Category Archives: فلسطين

سلامة كيلة: «حماس» تفرض على غزة سلطة القرون الوسطى

انتقد المفكر الفلسطيني سلامة كيلة بشدة حركة المقاومة الاسلامية «

حماس»

مؤكدا انها تفرض على غزة سلطة القرون الوسطى.

واعرب كيلة في حديث خاص لـ«

النهار»

أن «

حماس»

جزء من جماعة الإخوان المسلمين وهي لا تؤمن بالاوطان بل بوهم اقامة دولة اسلامية، كما انتقد اداء السلطة الفلسطينية، مشيرا الى ان الولايات المتحدة تسعى الى تسوية ما للقضية الفلسطينية قبل انسحابها من المنطقة.

وتناول المفكر الفلسطيني بالتفصيل الوضع في سورية وقال ان عسكرة الانتفاضة السورية بقرار خارجي حولت الثورة الى مذبحة، مشددا على ان تنظيم «

داعش»

هو صناعة ايرانية وان «

جبهة النصرة»

الارهابية لا تشكل خطرا على النظام… وفي ما يلي نص الحوار: هل غيرت ثورات الربيع العربي المنطقة الى الأفضل أم الأسوأ؟

المشكلة لا تتعلق بالأفضل أو بالسلب، وأنما الأمر يتعلق بفهم ما يجري في هذه البلدان، فمن الأكيد أننا دخلنا بعد فترة كبيرة من الاستقرار في مرحلة فوضى، ولكن الأمر طبيعي في إطار مجتمعات حكمت طويلا بأنظمة مستبدة نهبت كل ثروات البلاد، وباتت الشعوب غير قادرة على العيش، فمن الطبيعي أن تحدث ثورات

، في نفس الوقت الذي قام بهذه الثورات هي إرادة الشعوب وليس أي قوى سياسية أخرى، وأسباب قيام هذه الثورات تتعلق بالحالة الاقتصادية لهذه الشعوب وشاهد حالة الشعوب الاقتصادية في بلدان الربيع بالأرقام، حيث أن اكثر من30% بطالة وأكثر من 30% أيضا تحت خط الفقر، انهيار التعليم،

في ظل تركز الثروة والسلطة في يد أقلية، كل هذا ساعد على الانفجار، لان الشعوب حينما تقف على حافة الموت تبحث عن النجاة عن طريق الثورات أو الانتفاضات، فلا تستطيع أن تبقي راكدة، وحينما تظل راكدة تكون قادرة على العيش في ظل ظروف صعبة ولكن عندما تصل إلى لحظة لا تكون قادرة على العيش تقوم الهبات وبهذا تنتقل من السكون إلى الحركية،

والمشكلة القائمة الآن أن الشعوب عندما تركت ميادين الثورة لم تجد القوى السياسية التي تقف معها وتنظم حركاتها لصيغة برنامجها وتعينها على وجود بديل يقود البلاد، وهنا يجب أن نلمس الحركة العربية السياسية عموما كيف انهارت في العقود السابقة؟

وكيف خسرت ودلست مع الأنظمة السابقة من أجل مكاسب ضيقة؟ فقد كانت كل تحركاتها بعيدا عن الجماهير من أجل الحصول على قدم تضعها في السلطة الحاكمة، وبالتالي الحيز السياسي لهذه القوى سقط، في نفس الوقت لم تتعاطف مع الجماهير التي ثارت على الأوضاع، فهناك دولة تضعف وشعب يتحرك وليس هناك قوى سياسية تستطيع أن تطور ثورات الشعوب نحو الضغط على السلطات الحاكمة من أجل تلبية مطالب الجماهير والدفع بها إلى فرض نظام ديموقراطي،

كل ذلك أدى إلى وصول الجماعات الوصولية إلى السلطة ولأنهم لا يمتلكون مشروعا فكان من الطبيعي أن ينزاحوا من السلطة ولكنهم أزيحوا أيضا دون وجود بديل، والسؤال الذي يطرح نفسه كيف يمكن أن يشكل بديلا حقيقيا في ظل الظروف الصعبة التي يواجهها المواطنون في البلدان العربية؟ نحن نحتاج إلى سنوات أخرى بعد ما حدث من ثورات لتكوين كوادر شبابية خصوصا بعد أن تبلور في ذهنهم العمل السياسي.

تحول

وماذا عن تحول الثورات السلمية في عدد من البلاد العربية إلى صراع مسلح؟

بالتأكيد أن تحول الثورات إلى صراع مسلح في هذه المجتمعات سيصيب البلاد بالدمار، لكن يجب أن نسأل لماذا تحولت هذه الثورات إلى صراع مسلح؟ الأمر هنا لا يتعلق بالثوار لأنني كنت في سورية على سبيل المثال… والشباب الذين نظموا المسيرات والتظاهرات في بدايات الأمر كانوا حريصين على سلمية الثورة رغم أن النظام استخدم السلاح ضدهم، لكن عندما يزيد عنف السلطة والإفراط في استخدام السلاح لا تستطيع لجم جماح الشعوب لان العنف سيولد عنفا، وهذا ما حدث في سورية، فنظام بشار الأسد وبعض القوى العسكرية التي استخدمها بعشوائية ولم تسمح للشباب الذي كان في تظاهرات سلمية بالاستمرار في السلمية، لذلك كان لابد من الدفاع عن أنفسهم لكن أيضا غياب الأحزاب السياسية التي تستطيع تنظيم العمل المسلح ساعد بشكل كبير على استمرار الوضع على ما هو عليه الآن، لأنه يحتاج إلى تنظيم أكثر وإلى رؤية عسكرية وخطة، وهذا لم يكن موجودا في سورية فحدث كثير من الفوضى وإشكالات كثيرة في الثورة وبات التحول واضحا من الثورة إلى الفوضى ولكن هذا أمر طبيعي مادامت ليست هناك أحزاب.

أزمة سورية

من المسؤول عن تفاقم الصراع في سورية؟

لا ننكر أن القوى الخارجية التي دخلت لدعم الثورة كانت تعمل على إحباط الثورة ونتج عن ذلك تحويل الثورة إلى صراع مسلح ومن ثورة سلمية ضد النظام إلى أمر واقع ومستمر من الصراع، لان الهدف هنا كان واضحا أن هذه الأيادي الخارجية لا تريد للثورة أن تنتصر وأن يبقى المد الثوري الذي بدأ من تونس ومر بمصر ثم اليمن وليبيا وسورية مستمرا دون تحقيق أي انتصار للثورة، ولتلك الشعوب التي انتفضت من أجل القضاء على الأنظمة المستبدة، لذلك يجب أن تتحول الثورة في سورية إلى مذبحة ويستمر الصراع المسلح وهنا وصلت الأيادي الخارجية مع النظام السوري إلى مرحلة عدم حسم هذا الصراع فالقضية باتت مربوطة بحل دولي لكن هذا لا يعني أن نظام بشار قوي ولكن النظام أصبح ضعيفا جدا فهو يعتمد على القوى الإقليمية إيران والقوى الطائفية العراقية أكثر ما يعتمد على ذاته.

ضعنا في خريطة للتنظيمات المسلحة داخل سورية؟

أولا هناك تنظيمات نشأت من المواطنين السوريين والتي يطلق عليها كتائب مسلحة بعضها إسلامي وغير إسلامي، وهي مكونة من الشباب الذي كان ينظم التظاهرات مع بدايات الثورة تحول بعدها إلي عمل مسلح، ومشكلة هذه المجموعات أنها مناطقية في الغالب لا تمتلك قدرة ولا رؤية عسكرية ولا تدريبا وبالتالي هي تلعب دور الدفاع عن المناطق أكثر ما تكون ورقة ضغط على النظام ومعظم المسلحين من هذا النمط ولكن دخلت مجموعات أخرى وأدخلت من قبل النظام السوري وعلى رأسها جبهة النصرة والذي شكلت بعد ما أطلق النظام عددا كبيرا من المتشددين الموالين لها وإلى تنظيم القاعدة الموجود في العراق، عدد هؤلاء يقدر بـ 500 كادر،

هؤلاء كان واضحا ممن كان معهم في السجون أنهم يتعاملون مع النظام السوري، وهو يعلم جيدا أنه بعد خروجه سيحمل السلاح ضده ولكنه أخرجه وقد سأل زهران علوش قائد «

جيش الإسلام»

من قبل البعض أن النظام عندما أخرجك من السجن ألم يكن يعلم أنك ستحمل السلاح ضده؟ قال «

نعم كان يعلم ورغم ذلك أفرج عني»

وهنا يجب الإشارة إلى أن النظام السوري أكثر من استفاد من تنظيم القاعدة، وأكثر من اخترق تنظيم القاعدة وهنا أكشف لك عن شيء مهم هو أن أميركا بدأت من عام 2004 ترسل إلى الأمن السوري الجهاديين الذين تم القبض عليهم لكي يتم استجوابهم من قبل الأمن وهي من ضمن 4 دول كانت يتم فيها هذا الأمر ومن ثم فان النظام السوري يعلم أن هؤلاء سيقومون بدور في تخريب الثورة فهم يريدون أقامة نظام ديني الآن وهذا الأمر يصعب تطبيقه فبالتالي تم التصادم مع التنظيمات الأخرى والمواطنين وهذا هو التكتيك الذي اتبعه النظام بالإضافة إلى أنه تم دعمه من دول خارجية الذي تسبب في شعور النظام بأن جبهة النصرة لم تبقى مناصرة له فأدخل نظام داعش من العراق والآن تكشف الأمر بعد إعلان وزير العدل العراقي أن من أخرج قائد تنظيم «

داعش»

من السجن هو المالكي رئيس وزراء العراق وهنا الربط واضح بين المخابرات الإيرانية في تشكيل هذا التنظيم وهناك تقرير يناقش أمام البرلمان العراقي يتساءل عن كيفية دعم إيران تنظيم «

داعش»

وبالتالي هناك تداخل أمني في هذه التنظيمات والقوى الموجودة الآن في سورية تمثل القوى الشعبية وهناك جبهة النصرة التي تلعب دورا ولا تشكل خطرا على النظام وبالتالي أصدرت الكتائب المسلحة في درعا بيانا أكدت فيه على جبهة النصرة أن تلتزم بالثورة أو سوف تتم تصفيتها هناك أيضا الجبهة الإسلامية وجيش الإسلام.

الإخوان

وهل جماعة الإخوان لها وجود في هذا الصراع؟

الإخوان حاولت تشكيل مجموعات أطلقوا عليها «

لواء التوحيد»

ثم «

كتائب الفاروق»

وهذه الكتائب كان دورها هامشيا لأسباب أهمها هو القرار الذي صدر عام 1980 بأن كل من ينتمي إلى جماعة الإخوان يحكم عليه بالإعدام فلم يبق من التنظيم أحد لكن الشباب يعي جيدا أن الإخوان في عام 1980 كان هم أنفسهم السبب في صدور هذا القرار لأنهم حولوا الصراع مع نظام حافظ الأسد آنذاك إلى طائفي لهذا وجودهم ضعيف.

