب المسلحة والعبء السيئ للمعارضة. فقد مارست السلطة، ولا زالت، أقصى الوحشية ضد الثورة، فهي تقتل وتدمر بشكل واسع وممنهج، وتعتقل خيرة الشباب، ليقتل كثير منهم في السجون. ولقد ساعدت على نشوء المجموعات المتطرفة كلها بعد أن أخرجتهم من السجون ليعيثوا فساداً في الثورة، ويمارسوا كل أشكال القمع والقتل والاعتقال في المناطق التي انسحبت السلطة منها، أو التي تسمى مناطق محررة. فبات الشعب يقاتل على أكثر من جبهة، في الوقت ذاته، ولقد دعمت دول إقليمية مثل السعودية هؤلاء «المجاهدين»، وأمدتهم بالمال وساعدتهم على الحصول على السلاح. وظهر ان الدول الإقليمية إما تدعم السلطة وتدافع عن وجودها، حتى أن إيران وميليشياتها في المنطقة (من حزب الله إلى فيلق بدر وعصائب أهل الحق وغيرها، التي هي لا تختلف عن داعش والنصرة من حيث التعصب الطائفي) هي التي سمحت بعدم سقوط السلطة منذ سنتين. وأيضاً عملت روسيا بكل جهدها لعدم سقوط السلطة. وهو الأمر الذي يوضح بأن الثورة السورية تواجه ليس السلطة، بل كذلك كل قوة إيران وروسيا.
في المقابل نجد أن «أصدقاء الشعب السوري»، إما يدعمون تفكيك الثورة وأسلمتها والسيطرة عليها، أو يقولون انهم يدعمون ولكن لا يبالون بكل المجازر التي يقوم بها النظام، حتى تلك التي توضع تحت بند جرائم حرب أو حتى إبادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية. وهي كما يبدو تريد تحويل الأمر إلى مجزرة تدمر سورية، وتنهك الشعب، وكذلك تعطي المثل على أن الشعب الذي يثور سوف يكون مصيره كما جرى ويجري في سورية. وبالتالي نجد أن الثورة تواجه كذلك كل الوضع الإقليمي الذي يرتعب من الثورات، والوضع الدولي الذي يتلمس أن المرحلة المقبلة عالمياً هي مرحلة ثورات كبيرة في كثير من بلدان العالم.
ما هو الأفق؟ الصراع سيستمر، والثورة لن تتوقف، لكن ربما تصل الدول الإقليمية والعالمية المتحكمة بالسلطة إلى ضرورة تحقيق حل سياسي. وهذا يعني موافقتها على إبعاد الرئيس بشار الأسد ومجموعته، وفتح أفق لمرحلة انتقالية تعيد بناء الدولة، أو سيستمر الصراع وتزيد التدخلات من قبل أمريكا والسعودية، ويتصاعد دور «الجهاديين»، الذين يُستخدمون لمصلحة تدمير الثورة، والمجتمع، من قبل أمريكا والسعودية، ولكن أيضاً السلطة ذاتها وإيران وروسيا وغيرها، فهي مجموعات مخترقة من أجهزة أمنية متعددة، وإنْ كانت تنحكم في الأخير للسيطرة الأمريكية صانعتها منذ تدريب «المجاهدين الأفغان».
■ كيف ترى مستقبل «داعش»، وما رأيك في ما يحدث هناك؟
□ مستقبل «داعش» مرتبط بسياسات الدول المشغّلة لها، وبالتالي بتحقيقها الأهداف التي عملت من أجلها عبر إطلاق «داعش» بهذا الشكل «المذهل»، بالضبط كما فعلت مع تنظيم «القاعدة». إيران والمالكي استخدما تنظيم «دولة العراق الإسلامية» ضد الحراك الشعبي، وفي سورية استخدمت إيران والنظام «داعش» للقضاء على الثورة (كما استخدمت السلطة جبهة النصرة كذلك). لكن «داعش» الآن يلعب دوراً في سياق السياسة الأمريكية التي تريد أن تفرض أمراً واقعاً جديداً في العراق، يتمثل في تغيير مركز السيطرة في السلطة لمصلحتها بعد أن سيطرت إيران بشكل كامل قبيل وبعد الانسحاب الأمريكي، ثم أنها تريد إعادة تموضع جزء من جيشها في القواعد التي بنتها في العراق بعد أن تحصل على حصانة كما فعلت في أفغانستان.
لقد ضخّمت أمريكا من قوة «داعش»، ودعمته بأشكال مختلفة لتحقيق ذلك، وسيتراجع دوره في العراق بعد أن تحقق أمريكا أهدافها. أما في سورية فالأمر متعلق بالتفاوض مع إيران (الذي هو أوسع من سورية، حيث يشمل العراق، ويشمل تحقيق تفاهم مشترك)، وما يمكن أن ينتج عنه، لينتهي حينها وجود «داعش» بالضبط كما حدث مع تنظيم «القاعدة» في أفغانستان، حيث اختفت بعد ان احتلت أمريكا البلد.
«داعش» إذن، هو «بعبع» يستغلّ لأهداف سياسية، وينتهي دوره حين تحقيق تلك الأهداف.
■ هل تعتقد أن الإعلام خذل الربيع العربي؟
□ الإعلام العربي عموماً ليس فقط خذل الثورات، بل كان في الغالب جزءاً من إستراتيجية النظم لتشويه الثورات، حيث أنه إما تابع لهذه النظم، أو ملك لرجال أعمال، وفي الحالين كان ضد الثورة، وفي الثورة السورية ظهر ذلك واضحاً، حيث ركّز على أسلمتها، أو على تعميم أن ما يجري حرب أهلية، أو تشويه الحقائق.
ربما فتحت قنوات التواصل الاجتماعي، والنت عموماً، على صيغة أخرى سمحت بنشر الفكر المضاد، لكن يبقى الضخ الإعلامي، سواء عبر الصحف أو القنوات الفضائية كثيرة العدد، عنصر تشويه وتشويش، خصوصاً لدى الفئات الاجتماعية التي لا تقرأ أو تتابع الفكر والثقافة.
■ كيف تجد الحركة الفكرية العربية اليوم؟ ومن من هم أبرز المفكرين العرب الذين تركوا إرثا عظيما؟
□ الوضع بائس مع الأسف، حيث تراجع الفكر كثيراً، خصوصاً مع تحولات عديد من المفكرين، وتعميم الأصولية، وأصلاً مع الانهيار الكبير الذي شهده التعليم، وسيطرة النظم على الثقافة والإعلام، وتجييرها لتبرير سياساتها ومنطقها.
هناك عديد من المفكرين هم في الواقع من بقايا المرحلة السابقة، وربما تكون الثورات مدخلاً لتحريك الفكر وإعادة الفعل الفكري، ما يمكن قوله هنا هو أن الفكر النقدي ظل غائباً طيلة العقود السابقة، سوى بعض الحالات، حيث اتسم الفكر بدوغما لا زالت تحكمه، نتيجة التشبث بمنظومات «جاهزة»، لكن الأمر أسوأ الآن.
■ في ظل الظروف الصعبة التي يعيشها الوطن العربي من مآس وحروب وإرهاب، تراجع المشهد الثقافي بشكل كبير في العام الماضي، برأيك ألم يحن الوقت لتكون الثقافة جزءا فاعلا من هذه الأحداث ومؤثرا فيها؟
□ لا شك في ذلك، فقد أفضت الأزمة السابقة إلى حالة من الجمود وهجرة الثقافة، أو الميل نحو التدين، ربما تفتح الثورات أفقاً جديداً. فقد تفاقم الصراع الطبقي، وانفجر في ثورات، كما أشرت لم تجد التعبير الفكري والثقافي عنها، لكن هذه الهزّة الكبيرة فتحت بالضرورة على تلمّس ضرورة الفكر والثقافة، لهذا سنشهد تحولاً كبيراً في الفترة القادمة، سوف ينهض البحث الفكري، ويتوسع النتاج الأدبي، وسنكتشف مواهب مذهلة. لقد هزّت الثورة الأعماق، وحررت المكبوت، وأوضحت أنه بدون وعي ورؤى وبدائل ليس من تقدّم، وهو الأمر الذي دفع الشباب، أو قطاعا مهما منهم، إلى البحث عن الفكر والثقافة، للإجابة على سؤال: ما العمل؟.

آية الخوالدة

المصدر: القدس العربي

Advertisements

ردٌّ ونقاش: عن أولوية الواقع أو أولوية الأفكار

رد الصديق علي العبدالله على مقال لي في “العربي الجديد”، يتعلق بأهداف الثورة بعد سيطرة الأسلمة، في مقال له، نشر في 6 يناير/كانون الثاني الجاري، معتبراً فيه أنني أنطلق من الأفكار المسبقة، وليس من الواقع. لهذا، يختم رده بتوضيح تعقيدات وضع الثورة السورية، والغريب أن إشاراته حول ذلك تتوافق تماماً، بل تكرّر، أحياناً، ما ورد في مقالي المذكور، على الرغم من أنه يعتبر أن توضيحه هذا يكشف المسبقات النظرية التي حكمت تحليلي. فقد أشرت إلى وضع الثورة، ولم أحصرها في المجموعات الأصولية، بل تحدثت عن الشباب والكتائب المسلحة، وأيضاً، عن تعقيدات الوضع والتدخل الإقليمي والدولي فيها. وذلك كله كنت قد شرحته مكرراً في عشرات المقالات سابقاً، وأوردته ملخصاً في المقال ذاك.
إذن، ينقد ماذا؟ من سياق الرد لمست أن الأمر يتعلق بمسألة هل نقبل بما يجري، أم يجب أن نتناول بالنقد والتفكيك هذا الواقع، ومن ثم أن يتوجه فعلنا إلى تحديد مسارات التغيير، وأهدافه، واستراتيجياته. وبالتالي، أن تحاول بقدراتنا على تعميم ذلك، وعلى التأثير الفعلي بالقدر المستطاع؟ يقول الصديق علي، هذا هو الواقع، وقلت إن هذا هو الواقع، لكنني نقدت وفكّكت من أجل أن أحاول الدفع باتجاه مسار يخدم تطور الثورة. هذا ليس مسبقات إلا للذين يكرسون العفوية، ويرون أن الواقع يجري بما هو، وليس علينا سوى الوصف. من هذا المنطلق، هو يستحضر زياد رحباني ومسألة الحزب، وما “كتبه مفكرو اليسار في القرن الماضي عن الثورة، وشروط انفجارها”، مع العلم أنني كنت من الذين فككوا خطاب “شروط الثورة” في مقالات وكتب عن الثورة السورية، بينما الأمر، هنا، يتعلق بثورة انفجرت، تستوجب تحديد دور “النخب” و”الساسة”، وليس التوصيف فقط. لهذا، فإن “الدارس الموضوعي ملزم بتناول الواقعة بظروفها وشروطها وتحديد طبيعتها الخاصة”. لكن، ليس من أجل أن “يحكم إن كانت قد نجحت في منطلقاتها، وانسجمت مع ذاتها في ممارستها، وحققت، أو لم تحقق، أهدافها”، بل من أجل أن يعرف ميكانزماتها، ويعمل على التأثير فيها، بما يجعلها تتقدم بشكل أفضل، وإلا يكون خارجياً عنها، مهمته أن يدرس تحقيق ذلك كتقييم لها. أي أن الباحث الحيادي هو الذي يفعل ذلك، وليس المنخرط في الثورة، معتبراً أنه جزء منها. وأنه بـ “وعيه”، يمكن أن يفيد في توضيح مسارها وتطويره، لهذا، يمارس النقد، ويضع البدائل في مسارها. توضح هذه الجملة أن الصديق علي هو الذي “ينطلق من مسبقات نمطية، وفق مسطرة خاصة”. بالضبط، لأن منظوره هو منظور “مراقب”.

“لا شك في أن الثورة فتحت نحو تجاوز هذا الانكماش (وهذا ملاحظ في مصر وتونس وغيرها، حيث يميل الشباب الذي كان متديناً إلى اليسار، أو العلمنة، ولا يعني ذلك أن يترك الدين)”

ثم إنني لم أتحدث عن “انزياح الثورة السورية” من مطلب الحرية إلى إقامة الدولة الإسلامية، بل قلت إن ما “بات يظهر أن القوى التي تقاتل السلطة هي تلك القوى الأصولية”، وكلمة ما بات يظهر تعني الإشارة في الشكل الذي تظهر فيه، إلى ما يبدو للآخرين، لكن، في المقال توضيح واف عن القوى التي تصارع السلطة والقوى الأصولية معاً. وبالتالي، لم أحصر الصراع في ثنائية سلطة وكتائب إسلامية، حيث تناولت الشعب. ثم إنني لا أعتبر أن القوى الأصولية، من داعش إلى جيش الإسلام، مروراً بالنصرة وأحرار الشام وغيرها من قوى الثورة. والهدف المركزي من مقالي السابق كان توضيح ذلك تحديداً، حيث إن برنامج “الدولة الإسلامية”، بما يتضمن، كما شرحت، هو ضد الثورة كما قلت. ولهذا، لا بد من مواجهة ليس السلطة فقط، بل هذه القوى أيضاً، على الرغم من صعوبة ذلك وتعقيداته. بالتالي، أتحدث عن الثورة الممثلة بكل ما أشار إليه الصديق علي، والتي أشرت إليها بتوسع أكبر في مقالي.
بالتأكيد، هنا جزء من المشكلة مع علي كما أظن، لهذا يصل، في الأخير، إلى أنني أتجاهل “موقع الإسلام في وعي وثقافة السوريين، ودوره في تكوين شخصيتهم وتوجهاتهم العامة”. وهو هنا يسقط مسبقاته، أولاً، ثم إنه يوصّف حالة راهنة من دون تحديد ظروفها، بل يكتفي باعتبار أن الأمر الطبيعي أن يميل الشباب إلى الكتائب الإسلامية. يا صديقي، لو رجعت إلى سنوات الأربعينيات والخمسينيات إلى السبعينيات، ستجد الوضع مختلفاً، على الرغم من أن الشعب كان يعيش في حالة تخلف أسوأ، حيث كان الفكر التحرري هو المسيطر (من دون أن يمسّ ذلك تدين قطاع مهم من المجتمع)، ومن ثم بعد الثمانينات، جرت عملية تدين. ألا يستحق ذلك السؤال عن السبب الذي جعل الشعب نفسه يعيش الحالين؟ أليس هنا سبب أعمق من التدين، لكي يجعل هؤلاء يميلون هنا أو هناك؟ هنا، لا بد من البحث في الواقع، وليس الانطلاق من الأفكار، فالأمر يتعلق بواقع الناس المادي، أي مقدرتهم على العيش، فهذا هو الذي جعلهم يدعمون قوى تحررية (ولو حتى بدا أنها وهم) حينها، وأن ينكمشوا نحو التدين بعد الانهيار الذي حدث، والأزمة المعيشية التي باتوا يعيشونها، وانسداد الأفق أمام الشباب خصوصاً. ولا شك في أن الثورة فتحت نحو تجاوز هذا الانكماش (وهذا ملاحظ في مصر وتونس وغيرها، حيث يميل الشباب الذي كان متديناً إلى اليسار، أو العلمنة، ولا يعني ذلك أن يترك الدين).
طبعاً، ما يجعل الصديق علي يقول إنني أنطلق من مسبقات نظرية، أو نمطية، هو تأكيدي على أن الحرية ليست المطلب الوحيد، هي كذلك لنخبة فقط، لكن الشعب يريد تحسين وضعه الاقتصادي، فهذا تحليل ماركسي نمطي. لكن وضع سورية كان كذلك، وإذا لم يتابع الصديق علي وضع الشعب، يكفي أن أذكر له رقمين فقط، الأول أن نسبة البطالة كانت بين 30و33% من القوى العاملة، خصوصاً بين الشباب، وأن الحد الأدنى للمعيشة كان يجب أن يكون 31 ألف ليرة، حسب دراسة أُعدت للدولة، بينما كان الحد الأدنى هو ستة آلاف، ومتوسط الأجور هو 11 ألفاً. هذا يعني أن ما يقارب الـ 80% كانوا تحت خط الفقر.
أخيراً، بخصوص مسألة إسقاط النظام، لم أنفِ ضرورة الشعار، فهو خلاصة ثورة تريد إسقاط النظام. لكن، لا بد من أن يكون هناك برنامج واضح للبديل الذي يجب أن يستلم السلطة بعد الإسقاط، وإلا ظللنا في العفوية، ووصلنا إلى الفوضى. وهو مرحلة أولى، لكنها غير كافية، لأن الأحزاب يجب أن تطرح ما يجب أن يتحقق على ضوء إسقاط النظام، وإلا تركنا الأمر فراغاً، ليستغلّ من السلطة والقوى الأصولية معاً. وهذا ما دعاني إلى نقد حصر الأمر في الحرية وإسقاط السلطة، حيث يجب التعبير عن كل مطالب الشعب، المطالب التي تريدها كل طبقة ثائرة، وكل فئة مشاركة.

ماذا نعني بانتصار الثورات؟

الصورة الأولية لمعنى انتصار الثورات، كان في إسقاط الرئيس وتغيير النظام، لكن المناورات التي أوحت بذلك من أطرافٍ في السلطة أظهرت أن شيئاً لم يتغيّر، أكثر من إبعاد الرئيس وبعض حاشيته. لهذا، ظهرت فكرة أن الثورات فشلت، حيث لم يتغيّر شيء في الواقع. وهذا ما فتح باب اليأس والخيبة، ومن ثم فتح باب الندب والتشكيك والخوف من الفوضى. المعادلة كانت بسيطة، حيث تكون إزاحة الرئيس المدخل لتحقيق الحرية و”الدولة المدنية” والديمقراطية. هذه الأخيرة أتت بالإسلاميين فتراجع الاهتمام بها، وظهرت نزعة القبول بديكتاتورٍ، يقوم بمهمة سحق هؤلاء.

