Category Archives: عن سلامة كيلة

سلامة كيلة: الذين اتهموني بالتخلي عن فلسطين.. شوفينيون

المفكر سلام كيلة يصرح لـ ‘العرب الثقافي’ بأن اليسار يقف مع أنظمة استبدادية مافيوية ضد الشعوب، بالتالي هذه الأحزاب اليسارية تفسخت وتفتت ولن تستطيع أن تلعب دوراً في المستقبل.

_9078_salamslideالعرب الثقافي: أنت مفكر يساري، واليسار في أزمة كبرى، بل يقال إن اليسار العالمي انتهى خصوصاً في موقفه من الثورات العربية الذي يدل على عدم فهم لطبيعة الصراع مع النظم الاستبدادية في الشرق.

سلامة كيلة: اليسار العالمي انتهى منذ زمن طويل منذ أن بدأ ينطلق من المنظومة التي تشكلت خلال الحرب الباردة ضمن منطق عام أن من هو ضد أميركا (الامبريالية) فهو صديق وحليف ومن هو مع أميركا فهو عدو، هذه الفكرة ظلت تحكم هذا اليسار وبات يناقش الثورات العربية انطلاقاً من هذه النظرة لهذا أيد ثورة تونس ومصر لأن النظم ملحقة بأميركا وحينما بدأت الثورات في ليبيا وإلى حد ما في اليمن بدأ يتشكك، أما حين نهضت الثورة في سوريا فقد بدأ يأخذ موقفا مخلوطا حتى من الثورات في مصر وتونس في بعض الأحيان، أو أصبح يعتبر أن ثورات مصر وتونس ثورات فعلاً أما في سوريا وليبيا واليمن فهي مؤامرات امبريالية.

هذا المنظور جعل اليسار يقف مع أنظمة استبدادية مافيوية ضد الشعوب، بالتالي هذه الأحزاب اليسارية تفسخت وتفتت ولن تستطيع أن تلعب دوراً في المستقبل، وأنا أطرح يساراً مختلفاً يساراً معنياً بالناس لهذا لم أتردد في الوقوف مع الثورات منذ اللحظة الأولى بل أكثر من ذلك أنا كنت أتوقع بأننا مقبلون على ثورات وهذا ما كتبته قبل أربع سنوات، وكان تصوري مبنيا على كيف نؤسس قوى جديدة قادرة على أن تتفاعل مع الثورات في المنطقة. اليسار الآن في حاجة إلى إعادة بناء بعد أن تفسخ وتفتت وأصبح هامشياً إلى حد كبير بل وأصبح مشوشاً ويعيش في منظورات ماضوية. والآن نحن معنيون بيسار يعبر عن الطبقات الشعبية من عمال ومفقرين ويدافع عن مصالحها ويؤسس نظاما بديلا يحقق هذه المصالح لهؤلاء المفقرين، هذا يفترض إعادة بناء التصور النظري ورفض كثير من الأفكار التي طرحت في الماضي وإعادة بناء الرؤية العملية، أي كيف يمكن لهذا اليسار أن يكون جزءاً من الناس المفقرين وكيف يلعب دوره الطبيعي في تطوير آليات الصراع التي يقودها هؤلاء وتطوير الخطاب الفكري السياسي الذي يُقدم ويطور وعي الناس لكي يقودوا صراعاً أفضل وأعمق.

العرب الثقافي: أنت متهم بأنك منشغل بالثورة السورية أكثر من انشغالك بالقضية الفلسطينية. كيف تفسر هذا الأمر.

سلامة كيلة: هناك اتهام في هذا الموضوع لماذا أنا منشغل بالثورة السورية وليس بالقضية الفلسطينية من قبل بعض السوريين الشوفينيين، أما الفلسطينيون فيتهمونني بأنني تخليت عن القضية الفلسطينية أو نسيتها، ولكني أعتقد أني بالأساس أخوض صراعاً عربياً لأنني أعتبر ذاتي مواطنا عربيا، لهذا اعتبرت أنني معني بنهوض الثورات في المنطقة العربية. بالنسبة إلى فلسطين تابعت وكتبت وأعرف أن واقع الثورة الفلسطينية انتهى، وبالتالي أنا أنطلق أصلاً من أن الصراع مع الدولة الصهيونية هو صراع عربي وليس صراعا فلسطينيا، والمسألة لا تتعلق بأن الامبريالية أرسلت عددا من اليهود لكي يستوطنوا فلسطين الأهم لماذا اأرسل هؤلاء؟ هذا ما لم يجيب عليه الكثير من اليساريين والقوميين، هؤلاء المستوطنون اليهود هم قاعدة عسكرية وعنصر الصد لمنع تقدم كل المنطقة العربية، وبالتالي المغربي معني بفلسطين كما المصري والسوري والعراقي وغيرهم وهذا واضح لدى الشعوب لكنه تائه لدى المعارضات والأحزاب السياسية، بالتالي نهوض المنطقة العربية من خلال الثورات سيقلب المعادلة في كل الأحوال بمعنى أن النظم الجديدة التي ستصل إلى السلطة وتفكر بحل حقيقي لمشكلات الشعوب ستكون نظما معادية للامبريالية لأنها يجب أن تبني الصناعة وتطور الزراعة وتبني مجتمعل حقيقيا، وكل ذلك يتناقض مع السياسة الامبريالية حتى لو لم تُرد هذه النظم الصدام. الامبريالية إذن ستتصادم مع هذه النظم وبالتالي ستكون عبر صدام طبيعي مع الكيان الصهيوني، لهذا سيكون واضحا أن الثورات العربية ستؤدي إلى تغيير جذري عميق يخل بمعادلة الصراع العربي الفلسطيني لمصلحة العرب والفلسطينيين. وهذا الأمر هو الذي جعلنا نطرح في سوريا شعار من “أجل تحرير فلسطين يجب إسقاط النظام”. ومن هنا أنا لم أتخل عن القضية الفلسطينية ولكنني عدت للأسس الطبيعية لفهم الصراع العربي الصهيوني وبدأت من النقطة الطبيعية التي بدأت أصلا مع هزيمة عام 48 حينما اكتشف العرب أن مواجهة إسرائيل تفترض تغيير النظم وهذا ما طرحه كل من جمال عبدالناصر وحزب البعث، وصحيح أنهم لم يستطيعوا فعل شيء جدّي ولكن الفكرة كانت واضحة بأننا لا نستطيع مواجهة الدولة الصهيونية والامبريالية العالمية دون تغيير الواقع العربي نفسه. إذن فنحن الآن في المسار الطبيعي من أجل القضية الفلسطينية لأنّ من كانوا ممسكين بها دمّروا وضعها، والآن ينهض واقع عربي سيعيد طرح القضية الفلسطينية بشكل جدّي ومن هنا أنا في قلب الصراع ولست خارجه.