الصراع

هل هناك حل للصراع العربي الإسرائيلي أم أن القضية أصبحت أمرا واقعا؟

من الواضح من البداية أنه ليست هناك امكانية لعملية سلام، لكن الأمر يتعلق بكيان إسرائيل والتي أكدت أنه لا وجود لسلام بدون الاعتراف بها كدولة والعرب اعترفوا ولم يتم السلام، إسرائيل قامت كقاعدة عسكرية في الأصل ركب عليها مجتمع وبالتالي لا وجود لهذا المجتمع لا بوجود هذا الصراع القائم وإذا حسم سيتفتت هذا المجتمع وهذا أمر أساسي لابد أن يكون واضحا، الولايات المتحدة الأميركية دعمت الدولة الصهيونية للسيطرة على المنطقة وللدفع في اتجاه أن تكون دولة مهيمنة على المنطقة لكن مع انفجار الازمة المالية عام 2008 الوضع تغير كثيرا، فأميركا الآن باتت تعاني من أزمة عميقة وعليها إعادة النظر في العديد من الموضوعات وبالتالي أصبحت ليست القوة التي تسيطر على العالم كقطب أحادي والآن تقوم بلملمة وضعها الحالي ومواجهة الأخطار التي تحبط بها أكثر من الاهتمام بإسرائيل وهي الآن تحدد الخطر الصين وفي استراتيجيتها التي تم وضعها عام 2012 أن الأولوية لآسيا والمحيط الهادي وليس الشرق الأوسط والذي أصبح في الدرجة الرابعة من الاهتمام، في هذا الإطار فوضع الدولة الصهيونية مرتبك لان انسحاب الولايات المتحدة يعني انسحاب الرديف الحقيقي للوجود الصهيوني، في نفس الوقت الوضع العربي بات مضطربا وهذا يعني الخطر على إسرائيل بمعنى أن الدولة الصهيونية تعي جيدا أن الثورات العربية ستأتي بافاق تغيير يؤثر بالسلب عليها ومن الممكن أن تفرض عليها التفكير في وضعها القائم سواء بالتشريح أو بالمواجهة وبالتالي فانها تجد نفسها في مأزق، أيضا هذا ما دفع الأميركان الى أن يحرصوا على وجود حل قبل ضعف تأثيرهم في المنطقة وهذا ما يقوم به وزير الخارجية جون كيري الآن لكن إسرائيل ترى الحل في التمسك بالأرض وهذا هو الإشكال الذي يؤدي إلى عدم القدرة على الحل.

الفصائل

الوضع الراهن بين الفصائل الفلسطينية محزن للغاية كيف ترى المشهد؟

هو وضع مؤسف فواقعيا أصبحت هناك سلطتان هشتان في الضفة توجد السلطة الفلسطينية، وفي غزة حماس تسيطر بطريقتها وتفرض منطقا يجعل الاحتقان يتزايد في إطار حصار للشعب الفلسطيني مع حصار استراتيجي إسرائيلي مع التحولات التي جرت في مصر واثارها على الشعب، ومن هذا المنظور نرى أن حماس غير مهتمة بالشعب الفلسطيني ولكنها مهتمة بسلطتها وتعتقد أنها سلطة يجب أن تحافظ عليها، حماس أيضا تمنع العمل المسلح والتي كانت تزايد على فتح في هذا الشأن، أيضا السلطة الفلسطينية في الضفة أسست نظاما على الطريقة الأمنية لحماية الدولة الصهيونية فهي تمنع أي حراك ضد المحتل، ولا تستطيع أن تلعب دورا أكثر مما تقوم به الآن، كما أن منظمة فتح ضعفت وتفككت بشكل كبير، التنظيمات الأخرى ضعيفة ومهمشة ولا تستطيع أن تلعب دورا، وبالتالي نحن في وضع لا أريد أن أقول مأساويا ولكن أقول انه صعب للغاية.. وأعتقد أن المرحلة القادمة ستشهد دورا للشباب الفلسطيني ليفتح أفقا جديدة في الصراع مع الدولة الصهيونية لكن في النهاية الوضع الفلسطيني بات مرتبطا بالوضع العربي والتحولات العربية تسمح بإعادة طرح شكل جديد للتعامل مع الصراع الصهيوني.

اتفاقية حماس- الإخوان مع إسرائيل والتي حولت المقاومة إلىي أعمال عدائية كيف ترى ذلك؟

هذا يكشف واقع حماس وقبل تشكيل حماس كان الإخوان يتعاونون مع إسرائيل والإخوان النشاط الوحيد الذي كانوا يقومون به هو مناهضة اليسار الفلسطيني في إطار ما كان يطلق عليه تحالف الإيمان ضد الإلحاد وحينما تشكلت حماس كان من الواضح أن الصهيونية دفعت في هذا الأمر لإيجاد بديل عن منظمة فتح وكان المطلوب من حماس السيطرة على غزة وهذا كتب عام 1990 في الإعلام وبالتالي أقامت دولة فلسطينية بعيدة عن الجانب الفلسطيني وحماس رفعت العمليات المسلحة عن طريق استغلال الحالي وبالتالي بدأت في مساومة إسرائيل للحصول على مكاسب وأن تصبح بديلا للسلطة الفلسطينية ولو أتيح لها لكانت ستقبل بأسوأ من اتفاقية الرئيس السابق محمد مرسي مع إسرائيل، وفي النهاية هي لا تعتبر الصراع مع الصهاينة صراعا على وطن لأنها لا تؤمن بفكرة الأوطان، فحماس لا تعترف إلا بدولة الإسلام من وجهة نظرها-، فهي من الممكن أن تتنازل عن الأرض خدمة لمشروعها الوهمي.

الحديث على أن كل ما يحدث في سيناء تقوم به حماس وبعض الفصائل الفلسطينية المرتبطة بها كيف ترى ذلك؟

هذا تضخيم للأمر بمعنى لابد من دراسة موضوعية للوضع في سيناء ونبتعد عما يقال في وسائل الإعلام، لكن أكيد هناك مجموعات أصولية مسلحة في سيناء وكان هناك تنسيق بين حماس وهذه المجموعات، لكن هل هذا يضر ويؤثر على مصر أعتقد أن هذا الأمر به تضخيم وبالتالي أنه يجب أن يتم تدقيق لما يجري في سيناء.

هناك قرار من الجامعة العربية بعدم منح الفلسطينيين الجنسية من أجل العودة إلى فلسطين لكن في الآونة الأخيرة تلاحظ عدم تنفيذ هذا القرار.. ما رأيك؟

لن يضر القضية منح الجنسية فعلى سبيل المثال معي الجنسية الأردنية، هل تغير موقفي من الصراع مع إسرائيل، لا، فنحن الفلسطينيين نتمسك بالجنسية الفلسطينية أكثر وهذا الأمر كان هناك فيه فهم مغلوط من البداية، لكنه ساعد على أن يكون هناك تهجير تجاه أوروبا وأميركا وبالتالي سبب ضررا للقضية أكثر مما كان لو تم منح الجنسيات العربية.

هناك هجوم حاد على تنظيم زيارات للقدس ما رأيك في ذلك؟

أعتقد أن هذا الموضوع حساس للغاية، ويحتاج إلى تدقيق وأنا في رأيي أن أخذ فيزا من العدو الإسرائيلي أمر خطأ بمعنى أن أزور القدس عبر سفارة العدو الصهيوني فهذا ليس صحيحا، الآن هناك وفود عربية تذهب إلي رام الله وتحصل على تأشيرة دخول للقدس عن طريق السلطة الفلسطينية وأعتقد ان هذا أمر صحيح وأمر طبيعي فالمسألة باتت أكبر من التطبيع، من الممكن في لحظة معينة يتم فرض ذلك وهي المرحلة الأولى من تفاق السلام فكان يجب وضع حد لهذا الموضوع الآن باتت قضية سنوية، فالأمر بات متعلقا بكيفية تطوير الصراع العربي الإسرائيلي والذي غالبا ما يتم تجاهله والتركيز على الأمور التي تتعلق باللوجستية.

وماذا عن الأنفاق الحدودية مع مصر وحالة الجدل التي فرضتها؟

مشكلة الأنفاق تتعلق بالتعامل مع الأراضي الفلسطينية هل هي أرض محتلة أم أرض مستقلة بذاتها؟ لكن ما يجري الآن في التعامل مع المشكلة ليست على اعتبارها أرضا محتلة أو سلطة ذاتية وبالتالي فإسرائيل فرضت حصارا ومصر تكمل الحصار إذن ما هو الحل؟ لا يوجد حل عند الشعب الفلسطيني إلا الأنفاق، وهنا لا أحد يستطيع ضبط ما يدخل أو يخرج منها، مقابل ذلك لابد من وضع حل في المعابر الحدودية يسمح للفلسطينيين بالعبور ومن ثم عبور البضائع وبشكل علني.

لكن ما تقوم به حماس عبر الأنفاق جاء برد

فعل سلبي تجاه القضية الفلسطينية من جانب المصريين؟

يجب أن يعلم الجميع أن هناك فرقا بين حماس والشعب الفلسطيني لكن موقف حماس هو موقف إخواني لأنها جزء منه وأي قرار يتخذه المرشد العام للجماعة للإخوان، حماس تنفذه، اذن الأمر متعلق بمنظمة حماس وليس بالشعب وهم لا تشغلهم قضية تحرير فلسطين كما تشغل الشعب، وهذا الأمر لابد أن يوضح وبالتالي من يحاسب فليحاسب حماس على موقفها من الإخوان وليس الشعب الفلسطيني، فحماس الآن تقمع الشعب في غزة وتفرض عليه سلطة القرون الوسطى والشعب يشعر باحتقان وربما ينفجر في وجه قيادات حماس، لكن عندما نحاصر الشعب الفلسطيني نمنع هذا الانفجار لان وضع غزة بهذا الشكل سيجعل الشباب غير قادر على مواجهة هذا التنظيم وعند تحركه سوف يتهم بأنه محرك بأياد خارجية.

المصدر: جريدة النهار

سلامة كيلة: الذين اتهموني بالتخلي عن فلسطين.. شوفينيون

المفكر سلام كيلة يصرح لـ ‘العرب الثقافي’ بأن اليسار يقف مع أنظمة استبدادية مافيوية ضد الشعوب، بالتالي هذه الأحزاب اليسارية تفسخت وتفتت ولن تستطيع أن تلعب دوراً في المستقبل.

_9078_salamslideالعرب الثقافي: أنت مفكر يساري، واليسار في أزمة كبرى، بل يقال إن اليسار العالمي انتهى خصوصاً في موقفه من الثورات العربية الذي يدل على عدم فهم لطبيعة الصراع مع النظم الاستبدادية في الشرق.

سلامة كيلة: اليسار العالمي انتهى منذ زمن طويل منذ أن بدأ ينطلق من المنظومة التي تشكلت خلال الحرب الباردة ضمن منطق عام أن من هو ضد أميركا (الامبريالية) فهو صديق وحليف ومن هو مع أميركا فهو عدو، هذه الفكرة ظلت تحكم هذا اليسار وبات يناقش الثورات العربية انطلاقاً من هذه النظرة لهذا أيد ثورة تونس ومصر لأن النظم ملحقة بأميركا وحينما بدأت الثورات في ليبيا وإلى حد ما في اليمن بدأ يتشكك، أما حين نهضت الثورة في سوريا فقد بدأ يأخذ موقفا مخلوطا حتى من الثورات في مصر وتونس في بعض الأحيان، أو أصبح يعتبر أن ثورات مصر وتونس ثورات فعلاً أما في سوريا وليبيا واليمن فهي مؤامرات امبريالية.

هذا المنظور جعل اليسار يقف مع أنظمة استبدادية مافيوية ضد الشعوب، بالتالي هذه الأحزاب اليسارية تفسخت وتفتت ولن تستطيع أن تلعب دوراً في المستقبل، وأنا أطرح يساراً مختلفاً يساراً معنياً بالناس لهذا لم أتردد في الوقوف مع الثورات منذ اللحظة الأولى بل أكثر من ذلك أنا كنت أتوقع بأننا مقبلون على ثورات وهذا ما كتبته قبل أربع سنوات، وكان تصوري مبنيا على كيف نؤسس قوى جديدة قادرة على أن تتفاعل مع الثورات في المنطقة. اليسار الآن في حاجة إلى إعادة بناء بعد أن تفسخ وتفتت وأصبح هامشياً إلى حد كبير بل وأصبح مشوشاً ويعيش في منظورات ماضوية. والآن نحن معنيون بيسار يعبر عن الطبقات الشعبية من عمال ومفقرين ويدافع عن مصالحها ويؤسس نظاما بديلا يحقق هذه المصالح لهؤلاء المفقرين، هذا يفترض إعادة بناء التصور النظري ورفض كثير من الأفكار التي طرحت في الماضي وإعادة بناء الرؤية العملية، أي كيف يمكن لهذا اليسار أن يكون جزءاً من الناس المفقرين وكيف يلعب دوره الطبيعي في تطوير آليات الصراع التي يقودها هؤلاء وتطوير الخطاب الفكري السياسي الذي يُقدم ويطور وعي الناس لكي يقودوا صراعاً أفضل وأعمق.

العرب الثقافي: أنت متهم بأنك منشغل بالثورة السورية أكثر من انشغالك بالقضية الفلسطينية. كيف تفسر هذا الأمر.