الفئات الواسعة من الشعب التي خاضت الثورات، وصنعتها، كانت تريد تحقيق مطالبها التي طرحتها، وهي مطالب اقتصادية اجتماعية أساساً. لم تتحقق هذه المطالب بعد ثلاث سنوات من الثورة، ولقد راهنت مرة وأخرى على حلول، وقوى، من دون أن يتحقق شيء مما أرادت. على العكس، بات وضعها من هذه الزاوية أسوأ (ازدياد الفقر والبطالة). لكنها لا تملك ترف اليأس أو الخوف، بعد أن كسرت كل الخوف الذي سكنها حين تمردت. ولهذا، ما زالت تقاتل من أجل أن تحقق مطالبها.

وإذا كان حلم النخب هو الديمقراطية، ومطالب الشعب هي العمل والأجر والتعليم والصحة والسكن، فإن الانتصار يعني تحقيق كل ذلك. وهنا نلمس مستويين، يتعلق الأول بأن تحقيقها يستلزم إزاحة السلطة والفئات المستفيدة منها، والتي فرضت شكلاً غير ديمقراطي للسلطة، استبدادياً شمولياً، وفرضت نمطاً اقتصادياً يخدم مصالحها، ويهمّش كل المجتمع. وبالتالي، عدم الاكتفاء بتغيير أفراد بل تغيير كلية البنية. والمستوى الثاني يتعلق بكيفية تحقيق هذا التغيير، حيث لا يكفي المراهنة على أفراد في السلطة، أو الدعوة إلى الإسقاط فقط، والضغط من أجل التغيير من دون وجود رؤية بديلة وقوى بديلة، تفرض ذاتها بقوة الشعب سلطة بديلة. فالسلطة بكليتها هي التي فرضت النمط الاقتصادي الذي قاد إلى البطالة والفقر والتهميش، ومن أجل ذلك، تشكلت كسلطة استبدادية (حتى وهي تعطي هوامش من الحرية).

هذا التغيير لا يأتي بالضغط على السلطة من خلال الثورة، لكي تتغير، فالسلطة لا تتغير في الجوهر، بل تعيد إنتاج ذاتها في شكل جديد، ربما يكون أسوأ مما كان. فإذا كانت “النخب” تنتظر من يغيّر، وتلعب دور “المعلق الرياضي” الذي يوصّف ما يجري، ويصدر الأحكام حوله، فإن غياب ترف التوقف لدى الشعب نتيجة وضعه الذي لم يعد يحتمل التسويف، هو ما يفتح على رؤية المستقبل، وتحديد كيفية انتصار الثورات. فالحراك الشعبي يتسم بالجرأة والقوة والاستمرارية، على الرغم من نشوء مراهنات في لحظة أو أخرى (وهذا نتاج غياب البديل)، لكنه يحتاج لأن يتشكل بديلاً للسلطة، لا أن يبقى حالة رفض وضغط، تنتظر التغيير من السلطة ذاتها (ليس من الممكن أن تتغيّر، فهي تدافع عن مصالحها).

الثورات تنتصر، بالتالي، حين يعي الشعب أن عليه هو أن يفرض سلطته. هذا يقتضي تطوير الوعي والرؤية وتنظيم الحراك، بشكل يجعله قوة منظمة فاعلة، تهدف إلى تسلم السلطة. هذا الجهد الذي تطرحه اللحظة الراهنة، وهو يتعلق بتطوير وعي فئاتٍ جديدةٍ، لكي تصبح القوة الفاعلة في الثورات، وتكون قادرة على تحديد السياسات التي تجعل الشعب ينتصر. هنا، يأتي دور الشباب الذي كان بعيداً عن السياسة والفكر قبل الثورات، وأخذ يكتشف ضرورة ذلك بتجربته العملية، وهو ما يعني أن الثورات ما زالت مستمرة، على الرغم من الصعود والهبوط الذي تعيشه بين حين وآخر.

المصدر: العربي

سلامة كيلة: الماركسية راهنة عربياً – سليم البيك

“كراسات ماركسية” مشروع نشر نصوص ماركسية أساسية تبنّته دار “روافد” المصرية ويشرف عليه الكاتب الفلسطيني الماركسي سلامة كيلة من منطلق قناعته بأن الأزمة الاجتماعية هي سبب الثورات الأخيرة في البلدان العربية.

مع صدور كراسيه الأولين، يقول كيلة إن المشروع ليس محاولته الأولى، إذ بدأ عام 2007 بإصدار سلسلة كراسات ماركسية، صدر منها 13 كراساً، ثم توقف بعد إبعاده عن دمشق. لكن الكراسات ستُطبع من جديد قريباً لاتفاقه مع دار نشر على ذلك. كما سبق أطلق كيلة سلسلة دفاتر ماركسية مع دار “الفارابي”، صدر منها كراسان قبل أن يتعثر المشروع، ليعود من جديد مع دار “روافد”.

السبب الأساسي الذي دفع الكاتب إلى إصدار هذه السلسلة هو انهيار النظم الاشتراكية، ما أفضى إلى تراجع قراءة الفكر الماركسي، وتلمّسه بأن الأمور تسير نحو تفاقم الصراعات الطبقية، مع انهيار الأحزاب التي كانت تعتبر ذاتها ماركسية، وتلاشيها؛ وصل كيلة إلى استنتاج مفاده أن الشباب سيلعب دوراً في المرحلة القادمة، وسيكون الفاعل الجديد. لكن بما أنه لا يمتلك وعياً فكرياً نتيجة مجمل الأزمة العامة، بدأ كيلة العمل على تقديم كراسات صغيرة الحجم يمكن أن تشكل مدخلاً لإعادة قراءة وفهم الماركسية.

الأزمة الاجتماعية سبب الثورات العربية ومن هنا راهنية الفكر الماركسي

وفي رأي الكاتب، فرضت الثورات الأخيرة في البلدان العربية ما يمكن تسميته عودة الماركسية، لأن الشباب الذي كان محرّك الثورات وذخيرتها توّصل بتجربته إلى ضرورة تطوير وعيه، وإلى أن الصراع يفرض الاتجاه نحو اليسار، كون الأزمة الاجتماعية هي سبب هذه الثورات. لهذا شعر الكاتب بضرورة توسيع مشروعه ليشمل سلسلة أخرى.

وعن العناوين المطروحة، يخبرنا كيلة أن السلسلة غير محددة، حيث جرى الاتفاق مع دار النشر على طباعة كراسين كل شهر، وتوزيع جزء من نسخهما على أكشاك الجرائد وبيعها بسعرٍ زهيد. وقد صدر الكراسان الأولان ويتم التحضير لإصدار كراسين آخرين الشهر المقبل. ومن بين الكراسات التي ستطبع خلال السنة الأولى، “المسألة اليهودية” و”الأجور والأسعار والأرباح” لكارل ماركس، و”في التناقض” لماو تسي تونغ، و”إصلاح اجتماعي أم ثورة” لروزا لوكسمبرغ، و”خطتا الاشتراكية الديمقراطية في الثورة الديمقراطية” لإيليتش لينين.

أما عن الجديد الذي ستقدمه هذه الكراسات في نشرها اليوم، فيشير كيلة إلى أنها كراسات كلاسيكية، يحاول في مقدمة كل منها أن يوضح أهميتها أو يشير إلى الزاوية التي يمكن تناول الكراس منها. فبالنسبة إلى كتاب لينين “الدولة والثورة” الذي صدر هذا الشهر، وكان يجري تداوله لإظهار أن الماركسية تؤكد حتمية “دكتاتورية البروليتاريا”، حاول كيلة أن يشير إلى الهدف الذي دفع لينين إلى كتابته.

وفي هذا السياق، يوضح كيلة أن لينين كان يحارب الاتجاه الإصلاحي الذي يرفض الثورة، ليؤكد حتمية هذه الأخيرة، في وضع كان الغليان الثوري يتصاعد. وبالتالي، كان يؤكد ضرورة الانخراط في الثورة بدلاً من الذهاب بعيداً في الميل الإصلاحي. وما كشفه الطابع الطبقي للدولة ودكتاتوريتها إلا للقول بأن الطبقة المسيطرة لا تتغير بالإصلاح بل بإسقاطها من خلال الثورة. ووفقاً لكيلة، تأخذ هذه الأفكار قيمتها وراهنيتها في سياق الثورات العربية الأخيرة.

المصدر : جريدة العربي الجديد الإلكترونية http://www.alaraby.co.uk/culture/b6a3e5e8-5167-4e41-854d-3c7a9bd3969d

“سلامة كيلة” لـ كلنا شركاء: إسرائيل تريد استمرار سلطة نظام “بشارالأسد”

حاوره غسان المفلح: كلنا شركاء
– أميركا تمتلك أقوى جيش في العالم ولكنها غير قادرة على تحمل تكاليفه.
– المرحلة القادمة هي مرحلة نهوض الماركسية.. وآمل ألا يعود “الهاربون” إلى الإدعاء بالانتماء إليها.
– أميركا تراجعت عن أن تكون القوة العالمية المسيطرة، وتخلت عن عالم أحادي القطب، بالضبط لأن وضعها الاقتصادي بات لا يسمح لها بذلك.
– إدارة أميركا لكافة الأزمات لا يعني أنها قادرة على التأثير،فهي كقوة عالمية لا بد من أن تعمل على إدارة الأزمات لكن بأية قوة وعلى أي أسس.
– الأولوية الأميركية الجديدة التي تتحدد في آسيا والمحيط الهادي تفرض التحالف مع روسيا لمنع تحالفها مع الصين، وبالتالي تفرض القبول بالتنازل لها في مناطق عديدة في العالم، منها سورية.
– إسرائيل تراقب الأحداث في سوريا أكثر مما تؤثر، فقد تدخلت فيما يتعلق بوصول صواريخ إلى حزب الله. وكان يبدو أنها، في ظل موجة الثورات وتخوّفها منها، تريد استمرار سلطة نظام الأسد.
– نحن الآن في صراع دموي مع حزب الله بعد أن شارك في قتل الشعب السوري، ويحاول إجهاض الثورة دفاعاً عن السلطة السورية.
– أميركا التي تريد الحفاظ على سيطرتها على دول الخليج، في وضع ضعفت فيه، ربما تريد التحالف مع إيران لكي يكون لها دور في “حماية أمن” النفط.
– هناك تصورات بتشكيل تحالف إيراني تركي صهيوني، كما كان في عقود سابقة، يحمي الدولة الصهيونية، ويجهض إمكانات النهوض العربي، التي فتحت الثورات باباً لها.
-كل الثورات منذ نشوء الرأسمالية كانت ثورات شعبية جوهرها اقتصادي، وسبب ذلك أن الحراك الشعبي لا يقوم إلا على ما هو اقتصادي طبقي.
– هاجس السلطة هو الذي كان يحكم المعارضة، حيث أنها تبلورت على أساس أنها أحزاب سياسية.
– عمل النظام على تخويف العلويين، ودعم نشوء قوى أصولية “سنية”، وتعميم خطاب طائفي “سني” وعمل على استغلال العلويين في حرب الحفاظ على الذات.
– الأساس الذي يغذي نشوء فكرة طائفية النظام هو أنه يستند في بنيته إلى أشخاص من الطائفة العلوية.
– تشكل نظام حافظ الأسد في إطار “تنافس” بين مناطق علوية، أي بين كبار الضباط من منطقة طرطوس الذين كانوا مع صلاح جديد وضباط جبلة الذين كانوا مع حافظ الأسد.
– إن القول بطائفية النظام، رغم خطئه، يفتح على فهم أن النظام يمثّل الطائفة، وبالتالي أن الطائفة مسئولة عما يجري، من ثم يكون استهدافها “صحيحاً”، الأمر الذي يفرض نشوء رد فعل “سني”، مما يحوّل الثورة إلى صراع طائفي.
– تصاعد الصراع أكثر سوف يربك ليس النظام العراقي فقط بل كذلك إيران وحزب الله، وربما نحن ذاهبون لتغيير المعادلة في العراق. وإيران باتت مرتبكة نتيجة دورها في سورية والعراق، وربما عاجزة عن متابعة الصراع على الجبهتين، كما أنها مأزومة اقتصادياً نتيجة الحصار الأميركي وتسعى للتوصل إلى تفاهم.
المفكر الفلسطيني سلامة كيلة غني عن التعريف، مناضل يساري اقترن فكره بسلوكه ودفع ثمنا سجونا وتعذيب في سجون الاسد اعتقل أكثر من عدة مرات اطولها 8سنوات، وآخرها خلال الثورة حيث تعرض لتعذيب شديد وتم نفيه إلى الاردن ثم انتقل لمصر حيث يقيم الآن، له اكثر من عشرين كتابا حول هموم الشارع الفلسطيني والعربي عموما، متابع نشط ، لكنه ماركسي ارثوذكسي من طراز خاص. خصوصيته تكمن في أن ارثوذكسيته منتجة وخصبة. هذه قلما نجدها عند هذا التيار إن جازت تسميته تيار. سأترك لحواري مع سلامة ان يتحدث عن نفسه.
*****
اخترنا طريقة الحوار اسئلة واجوبة، وتعليق على الاجوبة وردود عليها.
المحور الاول حول منهجية سلامة الماركسية:
السؤال الاول- هل أنت كذلك؟
جواب: بالتأكيد لا، لأن ماركسيتي ضد الأورثوذكسية، إلا إذا جرى اعتبار كل متبنٍ للماركسية أورثوذكسياً. حيث أنني لم أقبل أن تتحوّل الماركسية إلى “منظومة” وجب تطبيقها على الواقع، بل اعتبرت أنها بالأساس منطق تفكير جديد، هو الجل المادي، يسمح لمن يستطيع تملكه فهم الواقع بشكل أفضل، ولأن الواقع متحرك، متغير، في صيرورة تصبح الأفكار التي تنتج في لحظة ما من الماضي بعد تجاوز هذه اللحظة. لهذا لم أعوّل على كل ما قيل انه ماركسية من مختلف التيارات التي ادعت ذلك. وأعرف أن الواقع هو الأساس وليس الأفكار، بالتالي لا بد من البحث في الواقع دوماً، فقط استناداً إلى الجدل المادي، الذي هو تجريدات عامة لآليات فهم الصيرورة، تفرض الانطلاق من تناقض وتعقد الواقع ومن تغيره المستمر.
السؤال الثاني- الماركسية كأي ايديولوجيا أو حتى علم، لكن الحياة تفرض تجاوزها عليها أو فيها، فتجد نفسها محتاجة لادوات معرفية جديدة، أو لثورة معرفية داخلها، كي تنجز صورتها الرسالية للبشر من جديد، فهل يرى سلامة أن الماركسية مكتفية ذاتيا بادواتها ومنهجها؟ إن كانت كذلك فلماذا نجد هروبا من الناس عنها؟
جواب: يجب أن نميز مسألتين في الماركسية، المسألة الأولى هي ما أضافه ماركس أصلاً، وما كان أساس نشوء ما بات يسمى الماركسية، وأقصد هنا المنهج، الطريقة، أي الآليات التي يعالج الذهب بها الواقع والأحداث. وهي هنا الجدل المادي، الذي بلوره ماركس متكئاً على هيغل، الذي بلور الجدل. وأهمية ذلك تنبع من أنه في التاريخ الإنساني كان هناك منطق أرسطو الذي ظل يحكم آليات العقل البشري لقرون طويلة، ولازال، وهو ما يسمى المنطق الصوري. ثم تبلور الجدل كمحاولة من هيغل لتأسيس منطق جديد يتجاوز منطق أرسطو ويتضمنه، لم يصبح منطقاً بالفعل إلا مع ماركس الذي أسسه مادياً. هذا المنطق الجديد هو الذي سمح لماركس أن يتوصل إلى نتائج جديدة كل الجدة، وأن يفهم الواقع الحقيقي.
في هذا المجال، لا بد من التمييز بين المنطق كمنهجية عامة (منهج ماكروي)، وبين المناهج الجزئية، أو التخصصية (الميكروية). في هذه الأخيرة حدثت تغيرات كثيرة، لكن على الصعيد الماكروي لم يتبلور منهج جديد بعد ماركس، ولم يثبت التطور العلمي خطأ هذا المنهج. رغم أن الماركسية يمكن أن تستوعب كل آليات المناهج الجزئية، وان توظفها في سياق التحليل الماكروي.
المسألة الثانية في الماركسية هي ما أُطلق عليه قوانين، ومجمل الأفكار التي طرحها ماركس أو إنجلز أو لينين وآخرين. على صعيد القوانين بشكل عام كانت صحيحة، ولكنها ناقصة، حيث أن الواقع والصيرورة توصلان إلى قوانين جديدة. رغم ان هناك خلاف بين “الماركسيين” ما هي القوانين؟ حيث يعتبر البعض كل أفكار ماركس أو إنجلز أو لينين او تروتسكي أو ماو هي قوانين، وفي هذا تجنٍ على الماركسية. لكن ربما كانت القوانين التي توصل إليها ماركس تتعلق أكثر بالاقتصاد، وبفهم جوهر الدولة وصراع الطبقات بالمعنى العام، بالتالي يظل الأمر هنا مجال اختلاف بين الماركسيين. الجانب المتعلق بالأفكار، هي تحليل لواقع معين واستنتاج التصور النظري الذي يحكمه، وبهذا فهي ليست قوانين، وهي بالضرورة متجاوزة، رغم أن الواقع يشهد احياناً التكرارية.
المشكلة التي حكمت التيارات الماركسية تتمثل في أن كل منها صاغ الماركسية وفق رؤيته، وأخذ من ماركس أو لينين ما يريد ويوافق تصوره، واعتبر ذلك هو الماركسية. هكذا فعل ستالين، وهكذا فعل تروتسكي وكثر آخرين. حيث بدت الماركسية كمنظومة “نظرية”، تعامل كعقيدة، ويعمل الذهن على تطبيقها على الواقع، وحيث تكون هي الصحيحة وليس الواقع حين تتناقض معه، رغم أن الماركسية تنطلق من الواقع، من الوجود المادي، وليس من الأفكار. هنا تكون هذه “الماركسية” قد عادت إلى الوراء لكي تمثل منطقاً مثالياً جوهره منطق أرسطو. ويكون هؤلاء قد تجاوزوا الماركسية إلى الضفة الأخرى، إلى المثالية والانحكام للمنطق الصوري.
أما ان الناس هربت منها، فهذا ما حدث خصوصاً بعد انهيار الاشتراكية، ومن هرب هم هؤلاء الذين وصفتهم للتو. وكان طبيعياً ان يفعلوا ذلك لأنهم والاتحاد السوفيتي يتقدم ويواجه الإمبريالية (واحساسهم كان ضد الإمبريالية نتيجة ما فعلته ببلادنا) اعتبروا انه الخير المطلق، فتشبثوا بكل ما يطرح، بما في ظل اعتبار الرأسمالية وكل إرث التنوير هو شرّ مطلق. حين انهار كان طبيعياً أن يقوم المنطق الصوري الذي يحكمهم بتغيير المواقع، لأن به هناك موقعان لا ثالث لهما، هما الخير/ الشر، فأصبحت الاشتراكية هي الشر والرأسمالية هي الخير. إن لا ماركسيتهم هي التي قادت إلى ذلك ليس ماركسيتهم المفقودة. وهذا ما ظهر لدى قطاع كبير من الشيوعيين والتروتسكيين والماويين. لكن نشهد الآن ولادة جديد للماركسية تحملها الثورات العربية، والتي ستتوسع عالمياً. وهذه الماركسية ستكون حقيقية، لأن متشربيها يتعلمونها بالنضال اليومي.
لي تعليق من شقين:
التعليق الاول: جوابك الاول ينضح ارثوذكسية، لأنك تعول فقط على من يمتلك ناصية الجدل المادي، اعتقد أن عملية الامتلاك هذه تحددها من زاويتك التي تنظر للحياة برمتها بتفاصيلها بمتغيراتها، أنها قابلة للاستيعاب من تلك الزاوية التي تقف عندها ولا تعترف ببقية التيارات كما جاء في اجابتك، لأنها لاتمتلك قوانين الجدل المادي تلك!
أظن أن الحياة اوسع من زوايانا التي نقف فيها، وننظر بما فيها آليات النظر ذاتها والتي هي قوانين الجدل لها ما رأيك؟
رد على التعليق الاول: الأورثوذكسية تعني التمسك بمنظومة فكرية باعتبار أنها مطلقة الصحة، والعمل على فرضها في الواقع، وهذا ما أشرت إلى رفضه. أما تحديد ماهية الماركسية فهذا أمر آخر، لأنه يجب تحديد جوهر التيار الفكري، أي تيار فكري، لكي يكون ممكناً أن نشير إلى انتماء هذا أو ذاك إليه. فليس من الممكن أن أضيف أي شخص إلى التيار الوجودي أو البنيوي وهو لا يطرح مفاهيمها الأساسية. في الماركسية هنا كثر يعتقدون أنهم ماركسيون، لكن كثر منهم يتبنون منظومة “جاهزة مسبقاً”، أو يتخذون مواقف ليس لها علاقة بما تعبّر عنه الماركسية. كل هؤلاء “ماركسيون” لكن بالنسبة لي هؤلاء ليسوا كذلك لأنهم لم يمتلكوا مفصل الماركسية، بل تبنوا أفكاراً ربما تجاوزها الزمن أو تناقض مع منطق الماركسية. وهذا هو الفارق بين من أسّس رؤية علمية للواقع على ضوء الجدل المادي مثل لينين، ومن انطلق من أفكار اعتبر أنها هي الماركسية فرسم سياسة جعلته يفشل في أن يعبّر عن الصراع الطبقي وأن يحدث التغيير، بل كان يعتقد بأن عليه أن يقف خلف البرجوازية كما فعل بليخانوف مثلاً. هنا الواقع هو الذي يحسم الأمر، ويوضح من كان قادراً على فهم صيرورة الواقع ومن فشل في ذلك.images
أما أن الحياة هي أوسع فهذا أمر صحيح، ولكي يفهم لا بد من منظور يسمح بأن يراه كذلك. الدوغما لا تسمح بذلك، لكن الجدل المادي الذي هو “قانونيات عامة” تحكم آليات “العقل” ينطلق أصلاً من الواقع المتغيّر المتحرك، ويحاول أن يفهم كل ذلك في كل لحظة. هنا “العقل المفكر” هو الذي يجعل فهم الواقع ممكناً أو يحجب فهم الواقع. لهذا فإن نفي ماركسية الدوغمائيين أو الذين يدعون الماركسية ويتخذون موقفاً مضاداً لتوجهها المعبّر عن التغيير الجذري، يعني كشف لا ماركسية أناس يدعون ذلك، وما يحسم في الأخير هو الواقع الذي يوضح صحة تحليل طرف وخطأ تحليل آخر. فالجدل المادي يفضي إلى تحليل علمي للواقع، إلى فهم حقيقي للواقع (مع هامش من الخطأ)، وهذا ما أضافه ماركس أصلاً للطبقة العاملة لكي يصبح لديها مشروعها “العلمي” (وهذا ما دفع إنجلز إلى تسمية هذا التيار الذي بدأه ماركس وإنجلز بالاشتراكية العلمية).
باختصار الأورثوذكسية تعني تمسك بأفكار عامة تصبح مسبقة التحديد ويُعمل على فرضها على الواقع، ولا تتعلق بالموقف من من اعتبر ذاته ماركسياً وهو غير ماركسية حسب ما أرى.
التعليق الثاني: عملية الهروب تلك لا تتعلق فقط بمن يمتلك ناصية الجدل الماركسي او لايمتلكها من موقع الوعي، والذي يمكننا تسميتهم” مرتدون” بل نتحدث عن الجماهير التي تمتلك حسا عمليا” نسبة لبير بوروديو” هذا الحس العملي الذي يعتمد نسق من الخبرات المكتسبة عمليا في خضم العيش، انهيار السوفييت كان بمثابة الرموز والمعاني التي ادت عمليا لهذا الهروب، ليس مطلوبا من كل البشرية امتلاك الجدل المادي للتاريخ. لهذا اتحدث عن هروب جماعي ولا اتحدث عن بضعة ماركسيين ارتدوا هنا سؤالي؟
رد على التعليق الثاني: مسألة الهروب تتعلق تحديداً بـ “ماركسيين” (شيوعيين او ماويين أو تروتسكيين) تخلوا عن الماركسية لحظة انهيار الاتحاد السوفيتي وانساقوا مع خطاب العولمة الليبرالي “الديمقراطي”، معتبرين أن الماركسية فشلت بانهيار التجربة الاشتراكية، وأن الرأسمالية هي “نهاية التاريخ” (حسب ما عمم فوكوياما، وكان هذا التعميم مقصوداً). ولقد شرحت آليات ذلك قبلاً. أما الشعب، فهو يمتلك حساً سليماً كما اشارت الماركسية قبل بيير بورديو (وبورديو هنا يلتزم التحديد الماركسي كونه ماركسياً)، لكن ذلك يتعلق بواقعه المباشر، بواقع اضطهاده الطبقي وليس فيما يتعلق بالماركسية والاشتراكية. ولهذا لم يقتحم السياسة، ولم يفكّر بها، إلى أن ثار نتيجة وضعه الطبقي الذي كان يسير به نحو “الفناء” (البطالة والفقر الشديد، وانهيار التعليم والصحة). وهذا ما دفعه إلى الثورة، عكس ما كان يتخيل “المرتدون” بأنه لن يفعل ذلك، وأن زمن الثورة قد انتهى مع تطور الرأسمالية فعل الاكتشافات التكنولوجية. وهؤلاء هم من يريد أن يتوهم الآن بأن الشعب قد “هرب” من الماركسية والاشتراكية، هو لم يكن يعرفها لكي يهرب أصلاً، بالتالي من هرب هو من كان يدعي أنه ينتمي لها. وسنلمس بأن انخراطه في الثورة قد أوجد كل المبررات للميل إلى الماركسية من جديد، بالضبط لأن الحس السليم لدى الشعب أوضح بأن الرأسمالية هي التي تنهبه وتفقره، وأن الطغم العالمية تدعم النظم الرأسمالية القائمة، وبالتالي فإن البديل هو ضد الرأسمالية. هذا ما يتخمّر لدى الشباب الذي بات يميل إلى البحث عن الماركسية، والى الشغل على تجاوز الرأسمالية، بداية من حسه السليم كجزء من الشعب (حيث لم يكن قد انخرط في السياسة أصلاً).
لهذا أشير إلى أن المرحلة القادمة هي مرحلة نهوض الماركسية.. وآمل ألا يعود “الهاربون” إلى الإدعاء بالانتماء إليها.