المصدر: العرب

Advertisements

درس للأغبياء حول الإمبريالية الروسية

ما يلفت هو أنه كلما كتبت عن إمبريالية روسيا يتقدم أحد من جماعة قاسيون (أو حزب الإرادة الشعبية الآن) للرد علي. أمر طبيعي؟ بالضبط لأنها “الوكيل المعتمد” لروسيا، بعد أن انتهى الاتحاد السوفيتي. آسف هنا إذا كنت قد كشفت هذا السرّ الذي لا يبدو أن جماعة قاسيون تعرفه، لهذا لازالت تتعامل مع روسيا وكأنها الاتحاد السوفيتي، أو سنأخذ بنظرية “الوكيل المعتمد” (وهذا يشمل التجارة التي باتت أساس سياسة روسيا، وأساس تعاملها مع البلدان الفقيرة، حيث الدفع “كاش”، ومن ضمنها سورية طبعاً).

أول مرة كتبت مقالاً عنوانه “روسيا إمبريالية” تنطح “رفيق” في الحزب بالرد، هو سلام الشريف. لم أشأ الرد فقط لأنني لم أمتلك الوقت حينها، ولا شك في أنني سأرد لأنني معني بمناقشة التفاهات التي تسمى ماركسية. والرد حينها كان “يقاتل” من أجل إثبات بأن روسيا ليست إمبريالية، رغم أن تحليل المعلومات الاقتصادية عن وضع روسيا يؤكد ذلك. لكن هنا سيبدو أن المفاهيم ذاتها مشوشة، ولا تمت للماركسية بصلة (كما الوضع مع مهند دليقان الذي سأناقشه تالياً)، بالتالي فإن مفهوم الإمبريالية ذاته مبهم، الأمر الذي سيجعل روسيا ليس فقط ليست إمبريالية بل اشتراكية كذلك (فالرفيق بوتين عضو في الحزب الشيوعي الروسي). ولفت نظري حينها أن مفهوم الانتهازية اليسارية مشوش، بل مقلوب، لهذا كان سهلاَ توحيد اليسار الانتهازي (الذي أُلصق بي) بالتطرف اليساري (الذي أُلصق بي كذلك) رغم أنهما متضادين ولا يمكن أن يجتمعا في شخص واحد.

على كل مهند دليقان يرد على مقال لي عنوانه “روسيا كإمبريالية غبية”، تحت عنوان: “الإمبريالية الغبية” من وجهة نظر (يساري تائب) ((http://www.kassioun.org/index.php/reports-and-opinions/2653. وكالعادة يبني على الكذب والجهل متحدين في شخص هو، ليس مهند بل قدري جميل. فأولاً كلمة تائب تعني أنني أعلنت التوبة (من المفترض عن الماركسية)، لكن هذا لم يحصل، على العكس من ذلك أعتقد أنني من يحدد من هو الماركسي. وكان أجدر بiأن يقول التحريفي مثلاً، من منظور أنه هو “الماركسي القويم”، أو كما فعل سلام الشريف، يقول اليسار الانتهازي. هذا يظهر كم أن المصطلحات غير ممتلكة من قبل السيد دليقان (أو قدري جميل). ثم يسرد السيد دليقان الأماكن التي أنشر فيها فيكذب، حيث أنني أنشر في موقع الجزيرة نت، وجريدة الحياة بالأساس، ولم أنشر إلى الآن لا في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات (الذي يرأسه عزمي بشارة) ولا في المجلات التي اصدرها. رغم انه لا مانع لدي من النشر لأنني لا أخاف على “عذريتي” من أن تخدش، فلست هزيلاً إلى حد الخوف من النشر في هذه المواقع، ولا أظن بأن نشري هناك سوف يغيّر من قناعاتي، ولو كان ذلك ممكناً لكنت أنشر في أماكن أكثر إدراراً للمال. أنا هنا أتعامل كصحفي أنشر في الأماكن التي أستطيع نشر ما أريد فيها (وآمل أن يقرأ الأستاذ دليقان ما كتبت في موقع الجزيرة نت أو جريدة الحياة لكي يلاحظ مدى التطابق أو الافتراق في المواقف بين ما أكتب وبين أصحابها). لهذا النقد هنا يطال المضمون وليس المكان. وهذا ما لا يعرفه هذا النمط من “اليسار”.