سلامة كيلة: هناك اتهام في هذا الموضوع لماذا أنا منشغل بالثورة السورية وليس بالقضية الفلسطينية من قبل بعض السوريين الشوفينيين، أما الفلسطينيون فيتهمونني بأنني تخليت عن القضية الفلسطينية أو نسيتها، ولكني أعتقد أني بالأساس أخوض صراعاً عربياً لأنني أعتبر ذاتي مواطنا عربيا، لهذا اعتبرت أنني معني بنهوض الثورات في المنطقة العربية. بالنسبة إلى فلسطين تابعت وكتبت وأعرف أن واقع الثورة الفلسطينية انتهى، وبالتالي أنا أنطلق أصلاً من أن الصراع مع الدولة الصهيونية هو صراع عربي وليس صراعا فلسطينيا، والمسألة لا تتعلق بأن الامبريالية أرسلت عددا من اليهود لكي يستوطنوا فلسطين الأهم لماذا اأرسل هؤلاء؟ هذا ما لم يجيب عليه الكثير من اليساريين والقوميين، هؤلاء المستوطنون اليهود هم قاعدة عسكرية وعنصر الصد لمنع تقدم كل المنطقة العربية، وبالتالي المغربي معني بفلسطين كما المصري والسوري والعراقي وغيرهم وهذا واضح لدى الشعوب لكنه تائه لدى المعارضات والأحزاب السياسية، بالتالي نهوض المنطقة العربية من خلال الثورات سيقلب المعادلة في كل الأحوال بمعنى أن النظم الجديدة التي ستصل إلى السلطة وتفكر بحل حقيقي لمشكلات الشعوب ستكون نظما معادية للامبريالية لأنها يجب أن تبني الصناعة وتطور الزراعة وتبني مجتمعل حقيقيا، وكل ذلك يتناقض مع السياسة الامبريالية حتى لو لم تُرد هذه النظم الصدام. الامبريالية إذن ستتصادم مع هذه النظم وبالتالي ستكون عبر صدام طبيعي مع الكيان الصهيوني، لهذا سيكون واضحا أن الثورات العربية ستؤدي إلى تغيير جذري عميق يخل بمعادلة الصراع العربي الفلسطيني لمصلحة العرب والفلسطينيين. وهذا الأمر هو الذي جعلنا نطرح في سوريا شعار من “أجل تحرير فلسطين يجب إسقاط النظام”. ومن هنا أنا لم أتخل عن القضية الفلسطينية ولكنني عدت للأسس الطبيعية لفهم الصراع العربي الصهيوني وبدأت من النقطة الطبيعية التي بدأت أصلا مع هزيمة عام 48 حينما اكتشف العرب أن مواجهة إسرائيل تفترض تغيير النظم وهذا ما طرحه كل من جمال عبدالناصر وحزب البعث، وصحيح أنهم لم يستطيعوا فعل شيء جدّي ولكن الفكرة كانت واضحة بأننا لا نستطيع مواجهة الدولة الصهيونية والامبريالية العالمية دون تغيير الواقع العربي نفسه. إذن فنحن الآن في المسار الطبيعي من أجل القضية الفلسطينية لأنّ من كانوا ممسكين بها دمّروا وضعها، والآن ينهض واقع عربي سيعيد طرح القضية الفلسطينية بشكل جدّي ومن هنا أنا في قلب الصراع ولست خارجه.

المصدر: العرب

الدولة الصهيونية في وضع عالمي جديد

37279b37-6586-4a50-8585-ff7ec1b86628

ما هو وضع الدولة الصهيونية في الوضع العالمي الذي يتشكل؟ وفي التحولات التي تجري فيه؟ وأيضاً في ظل انفجار الثورات في الوطن العربي، وربما في العالم؟ الفارق بين الدولة الصهيونية والدول “الطبيعية” هي أنها تشكلت كقاعدة عسكرية إمبريالية في مواجهة المنطقة، ولكنها تشكلت على صيغة دولة ومجتمع. بمعنى أن المجتمع والدولة هما الغطاء على “الوجود الفعلي” لقاعدة عسكرية. لكن هذين الأمرين، القاعدة العسكرية وتشكيل المجتمع، جعلاها في وضع “غير طبيعي”، حيث إنها تحتاج إلى ضخ مليارات الدولارات من أجل تنفيذ كل منهما.

الدول الطبيعية لا تحتاج إلى بناء مجتمع لسكان يجلبون من العالم. ولا تحتاج إلى ضخامة في الإنفاق العسكري، إنفاق يتجاوز قدرات دول صغيرة حتى في الوضع الطبيعي.

هذا الأمر كان يفرض الحاجة إلى “المساعدات”، لكن المساعدات الضخمة. المساعدات من أجل “البناء” والإسكان وعيش المهاجرين. والمساعدات العسكرية التي هي أضخم من مقدرة دولة صغيرة وناشئة، بالضبط لأنها “قاعدة عسكرية” لمواجهة المنطقة، وضمان منع تطورها عبر التهديد والحرب عند الضرورة كما حدث في فترات سابقة.

وبالتالي يظهر الارتباط الوثيق بين وجود هذه الدولة وحاجات الدول الإمبريالية التي عملت للسيطرة على الوطن العربي، ورسمت واقعه المجزأ والمتخلف والهش. ودور الدولة الصهيونية هو حماية كل ذلك أولاً، الأمر الذي لا يتحقق سوى عبر الهيمنة المباشرة على المنطقة، وهو ما كان يجري العمل من أجله خلال العقود الستة من عمر هذه الدولة. ووصل الأمر إلى السعي لتفكيك المنطقة طائفياً وإثنياً وقبائلياً من أجل تحقيقه.

وإذا كانت الدولة الصهيونية قد بنت علاقات اقتصادية وسياسية وعسكرية مع أوروبا، فقد كانت في “علاقة عضوية” مع الإمبريالية الأميركية. فقد كانت تحصل على المساعدات العسكرية السخية منها. لكنها كانت تحصل على ما هو أهم، أي على الدعم المالي بشكل مباشر عبر مساعدة معروفة، وغير المباشر عبر تسهيل تطورها الاقتصادي وفتح الأسواق لسلعها ضمن “الحصة الأميركية”، وتسهيل دخول هذه السلع إلى أميركا دون قيود، ودون اعتبار أنها سلع منافسة. كما كانت تشكل جدار الحماية لها في المحافل الدولية، والمروج للتعامل معها مع كثير من بلدان العالم. بمعنى أنها كانت تتقاضى أجرة كونها “قاعدة عسكرية”، وكانت الإمبريالية تلتزم كل مستتبعات ذلك.

الآن نحن في وضع متغيّر. أميركا تنسحب من “الشرق الأوسط” بعد أن أنهكتها الأزمة “المالية”. وتشكل العالم أحادي القطب ينهار. وهناك عديد من الدول التي تسعى للتحول إلى “قوة عالمية”، وتحالفات تصاغ على أمل فرض سيطرة محور على حساب آخر. لكن كل ذلك يجري في ظل أزمة عميقة تعيشها كل هذه الدول والنمط الرأسمالي ككل.

وبالتالي من غير الواضح من سيكون القوة المسيطرة أو هل ستكون هناك قوة مسيطرة. ما يبدو أنه في طور التشكل، أو ما يظهر إلى الوجود، هو أن هناك محورا يتراجع وينهار هو الرأسمالية القديمة (أميركا وأوروبا واليابان)، ومحورا يتشكل بهدوء هو محور روسيا والصين والهند والبرازيل وجنوب أفريقيا. وأن دولاً مثل تركيا تحاول أن تكون ضمن “الأقطاب”.

لقد تأسست الفكرة الصهيونية بالترابط مع الرأسمالية الإنجليزية، وحين نهضت ألمانيا حاولت التحالف رغم التطرف في النظر إلى اليهود من قبل النازية، والذي استغل لتحويل “المحرقة” إلى حالة رعب تفرض هجرة اليهود إلى فلسطين وإلى “ذنب” يحكم الشعوب الأوروبية خصوصاً. لكن الدولة الصهيونية نشأت بالتبعية للإمبريالية الأميركية (رغم استفادتها من علاقة سريعة مع فرنسا)، وظلت طيلة العقود الماضية تعمل وفق الإستراتيجية الإمبريالية الأميركية. وأصبحت أخيراً جزءاً من الإستراتيجية العسكرية الأميركية في المنطقة.

لهذا سيبدو تراجع أميركا أنه ذو أثر مباشر عليها. لكن سيبدو أنها لن تجد بديلاً قادراً على هذا الحمل “الثقيل”. ما يظهر هو أن الدولة الصهيونية تعزز علاقاتها مع الهند والصين، وأخيراً مع روسيا، وتقيم علاقات اقتصادية مع هذه البلدان كما مع البرازيل. وبالتالي يظهر وكأنها تترابط مع المحور الذي يتشكل حديثاً، رغم أن علاقاتها الاقتصادية لازالت مع المحور القديم (أميركا وأوروبا). ويبدو أن هذا المحور يعزز العلاقة معها، من الهند والبرازيل إلى الصين وروسيا (وفي هذا السياق تأتي زيارة بوتين الأخيرة).

لكن هل تتحقق “العلاقة العضوية” مع هذه البلدان التي هي ضرورية لكي تستمر؟
هذا ما لا يبدو واضحاً، ربما لها. لأنها تتلمس الأزمة العميقة للرأسمالية التي يمكن أن تطال هذا المحور نتيجة الترابط العميق في الرأسمال، والذي هو السمة الأساس في التكوين الإمبريالي الراهن.

بمعنى أن الرأسمالية متداخلة وأصبح الترابط وثيقاً إلى حدّ خطر انتقال الأزمات من بلد إلى آخر كما لمسنا في أزمة النمور الآسيوية سنة 1997، التي انتقلت إلى أميركا اللاتينية وروسيا. وربما الآن إلى انعكاس أي انهيار في الاقتصاد الأوروبي على روسيا والصين والهند والبرازيل.

لهذا، ورغم محاولات الدولة الصهيونية تعزيز علاقاتها مع “المحور الجديد” فهي ربما لا تثق بأنه حل ممكن، وأنه يمكن أن يؤسس لعلاقة تنقذها من وضعها الذي يغرق مع غرق الاقتصاد الأميركي خصوصاً والرأسمالي عموماً.
إذن، ورغم أن عمر الدولة الصهيونية قد زاد على ستين عاماً فإنها لازالت بحاجة إلى الدعم الاقتصادي الخارجي، بالضبط نتيجة كونها تشكلت كـ “قاعدة عسكرية” قبل أن تكون دولة مهمتها حل مشكلة “مشردين”. ولا يبدو أن حجم فلسطين، وكل التطور الاقتصادي فيها يمكن أن يعوّض عن الحاجة التي يفرضها وضع قاعدة عسكرية مهمتها مواجهة منطقة بأكملها. هذه الأزمة هي التي كانت تفرض التوسع الصهيوني، وضمان سيطرة الدولة الصهيونية على المنطقة لكي يتحوّل إلى “إمبريالية إقليمية” قادرة على العيش.

هذا الأمر لا يبدو أن الوضع بات يسمح به، لا السيطرة الإقليمية ولا الدعم الخارجي. ولهذا نلمس بأن الدولة الصهيونية تواجه إشكالين حاسمين، الأول يتعلق بانعكاس أزمة الإمبريالية على اقتصادها، والثاني هو الثورات العربية التي أشّرت إلى نهوض جديد يمكن أن يقلب كلية الوضع القائم.

اقتصادياً، يمكن تلمس أن الاقتصاد الصهيوني في ترابط وثيق بالاقتصاد الإمبريالي، والأميركي خصوصاً. ترابط الرأسمال، والحاجة إلى الأسواق التي توفرها ليس المنافسة بل الاحتكار الأميركي الذي كان يعطي حيزاً للسلع الصهيونية، والمساعدة في تحقيق التطور التكنولوجي. ليظهر الاقتصاد الصهيوني كـ “فرع” في الاقتصاد الأميركي. الأمر الذي يجعل أزمة المركز تصيب هذا الفرع الطرفي.

وإذا كانت قد سعت إلى توفير أسواق بديلة في الهند والصين والبرازيل وروسيا، وتعاونت تكنولوجياً مع الهند والصين، فإنها تظل في حاجة إلى الدعم المباشر (المساعدات) وغير المباشر، ولم تصل بعد (وربما لن تصل) إلى أن تحقق هذه النقلة الضرورية لوجودها كدولة “مستقلة”.