المحور الثاني: حول النظام الدولي.
السؤال الأول: إذا قلنا اننا أمام نظام دولي جديد بعد انهيار السوفييت، برأيك ما هي اهم مقومات هذا النظام الدولي؟
جواب: لا شك في أن انهيار الاتحاد السوفيتي قد فتح الباب واسعاً لهيمنة أميركية مطلقة على العالم، كانت بحاجة إليها نتيجة أزماتها التي بدأت منذ بداية سبعينات القرن العشرين، وتصاعدت في ثمانيناته، خصوصاً هنا عجز الموازنة وعجز الميزان التجاري والمديونية المرتفعة، لكن الأخطر هو التراكم المالي الذي فرض حدث انهيارات كبيرة نهاية ثمانينات القرن العشرين، وكان ينذر بانهيارات أكبر، وهذا ما شرحته في كتاب “الإمبريالية ونهب العالم” صدر سنة 1992، ثم في كتابين صدر الأول سنة 2004 (وهو “العولمة الراهنة”) وفي سنة 2011 (وهو “الإمبريالية المأزومة”). هذه الأزمة كانت تفرض “السيطرة على العالم” والتحكم في الأسواق والنفط، لإخضاع الرأسماليات الأخرى، ودفعها للإسهام في حل أزمة الاقتصاد الأميركي. هذا الوضع فرض أن تعلب أميركا دور القوة العظمى الوحيدة، التي تريد تحديد مسارات العالم عبر الاحتلال ونشر القواعد العسكرية، ومتابعة “الإرهاب”. بالتالي كانت السمة الأساسية هي تشكّل عالم أحادي القطب، ويسعى لفرض أحادية مطلقة ودائمة عبر الحرب.
ولهذا عمل على فرض إنهاء دول الدول الاقتصادي في الأطراف، وفرض السوق المفتوح، وتعميم أسواق الأسهم عالمياً، وفرض الحرية المطلقة لرأس المال. فقد اعتقدت الرأسمالية الأميركية أنها عبر ذلك تستطيع أن تتحكم في الاقتصاد العالمي وتتجاوز أزمتها. لكن أزمة 15 أيلول سنة 2008 فرضت مسألة أخرى، وهي أن زمن الحروب التي تحلّ المشكلات الاقتصادية قد انتهى، على العكس فقد باتت تزيد في الأزمة. ورغم أنها حاولت الاستمرار في محاولتها فرض السيطرة العالمية بعد نجاح أوباما (الذي نجح بفعل الأزمة بالتحديد)، انطلاقاً من أن مهمة الرئيس الديمقراطي أن يحل الأزمة الاقتصادية الداخلية كما وعد، إلا أنها اضطرت بعد إذ (سنة 2010) إلى الوصول إلى نتيجة أن الأزمة أكبر من أن تحلّ، وأن الممكن هو “إدارة الأزمة”. وبالتالي سقط الميل لفرض أحادية قطبية.images (2)