طبعاً يدلف الأستاذ من هذا الباب إلى الاتهام، كعادة كل العجزة، والفاشلين في الحوار، حيث أصبحت على علاقة مع قطر هي استكمال للعلاقة مع فرنسا. شكراً لك على هذا التحليل الرائع، تستحق درجة حسن. وهو هنا يكرر ما كتبته جريدة “صوت الشعب” التي يصدرها الحزب الشيوعي السوري شحطة عمار بكداش قبل سنوات عن علاجي في باريس. على كل هذا هو اسلوب من لا يستطيع النقاش، وعلى فكرة هذا جزء من المدرسة البكداشية التي انبنت على العجز عن تقديم أفكار والحوار لكي تتهم كل مثقف حقيقي بالحزب بانه عميل، ليطرد من الحزب ويشهّر به مما لم يبق فيه سوى “العاهات”. بالتالي طبيعي أن يكون الأستاذ دليقان سليل هذه المدرسة العريقة في الخوين، ولكن بالأساس العجز والهزال الفكري.
الآن، سوف أوضح مدى الركاكة التي يعاني منها دليقان. فقد استنتج بأنني اقول بـ “عظمة أميركا” لأنني اقول بغباء روسيا، هذا أمر طبيعي لدى عقل قام على مبدأ خير/ شر، أو إما معنا أو ضدنا. بالتالي يستنتج عقله “المقولب” أن قولي بأن روسيا غبية يعني أنني اقول بأن أميركا عظيمة. هذا عقله الصوري المتوارث من القرون الوسطى، حيث لا يرى سوى حدين، فإما هنا أو هناك. وهذا هو جوهر أزمة هؤلاء الذي تشبعوا بـ”الماركسية السوفيتية” (ولسوف أتناول هذا الأمر تالياً). ولهذا يؤكد بأنني اقول بأن أميركا ليست في حالة تراجع، كيف ذلك وأنا منذ سنوات أواجه الحديث عن “المؤامرة الإمبريالية”، أي الأميركية، على سورية بالقول أن أميركا في طور الأفول، وأنها تنسحب من المنطقة، وتخلي لروسيا. على الأقل هناك مقال لي نشر في موقع الجزيرة نت عنوانة “أميركا، إمبراطورية في مرحلة الأفول”. أليس مخجلاً الرد دون معرفة أو اضطلاع؟ أؤكد بأن ما قرأه دليقان لي هو فقط مقال “روسيا كإمبريالية غبية”، وقرأه بتسرع وابتسار، لأنه لا يجرؤ على قراءة الرأي المختلف، ومن باب الاضطلاع من أجل الرد. ولهذا يلجأ إلى “التأليف”، أي تقويلي ما ليس رأيي وعكس رأيي.

مثل ذلك موقفي من الحراك العالمي، حيث يقول “ورغم التعاطف الهائل الذي لا ينفك يظهره للحراك السياسي الشعبي العالمي، فإنه لا يثق بهذا الحراك ولا بقدرته على تغيير المعادلات الدولية الراكدة منذ أكثر من عشرين عاماً، وكأنه يعيد صياغة «نهاية التاريخ» ولكن من وجهة نظر «يسارية» هذه المرة”. كيف من جهة التعاطف الهائل، ومن جهة أخرى لآ أثق بهذا الحراك وبقدرته على تغيير المعادلات الدولية؟ يعني حينما كان “الرفاق” لا يرون مقدرة على تغيير المعادلات الراكدة، كنت أشير إلى أننا مقبلون على ثورات (عنوان كراس لي هو “طريق الانتفاضة، لماذا تثور الطبقات الشعبية؟” صدر سنة 2007)، على العكس من ذلك كنت “أبشّر” بزمن الثورات منذ وقت، حيث اعتبرت انها قادمة حتماً. وبعد الأزمة المالية الإمبريالية كتبت عن النهوض الثوري العالمي القادم، وأننا مقبلون على وضع ثوري عالمي سيؤجج الصراع الطبقي. ومن هذا المنظور كتبت “علينا أن ندفن موتانا”، أي اليسار القديم الذي لم يعد قادراً على مواكبة التحولات الثورية القادمة، ولم يعد قادراً على استيعابها أصلاً. وهذا ما حكم منظوري للثورات العربية، التي كنت “أبشر” بحدوثها القريب. ويبدو أن دليقان، لأنه لم يقرأ ما أكتب، لا يعرف بأنني أدعو لتجاوز الرأسمالية، والى أن يقود اليسار الصراع القادم من أجل تغيير جذري. ربما هو معذور لأنه يخاف قراءة الرأي المختلف كي لا يفقد ثقته بما يكرر، أو يكتشف تهافت الأفكار التي يطرحها.