هنا نلمس أهمية بحثها عن بدائل، عبر فتح خطوط مع “المحور الجديد”. لكن ليس من مؤشر على إمكانية ذلك الآن على الأقل، ولهذا سوف نلمس تفجّر الأزمة الاقتصادية فيها خلال الفترة القادمة كانعكاس للأزمة العامة للإمبريالية. فربما يؤدي انهيار مالي جديد في أميركا إلى انهيار مشابه فيها. وهذا أمر متوقع في الفترة القادمة. كما يمكن أن يؤدي انهيار مالي أوروبي إلى أزمة مشابهة.

كل هذه العناصر تؤسس لارتباك الوضع، والخوف من المستقبل، رغم كل المحاولات التي تجري لترتيب “علاقة عضوية” مع إمبريالية جديدة. لكن الوضع الدولي لم يعد يحتمل الصيغة التي كانت في الماضي، ويدفع إلى تشكيل فوضوي ومرتبك وغير مستقرّ. لهذا يمكن أن نشهد تصاعدا كالحراك الاجتماعي” في الدولة الصهيونية، كما يحدث في بعض بلدان أوروبا، أو حتى كما يجري في الوطن العربي.

الاقتصاد الصهيوني سيدخل مرحلة الأزمة، فهو في تشابك عميق مع الاقتصاد الإمبريالي “القديم”، لم يقطع معه، ولا يبدو أنه قادر على ذلك رغم محاولاته، وكما أشرنا فإن “الجديد” يعيش أزمة “القديم” بالضبط نتيجة تشابك الاقتصاد العالمي.

من الممكن تلمس “خشية” الدولة الصهيونية من الثورات العربية، فقد فتحت الأفق لتجاوز كل التكوين الاقتصادي الذي عملت الإمبريالية الأميركية على فرضه طيلة عقود خمسة, من هذا المنظور يمكن تلمس “خشية” الدولة الصهيونية من الثورات العربية، فقد فتحت الأفق لتجاوز كل التكوين الاقتصادي الذي عملت الإمبريالية الأميركية على فرضه طيلة عقود خمسة.

التكوين الذي كان يلحظ ضمان السيطرة الصهيونية وتوسعها في الوطن العربي. وهو التكوين الريعي المافياوي الذي يفترض التبعية ويؤكدها، ويسمح بالنهب دون رادع، وبالتالي يبقي البنى الاقتصادية المجتمعية متخلفة وملحقة، وسلبية قابلة بالسيطرة.

لكن هذا التكوين، بالترافق مع الأزمة الإمبريالية، هو الذي فرض انفجار الثورات، التي باتت تهدف إلى تجاوز الوضع القائم، ومن ثم تجاوز التكوين الإمبريالي ومستتبعاته. وهو الأمر الذي يعني بالضرورة الصدام مع السيطرة الإمبريالية، والصهيونية بالتالي. لهذا ينفتح وضع سوف يطيح بموازين القوى القائمة، ويفرض متحولات يمكن أن تهدد وجود الدولة الصهيونية. إنها تخشى وضعاً عاصفاً يتهددها في وضع عالمي مربك، واقتصادي خطر.

إذا كان العالم يهتزّ ويسير نحو التغيير العميق نتيجة الأزمة الإمبريالية فإن الدولة الصهيونية تعيش هذا الوضع دون أن تتلمس إلى الآن من “يتعهدها” لكي تستطيع العيش، ربما رغم طموح بعض الدول التي باتت إمبريالية وتسعى للسيطرة على العالم، وهنا روسيا خصوصاً، التي تتطور علاقاتها مع الدولة الصهيونية بتسارع أكبر مما تتطور مع البلدان العربية. لهذا لا بد من ترقب الوضع وملاحظة تحولاته.

المصدر: الجزيرة

«المنطق الفلسطيني» وفهم الثورات العربية


السؤال «الفلسطيني» هو لماذا لا تطرح الثورات شعارات تخص فلسطين؟ أو لماذا لا ترفع العلم الفلسطيني؟ ويصبح ذلك أساس النظر إلى الثورات، وتحديد الموقف منها. ربما هناك سذاجة في الطرح، أو ربما يكون هو المدخل للتشكيك في هذه الثورات، على أساس أن فلسطين هي «المؤشر» على وطنية الثورات، وهي البوصلة التي تعطي «الشرعية» (أو الوطنية) لهذه الثورات.

هذه نرجسية فلسطينية نتجت من «تأليه» الذات، ووضعها في مركز الكون. حيث يجب على كل العرب أن يثبتوا كل يوم أنهم قد حفظوا «النشيد الوطني الفلسطيني»، وأنهم يكررون الألفباء السياسية التي لا بديل منها. لكن هذه النرجسية تُظهر كم أن المنطق الشكلي هو الذي بات يحكم النظر إلى ما يجري. شكلية لا ترى سوى الأعلام التي ترفرف، والشعارات التي تحتل الساحات. وهي تريد أن يصبح علم فلسطين هو الطاغي على الأعلام التي يحملها الشعب خلال ثورته، والتي تخصه في بلده. وأن تكون الشعارات هي ليس من أجل إسقاط النظم، بل من أجل فلسطين فقط.

هل تحمل الثورات همّ فلسطين؟ وهل إن التغيير الذي ستحدثه سينعكس بالضرورة على مسألة فلسطين؟

لم يسعف الثورات أن الشعب التونسي بُعيد رحيل بن علي رفع شعار «الشعب يريد تحرير فلسطين». ولا أسعف الشعب المصري الزحف لتحطيم السفارة الصهيونية. ولا الشعب الليبي الذي قال وهو يدخل طرابلس «جايينك فلسطين». ولا الشعب السوري الذي كرر رفع اللافتات حول فلسطين، ولا الشعار «من أجل تحرير فلسطين نريد إسقاط النظام»… وشعارات وأفكار كثيرة تكررت حول فلسطين.

لا ننسى أن العقود الماضية شهدت حملات تضامن كبيرة في العواصم العربية، لكن إلى ماذا قادت؟ فقط التعبير المعنوي عن الوقوف مع الشعب الفلسطيني. وهو أمر لم يفد واقعياً وإنْ أبرز الاهتمام بفلسطين، وهو الأمر الذي كان يغذي النرجسية الفارغة. فماذا يفيد التعاطف في معركة فعلية؟ ربما كان شعور كثير من النخب العربية أن هذا التضامن لا يغيّر شيئاً في الواقع هو الذي دفعها إلى التحوّل الداخلي من أجل تحقيق التغيير، حيث إن دعم فلسطين ينطلق من إسقاط النظم المرتبطة بالإمبريالية، والمتحالفة مع الدولة الصهيونية، أو التي تهادنها وتقيم علاقات سرية معها. وهذه المعادلة صحيحة، لأن الدعم المعنوي لا يفيد كثيراً، وبالتالي يجب العمل على إسقاط النظم التي تدعم الدولة الصهيونية وتمنع تطوير الصراع ضدها. ولأن الصراع ضد الدولة الصهيونية ليس صراعاً فلسطينياً فقط، بل صراع عربي ضدها نتيجة واقع كونها «قاعدة عسكرية» إمبريالية تتلبس مجتمعاً مدنياً، تستهدف السيطرة الإمبريالية على المنطقة، فالمطلوب المواجهة وليس الدعم المعنوي فقط. ففلسطين ليست مشكلة فلسطينية، بل إنها مشكلة عربية بامتياز.

من هذه الزاوية، يمكن أن نلمس المسألة ليس من منظور شكلي يتعلق بعدد الأعلام الفلسطينية التي رُفعت أو الشعارات التي تناولت فلسطين، بل من منظور الصيرورة الواقعية التي تفرض بالضرورة أن يكون كل ميل عربي الى تحقيق التطور الاقتصادي والديموقراطية والوحدة أساساً لتصادم مع الإمبريالية ومع الدولة الصهيونية، التي هي الحارس لبقاء الوضع الراهن، والتي ستعمل على مواجهة كل ميل تحرري وحدوي. وحيث يترسّخ في الوعي الشعبي أن كل عمل من أجل إسقاط النظم، وتجاوز النمط الاقتصادي القائم، هو تصادم مع الذين يكرّسون هذا الواقع، ويعملون على بقاء التخلف والنهب والنظم التابعة.

إن الترابط بين سيطرة النظم المافيوية والمرتبطة بالسيطرة الإمبريالية والخاضعة للمنطق الصهيوني، وبين المطالب البسيطة التي أسست لكل هذا المد الثوري، من البطالة إلى تدني الأجور إلى انهيار التعليم والصحة إلى الاستبداد والقمع، إلى النهب والبذخ الذي تمارسه الفئات الحاكمة. وبالتالي سيبدو واضحاً أن تحقيق هذه المطالب «البسيطة» لن يتم من دون صراع مع الطغم الإمبريالية التي تكرّس هذه النظم، والتي هي نظم طغم مافيوية تسهّل نهب تلك الطغم وهي تمارس نهبها. لهذا يمكن تأكيد أن آفاق الثورات العربية ستفتح ملف فلسطين بقوة، وستفتح ملف السيطرة الإمبريالية، وتؤسس لإعادة بناء المشروع التحرري العربي، بغض النظر عن نتائجها القريبة، والتي هي نتاج ميزان قوى سابق، لكنه غير ثابت لأن القوى التي تسيطر الآن لا تحمل حلولاً لكل المشكلات المجتمعية، الأمر الذي يبقي الثورات مستمرة ومتطورة، وتفرض تحقيق التغيير الجذري. وهو التغيير الذي سيترابط مع المشروع التحرري العربي، ويفتح على تحقيق الاستقلال والوحدة، وتكون فلسطين حاضرة فيه بقوة. فالثورات تفتح على مرحلة جديدة ستعيد قضية فلسطين إلى الطاولة، وستفرض العودة إلى تحقيق المشروع التحرري العربي. فهي ليست ثورات من أجل تغيير أشخاص، بل تغيير نظم بما يعني تغيير النمط الاقتصادي والتكوين السياسي والعلاقات والتحالفات والاصطفافات. إنها بداية نهوض جديد سيغيّر وضع المنطقة خلال العقد الحالي.

أخيراً، ربما يكون كل ما اشرنا اليه هو تحليل لما يمكن أن تنتجه الثورات، لكن من دون أن ننسى الاحساس الشعبي بفلسطين الذي ظهر في حملات التضامن السابقة والذي ظل قائماً، والذي لم يلغه الميل الى تغيير النظم، بل فتح على تحويله إلى فعل.
المصدر: الحياة

الثورات العربية وفلسطين

وُضعت الانتفاضات التي بدأت في الوطن العربي في سياق الثورات البرتقالية، ولهذا سميت بـ”الربيع العربي” مقارنة بـ”الربيع” الذي أطاح بالنظم الاشتراكية، والذي تمحور حول الحرية والديمقراطية، وأشّر إلى انقلاب عالمي كبير بحيث انتهت الاشتراكية وتسيدت الإمبريالية، التي بدأت حروبها ضد المنطقة من أفغانستان إلى العراق. وبهذا فقد أصبح تعبير “الربيع” هذا مرادفاً للسيطرة الإمبريالية، وللحرب والاحتلال والنهب بالتالي.

الذين لا يعنيهم كل ذلك، وينطلقون من منطق ليبرالي خالص، ويناضلون “بشدة” من أجل الحرية والديمقراطية تمسكوا بهذا الاسم، وعمموا تعبير “الربيع العربي”، ربما تيمناً واستبشاراً بما حدث في بلدان الاشتراكية المنهارة. ولقد أصروا على أن هدف هذه الانتفاضات هو الحرية والديمقراطية ليس إلا، وأن كل زوغان عن هذه الرؤية هو “حرف للنضال”، وتشويه لما يجري. هنا للحرية القيمة العليا، لكنها الحرية التي يمكن أن تقبل بالتدخل الإمبريالي كما حدث في العراق، وهي بعيدة عن “الأيديولوجيا” و”المثاليات القومية”، وبالتالي تنطلق من “بناء الدولة الوطنية” المستقلة ذات السيادة والنهائية. لهذا جرى حشر الانتفاضات في هذه الحدود الضيقة.. الحرية ثم الحرية ثم الحرية ونقطة.