السؤال الثاني: قرأت لك عدة مواد تتحدث عن وضع امريكا في النظام الدولي عموما وفي الشرق الاوسط خاصة، لمست شيئا من الفهم الذي يعتمد على الرغبة أكثر مما يعتمد على الوقائع، عندما تحدثت في تلك المواد عن انسحاب امريكي من العالم عموما ومن الشرق الاوسط خصوصا لصالح روسيا بشكل خاص. مع ان ما راكمته أمريكا من القوة لدرجة انها اصبحت جزء عضويا من أكثرية مجتمعات دول العالم- نستطيع تسميته ألان النظام الدولي الامريكي كما اقترح- لكن على ماذا استندت انت في رؤيتك لهذا الانسحاب؟
جواب: ما قلته لم يعتمد على الرغبة لأنه لم يكن تحليلاً لكي يخضع للرغبة، بل كان سياسة أميركية تقررت بداية سنة 2012 (أعلن عنها يوم 6/1/ 2012 من طرف أوباما، وفي هذا يمكن العودة لخطابه يومها). ربما المشكلة تكمن في الرغبات التي تريد ان ترى أميركا كما تحتاج هي، لهذا ظلت تكرر الصورة المزروعة في الذهن منذ احتلال العراق، والذي غذته المشاركة الأميركية في ليبيا بعد الثورة (دون ملاحظة أن أوباما حوسب في مجلس الشيوخ على ارساله الطائرات). إن “الحاجة إلى أميركا” هي التي ظلت تريد ان ترى أميركا كما كانت قبل سنة 2008، حتى دون ملاحظة تحسّن العلاقة مع النظام السوري بعد استلام أوباما الحكم.
مسألة الانسحاب باتت مطروحة في كتب تصدر في أميركا، ودراسات تصدر في الدولة الصهيونية، ولم تعد “سياسة سرية”، ربما هي كذلك فقط على الذين يريدون “تخليد” الصورة التي رسموها لأميركا بعد انهيار الاشتراكية، أي أميركا المتقدمة لتحرير الشعوب من طغاتهان بالضبط لأنهم يريدون بقاء هذه الصورة، ولقد رسموا كل “حياتهم” على أساسها.
الإستراتيجية التي تقررت حينها كاستراتيجة طويلة الأمد تقوم على اعتبار أن الأولوية هي لمنطقة آسيا والمحيط الهادي، انطلاقاً من تحديد أن الخطر الرئيسي يأتي من الصين. وهو ما فرض تغيير كل الإستراتيجية العسكرية بحيث تتمركز القوى هناك، وحيث جرى التخلي عن التدخل في العالم، سوى ربما وعند الضرورة عبر الطائرات بدون طيار. وعلى ضوء ذلك جرى تقليص عديد القوات بما في ذلك المارينز وميزانية الدفاع، كما جرى تقييد الرئيس أكثر من قبل الكونغرس بالقرار الخاص بالحرب أو بالمشاركة في أي شكل من اشكال الصراع. ومن ثم أقرت الإستراتيجية أن أميركا غير قادرة على خوض “عدة حروب” كما طرح رامسفيلد، بل هي قادرة على خوض حرب واحدة فقط في الوقت ذاته (وهي لازالت عالقة في أفغانستان).
الآن، أميركا تراجعت عن أن تكون القوة العالمية المسيطرة، وتخلت عن عالم أحادي القطب، بالضبط لأن وضعها الاقتصادي بات لا يسمح لها بذلك، على العكس هي في وضع اقتصادي انهياري، لهذا تريد الحفاظ على ذاتها كقوة عالمية فقط، وأن تتجاوز أزمتها. لهذا أعادت تموضعها العالمي في شكل جديد، بانسحاب تدريجي من الشرق الأوسط، حتى فيما يتعلق بدعم الدولة الصهيونية، وببناء تحالف مع الروس إن أمكن، يضم أوروبا. وبحصار الصين. هذا هو الوضع الجديد الذي تناولته في أكثر من مقال، ولمسته في كتابي الأخير حول الثورة السورية (“ثورة حقيقية، منظور ماركسي للثورة السورية”). بالتالي نحن في عالم جديد يتشكلن ليس أحادي القطب بل متعدد الأقطاب، لكن التي تعاني كلها من أزمة عميقة بات لا حل لها، ولهذ ستكون مقدرتها على السيطرة ضعيفة. وهذا الوضع هو الذي سمح للروس التقدم للسيطرة على سورية، وربما الحلم بالسيطرة على مصر.
بالتالي أن أميركا باتت “جزءاً عضوياً من أكثرية مجتمعات دول العالم” هو وهم اليسار الذي مال يميناً. هنا تكمن الرغبوية. فهذه هي الصورة التي حكمت ذاك اليسار، الذي انخرط في هذه “الأكثرية”، او برر انبهاره بـ وإتباعه أميركا بهذا التخيّل.
أكثر من ذلك أقول بأن العالم مقبل على تفاقم الصراع الطبقي، أنه ليس البلدان العربية هي التي ستشهد الثورات بل جزء كبير من بلدان العالم، من جنوب أوروبا وشرقها إلى تركيا، إلى آسيا وأميركا اللاتينية، وحتى روسيا. الأزمة الرأسمالية باتت تفرض تفجّر الثورات العالمية، وكنا نحن بداية هذه الموجة، بالضبط لأن النهب والإذلال الإمبريالي الأميركي لنا فاق التصور.
لي تعليق واحد فقط:
من الواضح تماما أنك تتجاهل تراكم القوة الامريكية عالميا، يتجلى ذلك في ادارتها لكافة الازمات المنتشرة في العالم، حتى ازمة اوكرانيا، أمريكا موجودة في موسكو والعكس غير صحيح. تراكم القوة هذا هو الذي جعل ويجعل امريكا لاعبا اساسيا في كل ازمات العالم. مع ذلك على فرض وافقت على رؤيتك بقضية الانسحاب الامريكي من العالم، كما تراه وكما تتوقعه ان يزداد، لكن هل الدول المحيطة بإسرائيل، من ضمن هذا العالم أم لها معاملة أمريكية خاصة، لأنني ارى أن أمريكا يمكن ان تدير ظهرها لكثير من الازمات في العالم، كالصومال مثلا لكن لايمكن أن تدير ظهرها للدول المحيطة بإسرائيل ما رأيك؟
رد على التعليق: تراكم القوة هذا لم يعد محمولاً على قدرة اقتصادية تحمله. أميركا تمتلك أقوى جيش في العالم لكنها باتت غير قادرة على تحمّل تكاليفه، وفي وضعها الاقتصادي الانهياري بات عبئاً عليها، لهذا قلصت ميزانية الدفاع، وعديد الجيش، وقلصت إمكانيات التدخل العسكري في العالم. ولكل ذلك انعكاس على السياسة بالضرورة. ولا شك أن لأميركا دور عالمي، وهي تعمل على أن تؤثّر، لكن قدرتها لم تعد تسمح لها الفرض كما كانت تعمل طيلة عقود. وإدارتها لكافة الأزمات لا يعني أنها قادرة على التأثير،فهي كقوة عالمية لا بد من أن تعمل على إدارة الأزمات لكن بأية قوة وعلى أي أسس. مثلاً في أوكرانيا، رغم أن التغيير أتى بفعل ثورة شعبية، فقد فرضت موسكو إيقاعها على الحدث الأوكراني، فضمت القرم، وأخذت تفكك أوكرانيا، دون مقدرة أميركية على الرد، سوى ببعض العقوبات الاقتصادية. وأميركا هنا سوف تقبل بالحل الروسي في أوكرانيا بالضبط لأنها لم تعد قادرة على التأثير، ثم لأنها تحتاج إلى التحالف مع روسيا لحصار الصين (وهذا ما يشرحه بريجنسكي في كتابه الأخير). لقد باتت حدود التدخل الأميركي مضبوطة ومحاصرة في وضع اقتصادي صعب، ويفرض تحالفات جديدة. واساس ذلك هو الأولوية الجديدة التي تتحدد كما أشرت في آسيا والمحيط الهادي (أي محاصرة الصين)، التي تفرض التحالف مع روسيا لمنع تحالفها مع الصين، وبالتالي تفرض القبول بالتنازل لها في مناطق عديدة في العالم، منها سورية.
أما عن الدولة الصهيونية، فما يبدو واضحاً أن أميركا، فيما عدا الخليج الذي أبقت قواعدها العسكرية به، وتعمل على نهب الموال النفطية بشكل هائل كجزء من حلّ أزمتها المالية، تسير نحو الانسحاب والتسليم لسيطرة قوى أخرى. وهذا ينطبق على الدولة الصهيونية، حيث أنها كانت “قاعدة عسكرية” لها حين كانت تعمل على السيطرة على الشرق الأوسط، أما وقد قررت الانسحاب، وحوّلت الأولوية إلى مكان آخر، فليس من الممكن أن تبقى أهميتها كما كانت، ولا تبقى إمكانية الدعم المالي والعسكري كما كانت. وهذه هي أزمة الدولة الصهيونية اليوم، حيث باتت تبحث عن ممول جديد، وتحالفات جديدة تغطي الانسحاب الأميركي. ومن يتابع ما يكتب من دراسات في الدولة الصهيونية يلمس ذلك بوضوح.images (1)
المحور الثالث الصراع العربي الاسرائيلي:
سؤال أول:
هل لازال هناك صراع عربي إسرائيلي بحيث لاتزال القضية الفلسطينية هي محور هذا الصراع؟ كيف يتبدى؟
جواب: القضية الفلسطينية باقية، ولا يغيّر من ذلك مرور الزمن، والشعب الفلسطيني لا زال يقاوم بأشكال مختلفة، وحتى اتفاقات أوسلو ووجود السلطة لم يعنيا شيئاً فيما يتعلق باستمرار الصراع لأن الشعب الفلسطيني لم يصل إلى اعتقاد بأن ذلك قد حل المشكلة، على العكس من ذلك اعتبر أن في ذلك تفريط بالقضية بمجملها. بالتالي، ورغم ميل النظم العربية لاعتبار أن القضية الفلسطينية هي فلسطينية، ولقد وافقت على مسار السلطة الفلسطنية، فإن وضع الدولة الصهيونية “الاستثنائي” يجعل إمكانية التعايش معها مستحيلة. بالضبط لأن تشكيلها ارتبط بـ “دورها العربي”، أي دور الضابط لمسار تحولات الوضع العربي، من أجل أن يبقى كما تشكل خلال سنوات الاستعمار، أي مجزءاً ومتخلفاً. بالتالي رغم كل الميل العربي، سواء من قبل النظم أو من قبل “نخب”، للتوصل إلى حل، ورغم كل التنازلات الفلسطينية لم يتحقق أي حل، حيث كان منظور الدولة الصهيونية، في إطار السعي الإمبريالي للسيطرة على المنطقة العربية، يقوم على فرض السيطرة الكاملة على فلسطين (فيما عدا غزة) والتحوّل إلى مركز أساسي إمبريالي في تلك السيطرة الإمبريالية.
في الثورات العربية كانت فلسطين حاضرة (شعار “الشعب يريد تحرير فلسطين” في تونس، و”جايينك فلسطين” في ليبيا، والزحف ضد السفارة الصهيونية في مصر، وكثير من ذلك). كما أن كل ميل لتحقيق التطور في أي بلد عربي سوف يواجه بدور صهيوني إمبريالي، لأن التطور الصناعي والزراعي والعلمي والديمقراطي ممنوع. هذه هي الصورة التي جرى الاشتغال عليها طيلة عقود سابقة، ماذا سيكون الوضع الآن، بعد الثورات، وبعد الانسحاب الأميركي؟ لا شك في أن تغيرات سوف تحصل لمصلحة تغيير ميزان القوى، وفتح أفق التطور، وسيكون وضع الدولة الصهيونية صعباً (هذا ينقلنا إلى السؤال التالي) وهذا ما يجعلنا نتوقع بأن السنوات القادمة سوف تفرض تغييرات كبيرة، وربما تفتح على تحقيق المشروع التحرري العربي.
سؤال ثاني:
كيف تلخص موقف إسرائيل من الربيع العربي عموما والثورة السورية خصوصا؟
جواب: الدولة الصهيونية تعيش وضعاً مرتبكاً، لثلاثة أسباب، أولها أن التقدير الذي تطرح لآفاق الثورات العربية كان يخلق الخشية الشديدة من “عودة الصراع”، في صيغة مشابهة لما حدث في خمسينات القرن الماضي أو أسوأ، وهذا يفرض العودة إلى التركيز على “زيادة ميزانية الدفاع”، وعيش أجواء الصراع من جديد، في وضع أسوأ مما كان حين قيام الدولة الصهيونية، وهذا ما يعبَّر عنه في السببين التاليين. ثانيها سياسة الأميركا الجديدة، وإعطائها الأولوية لمنطقة أخرى، وبالتالي تراجع حاجتها للدولة الصهيونية، فإضافة إلى أن الانسحاب يضعف من وجود الدولة الصهيونية كونها باتت بلا غطاء، فإنه يعني أن إمكانيات الدعم المالي الذي هو أساسي لدولة قامت كقاعدة عسكرية، ورُكّب عليها مجتمع، حيث لا تستطيع قدراتها الاقتصادية تحمّل الجهد العسكري ولا جهد “بناء المستوطنات”، الأمر الذي يخلق مشكلات بنيوية لا حلّ لها سوى بوجود ممول آخر، وهذا ما لا يبدو وضوح في إمكانياته الآن. وثالثها هو أن الاقتصاد الصهيوني متداخل ومتشابك بالاقتصاد الرأسمالي العالمي، لهذا إذا استطاع الهرب من الأزمة التي حدثت سنة 2008، ربما لا ينجو من الأزمة التالية التي هي حتمية، وهو ما يعني حدوث انهيار اقتصادي، خصوصاً أن الأمر بدأ يتضح مع تراجع الصادرات الصهيونية لأهم منطقتين، أميركا وأوروبا، وبالتالي ما يؤدي إلى إغلاق المصانع وزيادة البطالة, وهنا يمكن أن نشير إلى أن التكوين الاقتصادي الطبقي بات يتشابه مع تكوينات البلدان العربية والأطراف عموماً من حيث تمركز الثروة وتوسع الطبقات الاجتماعية المفقرة (وهو ما عبرت عنه حركة الاحتجاج التي حدثت في صيف سنة 2011، وقلّدت التجربة العربية).
هذه العناصر الثلاث بتشابكها تؤسس لمصير سيئ وهذا ما تتلمسه النخبة الصهيونية. لهذا وقفت تترقب ما يجري في البلدان العربية بذهول، ورغم التعقيدات التالية لنجاح الثورات فقد ظلت تتخوّف التالي، ولا زالت. بخصوص سورية، كان يبدو أنها تراقب أكثر مما تؤثر، فقد تدخلت فيما يتعلق بوصول صواريخ إلى حزب الله. وكان يبدو أنها، في ظل موجة الثورات وتخوّفها منها، تريد استمرار سلطة نظام الأسد. بالقطع لم تكن تريد انتصار الثورة، وهي لا ترى في المعارضة بديلاً، كما أنها ترى بأن أي تغيير الآن سوف يفتح على فوضى وتحولات هي في غنى عنها. ولا شك في أنها استفادت من التدمير الذي مارسته السلطة لسورية، ومن ضعف الجيش السوري، كما من سحب الأسلحة الكيماوية، لكن ليس إلى حد سقوط النظام.