طبعاً يشير إلى ذلك لكي يصل إلى التالي: ” وفي الوقت نفسه فإن ثورةً طبقية مكتملة هي الجارية في سورية، ولكن لا تقولوا شيئاً عن تحول عالمي لمصلحة الشعوب ولمصلحة اشتراكية جديدة تفرضها الشعوب، فذلك تفاؤل ثوري كاذب، فلا يمكن لأوباما أن يتراجع، أوباما يتقدم فقط.. ولو!!”. أي انني أعتبر ما يجري في سورية ثورة فقط بينما هو ليس كذلك، وأبخس الحراك العالمي لأن ذلك يعبّر عن “تفاؤل ثوري كاذب”. في سورية ثورة طبعاً، ورفض ذلك مع الحديث عن تحول عالمي وضعف أميركا ينم عن “موقف طبقي” متلاصق مع السلطة ضد الشعب، وهذا هو موقف الحزب الذي يمثله، والذي بات جزءاً من سلطة رأسمالية مافياوية ريعية، متشابكة رأسماليتها مع كل مافيات العالم، ومع الرأسمال الإمبريالي عبر قنوات متعددة (منها قناة المال الخليجي، الإماراتي خصوصاً). لكنني أقول بتحوّل عالمي، وبأن الرأسمالية تعيش أزمة لن تستطيع الخروج منها، وأن هذه الأزمة سوف تفضي إلى نشوب ثورات، ليس في الوطن العربي فقط، بل في جنوب وشرق أوروبا وفي آسيا وأميركا اللاتينية، وكذلك في روسيا، وربما الصين، وأميركا، وحتى في المراكز الرأسمالية كلها. وعلى ضوء ذلك قلت بأن اليسار القديم بات من الماضي وعلينا أن نؤسس ماركسية جديدة، تقود هذا الصراع الطبقي من أجل تجاوز الرأسمالية والانتقال إلى الاشتراكية. آخر ما كتبت هو كراس عنوانه “بصدد رؤية مختلفة للعالم، الماركسية والصراع الطبقي العالمي الراهن”. لهذا أشير رداً على قوله أنني أدعو إلى “تجديد الماركسية” اقول لا، أنا أدعو إلى ماركسية جديدة تقطع مع كل “العلاك” الذي أتانا “من الشرق”، ويعيد إلى ماركس.

من الواضح بأن دليقان يبني موقفه ليس نتيجة معرفة بل نتيجة “استنتاج منهجي”، هو ذاك الذي أشرت إليه قبلاً حول ذكاء أميركا وعظمتها مقابل قولي بغباء روسيا. أي أنه لا زال ينطلق من استنتاجه الشكلي بأن قولي بغباء روسيا يعني أنني اقول أن أميركا “ذكية وهي إلى حد ما فوق القانون الموضوعي”. ببساطة أنا لا أمتلك هذا العقل القروسطي، لقد تجاوزته منذ أن أصبحت ماركسياً (وليس مدعي ماركسية)، فالجدل المادي الماركسي (وهذا ما ينفر منه دليقان وكل الاتجاه الذي يمثله كما سنرى لاحقاً) علمني كيف أدرس الظاهرة بكليتها، وأرى التعدد، والصيرورة والواقع المادي، بالتالي لا أتعلق بثنائيات هي سمة المنطق الصوري. وأيضاً أن أفهم أن اعطاء حكم قيمة على شيء لا يعني الموافقة عليه، فيمكن أن تكون أميركا أذكى من روسيا (وهذا حاصل) لكن ذلك لا يعني أنها ليست إمبريالية وتعمل لتحقيق مصالحها، وتنهب الشعوب وتدمرها عند اللزوم. لكن حديثي عن روسيا ينطلق من دورها في المسألة السورية، وكيف أنها عاجزة عن إيجاد حل رغم كل التسهيلات الأميركية، فأميركا “باعت” سورية لروسيا كما كررت مراراً. ولقد باعتها لأنها “في تراجع” وتحتاج إلى تنازلات روسية في أماكن أخرى (أي تقاسم عالمي جديد).

في كل الأحوال الخلاف منهجي، وهذا واضح من طبيعة فهم الماركسية، الذي ظهر في العديد من النقاشات مع “الرفيق” قدري جميل، والذي نشر بعضها في حينه (كتاب “الماركسية اليوم” صدر عن دار الطليعة الجديدة)، ويتمثل الخلاف في تحديد أهمية وموقع الجدل المادي في الماركسية، هل هو الأساس؟ أم هو قانون من جملة قوانين؟ لكن قبل ذلك سنلمس كيف يشوه دليقان الخلاف، حيث يقول ” فالذي نظّر لحصر الماركسية بالديالكتيك المادي رافضاً الاعتراف بالاقتصاد الماركسي باعتباره علماً، ورافضاً الاعتراف بالنظرية الثورية العلمية” ، وكل ذلك هو أنا. أحصر الماركسية في الديالكتيك المادي وأرفض الاعتراف بالاقتصاد الماركسي وبالنظرية الثورية العلمية. هذا التحديد يؤكد مدى التشوش الذي يعانيه في فهم الماركسية، حيث لازال ينطلق من تقسيمها “المدرسي” إلى مادية ديالكتيكية ومادية تاريخية واقتصاد سياسي واشتراكية علمية، وهو التقسيم الذي اخترعه السوفيت، وادى إلى تفكيك الماركسية (إضافة إلى تسطيحها، وتشويهها). أنا لا أرفض الاقتصاد الماركسي، على العكس متهم بأنني أميل إلى الاقتصاد (اقتصادي)، لأنني أنطلق من التحليل الاقتصادي في فهم الظواهر (ولهذا اعتمدت على المعلومات الاقتصادية التي كانت تنشرها قاسيون حول الاقتصاد السوري لكي اقول أن الوضع مقبل على ثورة، كما قالوا في البداية وتراجعوا). ولا أرفض النظرية الثورية العلمية (والنص هنا مشوش، أي أي نظرية ثورية علمية؟). الخلاف حول ما هو العنصر المركزي في الماركسية؟ وهل يمكن تنميط الماركسية في حقول منفصلة عن بعضها (ككل تخصص مدرسي)؟ لكن الأهم أن هذا المنظور لا يرى في أن الجدل المادي يتضمن كل ذلك، وهذا أمر طبيعي لعقل ستاتيكي، صوري. فكلمة المادي الملتصقة بالجدل هي الوجود البشري الذي يبدأ من الاقتصاد (الذي هو العنصر المحدِّد، وإنْ في التحليل الأخير كما قال إنجلز)، ويتصل بالطبقات قبل أن يطال الأيديولوجية والدولة (وهذه هي المستويات التي تبحث الماركسية فيها كونها كل الوجود الاجتماعي). بالتالي ليس ممكناً فهم الواقع جدلياً إلا من خلال البدء من الاقتصاد. لكن “الرفاق” قسموا الماركسية إلى حقول متجاورة لكن بلا ترابط، فككوا الماركسية لكي لا تعود ماركسية، بل “قوانين” تحكم كل حقل بمعزل عن الآخر، وبلا الجدل المادي كأداة تحليل، أي ألقوا به خارج “الممارسة”، خارج الفعل النظري. هذا ما أوضحته في الكتاب الذي صدر عن دار الطليعة الجديدة. وهذا المنطق التفكيكي هو الذي جعل “الرفاق” يتحدثون كثيراً عن السياسة الاقتصادية قبل الثورة، ويقدموا أرقاماً تقول بأن الثورة قادمة، لكنهم لم يخرجوا باستنتاجات سياسية صحيحة، لأنهم لم يستطيعوا الربط بين الاقتصادي والطبقي والسياسي والوطني، بل قفزوا إلى “الوطني” دون فهم أن الأساس الطبقي هو المحدِّد وليش “الشعار الوطني”. فالوطني ذو أساس طبقي، وبالتالي أساس اقتصادي. لهذا فمن ينهب البلد ويحتكر الاقتصاد ويصدر الأموال إلى الخارج لن يكون حريصاً على البلد من المنظور الوطني، وما يهمه هو النهب فيه فقط.