لكن ربما ما جرى في القاهرة ضد السفارة الصهيونية قد فتح على مسائل كان يجري الغلق عليها، رغم أن كل الثورات كانت تؤشر إلى ما هو أبعد من التغيير الداخلي. ففي تونس رفع شعار “الشعب يريد تحرير فلسطين” بعيد الانتصار الأولي بقليل. وفي مصر، ظهرت مؤشرات واضحة على موقف من اتفاقيات كامب ديفيد والتبعية للدولة الصهيونية، والموقف من فلسطين. وهو ما تكرر في اليمن، وأيضاً في ليبيا التي يقال إن “الناتو” هو الذي حررها، حيث ارتبط دخول طرابلس بترداد “جايينك فلسطين”. ليظهر بأن ما جرى ضد السفارة الصهيونية هو سياق طبيعي لوضع عربي جديد، يصاغ من قبل الشباب الثوري الذي كان يرى مآسي السنوات الماضية في فلسطين والعراق، وبالتالي يرى الترابط بين وضعه المأساوي الذي أوجدته المافيا المسيطرة على السلطة، والتي تلعب دور الملحق الإمبريالي، وبين كل هذه الغطرسة الإمبريالية الصهيونية، الأمر الذي فرض تبلور الوعي بالترابط الثلاثي بين النظم والإمبريالية والدولة الصهيونية.

إذن، الانتفاضات عربية. بمعنى أنها لا تحمل الهم الداخلي فقط، بل تحمل هماً عربياً سوف يفتح الأفق لوضع عربي جديد. ولهذا أشير إلى أن هدف الانتفاضات هو ليس الحرية فقط؛ هو أشمل من ذلك لأنه هدف مجتمعي. بمعنى أنه يريد قلب وضع لمصلحة وضع آخر مناقض لما هو قائم. وهنا تطرح المسألة القومية برمتها، كما يطرح التطور الاقتصادي وكل الوضع المجتمعي.

وإذا كانت عفوية الثورات لم تسمح بوضع برنامج ورؤية لها، وأن النخب الليبرالية تلقفتها لكي تصيغها وفق مطمحها هي (أي أن تبقيها في حدود الحرية والديمقراطية)، فإن تطور الثورات سوف يوضح أكثر فأكثر هذا الطابع الشامل لها. وهو ما يظهر في الممارسة عبر التوسع في طرح الأهداف، من القضايا الاقتصادية التي تتعلق بالعمل والأجر والسكن والطبابة والتعليم، إلى المسألة الوطنية التي تتعلق بأفق عربي جديد.

الانتفاضات بالتالي هي من أجل الحرية والديمقراطية، لكنها أيضاً من أجل حق العمل والأجر والطبابة والتعليم المجاني والسكن، وكذلك من أجل التحرر من السيطرة الإمبريالية ومن الاحتلال الأميركي الصهيوني في فلسطين والعراق.
لهذا ليس غريباً أن يرفع الشعار في تونس أم الثورات العربية: الشعب يريد تحرير فلسطين.

المصدر: الغد

نحو حلّ الدولة الواحدة

قد يكون الحديث عن الدولة الديموقراطية العلمانية في فلسطين خارجاً عن السياق المتداول. سياق يقوم على الاعتقاد بأنّ المسألة قد تحددت في الإقرار بوجود الدولة الصهيونية حقيقةً قائمة، وبالتالي يجري السعي إلى إقامة دولة فلسطينية مستقلة في جزء من فلسطين مساحته أقل من 20% من مساحتها الكليّة.

بمعنى آخر، هذه هي الصيغة النهائية لوضع القضية الفلسطينية التي باتت تحظى بدعم عالمي، وهي الممكن الوحيد. الأمر الذي يفرض التمسك بها لأنّها الأمل الوحيد!

لكنّ الأيام الأخيرة دفعت أعداداً متزايدة من الفلسطينيين والإسرائيليين، إلى العودة لطرح خيار الدولة الواحدة الديموقراطية العلمانية، انطلاقاً من أنّ الوقائع لم تبقِ مجالاً لغير ذلك. وبهذا أصبح النقاش هو حول طبيعة هذه الدولة.
ولهذا فإنّ الحديث عن الدولة الديموقراطية العلمانية، التي هي دولة واحدة على كلّ فلسطين، يفترض أولاً، القول بأنّ السياسة التي قامت على حلّ الدولتين ثبت فشلها. لقد وصلت إلى طريق مسدود، وبالتالي لا يبدو قائماً في الواقع سوى الدولة الصهيونية. ويمكن أن نقول إنّ هذه السياسة دمرت جزءاً مهماً من مكامن القوة الفلسطينية. وبدل التركيز على حلّ مبدئي وتأسيس القوى القادرة على تحقيقه، كان هناك الضياع في أوهام لم تفعل سوى تدمير مقاومة الشعب الفلسطيني، وإعطاء الوقت الكافي للدولة الصهيونية لكي توسع السيطرة على الأرض وتزيد المستوطنات.

لكنّها ـــــ في المقابل ـــــ أوصلت كلّ معنيّ بفهم المشروع الصهيوني وارتباطه بالمشروع الإمبريالي إلى النقطة التي كان يجب أن تكون واضحة له منذ البدء، وهي أنّ الدولة الصهيونية لا تلحظ أيّ حل للفلسطينيين، وأنّ كلّ حلولها مؤقتة على طريق إكمال سيطرتها على الأرض، التي تراها «يهودية» بالوراثة. لهذا فقد عدنا إلى نقطة البداية، ربما بمعرفة أفضل لطبيعة المشروع الصهيوني، الذي هو مشروع إمبريالي، أو هكذا يجب أن نفترض. بمعنى أنّ التجريبية التي حدثت (رغم أنّ هناك من كان لا يجرّب) أوصلت إلى نتيجة أنّ الدولة الصهيونية لا تقبل الحلول الوسط، ولا حتى نصف الوسط. بالتالي فإنّ المسألة تتعلق بتطوير الصراع إلى الحدّ الذي يفرض إنهاء الدولة الصهيونية، أو تلاشيها. لا حلول في ضوء ميزان القوى الراهن سوى الحلّ الصهيوني، وكلّ المراهنات على «الوضع الدولي» و«الشرعية الدولية» و«الرأي العام العالمي» كانت في غير محلها، لأنّها في النهاية محكومة بميزان القوى القائم على الأرض. وتأثير الرأي العام العالمي هو تأثير مساعد لقوى موجودة على الأرض.

هذه نقطة أولى. إنّ الحديث عن حلّ الدولة الديموقراطية العلمانية يفرض ثانياً، التوضيح أنّه لا ينبع من ضرورة وجود حلّ خاص في فلسطين. إنّ طرح الطابع الديموقراطي والعلماني لا ينبع من خصوصية فلسطينية، رغم وجود المشكلة اليهودية، بل إنّه الحلّ الضروري لكلّ المجتمعات البدائية، في سياق السعي إلى تحقيق التطوّر، فتكون الدمقرطة والعلمنة عنصرين أساسيين في تحقيق الانتقال إلى الحداثة. يعود ذلك إلى أنّ تطوّر هذه المجتمعات مرتبط بتجاوز أيديولوجية سادت قروناً عديدة، وبنيت على الحفاظ على تكوينات وآليات وعلاقات سابقة للعصر الذي ولدت فيه الحداثة. هذه الأخيرة كانت من نتاج نشوء الصناعة بالتحديد، والتطور الكبير الذي أحدثه ذلك. بات الميل لتحقيق التطوّر، بما يعني أساساً بناء الصناعة بوصفها وسيلة إنتاج حاسمة في هذا العصر، والمؤسِّسة لتحقيق التكافؤ والمساواة في العلاقات الدولية، ضرورياً وملحاً في الأمم البدائية. وهو يستلزم تحقيق الحداثة بمجملها، رغم أنّها تحققت في أوروبا على دفعات، في سياق صيرورة أفضت إلى الوضع القائم الآن. ويتمثل ذلك في تأسيس دولة ديموقراطية وعلمانية، لتجاوز فعل الهيمنة الذي تحاول الأيديولوجية التقليدية القائمة على الدين تحقيقه، والتي تسعى إلى إعادة فرض سلطتها، وبالتالي وقف عملية التطور، الصناعي بالخصوص، كما أسلفنا.
العلمنة هنا هي بهدف فصل الدين عن الدولة، وتحوّله إلى معتقد شخصي، أي غير سياسي، وهذا يطال «دين الأغلبية» و«أديان الأقليات»، التي تصبح متساوية إزاء القانون.

وإذا كانت هذه المسألة عامة، تتعلق بكل الأمم البدائية، فإنّ التركيز على الدمقرطة والعلمنة، وإيلاءهما اهتماماً أكبر اليوم، يرتبط عموماً وأولاً بالفورة التي جعلت الحركات الأصولية تتجاوز التهميش الذي طالها مع صعود حركات التحرر القومي، وتصبح هي القوة الكبرى في الصراعات القائمة في مجتمعاتنا. باتت هذه الحركات تبدو القوة المسيطرة في الشارع، وقوة المعارضة الأساسية. وهي تسعى إلى فرض الدولة الدينية تحت شعارات مثل «الإسلام هو الحل» و«القرآن دستورنا». وما من شك في أنّ هذا الإلحاح على الدولة الدينية يفرض التأكيد المضاعف للعلمنة. والأمر هنا لا يتعلّق بشكل الدولة فقط، بل يتعلق بخيار في التطور، أو في الصراع بين تكريس التخلف كما يظهر في برامج الحركات الأصولية، أو تجاوزه عبر بلورة مشروع بديل تكون العلمنة في جوهره.

ثم إنّ هذا التركيز على الدمقرطة والعلمنة يرتبط ثانياً بنشوء كيانات على أسس دينية، كما فعل الاستعماران الإنكليزي والفرنسي في كلّ من باكستان (سنة 1947) ولبنان (سنة 1946) والدولة الصهيونية (سنة 1948). جاء بناء الدولة «الجديدة» فيها على أساس ديني، أي تأليف دولة محددة مسبقاً على أنّها خاصة بدين معيّن (الإسلام في باكستان، والمسيحية في لبنان، واليهودية في فلسطين)، بغضّ النظر عن طبيعة البشر الذين يقطنون فيها. وهي دول خاضعة للتحديد الديني، والمرجعية الدينية، بغضّ النظر عن طبيعة التشريع المقرر فيها.

لهذا فإنّ الدولة الصهيونية هي «دولة اليهود»، ومرجعيتها التوراة، رغم أنّ قوانينها هي وضعية، من دون أن تتناقض مع مرجعيتها. وهنا تكون العلمنة هي من أجل تجاوز الدولة القائمة على الدين. وبالتالي فإنّ المشكلة الدينية من القضايا التي تحتاج إلى النضال لتجاوزها، ولتأتي العلمنة حلّاً لها في إطار الحل العام.
لكنّ المشكلة مع الدولة الصهيونية ليست في الطابع «اليهودي» للدولة فقط، فهذه نتاج المشكلة الجوهرية، وبالتالي هي فرعية في الحل. المشكلة الأساس يمكن تحديدها في سمتين.

الأولى، أنّ الدولة الصهيونية هي كيان استيطاني، قام على تصدير سيل من المهاجرين اليهود إلى فلسطين، بحجة الاضطهاد الذي يلاقونه في أوروبا، ثم بالإفادة من الهولوكوست. وبالتالي فقد باتت دولة يهودية الطابع، أقيمت عبر تهجير السكان الأصليين، وسلبهم أرضهم. لقد أحلّت دولة تعتمد على مهاجرين من دين محدد هو اليهودية محل مجتمع كان يتضمن كل الأديان. ولهذا فإن الطابع الاستيطاني هو الأساس هنا، ويكون الدين هو العنصر المستغلّ لتأسيس دولة قامت على الاستيطان. إذاً، الاستيطان واقتلاع الشعب الأصلي هما الجوهر، والدين عنصر عارض.