المحور الرابع إيران:
سؤال أول:
هل هنالك مشروع إيراني أم مشروع فارسي وكيف يمكن التعامل معه؟ وما هي ادواته وأفقه؟
جواب: هو مشروع إيراني يتعلق بميل الطبقة المسيطرة، التي تتمحور الآن حول “الولي الفقيه” أو حتى تختلف معه، إلى أن يكون لإيران دور مركزي في المنطقة، وأن يتوسع نفوذها. وهي في ذلك تستغلّ الشيعية من أجل إيجاد قوى مرتبطة بها وتدافع عن مصالحها في مواجهة القوى الأخرى. ولهذا دعمت تشكيل قوى “شيعية” في لبنان والعراق واليمن والبحرين، وتحاول أن تتمدد أكثر. لكنها لا تمانع في أن تقيم تحالفات قوية مع حركة الجهاد الإسلامي الفلسطينية، أو حركة حماس الإخوانية.
سؤال ثاني:
حزب الله بوصفه أداة من ادوات هذا المشروع، وكنت في فترة من الفترات من المدافعين عن تجربته في “المقاومة” هل لازال موقفك كما هو؟ وهل حزب الله حزب لبناني أم حزب طائفي؟
جواب: دافعت عن الدور المقاوم لحزب الله خلال حرب 2006، لكن كان تحليلي واضحاً له منذ زمن أبعد، حيث أنني تحدثت عن “مأزق حزب الله” سنة 2004، وقلت لأنه حزب طائفي فهو في مأزق، خصوصاً حينما أخذ “يتدخل” في الشأن اللبناني. وحين احتدم الخلاف حول الموقف من الحزب خلال وبعد حرب تموز سنة 2006 كتبت “اليسار والموقف من حزب الله”، أقول فيه أننا مع الحزب في مقاومته الدولة الصهيونية، لكن الحزب هو حزب طائفي أولاً، حيث أنه مغلق على الشيعة ومرتبط بولاية الفقيه، وهو ثانياً حزب ليبرالي، وهو ثالثاً يريد الحفاظ على التكوين الطوائفي للدولة اللبنانية. وكل هذه المسائل نختلف مع الحزب فيها. واشرت أننا معه فقط حين يقاوم أما في غير ذلك نحن في صراع معه، وأظن أن موقفي لا زال كما هو من حيث تقييم بنية الحزب، ونحن الآن في صراع دموي معه بعد أن شارك في قتل الشعب السوري، ويحاول إجهاض الثورة دفاعاً عن السلطة السورية.
سؤال ثالث:
هل ترى في الأفق تحالفا إيرانيا إسرائيليا، كما يروج بعض بعض الامريكيين لقيامه، مثل دانيال باببيس؟
جواب: يمكن أن يكون هناك تحالف (أو تصالح) أميركي إيراني، هذا هو الأساس الآن، لأن أميركا التي تريد الحفاظ على سيطرتها على دول الخليج، وفي وضع ضعفت فيه، ربما تريد التحالف مع إيران لكي يكون لها دور في “حماية أمن” النفط. وهذا ما بات يطرح مسألة العلاقة بين إيران والسعودية كجزء من التفاهم الإيراني الأميركي، لهذا ربما نشهد “إعادة العلاقات الطبيعية” بينهما في فترة قريبة.
أما حول ما يطرح بايبس فربما يكون هناك اتجاهات في الولايات المتحدة تريد ذلك، فقد طرح جون كيري وزير الخارجية بعيد زيارة أوباما للدولة الصهيونية، ودفع نتنياهو لكي يعتذر من تركيا، أن تقوم تركيا برعاية الدولة الصهيونية، على أساس الميل الأميركي للانسحاب. لهذا ربما تكون هناك تصورات بتشكيل تحالف إيراني تركي صهيوني، كما كان في عقود سابقة، يحمي الدولة الصهيونية، ويجهض إمكانات النهوض العربي، التي فتحت الثورات باباً لها.
تعليق: يخطر في بالي دوما سؤال عندما أقرأ حول الدور الايراني، ومايدور من مفاوضات مع الغرب عموما وأمريكا خصوصا، وأن امريكا ربما تقيم حلفا مع طهران، او أنها سوف تتنازل لطهران، هل العرب عموما والخليجيون خصوصا بهذه القوة التي تدفع أمريكا أو حتى إسرائيل لاقامة تحالف مع إيران، واعطاءها امتيازا ما، لا اجدهما مجبرتين عليه؟ وهل من أفق لهذه المفاوضات؟
رد على التعليق: المسألة لا تتعلق بالخوف من “قوة العرب”، بل تتعلق في أن ضعف أميركا يفرض عليها التفاهم مع إيران لحماية “استقرار منطقة الخليج”، أي الحفاظ على الوضع القائم، والذي يتسم بسيطرة أميركية على النفط. أميركا أبقت قواعدها هناك، وستبقي سيطرتها، لأن ذلك هو الذي يبقي مقدرتها على نهب الأموال النفطية، خصوصاً في ظل الأزمة المالية الكبيرة التي لازالت قائمة. وهذا التفاهم لا يمثّل امتيازاً، بل يوضح بأن أميركا تعود إلى مرتكزها الأساسي الذي كانت تتحكم عبره في المنطقة، أي دور إيران، في إطار مصالح متبادلة.
أما عن أفق المفاوضات، فأظنّ أن المفاوضات ستصل إلى نتائج جيدة، حيث أن أميركا باتت بحاجة لـ “دور إيراني إيجابي” في الخليج، وإيران كما أشرت مأزومة وتحتاج إلى فك الحصار عنها.
المحور الخامس: الثورة السورية ما لها وما عليها
سؤال أول: كنت من الذين كتبوا كثيرا عن اسباب انطلاق الثورة السورية، بعد ثلاث سنوات ونيف من عمرها، أين موقع هذه الاسباب الآن في قراءة واقع الثورة؟ من هذه الاسباب القمع أو الوضع المعيشي او احساس المواطن بكرامته؟
جواب: هذا يتعلق بالمنظور الذي يحكم الشخص، وبالتالي بمدى مطابقة هذا المنظور للواقع. وربما يعبّر المنظور عن مصالح، أو يتجاوزها. لهذا سنجد أن الذي يمحور تصوره حول الديمقراطية يميل إلى تفسير الواقع انطلاقاً من ذلك، فتصبح الثورة هي نتاج الحاجة إلى الديمقراطية. وإذا كانت الديمقراطية حاجة فعلية فإن الخطأ سيكمن في قسر هذه الحاجة على واقع عموم الشعب، وبالتالي حصر الثورة في هذا المطلب. ما حاولته هو فهم واقع الشعب قبل الثورة، وبالتالي المؤثرات التي تؤسس للاحتقان، الذي هو مقدمة لكل ثورة. ومن ثم تلمس اللحظة التي يمكن أن يتمرَّد الشعب فيها. وهذا الفارق بيني وبين أطياف المعارضة عموماً، حيث كنت أرى أن الحراك الديمقراطي ظل محصوراً في النخب، وظل مطلباً غير شعبي، بينما كان الواقع يسير نحو الافقار المتزايد للطبقات الشعبية. وهذا ما جعلني أتلمس سير الأمور نحو انفجار شعبي، عبرت عنه منذ سنة 2007 (وسيصدر قريباً في كتاب يضم ما كتبته خلال العقد الأول من هذا القرن، وهو كتاب “مصائر الشمولية، سورية في صيرورة الثورة”، وكان قد وضع على النت منذ سنة 2010).
ربما نقع في وهم حين نعتقد أن الطبقات الشعبية مسيسة. ورغم أننا نقول أنها غير مسيسة، فإننا ننطلق في التحليل من أنها مسيسة. فمطلب الديمقراطية هو مطلب سياسي، وبالتالي يفترض وعياً سياسياً، وكذلك مطلب الحرية. لهذا لا بد من أن نعرف هل أن الفئات المفقرة، والبيئات الشعبية، التي بات جزء مهم منها أمياً بعد انهيار نظام التعليم وترك الدراسة لشباب لم يعد يجد في الشهادة وسيلة للعيش بعد تراكم البطالة عموماً، ولدى حاملي الشهادات أيضاً، هل أن هذه الفئات تتفهم معنى الديمقراطية؟ لا شك في أنها تتلمس قهر السلطة عبر ممارساتها التي تمسّ حياة الشعب، لكن ذلك لا يستتبع القول بأنها تريد الحرية والديمقراطية، أو أن ذلك كافٍ لكي تقوم بثورة.
هذا الأمر يتعلق بفهم آليات حراك الشعب، أي فهم اللحظة التي تصبح فيها ثورية فتندفع إلى الشوارع. وهذا ما كنت تابعته خلال الانتفاضات التي حدثت منذ سنة 1977 في مصر وامتدت إلى سنة 1990 لتشمل كل من السودان وتونس والمغرب والجزائر والأردن، وأن تتكرر فيها خلال ذلك. وتوصلت إلى أن العنصر الذي يفرض هذه الثورة هو “القدرة على العيش”، أي وصول الوضع إلى حالة تهدد مقدرة الشعب على العيش، نتيجة الاختلال المريع بين الأجور والأسعار (وهذا ما نشرته في كراس “طريق الانتفاضة، لماذا تثور الطبقات الشعبية”). لهذا ظللت أتابع الوضع المعيشي، وأرصد التحولات في الوضع الاقتصادي، وهذا ما جعلني في مقدمة كراس “طريق الانتفاضة” الذي صدر سنة 2007 أن أقول أننا مقبلون بشكل حتمي على ثورات في البلدان العربية، وهو ما جعلني أشتغل عملياً ضمن هذا السياق منذ إذ.
في سورية كان رصدي للوضع يشير إلى حدوث انفجار اجتماعي، وهذا ما كان مجال رفض أطراف المعارضة، والقول بأن تحليلي نابع من “دوغما ماركسية”، لكن الثورة حصلت بعكس كل توقعات المعارضة ومراهناتها، ومن المناطق التي كانت هذه المعارضة لا تراها. حيث كان أصبح واضحاً تمركز الثروة وانتشار الفقر، ولكن أيضاً تصاعد الاحتقان الذي لم يصل إلى حد ممارسة الاحتجاج نتيجة الخوف من الاستبداد. ولقد كررت المعلومات التي حكمت الوضع الاقتصادي منذ بدء الثورة، والتي كانت مدخلي للقول بأن الثورة هي نتاج البطالة (30%) والفقر (يصل إلى ذلك المستوى)، والتهميش وانهيار التعليم والصحة. ولا شك أن مطالب هؤلاء كانت تتعلق بوضعهم، وليس برؤية سياسية، وإلا كانوا جزءاً من الحراك الديمقراطي للنخب. وهذا ما ظهر في التواصل مع المنتفضين في الفترة الأولى، حتى من قبل لجان السلطة، حيث كانت المطالب اقتصادية وهي الغالبة، أو ضد الفساد وتدخل أجهزة الدولة (الشرطة والأمن).
الآن، إذا أردنا أن نتلمس الوضع العياني للشعب الذي انخرط في الثورة يمكن أن نجد التالي:
هناك نسبة 30- 33% هم عاطلين عن العمل، ومطلبهم العمل.
هناك نسبة مشابهة أجورها لا تكفي العيش، وتريد أجوراً تسمح بالعيش.
هناك شباب يريد السكن، وفئات تريد الضمان الاجتماعي بعد انهيار المنظومة التي أسسها البعث.
وهناك فئات مدينية ترى أن وضعها ينحدر نتيجة تمركز الثروة وارتفاع الأسعار دون زيادة فعلية في الأجور، أو نتيجة تقلّص فرص النشاط الاقتصادي بفعل الاحتكار الذي يحكمه من قبل أزلام السلطة الرأسماليين.
في المستوى السياسي هناك حاجة لنظام ديمقراطي، وهذا ما كانت تطرحه المعارضة الديمقراطية، وتبلور في مطالب واضحة خلال “ربيع دمشق”، لكن كان واضحاً في شباب الفئات الوسطى باتت تحسّ بضرورة أن تكون هناك حرية، خصوصاً وهي تتواصل عبر العالم، وتتلمس ضرورة “التعبير عن الذات”. وهذه الفئات، التي كانت تشكلت على هامش ربيع دمشق، هي التي تحركت لدعم الثورات في تونس ومصر وليبيا، وأخذت تدعو للثورة في سورية. وأسست التنسيقيات الأولى، قبل أن تركز السلطة جهدها لتصفيتهم.
في هذا الوضع سنجد بأن فئات اجتماعية تسعى لتحقيق الحرية والديمقراطية، وهي فئات وسطى في الغالب. وأن معظم الطبقات الشعبية تريد تحقيق “المقدرة على العيش”. ولا شك أنه حينما تبدأ الثورة سوف يطرح الشعب كل المشكلات التي تراكمت خلال العقود الماضية، وبهذا تصبح مسألة إهانة الأجهزة الأمنية والشرطة للشعب مسألة مطروحة لتجاوز عبء السلطة وضغطها على المجتمع. لكن يبقى الاحتقان الاجتماعي الذي تراكم هو الأساس الذي فرض تحوّل حراك بعض الفئات الوسطى إلى ثورة. فالأزمة وصلت إلى حدّ لم يعد الشعب قادراً على الاستمرار في الوضع الذي هو فيه، ولهذا بات معنياً بالثورة. وربما نشير إلى مصر لتوضيح ذلك، حيث أن الانتخابات والحرية التي حصلت لم تمنع الشعب من أن يستمر في الثورة، وأن يتوضّح أكثر فأكثر أن المطالب الاقتصادية هي أساس الثورة، وأنه دون تحقيق تغيير النمط الاقتصادي لن يتوقف الحراك.
الفارق في الفهم هنا هو أن القول بأن المطالب الاقتصادية هي أساس الثورة نقصد بأنه لا توقف لها قبل تحقيق هذه المطالب. ويمكن أن تتحقق بدون تأسيس نظام ديمقراطي، كما حدث مع عبدالناصر والبعث في وضع كان الصراع الطبقي في أشده، وبالتالي أن تنتهي الثورة دون تحقيق “أحلام” نخب الفئات الوسطى. وربما هذه الخشية هي التي تتملك تلك النخب وتجعلها تضخم من مركزية المطلب الديمقراطي، لكن ليس من الممكن أن تتأسس ديمقراطية حقيقية على نظام اقتصادي ريعي، أي قائم على الخدمات والعقارات والسياحة والاستيراد وسوق الأسهم والبنوك، وهو النمط الاقتصادي الذي أوجد مشكلات البطالة والفقر والتهميش. لهذا إن فهم أن جوهر الثورة هو اقتصادي طبقي أساسي كذلك لتحديد الخيار الذي يحقق الديمقراطية.
فيما عدا ثورات أوروبا الشرقية وروسيا التي كانت ثورات سياسية بمعنى الكلمة الدقيق، فإن كل الثورات منذ نشوء الرأسمالية كانت ثورات شعبية جوهرها اقتصادي، من الثورة الفرنسية إلى ثورة 1848 الفرنسية الأوروبية إلى ثورة 1905 الروسية إلى ثورتي شباط وأكتوبر الروسيتين. وسبب ذلك أن الحراك الشعبي لا يقوم إلا على ما هو اقتصادي طبقي، أما المطالب الديمقراطية والحريات فتقوم بها قوى وفئات وسطى لديها وعي سياسي في الغالب. وبالتالي يتخذ النضال من أجل الحرية والديمقراطية شكلاً سياسياً واضحاً منذ البدء، وهو ما نشأ في البلدان العربية منذ عقود، لكنه ظل محصوراً في نخب، ومنفصلاً عن الصراع المجتمعي. ومن ثم تبع الحراك الشعبي الذي انفجر لحظة الشعور بالعجز عن العيش. وهذا هو وضع سورية بالضبط.images (3)
سؤال ثاني حول المعارضة: ما علاقة المعارضة؟ وكيف انخرطت هذه المعارضة بالثورة؟ رايك في اداء المعارضة مرحلة انطلاق التظاهرات في مدن سورية؟
جواب: كما أشرت، هاجس السلطة هو الذي كان يحكم المعارضة، حيث أنها تبلورت على أساس أنها أحزاب سياسية، تنشط فيما هو سياسي، وهذا ما كان يركّز نشاطها في المستوى السياسي. كانت ضد الإمبريالية، وهذا نشاط سياسي. ثم باتت تناضل من أجل الديمقراطية، وهذا نشاط سياسي كذلك، أي يتعلق بشكل السلطة السياسي وليس في جوهرها الطبقي. وكان الصراع مع السلطة قد شكّل وعيها، حيث أصبح الاستبداد هو هاجسها. لكن أصبحت السلطة كسلطة هي المشكّل لسياساتها، بمعنى أن عنف السلطة، والسجن الطويل لكادرها، وجبروت السلطة الذي ظهر في تعامله مع المجتمع (خصوصاً في حماة سنة 1980/ 1982)، قد أسّس لكل تكتيكها التالي، الذي ظهر قبل الثورة وخلالها. لقد أصبح الشعور بالعجز عن إسقاط السلطة هو المحدِّد لتكتيكها، لهذا إما ناورت لكي تقنع السلطة بالانتقال من الاستبداد إلى الديمقراطية بعد أن هادنته طويلاً، أو أصبحت تعتقد أنه ليس من خيار سوى التدخل العسكري الإميركي كما حدث في العراق سنة 1991 ثم سنة 2003.
وإذا كان القمع والاعتقال الطويل قد أسّس لتهميش هذه الأحزاب وضعفها، فقد أدت سياساتها بعد استلام بشار الأسد السلطة إلى زيادة في تهميشها، فقد عاشت حالة اغتراب عن المجتمع، وتمحور مجهودها حول “السلطة”، أي في المستوى السياسي، تحت هاجس الحرية والديمقراطية أو الانتقام. وكانت ترى في التحولات الاقتصادية المتسارعة نحو اللبرلة ضرورة على أمل الوصول إلى نظام ديمقراطي. بينما كانت هذه السياسة هي التي أفقرت وهمّشت وأوجدت هذا العدد الكبير من العاطلين عن العمل، وفرضت انحدار “الطبقة الوسطى”، وانهيار الاقتصاد عموماً. حالة الاغتراب هذه، والهدف الذي حكمها كأحزاب، فرضت ألا ترى أثر التحولات الاقتصادية على الطبقات الشعبية، وألا تلمس إمكانية أن تثور. خصوصاً أنها صراعها “الدونكيشوتي” ضد السلطة منذ السبعينات، والسلطة في عزّ قوتها من حيث استقرار القاعدة الاجتماعية، كان يؤسس لديها نظرة سلبية للشعب (وحتى تحقيرية أحياناً)، نظرة ترى في الشعب كتلة جرى تطويعها وإخضاعها وخنوعها، و”تبعيثها”. الأمر الذي كان يجعلها تخرجه من حساب “الصراع”، وتبقي ميزان القوى قائماً بين السلطة (جبروتية القوة) والأحزاب المنهكة والمدمرة. لهذا راهن بعضها على أن “تعقل” السلطة وتقبل الانتقال إلى الديمقراطية، أو شطح بعض آخر نحو “التدخل الخارجي”.
هذا الوضع لم يكن يسمح بتوقع ثورة، حتى بعد بدء الثورات في تونس ومصر وليبيا واليمن والبحرين، فقط الشباب هو الذي لمس ذلك. وبالتالي ظل السياق السياسي للمعارضة هو هو، طبعاً حتى بعد نشوب الثورة. لهذا بقيت “مذهولة” لأسابيع قبل أن تفيق على أن ثورة تحدث في سورية.. لكنها أخذت ترسم سياساتها بعيداً عن واقع الثورة ومطالبها وظروفها، استناداً لمنطقها ذاته. فاندفعت، إما تطالب النظام بتحقيق الانتقال من الاستبداد إلى الديمقراطية، وإصلاح بنيته، ثم استندت إلى الضغط العربي والدولي لتحقيق ذلك كما في هيئة التنسيق لقوى التغيير الديمقراطي، أو سارعت إلى ترتيب بناء شكل سياسي في الخارج يهيئ لتحقيق التدخل الأميركي. ومن ثم تمحور خطابها على شتم النظام وتبيان فظائعه (بعد أن تمرّد الشعب لأنه يعرفها)، واستجداء التدخل، وتركيز النشاط على هذه النقطة تحديداً، وربط مصير سورية بها وليس بالثورة، ومن ثم باتت تندب القتلى في سيمفونية هزلية لتعزيز استجداء التدخل. لهذا صارت المعارضة طرف ثالث، له سياساته التي لا تتقاطع مع الثورة إلا بإسقاط النظام لدى البعض. وهذا ما جعل الهدف يقتصر على تحقيق الحرية وتجاهل مطالب الشعب، أو إسقاط النظام وتكريسها بديلاً بكل سياساتها التي لا تختلف عن النظام.
طبعاً كثير من قواعد الأحزاب شاركت في الثورة، بما في ذلك قواعد الأحزاب الشيوعية التي هي جزء من السلطة، لكن كان ذلك في الغالب خارج سياق سياسة الأحزاب، أو دون تخطيط “حزبي”، ودون سياسة يتبعها الحزب سوى اللحاق بعفوية الثورة. وهذا ما جعل الثورة تبدأ من الشباب الذي كان في الغالب دون وعي سياسي (ربما شباب بعض التنسيقيات كان يمتلك قدراً من الوعي)، وباتت تتطور عفوياً بتطور وعي هؤلاء وتراكم خبرتهم. وهذا ما جعل الأخطاء كثيرة، وتطور الثورة بطيئ. لكن سنلمس بأن سياسات المعارضة كانت تضرّ الثورة كذلك، خصوصاً في مسألة التدخل الخارجي لأن ذلك يتجاهل موقف الشعب الوطني، وخبرته على ضوء تجربة العراق. ومسألة تعميم “الطابع الإسلامي” للثورة وفرض الخطاب الإسلامي إعلامياً، ومن ثم البدء بشراء الكتائب المسلحة وأسلمتها. كل ذلك جرائم ارتكبتها بعض أطراف المعارضة. فقد أسهمت في الوصول إلى ما نحن فيه، بالضبط لأنها أخافت قطاعات مجتمعية كان يجب أن تنخرط في الثورة لكي تتوسع بسرعة وتشمل كل الشعب، وبالتالي لكي تفشل سياسة السلطة بتخويف الأقليات، والفئات الوسطى المدينية، وبعض القطاعات الشعبية. وبالتالي ظل النظام متماسكاً لأكثر من سنة قبل أن يبدأ في الضعف ويتراجع عن بعض المناطق، وهذا قبل توسع التسلح في الثورة بل كان نتاج حراك الشعب الذي فرض توسعه تصاعد الاحتقان في الجيش، وأدت الخشية من انشقاقه إلى وضعه في معسكرات مغلقة ومنع اتصاله بالخارج.
بالتالي يمكن القول بأن المعارضة لحقت الثورة، وعملت جاهدة لإخضاعها لأوهامها، واستغلالها لتحقيق مصالحها هي. وإذا كانت دعوتها للدخل الإمبريالي، وخطاب بعض أطرافها الطائفي يضران الثورة، فقد كان نقل مركزها إلى الخارج يشكل ضرراً كبيراً كذلك، لأنه فتح على رحيل كادرات وشباب من وسط الثورة إلى الخارج، البعض هرباً نتيجة تهديد حقيقي لكن الكثير نتيجة خوف أو سعياً نحو “الشهرة”. وهذا ما سمح بتفريغ الثورة من كادرات كان يمكن أن تنظمها بشكل أفضل، وبالتالي تمنع “انحرافها الأصولي”. لقد كان هدف فصائل أساسية في المعارضة (وهنا الإخوان المسلمين وإعلان دمشق والليبراليين) هو النشاط دولياً لجلب التدخل الخارجي، وظل محصوراً إلى الآن في هذا السياق، بينما كانت الثورة إلى الكادرات التي تنشط على الأرض لكي تتطور وتتنظم. وكانت تلك السياسة تضرّ الثورة نتيجة ما اشرنا إليه قبلاً، فقد وضعتها في “حضن القوى الإمبريالية”، وهذا ما كان يساعد في تعميم خطاب السلطة ضدها، ويعمم التشوش لدى قطاعات مجتمعية. فالشعب يثور لأنه يواجه نتائج اللبرلة، المرتبطة بالرأسمالية، ولهذا كان يتعزز موقفه الوطني الذي ظهر سابقاً، والمعارضة تريد البلدان الرأسمالية وتعتمد على البلدان التي تصنّف بأنها عدو.
سؤال ثالث: لماذا حلب كمدينة لم تخرج في التظاهرات خلال الاشهر الاولى للثورة، وكنا نسمع تعليقات ذات طابع عنصري من ابنائها تجاه الريف الذي كان يشتعل بالتظاهرات السلمية؟
جواب: حلب كما دمشق كانتا مركز النشاط الاقتصادي الذي تحقق بفعل النمط الاقتصادي الذي تشكّل خلال عقدين سابقين، والذي كان يقوم كما أشرنا على الخدمات والعقارات والسياحة والاستيراد والبنوك (التي كانت بدأت تتغلغل). وكان هذا النشاط يخدم فئات اجتماعية متعددة تمركزت في هاتين المدينتين. سواء تعلق الأمر بالتجار وكبار الرأسماليين، أو تعلق بالناشطين في القطاعات الاقتصادية تلك، أو نخب من المهندسين والمحامين والأطباء والصيادلة، وحتى العاملين في التقنيات الحديثة والسياحة، ومتوسطي التجار. كل هؤلاء تمركزوا في دمشق وحلب، وأوجدوا حيوية اقتصادية أفضل مما في المدن الأخرى والأرياف. على العكس فقد هُمِّشت مدن وكل الأرياف.
لهذا كان من الطبيعي ألا ينخرط هؤلاء في الثورة، بل أن يكونوا داعمين للسلطة ومعادين للثورة. ولأنهم يشكلون كتلة مهمة فيهما كان من الطبيعي أن تتأخر الثورة فيهما، أو أن تبقى مناطق مهمة فيهما ضد الثورة. من تحرّك فيهما هي الأطراف المفقرة ذات الصلة بالريف، أو المدينية. أما حول التعليقات ضد الريف فنجدها في كل المدن، وهذا إرث تاريخي. ويمكن لمس أثره في ردة فعل الريف على المدن خلال الثورة. وحلب مثال واضح في هذا المجال، حيث تحقق “زحف الريف على المدينة”، رغم أن الثورة كانت قد بدأت بالفعل في حلب، وكانت روح الانتقام موجودة كذلك من قبل الريف ضد المدينة. وهذا أحد مشكلات الثورة العفوية، حيث تبرز “الأحقاد” التاريخية بشكل سلبي.