ثم أي نظرية ثورية علمية؟ النظرية الثورية هي رؤية الواقع انطلاقاً من الجدل المادي لبلورة الرؤية البديلة، وتأسيس الفعل الذي يفضي إلى التغيير عبر تطوير الصراع الطبقي. وعلميتها تأتي من هنا بالتحديد وليس من “تجريدها”، أو لأن ماركس أو لينين أو ستالين هو الذي قالها. النظرية تخص الواقع مباشرة، ولهذا تتأسس على المنهجية، التي هي وحدها تسمح بتحليل الواقع علمياً، ومن ثم بفهم الصيرورة التي هي نتاج التناقضات الطبقية القائمة في لحظة معينة ومكان محدَّد، وبالتالي تحديد دور الماركسي فيها. الخلاف هو حول هل ينحكم تحليلنا للجدل المادي أو للمنطق الصوري؟ هل ينحكم العقل لآليات الجدل المادي أو لقوانين المنطق الصوري؟ ومن ثم، وهنا، لا يفيد تلبيس المنطق الصوري أشكال وكلمات ماركسية، لأنه يبقى المنطق الصوري ذاته لكن ملفوفاً بـ “العلم الأحمر”. ولهذا باتت تلك الأحزاب نعش ملفوف بالعلم الأحمر.

هذا الفهم الصوري للماركسية جعل دليقان ينفي إمبريالية روسيا على الشكل التالي: ” إن الطرح القائل بإمبريالية روسيا كفيل بإثارة عاصفة من الضحك لدى مختصي الاقتصاد السياسي، فالشروط الخمسة التقليدية للإمبريالية وإلى جانب كونها غير محققة في روسيا، فإن الأهم هو أن التفاعل بين ظاهرتين موضوعيتين هما التمركز واستمرار التمركز من جهة والعولمة الاقتصادية من جهة ثانية، يؤدي نتيجة بسيطة هي: هنالك مركز إمبريالي واحد..”. فهو هنا يلخص الإمبريالية في “شروط خمسة” (طبعاً مفترض أنها تلك التي وضعها لينين في تعريف الإمبريالية في كتابه “الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية”)، ليطبقها ميكانيكياً على روسيا، ويخرج باستنتاج أنها غير إمبريالية. هذا هو المنطق الصوري بالتحديد، وشكراً لمهند لأنه أعطى مثالاً رائعاً على منطقه الصوري. فقد ابتسر كل تحليل لينين حول الإمبريالية في “شروط خمسة”، وبات يطبقها على الواقع ميكانيكياً. هكذا فعل “الرفيق ستالين” في الماركسية، وبالتالي جدير بتلامذته أن يفعلوا ذلك.

ما هي هذه “الشروط الخمسة”؟
يقول الرفيق لينين “الإمبريالية هي الرأسمالية عندما تبلغ من التطور درجة تكونت فيها سيطرة الاحتكارات والرأسمال المالي، واكتسب فيها تصدير الرأسمال أهمية كبرى، وابتدأ تقسيم العالم بين التروتستات العالمية، وانتهى تقسيم جميع أقطار الأرض بين كبريات البلدان الرأسمالية”. هذه هي العناصر الخمسة. فهل سيطرت الاحتكارات في روسيا؟ نعم. وهل يسيطر الرأسمال المالي؟ نعم. وهل اكتسب تصدير الرأسمال أهمية كبرى؟ نعم. وهل ابتدأ تقسيم العالم بين التروتستات العالمية؟ هذا يجري الآن أمام أعيننا. وهل انتهى تقسيم جميع أقطار الأرض بين كبريات البلدان الرأسمالية؟ هذا يجري الآن. حيث أن سيطرة الاحتكارات والرأسمال المالي يفرضان السعي للتوسع العالمي بالضرورة، ويدفعان إلى أن تتنازع دولتهم مع الرأسماليات الأخرى حول الأسواق والسيطرة. هذه هي الصيرورة “الطبيعية” لنشوء الإمبريالية. وهذا هو أساس “التصارع” الحالي بين روسيا و”الغرب”، فهي تعمل على الحصول على حصتها من الأسواق العالمية، ومن تعزيز سيطرتها وتقوية نفوذها.