السمة الثانية هي أنّ قيام هذه الدولة جاء في إطار إستراتيجية إمبريالية، لم تتعلّق بفلسطين فقط، بل تعلقت بكل الوطن العربي، وترابطت مع تكريس التجزئة، لضمان استمرار تخلّف الأمة العربية وعجزها، بهدف نهب ثرواتها، ومنع تطورها. ونظرت الرأسماليات الأوروبية، وتنظر الرأسمالية الأميركية اليوم، إلى هؤلاء المستوطنين على أنهم جيش يخدم مشروع سيطرتها، وتحكّمها في واقع الوطن العربي، وآفاق تطوره. وبالتالي فهو كيان أداة في إطار مشروع أوسع. ولقد استُخدم الدين للتمويه على هذه الحقيقة.

وبهذا، فإذا كانت العلمانية تطرح حلّاً للمشكلة الدينية، فإنّ هذه تبدو جزئية في سياق مشروع أشمل، يقوم على مواجهة المشروع الإمبريالي الصهيوني، وينطلق من إنهاء الدولة الصهيونية، في جزء من فتح الأفق لتحقيق التطور والوحدة والحداثة في الوطن العربي. ومن ثم يلحظ حلّاً ديموقراطياً للمستوطنين يقوم على التعايش في إطار دولة ديموقراطية تحقق المساواة بين المواطنين، وتحلّ المسألة الدينية عبر تحييدها. لكنّه حلّ يضمن حق العودة للّاجئين الفلسطينيين، وتسوية المشكلات التي تتعلّق بالملكية التي أوجدتها عملية السيطرة على الأرض والاستيطان، وكرّستها الدولة الصهيونية في قوانينها.

طبعاً هذا يعتمد على موازين القوى، لا بين الفلسطينيين والدولة الصهيونية، بل بين هذه بالترافق مع القوى الإمبريالية التي تفرض وجودها العسكري والمهيمن، وبين الوطن العربي. ويعتمد الموضوع كذلك على ميزان القوى العالمي بين قوى التحرر والاشتراكية وبين الإمبريالية، ما دامت الدولة الصهيونية جزءاً عضويّاً في المشروع الإمبريالي، وأداة له، بغض النظر عن الاستقلالية النسبية التي تحوزها.

المصدر: الأخبار

عودة المفاوضات المباشرة: السلطة في خدمة الإمبريالية

كما كان واضحاً، عادت السلطة الفلسطينية إلى المفاوضات المباشرة وفق الشروط التي وضعتها الدولة الصهيونية، أي بلا شروط مسبقة وبلا وقف للاستيطان. ونشأ الوضوح في ذلك من أمرين: الأوّل هو أنّ المفاوضات هي الخيار الوحيد الذي بات يحكم كلّ سياساتها، ومن ثمّ ليس أمامها من خيار حيال التشدّد الصهيوني سوى التراجع والقبول بما هو مطروح. وبالتالي، فقد فقدت كل قدرة على المناورة وكل قدرة على الرفض، وكل التصريحات التي كانت تقول بالعودة إلى خيار الدولة الواحدة، أو التي تشير إلى حل السلطة، أتت في سياق احتجاجي أكثر مما حملت من الجدية التي تجعل الولايات المتحدة أو الدولة الصهيونية تأخذانها في الاعتبار. أمّا الأمر الثاني، فيتعلّق بالمصالح التي نشأت عن وجود السلطة لدى فئة من الذين يمسكون بزمامها، أو المستفيدين منها. فكل ميزانية السلطة هي إما من الضرائب على الفلسطينيين التي تأتي من طريق الدولة الصهيونية، أو مساعدات من «الدول المانحة»، وهما مصدران مسيطر عليهما، فلا يمكن صرف أي قرش منهما إلا بموافقة هؤلاء. لهذا، فإنّ السلطة محكومة برضى المانحين والدولة الصهيونية. لكن الأكثر خطراً هو تشابك المصالح الاقتصادية بين تلك الفئة والرأسمال الصهيوني، وغلبة النشاط الاقتصادي لديهم على مصالح الوطن. إنهم يتحولون إلى كومبرادور فلسطيني، أو تحولوا إلى كومبرادور وانتهى الأمر. ولا شك في أن حصرهم العمل على المفاوضات فقط، نابع من هذا الأساس الذي يجعلهم يتمسكون باستمرار العلاقة مع الدولة الصهيونية، وبالرعاية الأميركية لاستمرار مصالحهم. وهو الوضع الذي يفرض عليهم إطلاق كمّ هائل من الأوهام من جهة، والتخويف من وقف مساعدات المانحين من جهة أخرى، ما أثّر على أكثر من 160 ألف موظف، وذلك للجم المعارضة الممكنة لاستمرار المفاوضات.

في هذا الوضع، ستكون حدود المناورة معدومة أصلاً، لأن استمرار السلطة مرهون برضى «العدو» الذي يُتفاوَض معه، وكذلك هو مرهون بمصالح هذه الفئة التي تحكم سيطرتها على السلطة من خلال أجهزة تدرّبت بإشراف أميركي ووفق سياسة تنطلق من «مقاومة الإرهاب»، لا «الدفاع عن استقلال السلطة»، أو الوصول إلى التحصّل على استقلال حقيقي للسلطة.
إذن، ستكون العودة إلى المفاوضات المباشرة عودة تستتبع الموافقة على شروط إسرائيلية تالية أساسها القبول بدولة في حدود مؤقتة تشمل لمام الكانتونات التي أصبحت أمراً واقعاً، وأيضاً الموافقة على ضم غور الأردن إلى الدولة الصهيونية، وغض النظر عن التوسع الاستيطاني. أي القبول بالحل النهائي الذي رسمته الدولة الصهيونية، والذي يقوم على أن تبقى السلطة سلطةَ إدارة مدنية ذاتية على هذا الشتات من الأرض. وضمن ذلك تكون الأجهزة التي دربتها الولايات المتحدة هي الضامن للأمن في هذا الشتات، تحت سلطة شكلية للسلطة الفلسطينية وفعلية للدولة الصهيونية.

ولقد استدعت هذه الخطوة/ النقلة العودة إلى النظم في البلدان العربية لإعطاء «الشرعية» الضرورية لحماية تلك الفئات وتبرير ممارساتها. لقد استدعت «تعريب» القضية الفلسطينية من جديد بعدما كانت الفئات ذاتها التي تسيطر الآن (أي قيادة حركة فتح تحديداً) هي التي فلَسْطَنَت القضية وقزّمتها، فوضعتها في نفق مظلم لا يوصل إلا إلى هذه النهاية البائسة: القبول بالحل الصهيوني. وإذا كانت الفلسطنة هي مدخل الانهيار لأنها وضعت الشعب الفلسطيني في ظروف لا تسمح بنضال حقيقي، حيث ستظهر النظم العربية كسدّ مانع لـ«نضاله» لكونه ينطلق من «أرضها»، فإنّ هذه «الاستراتيجية» أظهرت أن الشعب الفلسطيني وحده، ليس في مواجهة الدولة الصهيونية فقط، بل في مواجهة مع النظم العربية، وهو الأمر الذي أسس للقبول بالتنازلات المتتالية منذ «النقاط العشر» إلى اتفاق أوسلو. إذا كانت الفلسطنة هي المدخل لكل ذلك، فقد أصبح التقدم أكثر يفرض العودة إلى «العرب» لتحقيق النقلة الأخيرة، تلك المتعلقة بالموافقة على الحل الصهيوني.

تحوّلت السلطة الفلسطينية إلى ممثلة للكومبرادور ولم تعد جزءاً من حركة التحرر فالنظم العربية كانت قد تكيفت منذ زمن طويل مع السيطرة الأميركية، وهي تُحكَم من فئات الكومبرادور الذي ينشط في التجارة والمال كوسيط وتابع للرأسمالية الأم المتمركزة إلى الآن في الولايات المتحدة. إنها نظم الكومبرادور الذي يمثّل صيغة الهيمنة الإمبريالية على الوطن العربي. وضمن ذلك، كان ضرورياً أن يتوافق مع الوجود الصهيوني والدولة الصهيونية، حيث إن الرأسمالية الأم تعمل على ترتيب المنطقة انطلاقاً من الدور المهيمن للدولة الصهيونية لكونها جزءاً عضوياً منها، ومرتكَز سيطرتها، وقاعدتها العسكرية الأساس. وبالتالي يجب على هذه النظم أن تكون «تحت الهيمنة» الصهيونية، من خلال إقامة علاقات تبعية معها، وتكريس الانفتاح الاقتصادي، والدور الأمني النشط. والنظم تتكيف مع هذا الوضع ما دامت ملحقة بالرأسمال الإمبريالي، ومصالحها تتحقق فقط عبر هذا الالتحاق. لكن لا بد من موافقة فلسطينية على حل لئلا يكون هناك ما يحرج التقدم على هذا الطريق «الثوري»!

هنا تحققت «المساومة»، حيث يكون هناك غطاء عربي لموافقة فلسطينية على الشروط الصهيونية تحت الرعاية الأميركية. وربما كان هذا ما سنشاهده في الأيام المقبلة بعد الفرض الأميركي لعودة المفاوضات «دون شروط مسبقة»، وبمشاركة بعض النظم العربية (مصر والأردن).

لكن هذا السياق يفرض علينا أن نتعامل مع السلطة الفلسطينية ممثلةً للكومبرادور الذي انضوى تحت السيطرة الصهيونية الأميركية، وألّا نظلّ نعدّه جزءاً من «حركة التحرر الفلسطينية». فقد بات جزءاً من الكومبرادور العربي الذي هو التمظهر العملي للسيطرة الإمبريالية على الوطن العربي. إنها جزء من البنى الطبقية التي تترابط مع الرأسمال الإمبريالي، وتفرض التكيف العملي مع مصالحه.

المؤسف أن منظمة التحرير الفلسطينية مهيمن عليها، ولجنتها التنفيذية تتخذ القرارات التي تريدها السلطة، وأن رهطاً كبيراً ممّن شارك في المقاومة طوال عقود، من فتح ومن كل التنظيمات الأخرى، بات يعتاش من فُتات السلطة، فهم موظّفو الدرجة الأولى فيها، وبالتالي يتكيفون مع سياساتها أو يقبلونها دون تردد. إذاً، ربما لم يعد لدينا حركة تحرر، وعلينا أن نبحث عن أفق جديد لحركة تحرر جديدة. لم تعد منظمة التحرير تعني شيئاً، سوى أنها تعطي «البصمة» لسياسات مضادة للتحرر وتقرر التكيف مع الاحتلال. ولم يعد «البرنامج المرحلي» سوى النقلة التي أوصلت إلى أوسلو، وأوسلو أوصل إلى ما نشير إليه، وبالتالي فقد كان خطيئة من دون شك.

الفلسطنة بحاجة إلى «نفض يد» لأنها كانت أصل الخطيئة تلك. والمقاومة المسلحة بحاجة إلى إعادة بناء، لكن على أسس جديدة ووفق رؤية عميقة لطبيعة الصراع مع المشروع الصهيوني، الذي هو مشروع إمبريالي أصلاً وفصلاً، وهو مشروع قام في مواجهة التحرر العربي، والوحدة القومية، وقبل كل ذلك ضد التقدم والتطور في الوطن العربي.

في هذا الوضع، هل من فائدة لتكرار المعزوفة عن المصالحة، وعن «تفعيل منظمة التحرير»، والوحدة الوطنية و«الدولة المستقلة وعاصمتها القدس»؟ لقد تحقق الفرز، وبات كل حديث من هذا القبيل تبريراً لكل السياسات التي تتّبعها السلطة، وربما كانت المصالح، لا ضيق الأفق وحده، هي التي تفرض استمرار هذه النغمة، حيث هناك من بات «معتاشاً» من العلاقة مع السلطة، ويمكنه من أجل ذلك أن يسرد كل مبررات استمرار العلاقة، بينما يفرض الوضع الذي وصلنا إليه القطع، والتقدم لإعادة بناء النضال الفلسطيني، لكن هذه المرة في إطاره الشعبي العربي. وكل تلكؤ في هذا السياق هو خدمة لما يجري، ودعم لسلطة باتت في الموقع الآخر.

لقد انتهت مرحلة جديدة من النضال الفلسطيني إلى ما هو مأسوي ككل النضالات السابقة، ولا بد من بدء مرحلة جديدة.