تعليق اول: في رؤيتك للثورة السورية والتي اتابعها اختلفت معك حول بعض العناوين، أولها رفضك الشديد للتدخل الدولي لحماية المدنيين، والذي اثبتت كافة الوقائع، أنه ارحم بما لا يقاس من مجازر السلطة الاسدية، ومهما كان هذا التدخل فإنه سيضع حدا لهذه المجازر، مع ذلك رفض التدخل الدولي يعني معنى واحدا في ظل ما كان يجري على الارض في الاشهر الأولى، وكما أنه ليس موضوع رغبات، المعنى هو ابقاء السلطة مالكة للقوة القاتلة، والتي قطعت المدن والقرى، وقتلت المدنيين بشراسة، علما أنك تعرف أن التدخل موجود بكل انواعه وشديد الحضور لدرجة المجزرة، ألا تعتقد أنك بموقفك هذا تقدم خدمة مجانية للسلطة المجرمة، علما أن الاسد نفسه قد صرح: أنه مطمئن لأن أمريكا لن تتدخل عسكريا في سورية؟
رد على التعليق: في هذا التعليق تنطلق من أن إرادتنا كانت المقرر في التدخل أو عدم التدخل لـ “حماية المدنيين”، وهذا إشكال في التحليل لأن المقرر هو مصالح القوى الإمبريالية، وكان واضحاً منذ البدء أن هذه القوى لا تريد التدخل، وبالتالي حتى من المنظور البراغماتي تصبح المطالبة لا معنى لها، بل ضارة نتيجة انعكاسها على قطاعات مجتمعية أخيفت من التدخل فوقفت ضد الثورة أو ترددت كثيراً قبل أن تنخرط في الثورة، وهذا ما أضرّ الثورة لأنه أعطى مدى زمنياً للسلطة لكي تبقى متماسكة. هذا ما قلته في حينها، وبالتالي دعوت للفعل لتطوير الثورة بدل الركض خلف وهم، وتجنب استثارة قطاعات مجتمعية بدعوات تضرّ، وكان ذلك أجدى وأهم من أجل انتصار الثورة. ولهذا أجد أن الجهد الأساسي للمعارضة الخارجية ضاع خلف سراب (كما يظهر الآن)، وأضرّ الثورة كذلك.
النقطة الأخرى، ربما ما كان التدمير والقتل الذي ستمارسه تلك القوى ليصل إلى ما قامت به السلطة، لكن كان سيكون هناك تدمير كبير أولاً، والأخطر هو أنه كان سيجهض الثورة ويحوّل الصراع إلى وجهة مختلفة تخلط مواقف الشعب ذاته ثانياً، وثالثاً كان سيزرع الصراع الطائفي فعلياً، حيث سيجلب القوى الأصولية كما الأمر الآن، لكن كان سيوجهها نحو تصعيد الصراع الطائفي وتحويل كل ما يجري إلى صراع طائفي ثالثاً، وهذا أخطر مما جرى إلى الآن. وإذا كانت تلك القوى تريد ذلك وليس الحرية والديمقراطية كما ظهر في العراق فلماذا تتدخل وهي ترى أن السلطة يمكنها أن تقوم بذلك؟ وهذا أيضاً قلته في حينها.
النقطة الثالثة، أشير إلى “نزعة الاعتماد على التدخل الخارجي” التي تظهر الإقرار العجز الذاتي، وبالتالي تميّز بين الشعب الذي صنع الثورة والمعارضة التي كانت قد وصلت إلى مرحلة “الخصي”. فالمعارضة (أشير هنا إليها كلها) لا تثق بأن الشعب قادر على صنع ثورة والانتصار فيها فيما إذا جرى تنظيم فعله، بل تحتقر الشعب، وتنظر إلى ذاتها نظرة نرجسية تجاهه، لكنها تظهر في أقصى عجزها في مواجهة السلطة لهذا تركض إلى طلب التدخل الخارجي لكي تنتصر على عدوها. طبعاً هذا المنطق يطرح مسألة المقارنة بين تدمير السلطة وتدمير القوى الخارجية، لأنه لا يرى أنه كان بإمكانه أن يطوّر الثورة ويحدث تغييراً كبيراً قبل أن تقوم السلطة بكل هذا التدمير. فقيمة الأحزاب عادة تكمن، إضافة إلى تنظيم الثورة، فهم وضع السلطة ومعرفة مكامن قوتها، وترتيب كيف يمكن شلها، وبالتالي ما هي الإستراتيجية الأدق لإسقاط السلطة؟ وبالتالي كيف يمكن الإفادة من قدرات الشعب، وتسريع توسع الثورة؟ هذا هو الفعل الضروري في الثورة الذي لم تفكر به المعارضة، بل هربت لاستجداء التدخل الإمبريالي.
هذا ما كان يجب أن تقوم به المعارضة، أما التدخل الإمبريالي فيخضع لمصالح القوى الإمبريالية ذاتها وليس لإرادة أحد غيرها. وحين يحدث لا يأتي بقوى تحكم فعلياً، بل يؤسس لدولة هشة كما شاهدنا في العراق، تبقي الصراع الداخلي مفتوحاً. حتى في ليبيا حيث التدخل كان محدوداً لأنه اعتمد على القصف الجوي، فقد وجدنا الفوضى لأن القوى المعارضة ليست أهلاً لكي تؤسس دولة. بالتالي حتى فيما إذا كان هناك تدخل في سورية وأُسقطت السلطة، هل تستطيع المعارضة بناء دولة؟ مؤسي أأنا نفكر فقط بإسقاط النظام ولا نطرح كيف نبني دولة، وهو الأمر الذي لا يتحقق إلا عبر فعلنا مع الشعب، وتطوير قدراته. وهذا هو طريق انتصار الثورة والاتيان بسلطة جديدة تعبّر عنه.
تعليق ثاني: لك رؤيتك في المسألة الطائفية، ألا تعتقد أن هنالك فارقا بين توصيف النظام بأنه نظام طائفي وبين توصيفه بأنه نظام علوي؟ علما أن رؤيتك ترفض كلا التوصيفين، ليحتل الجانب الطبقي في رؤيتك الاساس الذي تبني عليه رفضك، وهذا ما اتضح اكثر في حوارك الاخير مع فيكتور شمس؟ اعتقد أن هنالك حالة شاذة في سورية تنبع، من أن التطييف السلطوي، لا تحميه اكثرية طائفية موضوعية، كحال النظام الايراني، لكن هل هذا منع النظام من أين يكون نظاما طائفيا بمعنى أنه في جوهره يستند على التطييف العرفي إذا جازت لنا التسمية، لأنه يستند على أقلية طائفية. فهو عاجز عن دسترتها كما إيران، ولا يستطيع التخلي عنها. من الصعب القبول بتوصيف لهذه السلطة دون الاخذ بعين الاعتبار هذه الاشكالية، خاصة أنك تتهم المعارضة بالطائفية!! التي لم تعطنا نصا واضحا للمعارضة يبين طائفيتها. فما رأيك؟
رد على التعليق: لابد أولاً من أن نميّز بين الطائفية والاستخدام الطائفي فهما ليس أمراً واحداً وإلا كان الاستعمار الفرنسي الإنجليزي طائفياً، حيث عمل الاستعمار الفرنسي (أي الرأسمالية الفرنسية) على تفكيك سورية على أساس طائفي، وأسَّس لبنان على أساس طائفي، كما عمل الاستعمار الإنجليزي على تشكيل باكستان والدولة الصهيونية على أساس طائفي، وكان لدى الإمبريالية ىالأميركية مشروعاً لتفكيك المنطقة على أساس طائفي، وهذا ما فعلته في العراق بعد احتلاله، حيث أسسته على أساس طائفي. بالتالي يجب أن نبحث عن المصلحة التي تكمن خلف ذلك، وليس المساواة بين استخدام الطائفية أو الطائفية وبين الطائفية ذاتها التي يبدو أن معناها مشوش. حاولت تحديد معنى الطائفية في مقال “عن مسألة الطائفية” نشر في موقع الجزيرة نت، حيث أن الأمر يتعلق بتحويل “الوعي التقليدي” (سواء كان يخص دين أو طائفة) إلى مجال لنبذ الآخر والصراع معه على أساس هذا التقسيم. من هنا أشرت إلى طائفية أطراف في المعارضة، حيث اصبح الأمر يتعلق بالصراع مع العلويين (كما فعل الإخوان المسلمين نهاية سبعينات القرن العشرين كذلك). والخطر هنا يتمثل في أن الحديث عن طائفية النظام سيقود، كما يجري من قبل الأطراف الأصولية التي يبررها كل حديث عن طائفية النظام، إلى قتال العلويين عموماً، بحيث يصبح كل علوي مستهدف لأنه علوي فقط. بينما يقوم النظام بقتل كل من يخالفه ويعمل ضده من كل الطوائف، وخصوصاً من العلويين لكي يبقوا متماسكين حوله، لأنه اعتمد على قوى منهم في قمع الشعب، بالتالي يريدها أن تبقى متماسكة خلفه.
لقد عمل النظام على تخويف العلويين، ودعم نشوء قوى أصولية “سنية”، وتعميم خطاب طائفي “سني” من أجل ذلك، لكن هذا لا يساوي أنه طائفي بل يعني أنه يستغل العلويين في حرب الحفاظ على الذات. ومنطقه في التعامل الفعلي يقوم على أساس البقاء، تكريس سلطة المافيا الحاكمة، وليس الدفاع عن الطائفة، أو الاهتمام بمصالحها كطائفة، كل ذلك هو خارج حسابه. بينما النظام الطائفي يحرص على الطائفة، وينطلق من أيديولوجية طائفية، التي هي منظور أصولي لمعتقدات طائفة أو دين، وتؤسس كضد الآخر.
السؤال الضروري هو، هل أن تماسك معظم العلويين خلف النظام هو نتاج “الوعي الطائفي” أو نتاج الخوف من الآخر؟ تحليلي أن هذا التماسك هو نتاج عملية التخويف التي قامت بها السلطة، والضغط العنيف على العلويين لكي يبقوا خلفها من جهة، ومن جهة أخرى الخطاب الذي طرح من قبل أطراف معارضة وفي الإعلام (الخليجي والعالمي)، والدور العملي لإنشاء قوى أصولية مشاركة بين السلطة وقوى إقليمية أولها السعودية. ويمكن العودة في ذلك لصفحة الثورة السورية ضد بشار التي لعبت دوراً محورياً في تعميم الخطاب الطائفي، سواء بالتعليقات أو بتحديد أسماء أيام الجمع. وكذلك مجمل المواقع الطائفية التي كان خلفها شباب الإخوان المسلمين، وأيضاً خطاب وتصريحات كثيرة لنخب وقيادات في المعارضة، من عبدالرزاق عيد (يمكن العودة إلى أول مقابلة نشرها موقع شفاف الشرق الأوسط بعد خروجه من سورية، وكثير غيرها)، ويمكن أيضاً متابعة التأييد والدعم لجبهة النصرة، ثم داعش، وجيش الإسلام، التي كلها كانت تطرح خطاباً طائفياً ممجوجاً. دون أن ننسى الدور الكبير الذي لعبه عدنان العرعور في المراحل الأولى من الثورة، والذي استخدم كواجهة للثورة بينما كانت فتاواه ضد العلويين والشيعة تنتشر بهمة كبيرة، وكانت المخابرات هي من يعممها على العلويين خصيصاً، ويطلب متابعة قناة الوصال. كل ذلك قبل أن يصبح شعار القناة “الدم السني واحد”.
طبعاً هناك طائفيين من العلويين، كما من السنة، قتلوا على أساس الطائفة والدين، وهذه ممارسات شهدناها في عديد من المناطق نتجت عن التحريض. ولكن هذا لا يجعلنا نقول بأن النظام طائفي، النظام يدافع عن مصالح مافيا حاكمة، وسيفعل كل ما يستطيع من أجل ذلك، حتى بقتل العلويين، ولقد ضحى بعشرات الآلاف منهم من أجل ذلك. والسؤال الذي يجب أن يطرح هنا هو، هل أن النظام في صراعه ضد الثورة يقاتل دفاعاً عن العلويين كطائفة أو يقاتل دفاعاً عن مصالح المافيا الحاكمة؟ لأن الإجابة على ذلك تفتح على فهم كيف يستخدم الطائفة، هل لأنه يمثلها كطائفة ورأى أنها مهددة أم لأنه يرى أنه مهدد ويريد الطائفة عن تدافع عنه؟ طبعاً هو يستخدم الطائفة كما أشرنا، كما يستخدم كل الممكنات الأخرى، مثل الطائفية المقابلة (دعم نشوء جبهة النصرة وكل القوى الطائفية “السنية”)، واستغلال كل الصراعات الهامشية.
ربما كان الأساس الذي يغذي نشوء فكرة طائفية النظام هو أنه يستند في بنيته إلى أشخاص من الطائفة العلوية، لكن إذا عممنا الأمر على كل النظم التي استندت إلى فئات ريفية نجد أنها اعتمدت على أشخاص من العائلة أو المنطقة (العراق، الجزائر، ليبيا، السودان …)، كيف نفسّر هذه الظاهرة؟ هل ننطلق من تحليل سسيولوجي أو ننطلق من التقسيم الطائفي؟ بمعنى هل أن الرابط الذي يفرض أن يعتمد الدكتاتور على أبناء منطقته هو رابط طائفي أم اجتماعي؟ المنظور الطائفي يجعل نظام صدام حسين سني، ونظام حافظ الأسد علوي، ولكن ماذا نسمي نظام القذافي أو النظام الجزائري؟ المسألة هنا تتعلق بفهم الأساس الذي يقيم “الريفي” علاقاته عليه، أظن هنا أن الثقة تقوم على المنطقة وليس على أي شيء آخر، وليس على الدين أو الطائفة. لهذا تشكل نظام حافظ الأسد في إطار “تنافس” بين مناطق علوية، أي بين كبار الضباط من منطقة طرطوس الذين كانوا مع صلاح جديد وضباط جبلة الذين كانوا مع حافظ الأسد. ولا شك في أن تشكيل السلطة من فئات من منطقة معينة يفتح على تحقيق بعض مصالح تلك المنطقة عبر العلاقة ذاتها الخاصة بالمنطقة، لكن ذلك لم يجعل الطائفة تعيش وضعاً أفضل، ولا منع شبيحة آل الأسد من سحق العلويين، وجعل السيطرة على أرضهم ممكنة. لهذا كان الساحل من أفقر مناطق سورية. وهو ما يطرح التساؤل حول عدم مشاركته في الثورة رغم ذلك؟
هنا يجب أن نعود لإستراتيجية السلطة (بالتوافق مع قوى إقليمية، أخصّ السعودية)، ولدور الخطاب الطائفي المعارض، ودور الإعلام، والشغل على الأرض لأسلمة الثورة (ايام الجمع، فرض تسمية إسلامية للكتائب المسلحة)، والخلط في الصراع بين السلطة وبين العلويين على أساس أن “النظام طائفي”. وهذا أخطر ما مورس منذ بدء الثورة للوصول إلى الوضع الذي نحن فيه. وهذا ما يجعلني أشدد الرفض لكل تحليل يقول بطائفية النظام، لأنه يصبّ في ما يريد النظام، ويهيئ الأرض لتعميم الأصولية كما شهدنا، حيث باتت القوى الطائفية هي التي تظهر كممثل للثورة. إن القول بطائفية النظام، رغم خطئه، يفتح على فهم أن النظام يمثّل الطائفة، وبالتالي أن الطائفة مسئولة عما يجري، من ثم يكون استهدافها “صحيحاً”، الأمر الذي يفرض نشوء رد فعل “سني”، مما يحوّل الثورة إلى صراع طائفي. الأمر غير ذلك بالتأكيد، وكل الدفع لتأكيد طائفية النظام هو كما أشرت مراراً من أجل تخفية منظور طائفي بات يحكم قطاعات من النخب، لكن الأمر خطر لأن هذه النخب تلعب دور المبرر لسياسات داعش والنصرة وجيش الإسلام وكل القوى الطائفية، التي لجمت في الفترة الماضية عن أن تصعّد الصراع الطائفي، وربما تسعى الآن إلى ذلك.
سؤالي الاخير عن الثورة السورية: رؤيتك للأفق وإلى أين نسير؟
جواب: الأفق لازال مشوشاً الآن، رغم أنني أعتقد أن التغيير محقق. فهناك استعصاء داخلي ناتج عن عجز السلطة عن الحسم، وفوضى الثورة التي لا تسمح بالحسم. وإذا كانت السلطة قد استمرت نتيجة الدعم الكبير من قبل إيران وحزب الله والميليشيا الطائفية العراقية (وحشد طائفي آخر)، فإن دور هذه القوى سيتأثر بما يحدث في بلدانها. حيث أدت مشاركة حزب الله إلى توتير الوضع اللبناني، وبتصاعد الاحتقان حتى لدى الشيعة (قاعدة حزب الله)، وهو الأمر الذي يفرض عدم الغوص أكثر في الصراع السوري، أو تسريع الحل قبل انفجار الوضع اللبناني بعد أن بات لبنان بلا رئيس. والعراق تفجر ضد النظام، وأخذت الميليشيا الطائفية العراقية تنسحب من سورية، ولا شك في أن تصاعد الصراع أكثر سوف يربك ليس النظام العراقي فقط بل كذلك إيران وحزب الله، وربما نحن ذاهبون لتغيير المعادلة في العراق. وإيران باتت مرتبكة نتيجة دورها في سورية والعراق، وربما عاجزة عن متابعة الصراع على الجبهتين، كما أنها مأزومة اقتصادياً نتيجة الحصار الأميركي وتسعى للتوصل إلى تفاهم. كل ذلك ربما يسرّع في التوصل إلى حل سياسي في سورية. وفي هذا المجال بات هناك أكثر من متدخل بعد أن كان الحل مرتبطاً بالتفاهم الأميركي الروسي، وبمنح سورية لروسيا، والسعي الأميركي للتوصل إلى حل على ضوء مبادئ جنيف1، لكن وضح بأن الروس لم يستفيدوا من انعقاد جنيف2، ثم انفجرت الثورة في أوكرانيا مما أربكهم، وجعلهم يهملون الوضع السوري مؤقتاً. هذا فتح على أن يصبح الأمر متعلقاً بالعلاقة السعودية الإيرانية، والسعي لتفاهم مشترك حول سورية. هل سيصلوا إلى حل؟ وهل ستبقى روسيا مهمشة؟ لم أبلور بعد تصوراً حول ذلك، لهذا أترك الأمر مفتوحاً، رغم أن الحل الراهن لازال مرتبطاً بدور القوى الدولية/ الإقليمية.
لكن يمكن القول بأنه إذا لم يتحقق حل الآن، وتفاقم الصراع أكثر في العراق، وبالتالي ارتبكت إيران أكثر، وتصاعد الاحتقان في لبنان، مما يؤدي إلى انسحاب هؤلاء من سورية فسيكون انهيار النظام محققاً. ومع الأسف ليست المعارضة مؤهلة لتولي السلطة مما سيفتح على فوضى. ربما هذا احتمال ضعيف نتيجة أن القوى الأخرى لن تسمح بالفشل والخروج من سورية هكذا دون “إنجاز”، بالتالي ربما نعود إلى الحل السياسي الذي يجري الحديث عن خطوات تجري “تحت الطاولة”. ما هو؟ ما أستطيع قوله هو أن أي حل لا يقوم على استبعاد بشار الأسد ومافياته لن يلاقي النجاح. وأظن أن المطلوب الأساسي الآن هو إعادة بناء الثورة على أساس برنامج واضح يطرح كل مطالب الشعب ويهدف إلى تأسيس دولة علمانية ديمقراطية. الأمر الذي يقتضي إعادة صياغة القوى الفعلية على الأرض، وتنشيط الحراك الشعبي، وإعادة بناء العمل المسلح على أساس إستراتيجية تتجاوز منطق “التحرير” لكي تقوم على أساس حرب العصابات، والصراع الجدي ضد الأسلمة والقوى الأصولية، وأيضاً الترابط مع الحراك في العراق وإيران ولبنان.
الاسلام السياسي والثورة؟
سؤال أول: هل هنالك فارق برأيك بين الارهاب الجهادي والاسلام السياسي؟
جواب: هناك فارق طبعاً، رغم أن ظاهرة “الجهاديين” نتجت عن توافق إخواني سعودي وإشراف أميركي وتدريب باكستاني لمواجهة السوفييت في أفغانستان، وقامت على تنظير قيادي إخواني أردني هو عبدالله عزام الذي قال بتحالف الإيمان ضد الإلحاد. وربما لازال هناك شربكات بين الطرفين، وسيولة تسمح بمرور الإخواني إلى “الجهادي”. لكن الأساس الاجتماعي للظاهرتين مختلف بعض الشيء، حيث أن الإسلام السياسي، المتمثل في الإخوان المسلمين خصوصاً له أساس اجتماعي، هي الفئات التجارية التقليدية (والتي لم تتورع عن النشاط المافياوي كذلك)، وبالتالي فهو “حزب سياسي” يعتمد الأصولية التي تعني “تطبيق الشريعة” و”إقامة دولة الخلافة”، وهي التعبير عن سعي تلك الفئات التجارية إلى الهيمنة الطبقية، وفرض تشكيل مجتمع ينحكم لها، ويتأسس على منظورها الأيديولوجي، الذي هو بالأساس منظور أخلاقي شكلي جداً يغطي آليات النهب والفساد التي تمارسها.
أما “الجهاديين” فهم فئات مهمشة، سواء اقتصادياً أو مجتمعياً أو نفسياً، تقاتل من أجل وهم، حيث أن الدولة التي تطرح تحقيقها هي بدائية ولا تسمح بنشوء دولة أصلاً، لأن تحقيقها يفترض القتل والتدمير، وهو ما يبدأ منذ أن تضع قدمها في أي منطقة مما يفرض استثارة الصراع والقتل والفوضى أكثر مما يهيئ لبناء دولة، كما حدث في العراق وشهدنا في سورية. إذن هم مهمشون لا يستطيعوا سوى أن يكونوا قوة تدمير. طبعاً إضافة إلى سهولة اختراقهم أمنياً من قبل أجهزة دول متعددة، وبالتالي يوضعون في سياق يخدم سياسات تلك الدول.
سؤال ثاني: وكيف استطاع اختراق الثورة من نقاط ضعفها: اجرام النظام ضعف الموقف الدولي وضعف تيارات المعارضة الاخرى؟
جواب: في هذا المجال هناك واقع موضوعي سمح بذلك، وهو بساطة الشباب الذي خاض الثورة وتدينه “الطبيعي” (أو التقليدي)، خصوصاً بعد أن تصاعدت وحشية السلطة، وتم اللجوء إلى السلاح كأساس لمواجهتها، وبالتالي الحاجة إلى المال والسلاح لضمان استمرار القتال. وما سمح ربما بأن تقود البساطة إلى ذلك هو مواقف بعض أطراف المعارضة المؤيد لجبهة النصرة ثم لداعش، والتهليل لدورها “الكبير” ضد السلطة. وهي بهذا ارتكبت جريمة لا بد من أن تحاسب عليها.
المسألة الأخرى تتعلق في أنه يمكن القول بأن النصرة وداعش صنّعتا تصنيعاً، من قبل السلطة التي اطلقت سراح مئات القيادات والكوادر بعد أن قررت الانسحاب من الشمال والشرق نتيجة احتقان معظم قطاعات الجيش، والخوف من زجها في الصراع، وكانت تخترق بعض هؤلاء وتعرف ماذا سيفعل هؤلاء بعد خروجهم بعد أن كانت تروج على أن القاعدة تتواجد في مناطق “الفراغ الأمني”. وعملت على مساعدة النصرة في الحصول على السلاح من الجيش، كما قامت بتسليمها مواقع كانت مضطرة للانسحاب منها، وهو ما فعلته مع داعش كذلك.
ثم ثالثاً دور السعودية التي كان يبدو أنها في توافق مع السلطة حول الأمر، وبالتالي عملت على تمويل إرسال “الجهاديين”، حاولت ذلك عبر الأردن فلم يتحقق ذلك نتيجة تخوف النظام، ولكن أردوغان فتح الأبواب لهم. وبالتالي باتت كل أجهزة المخابرات الدولية المعنية بتخريب الثورة ترسل “جهادييها”.
هل داعش نتاج حالة استخباراتية مافوق دولتية أم انها نتاج حالة ثقافية كما يرى بعض المحللين؟
كما أشرت هي حالة “مجتمعية” بالأصل، أي هي نتاج وجود فئات مهمشة، بسيطة (وحتى ساذجة) تستغل من قبل دول وأجهزة أمنية. المسألة هنا لا تتعلق فقط بتخلف اجتماعي، بل تتعلق بتهميش شديد يسمح بأن ينتج “انتحاريين”، ولهذا فهي نتاج البيئات الأكثر تخلفاً وتهميشاً، وهي بذلك محدودة الحجم. لكن الخطر في أنها تكون مطواعة لتسيير الأجهزة الأمنية. لهذا نجدها تهرع إلى المناطق التي تشكل خطراً على أميركا والنظم، ولا تقاتل أميركا (إلا في الإعلام، أو بقرار أميركي) أو الدولة الصهيونية، أو إيران. زحفت إلى العراق فخرّبت المقاومة، وزحفت إلى ليبيا لتعيش في فوضى، وأيضاً زحفت إلى سورية بعد عام من الثورة، وبعد أن اصبح واضحاً أن السلطة تضعف، وتتراجع سيطرتها.
سؤال ثالث: ما رؤيتك لها ودورها الماضي والمستقبلي في سورية؟
جواب: الأمر هنا مرهون، من جهة بتطور وضع الثورة ذاتها، ومن جهة أخرى بممكنات الوصول إلى حل سياسي. فالحل السياسي لا بد من أن يقوم على تصفية تلك القوى داخلياً، وسحب الدعم الخارجي لها، وبالتالي تصديرها إلى مناطق أخرى. لكن الأهم هو كيف تتطور الثورة وتحارب على أكثر من جبهة لإسقاط النظام وتصفية هذه القوى التي أتت لتخريب الثورة، والمتداخل نشاطها مع حرب السلطة ضد الثورة، ومع مصالح القوى الإقليمية والدولية.
سؤال أخير: أين موقفك مما جرى في العراق في هذه الفترة ونحن في هذا الحوار، فرصة للقراء كي يسمعوا رأيا ولو مختصرا؟
جواب: ما جرى في العراق هو استمرار للصراع الذي بدأ ضد الاحتلال، ثم ضعف نتيجة اللعب بتنظيم القاعدة (الذي بات يسمى دولة العراق الإسلامية، والتي حددت حدودها في المنطقة الغربية من العراق فقط)، وبدا أنه انتهى مع “نجاح” العملية السياسية ومشاركة “السنة” فيها. لكنه عاد بعد الثورات العربية كحراك شعبي عام ضد النظام، ثم ضعف، لكنه عاد منذ عام ونصف تقريباً عبر اعتصام الساحات التي عمت عدداً من المحافظات العراقية. ولقد سحقت بالقوة. وكان آخرها اعتصام الأنبار الذي تحول إلى صراع مسلح، حيث لازالت الفلوجة محاصرة.
بعد ذلك تشكل المجلس السياسي العام لثوار العراق، ثم المجلس العسكري العام لثوار العراق. وهو من تحرّك أخيراً وسيطر على المحافظات الغربية. والمجلس العسكري يضم قوى قاتلت الاحتلال الأميركي، منها البعث وكتائب المجاهدين وكتائب الطريقة النقشبندية وآخرين. إضاقة إلى “ثوار العشائر” الذين تشكلوا في كتائب مسلحة بعد سحق الاعتصام. بالتالي ما يجري هو استمرار للصراع، الذي بات يهدف إلى إنهاء النظام الذي أتى الاحتلال به. ولا شك في أن القوى الشعبية هي الأساس فيه رغم وجود بقايا البعث، وضباط من الجيش العراقي المنحل (وهم من كل الطوائف)، ووجود قوى “سنية” تريد رد المظلومية التي وقعت على “أهل السنة”. المهم كيف يمكن أن يتوسع الحراك إلى كل العراق؟ وكيف يمكن أن يتبلور بديل واضح للنظام الذي شكله الاحتلال على أساس التقاسم الطائفي، وفرض بقوة قوى طائفية تشكلت في إيران ومدعومة من قبلها.
________
انتهى هذا الحوار المطول، نقاط الاختلاف لاتزال تحتاج للمزيد والمزيد من الحوار، أشكر المفكر الفلسطيني سلامة كيلة على جهده الذي لا ينكر في هذا الامر وعلى تحملي…
انتهى الحوار في صبيحة 26.06.2014