بعض “اليسار” (الممانع و”المقاوم”) يركز فقط على “الشرط” الأخير، من منظور أن ذلك يعني السيطرة الاستعمارية. لكن في ذلك ابتذال هائل للماركسية ولمعنى الإمبريالية في الماركسية. ما يمكن أن نشير إليه هو أن زمن الاستعمار انتهى (عدا في فلسطين، والآن في أفغانستان)، وأن السيطرة باتت اقتصادية وعبر وجود قواعد عسكرية. وفي ذلك سنجد لأميركا مئات القواعد في العالم، كما لروسيا عشرات القواعد، لكن لهما معاً قواعد عسكرية خارج أراضيهما. وإذا كان لأميركا أكثر فلأنها سيطرت منذ زمن طويل بينما تتقدم روسيا الآن.

هذا التقدم هو ما لا يلمسه دليقان. فالشروط غير محققة في روسيا، بالتالي رسبت في الصف الأول من الإمبريالية. لكن الأهم كما يرى “هو أن التفاعل بين ظاهرتين موضوعيتين هما التمركز واستمرار التمركز من جهة والعولمة الاقتصادية من جهة ثانية، يؤدي نتيجة بسيطة هي: هنالك مركز إمبريالي واحد..”، بالتالي أصبح هناك “إمبريالية عليا”، يحيا كاوتسكي وليسقط لينين الذي أوهمنا بأنه في الرأسمالية لن يصبح هناك “مركز إمبريالي واحد”. طبعاً ليس غريباً أن يكون هناك صلة بين دليقان وكاوتسكي، فهي موجودة أصلاً بين “الماركسية السوفيتية” و”ماركسية الأممية الثانية”، ولقد قام الرفيق ستالين بتدشين هذه الصلة بكل مجهوده الفكري. حيث أن كليهما يتأسس على المنطق الصوري، و”يشطب” الجدل، أو يحوّره ويسطحه أو يحوّله إلى تصور إرتقائي. ولهذا لا نستغرب هنا أن يكون تحليل دليقان، والتيار الذي يمثله في سورية والعالم، هو المدخل لظهور الانتهازية في اليسار العالمي، الذي يظهر واضحاً في دعم سلطة رأسمالية مافياوية ريعية وهي تمارس أقصى الوحشية ضد الشعب. فقد أوضح لينين كيف أن تعريف كاوتسكي للإمبريالية الذي ينطلق من ميلها للاستعمار هو الذي يفضي إلى تشكيل فكرة “الإمبريالية العليا” لدية، وفي الوقت ذاته إلى أنه “يخفي أعمق تناقضات الإمبريالية، ويؤول بالتالي إلى مسالمة الانتهازية” (لينين “المختارات في ثلاث مجلدات” م3 ج1 ص83).

طبعاً التشابه مع كاوتسكي هو نتاج اعتبار ان المركز الإمبريالي هو نهاية المطاف، أي الشكل الأعلى للإمبريالية، ومن ثم ليس من تنافس أو تصارع، أو نشوء للإمبرياليات أخرى. لهذا بات هناك إمبريالية (هي الإمبريالية الأميركية التي تهيمن على الثالوث –كما يقول سمير أمين-) وضد إمبريالية، هم كل البلدان والقوى التي تختلف أو تتصارع أو تناقض هذا المركز الإمبريالي. هذا هو المنظور السطحي والساذج لمعظم اليسار العالمي، وهو المنظور الذي يفتح على الانتهازية، حيث يقول بالثورة لفظاً ويرفضها واقعاً في بلده. ربما عدنا إلى “إفلاس الأممية الثانية”. والغريب أن تكون القضايا ذاتها هي التي تؤسس لهذا الإفلاس. وأن تكون الانتهازية هي السمة في الحالين.

هل تشكل “مركز إمبريالي واحد”؟ سأقول نعم، بعكس ما يمكن أن يظن دليقان. فقد أدى تطور الاشتراكية وتوسعها إلى إنهاء الصراعات بين الدول الإمبريالية للتوحد ضد الاتحاد السوفيتي. وعلى ضوء ذلك تشابك الرأسمال بشكل هائل، وانفتحت الأسواق في البلدان الرأسمالية لحركة السلع والرأسمال بشكل كامل. وأصبح التنافس والصراع بين الرأسماليات يجريان في إطار “العالم الرأسمالي” ككل، وكذلك التطاحن بين الشركات. وباتت الإمبريالية الأميركية هي القوة المهيمنة في مجمل النمط، وللطغم المالية الأميركية السيطرة الأكبر. وأصبحت أميركا هي القوة العسكرية الأولى في العالم، ورأس حربة النظام الرأسمالي ضد المنظومة الاشتراكية. بالتالي باتت الإمبريالية “مركزية”، أي تخضع لمركز واحد، وإنْ كانت تظهر المنافسة بين ثلاث أطراف، هي أميركا واليابان وأوروبا. أخطأ لينين، بسيطة. لكن هذا ليس خطأ لينين*، لأنه حلل وضع العالم قبل نشوء الدولة الاشتراكية، وبالتالي كان من الطبيعي أن يؤدي ظهور النقيض إلى تماسك الرأسمالية وتوحدها. فقد بات وجودها ينحكم لصراع جديد مع نقيضها الكامل. بالتالي فرضت “عقلانية” الرأسمالية التشكّل في “مركز واحد”. هل هذا هو الشكل النهائي للإمبريالية؟ وفق نظرية كاوتسكي نعم، وبالتالي فإن “التمركز واستمرار التمركز من جهة والعولمة الاقتصادية من جهة ثانية”، قد فرضا نشوء “المركز الواحد”، وهذه بالضبط هي التي أوصلت كاوتسكي إلى فكرة “الإمبريالية العليا”.