المصدر: الأخبار

عن الوطن البديل: الأردن في الاستراتيجية الصهيونية

ينشغل مثقفون، وبعض القطاعات الاجتماعية، بمسألة الوطن البديل. وهي الفكرة التي طرحت منذ زمن ضمن الاستراتيجية الصهيونية وأعيد طرحها بعد نجاح حزب الليكود و«القوى اليمينية» في تأليف الحكومة، إذ باتت تُناقَش في الكنيست (وكذلك يقال إنها مطروحة في أروقة الكونغرس الأميركي). وإذا كان ضرورياً الانشغال بكيفية مواجهة ذلك، فإن المتابع للنقاشات والبيانات يلمس أنها تبعد عن تناول جوهر الموضوع ـــــ وهو أن الدولة الصهيونية تطرح مخططاً يستهدف الأردن ـــــ إلى تناول مسائل لا تفعل سوى خلق الاحتقان الأردو ــــ فلسطيني، وبالتالي تهيئة الساحة لحرب ليس من السهل أن نعرف ماذا نسميها هذه المرة، أهي طائفية كما حدث في لبنان؟ أم هي «قومية»، وهي تجري بين أفراد شعب واحد؟ ربما دخلنا في مرحلة تفرض تسميات جديدة، فهنا التداخل القبائلي والديني قائم. ولقد أسميت هذا الاحتمال مرة بـ«حرب إثنية محدثة».

ربما يوضح ما يجري مدى السطحية التي لا ترى مصدر الفكرة بل تلمس الجسم الذي فصّلت عليه، ليصبح الصراع هو مع هذا الجسم بدل ملاحظة الطرح الذي يطرحها والهدف منها. فتصبح المسألة هي مسألة كيف يبعد «الأردني» «الفلسطيني» عن السيطرة على الدولة، وكيف يتشدد الفلسطيني لشعوره «التاريخي» بالتهميش. وكل ذلك يجري في إطار قشرة، لكنها لا تفعل سوى خلق احتقان ثمّة من يستعد للإفادة منه لتفجير هذه الحرب الإثنية المحدثة، وهو طبعاً الدولة الصهيونية التي تريد نقل القضية الفلسطينية من أرض فلسطين إلى الأردن.

في هذا الوضع مثلاً، ما علاقة الحقوق السياسية للفلسطينيين الذين يسكنون الأردن بفكرة الوطن البديل لكي يجري التحريض من أجل إلغاء حقوقهم السياسية؟ هل سيتحقق الوطن البديل عبر الانتخابات؟ وهل الفلسطينيون هم من يعمل على تحقيقه عبر الانتخابات؟ وهل من الممكن وقف تحقيق الوطن البديل عبر وقف حق الانتخاب؟

لكن، من يظن أن «الوطن البديل» سيتحقق عبر الانتخابات لكي تصبح المشاركة السياسية لفلسطينيي الأردن هي المشكلة؟ وهل النظام الانتخابي ديموقراطي إلى هذا الحد؟ أليس التزوير هو أساس كل الانتخابات التي جرت، والتي ستجري؟ بالتالي، إن منطق التفكير هنا ساذج لأنه يفتعل مشكلة في غير موضعها. فليست «الأغلبية الفلسطينية» هي التي تحسم في قضية الوطن البديل، وليس «الخطر الديموغرافي» هو المشكلة. ليست هنا المشكلة على الإطلاق، لأن من يطرح فكرة (وأقول فكرة لأنه ليس هناك وطن بديل) لا يريد السلاسة في الانتقال عبر انتخابات، بل يريد إثارة الاحتقان والاقتتال، وهو ما يجعل طرح فكرة سحب الجنسية (وإن عن جزء) وتقليص الحقوق مجالاً للاستغلال من أجل استثارة قطاع من الفلسطينيين في سياق تعميق الاحتقان وصولاً إلى الاقتتال.

الأخطر هنا إذاً، هو أن الفكرة الصهيونية تتحوّل في الوعي المشوّه والسطحي إلى فكرة فلسطينية. بمعنى أن هناك من «الأردنيين» من يتعامل معها وكأنها مشروع فلسطيني، مشروع يحمله الفلسطينيون ويعملون على تحقيقه، الأمر الذي يدفع إلى «الارتداد التعصبي» في قوقعة «الأردنة»، ليحمل «السيف» للدفاع عن «وطن الأجداد» في مواجهة غاصب «فلسطيني». ويكون الحل بتجريد الفلسطينيين (أو جزء مهم منهم) من الحقوق السياسية. هذا هو معنى البيانات التي صدرت في الآونة الأخيرة، والتي انطلقت من «دسترة فك الارتباط»، أو من «قوننة فك الارتباط»، أو من سحب الجنسية من جزء كبير من الفلسطينيين، أو تقسيم فلسطينيي الأردن إلى فئات وزمر. هنا بات يُنظر للفلسطيني كخطر قادم، ويصبح التحريض ضده أساس سياسة، بينما يجري تجاهل أن الدولة الصهيونية هي التي تطرح هذه الفكرة، وأن هدفها بالضبط هو استثارة حرب تطحن الكل، وتهيئ لمد السيطرة الصهيونية إلى شرق النهر. بمعنى أن ما يحرّك هو الحساسيات والتخوفات وليس رؤية واضحة لما يجري. وربما يكون هناك من الفلسطينيين، سواء الكومبرادور المرتبط أو غيره ممن يعتقد بأنه سيصبح الحاكم الجديد في هذه الدولة أو يتوافق مع الدولة الصهيونية على ذلك. وبهذا يلعب الطرفان على إثارة الاحتقان بوعي أو بلا وعي. وحين يتبلور الاحتقان، يمكن أياً كان أن يحوله إلى حرب مدمرة. والخطر يكمن في أن الميل التعصبي والعلاج الخاطئ لدى طرف سيعزز التعصب لدى الطرف الآخر، وهكذا دواليك في صيرورة نهايتها دموية.

إننا نطلق العنان لحساسياتنا الصغيرة والضيقة لكي تشعل حرباً. هذا هو الوضع الآن، والذي يتمظهر في «صراع بيانات ومقالات» يمكن أن يتحوّل إلى حرب حقيقية. ومع كل احترامنا للضباط المتقاعدين، ولكل التخوفات من كل الأطراف، فإن ما يجب أن يواجَه هو المشروع الصهيوني الذي انتقل من السيطرة على فلسطين للتوسع شرقاً نحو الأردن. وإذا لم يكن واضحاً في السابق أن المشروع الصهيوني يطال كل المنطقة، ومنها الأردن طبعاً وأولاً، فإن مجرد نقاش الفكرة علناً في الكنيست وفي الكونغرس الأميركي يجب أن يشير إلى جهة الخطر، وبالتالي البحث في كيفية مواجهته بدل الاشتباك المحلي على افتراضات وهمية، وانطلاقاً من تعصبات وهمية كذلك.

يجب ألا ننسى أن مطلق الفكرة هم قادة الدولة الصهيونية في سياق السعي لتفكيك المنطقة أكثر من أجل السيطرة عليها، وأن هدفهم هو استثارة الحروب لتحقيق ذلك. وأنهم يحققون نقلة جديدة بعدما ابتلعت فلسطين، وبات ممكناً التقدم أكثر. وإذا أردنا أن نستعيد الرؤية الصهيونية لشرق الأردن، نلحظ أنها كانت جزءاً من «الوطن القومي اليهودي»، لكن ضرورات الاستراتيجية الإنكليزية (وربما قلة عدد المستوطنين اليهود) فرضت أن يتشكل شرق الأردن في دولة. رغم ذلك ظلت كتل رئيسية في الحركة الصهيونية تعتبر أنه جزء من «الدولة اليهودية»، أو من «أرض إسرائيل». ومن يعُد إلى الرؤى الصهيونية المكررة في العديد من الوثائق، يكتشف أن حدود الدولة الصهيونية تضم السلسلة الجبلية في شمال الأردن، التي يجب بالتالي السيطرة عليها.

وربما هذا ما بقي لأن يضم من الأردن للدولة الصهيونية، لكن وضع الأردن ككل أصبح يوضع في سياق آخر، بدأ يطرح علناً ورسمياً. وبدأ يتوضح كجزء من استراتيجية السيطرة الصهيونية على مجمل المنطقة المحيطة بفلسطين. أقصد هنا فكرة «الوطن البديل»، فقد تحوّلت المراوغة الصهيونية إلى طرح معادلة جديدة تنطلق من أن فلسطين أو «أرض إسرائيل» هي ضفتا الأردن، وانطلاقاً من ذلك يمكن تقاسمها بين «الشعبين»، ليكون غربي النهر هو «الدولة اليهودية» (وهنا النقية)، وشرقيه هو فلسطين، وهو الحل الذي بات يعرف بـ«الوطن البديل».
ولا شك في أن طرحه الآن ذو مغزى، ليس لأن «القوى الأكثر تطرفاً» في إسرائيل هي التي تحكم، بل لأن آليات السيطرة على الضفة الغربية، عبر الاستيطان وجدار العزل، وكل أشكال الطرق الالتفافية والحواجز الأمنية، وأيضاً «توليد» الكومبرادور

الدولة الصهيونية تسعى لتشريد الفلسطينيين في أبعد مناطق العالم وليس في أي من الدول المحيطة الفلسطيني المرتبط والأجهزة الأمنية الضابطة تحت السيطرة الصهيونية، وكذلك النجاح في فصل قطاع غزة عن الضفة الغربية وتكريس هذا الفصل… وكل ذلك فرض الانتقال إلى خطوة جديدة في مشروع تمكين الدولة الصهيونية. هنا بدأت خطوة الانتقال إلى الأردن في سياق الاستراتيجية تلك، حيث يجري «افتعال» صراع هنا ينطلق من أن الأردن هو «وطن الفلسطينيين»، يفتح الأفق لتدخل صهيوني مستمر. وهذا هو جوهر فكرة «الوطن البديل»، بمعنى أنه ليس هناك «وطن بديل» للفلسطينيين، بل حرب تفرض تكوّن كانتونات متصارعة تخضع للسيطرة الصهيونية. فالدولة الصهيونية ليست معنية بإقامة «دولة فلسطينية» على حدودها ولا حريصة عليها، لأنها تعتقد أن ذلك يمثّل خطراً عليها انطلاقاً من إمكانية تكوّن وجود فلسطيني يؤسس لمقاومة على جبهة طويلة، وخصوصاً إذا ما أصبحت هذه الدولة مستقراً لجموع اللاجئين. وهو الأمر الذي يفرض القول بأن الدولة الصهيونية تسعى لتشريد الفلسطينيين في أبعد مناطق العالم وليس في أي من الدول المحيطة لكي تضمن نهاية فلسطين.

بالتالي، فإن الخطر هو هنا، وهو الأمر الذي يفرض التفكير جدياً في كيفية المواجهة عبر ضمان وحدة شعبية تكون أساس تحويل الأردن ككل إلى دولة مواجهة. وهنا كما أظن يسقط «الفرز»، وعلى العكس تتدعم المواجهة. فالمسألة الآن لا تتعلق بفلسطين فقط، بل بالأردن أيضاً.

المصدر: الأخبار

ما سرّ هذا «التمرّد» الإسرائيلي؟

ما حدث مع نائب الرئيس الأميركي جوزف بايدن خلال زيارته الدولة الصهيونية، وما حدث مكرّراً مع باراك أوباما وهو يلتقي بنيامين نتنياهو، لافت. فقد فوجئ الأوّل بالإعلان عن 1600 وحدة استيطانية جديدة، وربّما فوجئ الثاني بالإعلان عن 20 وحدة استيطانية جديدة.