المصدر : موقع كلنا شركاء http://www.all4syria.info/Archive/154125

عن المسألة الطائفية

ككل المصطلحات، يعاني مصطلح الطائفية من سوء الفهم والتشوش، لهذا يختلط بالمنظور الطائفي، ويصبح مدخلا لرؤية طائفية مقابلة. فالطائفية تعني الانغلاق والتعصب، وهي في الدين تعني الانغلاق والتعصب لمنظومة دينية.

ولهذا، لا بد من التمييز بين الطائفة كوجود فئة معينة تحتكم إلى منظور ديني محدَّد متوارث تاريخيا، بغض النظر عن فاعليته، أو مدى التمسك به، وبين الطائفية التي تعني التعصب لذلك المنظور واعتبار أنه الحقيقة، ومن ثم رفض الآخر، والسعي لمحقه.

فالعادات والتقاليد الدينية لأي طائفة أو دين ليست منظورا دينيا، هي متوارث ديني ربما يجري التمسك الشكلي به، أو يجري التمسك بأساسياته العامة (العبادات)، هي أفكار وتصورات دينية تعممت في مرحلة معينة من التاريخ، وربما كانت بديلا عن أخرى، لكن في سياق الصراع الاجتماعي الذي كان قائما في الماضي.

ولقد أصبحت مع تطور الحياة، وتعقدها، وتلاشي فاعلية تلك الأفكار، أقرب إلى الموروث الشفوي، لكنها تعايشت في ما بينها، ولم تتفعل في شكل صراع إلا لسبب اقتصادي (تنازع على مناطق مثلا)، أو عبر تدخل خارجي كان يدفع لتحويلها إلى أيديولوجية تناحر. بالتالي، كان يستخدم الاختلاف لضرب التعايش، من قبل فئات وقوى لديها مصالح.

أما الطائفية، فهي تقوم على تأسيس “تماسك بنيوي” بين أفراد الطائفة من أجل فرض المنظور الديني على الذات وعلى الآخرين، بحيث يجري إظهار التميّز والاختلاف والأحقية، كما يجري تشويه الآخر، وبالتأكيد يجري استغلال الموروث من أجل ذلك. هنا يتحوّل التمايز والاختلاف إلى عداء.

وهذا “التماسك البنيوي” يقوم على موروث الطائفة، ويهدف إلى فرضه بوصفه سلطة سياسية بعد أن يكون قد رفعه إلى سلطة أيديولوجية، ولا يتحقق ذلك إلا بالشحن ضد الآخر، الذي هو الطائفة الأخرى أو الدين الآخر.

ويمكن أن نلمس شكلين لذلك: الأول يتعلق بتحويل المنظور الديني إلى أيديولوجية وتأسيس الطائفة على أساسها، وهنا يكون الصراع في داخل الطائفة أولا من أجل فرض “النقاء الديني”، والسلطة الواحدة التي تطبق المنظور الديني الخاص بالطائفة.

وهنا يمكن أن نورد جماعة الإخوان المسلمين والتيارات السلفية، وحركة أمل (بداية وجودها) وحزب الله وحزب الدعوة في العراق (وباقي المجموعات الطائفية)، وحزب القوات اللبنانية، والعديد من المجموعات الطائفية التي تشكلت على هذا الأساس، من مختلف الأديان والطوائف.

وفي هذا ليس من طائفة أكبر أو طائفة أصغر، لأن الأمر يتعلق بالمنظور ذاته، وبالتالي فإن كل تشكّل على أساس ديني يصبح تشكّلا طائفيا لا نستثني “الأغلبية” (السنة) أو “الأقليات” (الطوائف)، ولذا يمكن القول إن الطائفية هي التعلّق بما هو ماضوي يخص الدين، وتحويله إلى مطلق، وتوجيهه ضد الآخر.

أما الثاني، فيتعلق باستغلال تخلف وعي الشعب، ومحاولة اللعب على الاختلاف القائم على أساس ديني وطائفي، لدفع الطوائف لكي تتقاتل في ما بينها. هنا يجري استغلال مشاعر وموروث من أجل الصراع والتناحر، وتفكيك المجتمع.

وبهذا يدخل هؤلاء في حالة صراع طائفي رغم أنهم غير طائفيين بالمعنى المحدَّد للتو، بل لأن لديهم موروثا دينيا يجري التعامل معه بهذا القدر أو ذاك من الاهتمام، لكنه يشكّل المحدِّد لتمايز معيّن. في هذه المعادلة يمكن لقوة طائفية أن تعمل على ذلك، كما يحدث بالضرورة حين وجود قوى طائفية، وفق ما أشرنا من قبل.

وقد عملت القوى الاستعمارية على “التحريض الطائفي” والدفع نحو إشعال الصراع الطائفي، رغم أن القوى الاستعمارية ليست طائفية بعد أن باتت تؤسس لدول علمانية، وتعتبر الدين شأنا شخصيا.

وهنا نلمس أن صراعا طائفيا نشأ نتيجة هذا التحريض بين فئات مجتمعية ليست طائفية، لكن الشحن الذي يمكن أن يمارس وبعض التحريض والممارسة، يمكن أن يدفعا شعبا بسيطا لأن ينجرف في صراع طائفي، وهو بالضرورة ليس طائفيا، وتمسكه بالمنظور الديني شكلي إلى أبعد الحدود، ويمكن أن يعتمد الاستخدام على فئات منعزلة وتمتلك قدرا من التعصب الديني، مثل بعض المناطق المتخلفة والمهمشة الريفية بالأساس (جرود كسروان، ريف حلب، وما يمكن أن نجده في كل بلدان المنطقة).

بالتالي، سنميّز هنا بين الطائفي -أي الذي يمتلك أيديولوجية طائفية- وبين الذي ينجرف في لحظة إلى الصراع الطائفي نتيجة شحن الموروث في مواجهة الخطر الذي يمكن أن تشكله الطائفة الأخرى. الأول يعتمد على تماسك أيديولوجي وبنية مؤسسية، والثاني لا يمتلك غير الموروث في شكل مهلهل، لكن يمكن في ظرف معيّن شحنه. وهنا لا بد أن نرى أن هذا الشحن مؤقت، وخاضع للظرف القائم، وليس نتيجة تنظير أيديولوجي.

في الحالة الثانية يمكن تفكيك الشحن بتفكيك الظرف الذي أوجده، أما في الحالة الأولى فليس سوى الصراع مع تلك القوى التي تتأسس على أساس طائفي، الصراع الفكري من أجل تفكيك منطقها، وسحب قاعدتها التي تعتمد عليها من خلال الشحن الأيديولوجي.

ويمكن أن يكون الصراع أبعد من ذلك استنادا إلى فعل تلك القوى (في ما إذا قامت بعمل مسلح مثلا). هنا الصراع سياسي أيديولوجي (وربما مسلح)، حيث إن هذه القوى تمثل مصالح طبقية -مباشرة أو مضمرة- أو “ساكنة في اللاوعي”، أو موظفة لخدمة مصالح طبقية، فكل هذه القوى تنطلق من “الحرية الاقتصادية” بغض النظر عن مسمياتها الدينية- وتدافع عن فئات اجتماعية تمتلك الثروة، وتسعى إلى فرض مصالح هذه الفئات.

فحزب الكتائب اللبناني -مثلا- ليس طائفيا، بل يمثّل مصالح الرأسمال “المسيحي”، كما تشكل في التكوين اللبناني الذي قام على أساس تكريس سلطة الرأسمالية “المسيحية” في دولة “مسيحية” الطابع، لكن الحزب شحن المسيحيين طائفيا للدفاع عن سلطة هذا الرأسمال، والقوات اللبنانية تشكلت على أساس طائفي لدعم الرأسمال المسيحي كذلك.

أما حركة أمل التي انطلقت من دفاعها عن “المحرومين” (الكلمة التي كانت تعني -وفقه- الشيعة)، فقد هدفت إلى تحسين وضع الرأسمال الشيعي في الدولة اللبنانية. وحزب الله تشكل على أساس طائفي وكجزء من ولاية الفقيه، ورغم أنه أخذ كل “مجده” على أساس الصراع ضد الكيان الصهيوني، وتحرير الجنوب اللبناني، فقد خدم تحسين وضع الرأسمال الشيعي في الدولة، ولم يحسّن وضع المحرومين. وجماعة الإخوان المسلمين تمثّل فئات رأسمالية تقليدية (تجار بازار)، وقد سعت لأن يسيطر هؤلاء على الاقتصاد بعد سيطرتهم على السلطة في مصر.

بالتالي، فإن الصراع مع هؤلاء هو صراع طبقي، كونهم جزءا من التكوين الرأسمالي الرث المسيطر، أو الذي يسعى إلى السيطرة. والأيديولوجية الدينية هنا هي واجهة ذلك، والانغلاق والتعصب هما أساس تكتل الطائفة من أجل تشكيل قوة قادرة على الفرض. وهي هنا تشحن الفئات الشعبية من أجل تشكيل هذه القوة، فتستخدمها لخدمة مصالح مناقضة لها، على الضد من مصالحها.