إذن نحن إزاء خط كاوتسكي كامل. فالتطور الداخلي في الرأسمالية هو الذي أوصل إلى “المركز الواحد” وليس نشوء الاشتراكية وتماسك الرأسمالية في مواجهتها. وظهر أن لينين مخطئ في تحليله الذي رفض فيه “المركز الواحد”، رغم أن ما فهم من كتابه هو أن الإمبريالية هي أعلى مراحل الرأسمالية. هذه الأعلى نجدها كامنة هنا فقط من حيث أن الدول الإمبريالية التي تحدث عنها ظلت هي ذاتها، وكأنه لم يعد ممكناً نشوء إمبرياليات أخرى. من منظور لينين ليس هناك إمكانية لتشكل “مركز واحد/ إمبريالية عليا”، حيث ان التنافس سوف يؤدي إلى الحروب بين الدول لتقاسم العالم. هذا ما ظهر واضحاً في الحربين العالميتين الأولى والثانية، وفي كثير من الحروب “الصغيرة”. وحيث تهيمن إمبريالية وتختفي أخرى، وهو ما ظهر واضحاً خلال النصف الأول من القرن العشرين. لكن تطور الاشتراكية، وتوسعها بعد الحرب العالمية الثانية فرض إعادة صياغة وضعية الرأسمالية لكي تتمكن من مواجهة “المد الشيوعي”. وتأسيساً على ذلك أُنهيت الصراعات بين الدول، وجرى التوافق على “السلام” بين الرأسماليين، من خلال تشكيل سوق واحدة دون قيود، وتحقيق التشابك الرأسمالي. وبهذا فقد نشأ تمركز أعلى واحتكار أضخم، وتقاسم عالمي “متوافق عليه”. بالتالي تشكل “المركز الإمبريالي الواحد”.

هل يعني ذلك أنه ألغى تشكل إمبرياليات اخرى؟
كان المقصود ذلك، لهذا لم تتطور بلدان أخرى في نطاق السيطرة الإمبريالية، وكل محاولات التطور جرت بالقطع معها. فقط كوريا الجنوبية وتايوان سمح لهما التطور في نطاق الرأسمالية، ودعما في ذلك، بالضبط لـ “وقف المد الشيوعي”. لكن انهيار الاشتراكية قد فتح على “عالم جديد”. هذا ما لا يرد لا دليقان ولا معظم اليسار العالمي رؤيته، فروسيا تحوّلت إلى الرأسمالية، هل في ذلك شك؟ هذا اليسار يشك طبعاص لأنه لازال يعيش “البنية الأيديولوجية” التي تشربها خلال احتكار السوفيت للماركسية، ويبدو انه لا يريد الخروج منها، لأنه “يموت”. فهذه البنية كان هي الغطاء لانتهازيته السابقة، وبالتالي يجب أن تبقى هي الغطاء لانتهازيته الراهنة.

ماذا أصبحت روسيا بعد انهيار الاشتراكية؟ رأسمالية، هذا كان جواب كل اليسار العالمي الذي تمسك بـ “الاشتراكية”. طبعاً يمكن العودة إلى كل ما كتب حينها وطيلة عقد التسعينات والعقد الأول من القرن الجديد. البعض اعتبر أن ما جرى هو “مؤامرة إمبريالية” على الاشتراكية، والبعض اشار إلى انهيارها نتيجة “أخطائها”، لكن الكل أجمع إلى أنها أصبحت رأسمالية، وأنها التحقت بالإمبريالية الأميركية. فما قام به بوريس يلتسين هو الخصخصة السريعة لتفكيك اقتصاد الدولة، حيث استفادت المافيات المحيطة بالسلطة، وباتت تشكل رأسمالية جديدة، إتخذت سمة مافياوية في البدء. وبالتالي انتقلت روسيا من الاشتراكية إلى الرأسمالية، وباتت دولة رأسمالية (ككل الدول التي كانت اشتراكية في أوروبا). ويمكن أن نجد العديد من الدراسات الاقتصادية التي تناولت هذا التحوّل.

لكن هل يمكن أن تكون هناك رأسمالية، هي ليست إمبريالية؟
لنعد إلى لينين. عنوان الكتاب هو “الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية”، إذن سنستنتج بأن الرأسمالية كنمط باتت إمبريالية. لكن لينين كتب “الإمبريالية المرحلة الأحدث في الرأسمالية” كما يشير هو إلى العنوان الأصلي للكتاب. فقد درس الشكل الأحدث للرأسمالية، وتوصل بأنها باتت إمبريالية. لهذا يتحدث هو عن تكوين اقتصادي بات يحكم الرأسمالية سمته أنه إمبريالي، أي هيمني. أنه يفرض هيمنة المراكز على الأطراف ويخضعها لمنطقه. بالتالي فإن التشابك مع هذا النمط يفرض المنظور الإمبريالي حتماً، فقد انتقلت الرأسمالية من شكلها التنافسي إلى شكلها الاحتكاري، وباتت إمبريالية بالضرورة، ولم يعد ممكناً أن نعود القهقرى إلى الشكل الأولي للرأسمالية. ومن ثم من ليس إمبريالياً هو تكل البلدان التي تسعى لإنجاز التطور الرأسمالي ولم تصبح بعد رأسمالية بالمعنى الحصري (الهند مثلاً).