لقد كانت مسألة وقف الاستيطان هي «الأزمة» التي تلفّ العلاقات الأميركية ــــ الإسرائيلية منذ وصول أوباما إلى الرئاسة، حين «قرر» وقف الاستيطان لبدء مفاوضات بين الإسرائيليين والفلسطينيين بعدما عيّن جورج ميتشل موفداً شخصياً له. وكرر ذلك في «خطاب القاهرة» الشهير، الذي أقنع بعض العرب بجديته في حل «النزاع الفلسطيني الإسرائيلي». لكن حينها فرضت الحكومة الصهيونية قرارها باستمرار الاستيطان في القدس والضفة الغربية، وتراجع أوباما. واستمرت «الأزمة» قائمة كما بدا، أو توهم البعض. وحين فجرت الحكومة الصهيونية مفاجأتها خلال زيارة بايدن، قرّر أوباما التشدّد، فوضع شروطاً يجب أن تلتزم بها الحكومة الصهيونية، وأساسها وقف الاستيطان في القدس والضفة الغربية، وتحدد لقاء بين نتنياهو وأوباما لكي «يُسمع هذا الأخير نتنياهو القرار الحاسم»، وما حدث خلال وجود نتنياهو في أميركا يثير السخرية، إذ كرّر كل مواقفه بشأن الاستيطان، مع إعلان القرار بإنشاء وحدات جديدة.

هل هو «تمرّد إسرائيلي» على أميركا؟

 

في المقابل، إذا كانت المراهنات على أوباما قد خفتت بعد فترة وجيزة من تسلّمه مقاليد الرئاسة، إذ اتّضح أنّه لم يغيّر شيئاً مهمّاً، وأنّه خضع للسياسات الإسرائيليّة في ما يتعلّق بالصراع العربي الصهيوني، فقد ظلّ الميل الذاتي للاقتناع بأن السياسة الأميركية ستتغيّر لـ«مصلحتنا»، هو المهيمن. لهذا، كان يُلتقَط كل لحظة موقف ما، أو يهوّل من ميل ما، للعودة إلى القول إن السياسة الأميركية تتغير، وإنها باتت تريد إنهاء «النزاع الفلسطيني الإسرائيلي»، وهي جادة في ذلك، لأن مصالحها باتت تفرض عليها التخلص من عبء هذا الصراع الذي بات يهدد مصالحها، أو الذي بات يعيق إقامة تحالف ضد إيران، «العدو الرئيسي» لها.

لهذا شاع في الفترة الأخيرة هذا التحليل، وعاد القول بسياسة أميركية جديدة سوف تحقق حل «الدولتين». وكان «تصريح» لجو بايدن خلال زيارته، ثم لدايفيد بترايوس قائد القيادة الأميركية الوسطى أمام لجنة في الكونغرس، يقول: «إنكم تعرّضون أرواح جنودنا في المنطقة للخطر»، هو المدخل لكل هذه العودة إلى المراهنة على أميركا. وهذا ما بدأ يردده عدد من الكتاب وكأنه أمر حتمي. والمفجع هنا هو أن هؤلاء لم يروا في احتلال العراق وكل التدمير الذي أحدثه فيه سبباً لـ«الخطر على أرواح الجنود»، وكأن إنهاء «النزاع» هنا سيوقف الصراع في العراق، ويحوّل الجنود هناك إلى «قوة حفظ سلام». وأيضاً كأن الموقف من أميركا نابع من «دعمها المستمر لإسرائيل» لا من مجمل سياساتها الإمبريالية في كل المنطقة. وكأن أميركا محرجة من النظم العربية، الأمر الذي يدفعها إلى «فرض حل» على إسرائيل. وبالتالي كأن الدولة الصهيونية هي «حليف مزعج» بات من الضروري ضبطه إرضاءً للعرب.

باتت الرأسمالية الحاكمة في الدولة الصهيونية جزءاً من مجمل الطبقة الرأسمالية الأميركية إن كل المحطات التي تُظهر تبايناً بين الدولة الصهيونية وأميركا هي المحطات التي تشعل «الحلم» برضى أميركي ينعكس على «إنصاف» العرب. وهذا ما يُظهر كم أن هذه العلاقة بين الدولة الصهيونية وأميركا (وكل البلدان الرأسمالية) ملتبسة، وغائمة. أو أن «العقل العربي» غير قادر على استيعاب نمط علاقة غير تقليدية كالتي بين الولايات المتحدة والدولة الصهيونية. وكذلك كم أن الحاجة إلى «الارتباط» بالولايات المتحدة تفرض «الحلم» بإنهاء «الإزعاج» الصهيوني، حتى وإن فرض الحل قبول دولة فلسطينية دون سيادة أو حدود. لكن الولايات المتحدة لا تخشى النظم العربية لأنها نظم تابعة ومهيمن عليها، وتُفرض عليها السياسات التي تريدها. ما أقصده هو أنه ليس هذا ما يفرض على الولايات المتحدة حل «النزاع الفلسطيني الإسرائيلي»، وفي كل الأحوال لن يدخل في الحساب الأميركي. ما يدخل في الحساب الأميركي هو طبيعة العلاقة مع الدولة الصهيونية أساساً، وطبيعة الموقع الذي تضع الدولة الصهيونية فيه ضمن استراتيجيتها العامة. ولهذا، رغم كل الخلاف الذي ظهر، كان التأكيد المستمر على «الرابط الوثيق»، والرباط الحاسم معها. و«التحالف الراسخ غير القابل للفصل بين البلدين، والالتزام الأميركي الثابت والمطلق بأمن إسرائيل».

هنا، ولكي نفهم سبب «التمرد» الإسرائيلي، يجب أن نفهم بعمق طبيعة هذا الرابط. حيث إن العلاقة بينهما ليست علاقة دولة ودولة، كما مع بريطانيا مثلاً، أو ما يقوم بين مجمل الدول الرأسمالية، بل إنها أعمق من ذلك لأنها علاقة عضوية. ويعني ذلك أن حاجة الولايات المتحدة (وكل الرأسمالية) للدولة الصهيونية هي حاجة مركزية من أجل السيطرة على الوطن العربي. فهي بالنسبة لها قاعدة عسكرية محاطة بمجتمع يموّهها، ويعطيها «الشرعية». وحروبها ضد حركة التحرر كانت عبر هذه الدولة. وحتى حينما قررت الحضور العسكري المباشر على شكل قواعد عسكرية، ثم عبر احتلال العراق، كانت تكمل ما تأسس عبر الدولة الصهيونية ولم تكن تبحث عن بديل. ولهذا باتت هذه الدولة جزءاً من المنظومة الأمنية الأميركية في المنطقة (مخزن أسلحة، ومرتكز الدرع الصاروخية، إضافة إلى دورها العسكري المباشر). وفي الواقع، فإنها ترى هذا الوجود البشري الاستيطاني أساساً لتفكيك المنطقة وتكريس تجزئتها، وبالتالي تضييع صيرورة تطورها الموحدة.

وهي كذلك قاعدة وجود الشركات الاحتكارية الأميركية المستقبلي، لسوق واسعة، بتكاليف نقل قليلة وأيد عاملة رخيصة. ولهذا يجب ألا نفصل الاقتصادي عن العسكري عن الجيوسياسي، لأنها كلها ما يمثّل الاستراتيجية الأميركية في الوطن العربي.
من جهة أخرى، فإن وجود الدولة الصهيونية مرتبط ارتباطاً حاسماً بالدعم الرأسمالي، فهي نتيجة طبيعة وجودها لا تستطيع الاستقلال وتحقيق التطور الذاتي، حيث إنها بحاجة إلى معيل مستمر، لسببين: الأول، هو أن وجودها «الشاذ» يفرض الحاجة إلى استثمار عسكري ضخم، وخصوصاً أن دورها يتعلق بمواجهة كل المنطقة. وهذا ما لا يستطيعه ناتجها «الوطني». والثاني، لأنها قائمة على الاستيطان، فإن كلفة البنية التحتية هي أضخم مما يستطيعه ناتجها «الوطني». لهذا سيتّضح أن مجمل استثمارها الاقتصادي والعسكري يقتطع نسبة كبرى من هذا الناتج. وسنلمس أيضاً أن نسبة هائلة من هذا الناتج هي نتيجة المساعدات المباشرة وغير المباشرة من الولايات المتحدة (والدول الرأسمالية الأخرى). وهذا الوضع هو الذي يجعل مركز القرار بيد الإدارة الأميركية في نهاية المطاف.

 

لماذا «تتمرّد»؟

إن هذه الوضعية جعلت العلاقة عضوية، ولأنها عضوية أسست لتداخل مصالح رأس المال. وبالتالي باتت الرأسمالية الحاكمة في الدولة الصهيونية جزءاً من مجمل الطبقة الرأسمالية الأميركية. وهنا يصبح الخلاف والصراع هو بين شرائح للطبقة ذاتها وليس صراعاً أو خلافاً بين دولتين. لهذا يجب أن نفهم الصراع الدائر في الولايات المتحدة بين شرائح الرأسمالية هناك من أجل فهم هذا «التمرد». ولكن أساساً من أجل فهم حدود الدور الذي تقوم به الدولة الصهيونية، والذي سيبدو كدور للرأسمالية الأميركية مباشرة.

ويمكن الإشارة إلى أن المسألة في جوهرها لا تتعلق بميل شريحة لإنهاء الصراع العربي الصهيوني ورفض أخرى، بل إن الأمر يتعلق بالوتيرة التي يجب أن تسير بها الأمور. بمعنى أن العلنية الفظة التي باتت تمارسها الدولة الصهيونية في فرض الوقائع هي التي أفشلت المرونة في التعاطي مع الوضع في المنطقة، وخصوصاً أن الأزمة المالية تفرض «عدم إحراج» بلدان الخليج لضمان السيطرة على أموالهم من جهة، ولأن ترتيب المواجهة مع إيران يفترض «بعض الهدوء» على الجبهة الفلسطينية الإسرائيلية، من جهة أخرى. فقد كان الاستيطان مستمراً حين كانت المفاوضات مستمرة دون إرباكات. وكذلك كان ترتيب «تحالف المعتدلين» قائماً مع استمرار الاستيطان، كما كانت خطوات كسر المقاطعة العربية قائمة، حيث كانت العلاقات مع الدولة الصهيونية تتطور على مهل، ولكن باستمرار. كما أنّ أميركا لم تتراجع عن ميلها للحرب. على العكس من ذلك، فإن الأزمة المالية تفرض استمرار الحرب كشكل من أشكال إدارتها.

لهذا، يمكن القول إن التمرد الإسرائيلي هو من «فعل أميركي»، وأقصد أن تناقضاً بات ينشأ بين أوباما والاحتكارات (أو بعضها على الأقل) بسبب قانون الضمان الصحي الذي أقرّ، لكن أساساً بسبب المقترح الذي قدمه من أجل إصلاح قطاع المال الأميركي، والذي يهدف إلى فرض ضريبة مرتفعة على البنوك، وتفكيك المؤسسات المالية البالغة الضخامة. فهذا يعني الصدام مع الطغم المالية، التي هي الطغم الأقوى، والمهيمنة على مجمل الاقتصاد. وبالتالي، إنّه تمرد يستند إلى قاعدة طبقية مؤثرة، تسعى إلى «مسخ» أوباما، ربما في طريق ترحيله إذا استمر في سياساته الداخلية، التي تمس مركز رأس المال.

وأوباما هو الأضعف في كل الأحوال. ولقد اتضح في السنة الأولى من ولايته أنه يستمر في سياسات جورج بوش في ما يتعلق بالوضع العالمي، فيوسع الحرب في أفغانستان، ويمدها إلى اليمن، ويحضر في أميركا اللاتينية، ويتوعد إيران. وربما كانت الأزمة المالية هي التي فرضت على الناخب الأميركي أن يصوّت له، وليس لأن الاحتكارات كانت تريده. وشهدت السنة الأولى من حكمه عملية تطويع كاملة من أجل تفشيل كل ما يخالف سياسات الاحتكارات هذه.

وفي فلسطين، لم يكن يريد سوى «ريتم» هادئ لمفاوضات لا معنى لها، تغطي على الصراع، وتفتح الأفق لإكمال ترتيب العلاقة بين النظم العربية والدولة الصهيونية، في سياق حسم «المسألة الإيرانية». فهو ملتزم بالرؤية الأميركية العامة بشأن دور الدولة الصهيونية وطابعها.

لكن ما تفعله الدولة الصهيونية يعني أنها باتت طليقة اليد في التنفيذ العلني، بالقوة، لمشروعها الهادف إكمال السيطرة على الضفة الغربية، وتحويل السلطة الفلسطينية إلى إدارة مدنية ذاتية لسكان يقيمون على «أرض إسرائيل». وكذلك استمرار التحضير لحرب في المنطقة، وهي حرب إسرائيلية أميركية في كل الأحوال.

المصدر: الأخبار