هناك -إذن- منظور طائفي يهدف إلى خدمة مصالح معينة، أو حتى استرجاع أوهام ماضوية (السلفيون مثلا، ومنهم “الجهاديون”)، وهناك طوائف تشحن في لحظة نتيجة وضعها المتخلف من حيث الوعي (ككل الشعب)، ووضعها في ظرف يدفعها إلى ذلك (التهديد بالخطر أو الخوف من الخطر). وعدم فهم هذا الفارق يفتح على “تعامل طائفي”، حيث يجري التعامل مع الطائفة وكأنها هي كلها متماسكة أيديولوجيا وبنيويا في إطار طائفي.

ولذا، فإن أساس النظر هنا مهم، أي هل المنظور الذي ننطلق منه في فهم الظاهرة هو منظور طائفي أو هو منظور سسيولوجي؟ المنظور الطائفي يفرض أن تصبح الطائفة طائفية لأن هناك قوة طائفية تتحدث باسمها، أما المنظور السسيولوجي فهو يرى التكوينات الاجتماعية قبل أن يلمس وعيها والدوافع التي تحركها. لهذا نجد أن المنظور الطائفي يعمم كل ميل طائفي لدى قوة على الطائفة، ولا يميّز بين الطائفة والأيديولوجية التي تصبح هي أساس نشاط القوة الطائفية، فقط نتيجة أن هذه الأخيرة تعتمد على ما يُربط تاريخيا بالطائفة من منظورات هي تقاليد وعادات أكثر منها دين.

إن كل منظور يرى الطائفة طائفية هو منظور طائفي بالضرورة، وكل منظور يسارع إلى التعميم الطائفي هو منظور طائفي أيضا، وإن كل عدم تمييز بين “البنية الطائفية” التي تستند إلى تطبيق أيديولوجية دينية أو تخص طائفة، وبين الدين والطائفة هو منظور طائفي، حيث يرى في الواقع ما هو مخزّن في الوعي، ويؤسس فهم الواقع على التقسيم الطائفي القائم في الواقع مع إعطائه حده المتطرف.

هنا المنظور الذاتي هو الذي يحكم فهم الواقع وليس المنظور الموضوعي، الذي يحتكم لمنظور سسيولوجي، وما دامت الذات طائفية سترى في الواقع بنى طائفية، فتنحاز لطائفتها ضد الطوائف الأخرى، لتعود فتضخم من طائفية الآخر كي تدافع عن ذاتها على اعتبار أن الواقع هو الذي يفرض ذلك وليس لأن الذات طائفية.

المصدر: الجزيرة

حوار: الماركسية ليست معادية للدين

“سلامة كيلة مفكر ماركسي، ولد في بيرزيت بفلسطين عام 1955م، حصل على بكالوريوس العلوم السياسية من جامعة بغداد عام 1979م، عمل في المقاومة الفلسطينية، وانخرط في أنشطة اليسار العربي، ثم استقر في سوريا وتعرض للسجن ثماني سنوات، أصدر ما يزيد عن 30 كتاباً، كما كتب في العديد من الصحف والمجلات العربية”.


ـ بداية يطرح السؤال نفسه، أين اليسار مما يحدث في العالم العربي الآن؟

سلامة كيلة: فيالسنوات الماضية، كان مصطلح اليسار يشمل كل جماعة تستهدف التغيير الاجتماعي من القوميين إلى الشيوعيين، الآن الواقع كشف أن مجمل الأحزاب التي تكونت في الفترة الماضية أصبحت أحزاباً منتهية الصلاحية، والتغيرات التي حصلت في الفترة الأخيرة أدت لتهميش الأحزاب اليسارية التي لم تستطع فهم الواقع، وقد كتبت في عام 2010 “إن علينا أن ندفن موتانا”، تعبيراً عن واقع اليسار العربي، وعندما حصلت الثورات كان الشباب الذي خاضها يميل لإبعاد الأحزاب، لأنها تحولت إلى عبء، والسؤال المطروح الآن هل سيتأسس يسار جديد أم لا؟

ـ وما رأيك؟

سلامة كيلة: أعتقد نعم.

ـ ولكن كيف يمكن تأسيس يسار حقيقي في إطار وضع ثوري؟ وما هي شروط التأسيس؟

سلامة كيلة: تأسيس وعي جديد مخالف لثقافة الشفاهة الجامدة التي انتشرت في أحزاب اليسار؛ فالحزب يعتمد على التكتيك السياسي، وليس فهم الواقع كما هو، والعضو ملتزم بالتكتيك، والمثقف يضيق بتهميش مساحة الحرية المتاحة داخل أروقة الأحزاب، والسؤال كيف تتأسس نخب سياسية بناء على فهم التراث الفكري الإنساني وليس الماركسي فقط ؟ والسؤال أيضاً كيف يمكن استخدام الجدل المادي في فهم الواقع؟

ـ كيف يمكن تفسير نجاح تيار الإسلام السياسي الذي يتبنى سياسات اقتصادية يمينية في الانتشار بين الطبقات الاجتماعية المهمشة من فلاحين وعمال، بينما فشل الماركسيون في تحقيق ذلك، على الرغم من تمركز المشروع السياسي الماركسي حول هؤلاء؟

سلامة كيلة: استسلمت الأحزاب اليسارية للتفكير في السياسي دون التفات لواقع الناس، وهو ما دفعهم للتشرنق، وأصبحوا جزءاً من النظام السياسي، لم يعد النظر إلى المهمشين والفقراء ضمن أولوياتها، ولا سيما مع تحول الدولة إلى دعم الاتجاه الأصولي، وعلى الأخص الإخوان المسلمون في مصر وسوريا، لمواجهة الفكر اليساري لتمرير السياسات الليبرالية، ومع توسع حركة انهيار حركات التحرر الوطني دخل الإخوان المسلمون على الخط، مما دفع الدولة للصراع معهم، هنا ظهر أنهم وحدهم يمثلون المعارضة، وهذا ما دفع الشعوب للتعاطف معهم، وكان قيام حماس وصراعها مع إسرائيل، وما ظهر من قيادة الإسلاميين للصراع ضد الإمبريالية، حتى إنهم احتكروا الشعارات اليسارية، ومن منظور الليبرالية فالقوى الليبرالية كانت ترى أن الإسلاميين تطوروا إلى اتجاه ديمقراطي؛ أي أنهم ليبراليون، هنا احتكر الإسلاميون الشعارات اليسارية واليمينية، وقد تكشف كذب تلك الأفكار مع قيام الثورات العربية، وظهور عجز الإسلاميين عن المشاركة فيها بشكل فعال، وبعد تجربتهم في مصر ظهر أنهم ليسوا معادين للإمبريالية الأمريكية؛ لدرجة أن أمريكا أصبحت تدافع عنهم وكذلك إسرائيل، ولم يختلفوا على السياسات الليبرالية الاقتصادية، مما كشفهم أمام الناس، وأنا شاهدت كتلاً ضخمة في 30 يونيو من طبقات اجتماعية متفاوتة خرجت كلها بسبب كذب الإخوان، وخوفاً من طبيعة السلطة التي كانت أقرب للقرون الوسطى، مما أثار خوف قطاعات واسعة، وتفككت الرمزية التي حصلوا عليها، فهم ليبراليون من الناحية الاقتصادية يعبرون عن أفكار العصور الوسطى، هم تجار يعبرون عن الإسلام السني التجاري الذي ظهر بالحضر، بالإضافة لذلك، فهم لم يكونوا في حالة تناقض إيديولوجي ضد نظام مبارك أو بسبب تهميش وتفقير المصريين، ولكن بسبب تهميش كتلهم الاقتصادية. وأعتقد أن تجربة مصر قد أنهت تلك المرحلة، وكنت أدرك هذا جيداً، ففي 4 فبراير 2011 كتبت أن الأمريكيين سيأتون بهم وسيفشلون، وكذلك في سوريا حيث يلعبون دوراً تخريبياً بسبب وعيهم الخارج من القرون الوسطى ومستوى التفكير المحدود.

ـ الثورات العربية هدمت أنظمة استبدادية عتيقة، وأطاحت بالإسلام السياسي في مصر، ويبدو أنها تتجاوز كافة الإيديولوجيات القديمة، فهل تدرك نخب اليسار هذا التحول التاريخي؟

سلامة كيلة: اليسار لم يدرك التحول، ولم يدرك مطالب الناس وكيف تتحقق؛ فالبنى الحزبية القديمة حتماً ستنتهي؛ لعدم قدرتها على تغيير نفسها بسبب شيوخ الأحزاب، والقطيعة المعرفية والسياسية بين الشباب والأحزاب، وبدا أنها تسير نحو الموت؛ فالذهنية السياسية الحالية تجتر المفاهيم ليس إلا، حتى في نضالها السياسي اهتمت فقط بالتركيز على تجميع الكتل الثورية ضد مبارك ثم المجلس العسكري ثم الإخوان دون التركيز على البعد الطبقي، مما يدل على أنهم لم يلمسوا مشكلات الواقع وكيفية الوصول إلى تغيير حقيقي وجذري.

ـ ولكن هل النظرية الماركسية قابلة للتطوير والتطبيق في واقعنا العربي المعاصر؟ أم باتت من كلاسيكيات التاريخ؟

سلامة كيلة: ما معنى النظرية هنا؟ هذه هي الإشكالية، أنا أفهم النظرية بفهم الواقع، والنظرية عدة مستويات، وقد طور ماركس المنهج من الصوري إلى المادي الجدلي، وهذا يقوم على فهم مفتوح للواقع، أن نحلل الواقع ونطرح حلولاً لذلك الواقع ومشكلاته، وهذا ما فعله لينين؛ فقد اكتشف استحالة تكرار البرجوازية الروسية للمسار البرجوازي الغربي، وهذا ما دفعه لتطوير دور الدولة الاقتصادي، ما حدث بعد ذلك أنه تم تجميد النظرية وتحولت من جدل مادي إلى فكرة مثالية تنظم الواقع وتقيس الواقع على الأفكار، أصبح هناك فكرة مسبقة، ونسوا الواقع الملموس المنتج للأفكار، وانعكس ذلك على رؤية الأحزاب في السياسة إما مع أو ضد أمريكا، وهذا هو الإشكال، الاستسلام لبنى ذهنية وتطبيقها على الواقع، إنها المثالية البعيدة عن الواقع، لأن طرح فهم للواقع وصراعاته وتحديد مطالب الناس هو الهدف الأساسي للجدل المادي.

ـ ونحن نناقش تلك المفاهيم والمصطلحات التاريخية ومحاولات تطويرها، مصطلح آخر يطرح نفسه بقوة هو الفكر القومي، فهل هناك مستقبل للقومية العربية في مرحلة ما بعد الثورات؟

سلامة كيلة: في السنوات الأخيرة أصبح هناك انتباه للفكرة، لكن يجب التمييز بين الفكر القومي المثالي الذي طرح في فترة كانت الشيوعية عاجزة عن التعبير عن المسألة القومية وتبنيها، على عكس فيتنام والصين، لكن الأحزاب الشيوعية نتيجة ارتباطها بالسوفييت ظلت سياساتها ترفض المبدأ القومي، إلا أن قضية القومية ما زالت قوية، لقد انتشرت الثورة من تونس إلى باقي الدول العربية، ويجب وضع القومية في إطار مشروع طبقي واضح، فلا مستقبل للبلاد والصناعة بدون تكامل الأمة العربية، وهذا كان حلم محمد علي الألباني بأن يوحد السوق تحت اسم العرب، وكذلك عبد الناصر الذي لم يبدأ قومياً، وكان مشروعه حقيقياً يتبنى هذه المسألة.

ـ ولكن يبدو أن هناك قطيعة بين الفكر الماركسي والفكر القومي.

سلامة كيلة: لقد طرح ماركس وإنجلز المبدأ القومي بالبيان الشيوعي، والحزب الشيوعي الألماني كان هدفه توحيد ألمانيا، والآن مع الرأسمالية انتقل العالم إلى الدولة الأمة، والأممية مطروحة بهدف تحقيق تحالف أمم وليس أفراداً أو طبقات، والارتباط بالسوفييت فرض رؤى خاصة، فعندما ضُرب الحزب الشيوعي المصري كان الحزب الشيوعي الفلسطيني يتابع الوضع في مصر، وكان الميل القومي التحرري للوصول للاشتراكية هو الغالب، لكن الأحزاب الشيوعية العربية أخفقت، ولم تدرك أنه لا إمكانية للتطور إلا في ظل نظام اشتراكي، ولم تلعب هذه الأحزاب دوراً قومياً لتبعيتها للسوفييت، رغم أن فراغ السلطة كان يسمح خاصة في ظل الانقلابات المتتالية.

ـ في رأيك هل يستطيع الفكر الماركسي إعادة إنتاج نفسه وتقديم تصورات واقعية قابلة للتطبيق؟ أعني هنا عدم الجمود النظري والانطلاق نحو مساحات جديدة تحقق مطالب القطاعات العريضة من الشعوب على غرار ما فعله لينين فيما يعرف بسياسة الـ “نيب”NEP ؟

سلامة كيلة: الماركسية تحتاج لطرح تصورات جديدة ومختلفة للاستفادة من أخطاء التجربة السوفيتية وإيجابياتها، ويجب التأسيس لفهم حقيقي للارتقاء بحركة الناس، وخاصة مع الثورة التي تفتح أفقاً لإعادة بناء مجال حقيقي أمام الشباب للتغيير، والآن الشباب الذي يخوض الصراع مرتبط بتكوين حقيقي عضوي مع الواقع ومع البديل الاشتراكي، وتنتابه حالة إحباط من الرأسمالية التي فشلت في المجتمعات، كل هذا يدفع الشباب إلى البحث عن بديل، والنظم القديمة انتهت رغم محاولتها القفز على الواقع، والأحزاب القديمة انتهت، والشباب يبحث تطوير وعيه، وهناك حالياً مرحلة تخمر لتكوين البديل وفتح أفق جديد، والثورة ستستمر ما دامت هناك حاجات لم تشبع.

ـ كيف يرى المثقف الماركسي سلامة كيلة قضية العلاقة مع التراث الديني؟

سلامة كيلة: هذه المشكلة طرحت في مرحلة ما انطلاقاً من منظور خاطئ، أصبح هناك اعتقاد لدى قطاعات من المثقفين بأن انحسارهم وتقوقعهم ناتج عن عدم فهم الوعي الشعبي، والابتعاد عن تراث تلك الشعوب، وبعضهم انتقل من الماركسية للفكر الإسلامي، بالأساس أعتقد أن المسألة أعمق من ذلك، فكيف نفهم تاريخنا ونربط بين علاقة الحاضر بالتاريخ؟ لا بد من فهم التاريخ بشكل علمي لكي نصل لاستنتاجات صحيحة، لا أن نخضع لابتزاز القوى الإسلامية، فالأساس هنا هو كيف نبلور بديلاً يتضمن التاريخ، ويستوعب مشكلات الحاضر ويؤسس لمستقبل بديل، فالإسلام جزء من التاريخ وليس مجرد دين، وكل النقاش الحالي دائر في مجال العقيدة، لا بد أن نناقش ماذا لعب الإسلام في التاريخ من أدوار وماذا قدم للاقتصاد والسياسة والتاريخ؟ وهذا ما تأملته في كتاباتي، وأنا لست معنياً بالمنظور الفقهي، وهناك شخصيات، مثل علي عبد الرازق الذي قام بتفكيك الدين من الداخل للدفع بحركة التاريخ، لا بد من مساءلة التاريخ وتحليله وفهم الإسلام في سياقه التاريخي.

ـ ولكن هل يمكن أن يتبلور موقف ماركسي جديد من الدين؟

سلامة كيلة: الماركسية ليست معادية للدين، وهناك فارق بين الإلحاد والمادية، وهذا ما تبلور في الدولة العباسية ودفع الغزالي للهجوم على الفلسفة ظناً منه بأنها تؤسس للإلحاد حسب وجهة نظره، ثم انطلق ابن رشد ليوازن بين الدين والفلسفة. الماركسية تنطلق من الإنسان لذلك فهي تحترم حقه في العبادة، وبالتالي فهي أيضاً في قطيعة مع الفهم الأصولي للدين الذي يحاول فرض عقيدته على الآخر، وعندما نقرأ “في المسألة اليهودية” نرى الإيمان العميق بحق الجميع في حرية التعبد. كان الاتهام الدائم للماركسية بأنها تدعو للإلحاد نوعاً من الهجوم والتشويش على الماركسية للتخويف منها، انطلاقاً من مسألة قديمة هي ثنائية الإيمان /الإلحاد.

ـ وهل ترى إمكانية تطوير الخطاب الديني الراهن أم أن القطيعة مع الخطاب الديني هي الحل؟

سلامة كيلة: ليس الإصلاح ولا القطيعة، في كتابي “الإسلام في سياقه التاريخي” رأيت أن الإسلام مثل باقي الأديان سيتكيف مع كل تطورات الواقع، لقد طرح الإسلام نفسه ديناً ودولة، وهو أشبه بما حدث للمذهب الكاثوليكي في التجربة الأوروبية، فقد ظل يقاتل حتى اللحظة الأخيرة من أجل الدفاع عن مواقعه، ولكنه في النهاية تكيف مع الأمر الواقع.

ـ هل تتفق مع فكرة أن الإسلام دين ودولة أم أن الإسلام دين في حدود الشخصي فقط؟

سلامة كيلة: الإسلام دين ودولة، والقرآن دستور الإسلام وذلك في محيطه التاريخي، لا بد من تحديد الرؤية من خلال منظور تاريخي، فعلي عبد الرازق ـ كنموذج ـ أراه مخطئاً في فصل الإسلام عن السياسة، جاء عبد الرازق في زمن كانت هناك رغبة في نشر الفكر العلماني والمدني، وهو من منظور طبقي خدم التطور الحداثي، ولم يكن علي عبد الرازق دقيقاً في تأويل الآيات القرآنية، والقرآن دستور دولة ينص على تشريعات وقوانين تمس حياة الناس، لكنها يجب ألا يتم تأويلها خارج بعدها التاريخي، لا يمكن أن تمتد التجربة خارج عصرها، الإسلام دين ودولة في عصره الذي جاء فيه، يوجد مجال للتأويلات تؤدي عموماً لتكيف الدين مع الفكر الحديث، وهي آليات تفتح الطريق للمدنية وتحديث الإسلام، وستظل التأويلات موجودة طالما ظل الإسلام يمثل معضلة أمام التحديث.

المصدر: مؤمنون بلا حدود