هذه الوضعية هي التي حكمت تطور وضع روسيا الرأسمالية، فقد كان الميل الإمبريالي الأميركي يهدف إلى تحويل روسيا إلى دولة عالمثالثية، أي تابعة، عبر دعم سيطرة المافيا، وتعزيز الطابع الريعي للاقتصاد، وبالتالي إنهاء “التجربة الصناعية” فيها. لكن الصيرورة إتخذت منحى آخر. لقد دخلت روسيا السوق الاقتصادي العالمي (الذي هو رأسمالي) بعد أن قررت حرية التجارة واقتصاد السوق. وأسست سوق الأسهم التي هي جزء من التكوين الاقتصادي الإمبريالي الجديد. وسمحت بحرية تنقل رؤوس الأموال والتوظيف في الشركات، وأسست الشركات العالمية فروعاً لها في روسيا. وبالتالي فقد اندمجت في التكوين الاقتصادي العالمي، الذي هو تكوين رأسمالي إمبريالي. هذا ما جعل أزمة جنوب شرق آسيا سنة 1997 تضرب روسيا أيضاً (سنة 1998)، وجعل الأزمة المالية الأخيرة (سنة 2008) تطال روسيا وإنْ بشكل أقل من الإمبرياليات الأخرى.

في سياق هذا التشابك كان الصراع يجري بين توجهين، أو مصلحتين، توجه يريد الاستتباع للإمبريالية الأميركية (وهذه هي سمة المرحلة الأولى بعد الاشتراكية)، وآخر يعمل على تشكيل “دولة إمبريالية”، خصوصاً أن روسيا تمتلك كل الإمكانيات لذلك من حيث القدرة العسكرية والتطور التكنولوجي. وهذا ما وسم المرحلة التي ارتبطت باسم فلاديمير بوتين. وهذا هو أساس الاختلاف بين مرحلتي يلتسين وبوتين أصلاً. بوتين الذي عمل على إعادة تشكيل الاقتصاد الروسي صناعياً، لكن في إطار التشابك مع مجمل النمط الرأسمالي الذي كان قد تحقق في المرحلة الأولى. بمعنى أن بوتين عمل على أن يفرض روسيا مركزاً إمبريالياً، ولقد نجح إلى حد كبير.

وبهذا لم يعد هناك “مركز إمبريالي واحد”، فقد انفتح الوضع العالمي على مرحلة جديدة بعد انهيار المنظومة الاشتراكية. اتسمت أولاً بالسعي الإمبريالي الأميركي للسيطرة على العالم في سياق سعي الطغم الإمبريالية تجاوز الأزمة العميقة التي باتت تعيشها. وأميركا هنا كانت تميل إلى تهميش ليس روسيا فقط، بل كذلك أوروبا واليابان. ثم أفضت الأزمة المالية العالمية التي حدثت سنة 2008 إلى الانتقال إلى مرحلة جديدة، هي مرحلة ضعف المركز المهيمن وتراجعه، ونهوض عديد من الرأسماليات لكي تفرض هيمنتها، الأمر الذي فتح الباب على تصارع جديد من أجل التقاسم العالمي. مع ملاحظة أن كل إمبريالية تعمل عبر هذا التقاسم على حل مشكلاتها العويصة. فالنمط الرأسمالي بات مأزوماً، ويغرق في مشكلات لا حل لها. لقد عملت الإمبريالية الأميركية لكي تبقي “المركز الإمبريالي” موحداً تحت سيطرتها، وعبر هيمنتها على روسيا، وتهميش الصين. والمنظور العولمي الذي طرحته كان هذا هدفه، والذي انبنى على نشر قواتها في كل أنحاء العالم، لكي يُفرض توحيد العالم بالقوة. لكنها، ببساطة، فشلت فشلاً ذريعاً، حيث أن وضعها الاقتصادي بات أسوأ من أن يحتمل أن تبقى المهيمنة على العالم. ولأن الإمبرياليات القديمة تعاني من الأزمة، وليست في مقدور الهيمنة، انفتح الصراع من جديد، شاملاً الرأسماليات الجديدة: روسيا والصين.

نحن في عصر تصارع إمبرياليات ضعيفة، هذا هو مختصر الوضع الراهن.

**********

بعد ذلك سأرد “للتسلية” فالأمر لا يستأهل أكثر من ذلك

يبدو أن من قال لك موقفي من حل الدولتين في فلسطين أشار إلى أنني ضد حل الدولتين، لكن لأنك ضد هذا الحل قررت أن تفهم موقفي أنني مع حل الدولتين، أحييك وجدنا نقطة تلاقي. فأنا، ما دمت لا تعرف، مع إنهاء الدولة الصهيونية ومع الدولة الديمقراطية العلمانية كما أوضحت في العديد من الدراسات. لكن لم أفهم إشارتك إلى أنني ألعب “بمزاج الناس دون مصلحتها”؟ ألعب بمزاج الناس يعني أنني أطرح مع ما يتوافق مع الناس. هذا أمر جيد، لكن هل تعرف أنت مصالح الناس؟ كل المنظور الذي تطرحه يشير إلى التملق للرأسمالية، وإنْ تحت إنكار أنها رأسمالية، سواء السلطة السورية، التي يمكن أن أستعين بعشرات الأرقام عن رأسماليتها ومافياويتها وهيمنتها على الاقتصاد من موقع قاسيون. أو روسيا الإمبريالية التي تسعى للهيمنة والسيطرة ككل إمبريالية. لن أعيد تكرار راي لينين هنا.

هل أنني لا أميز بين الحالة الثورية والثورة؟ حسناً سأفعل، الحالة الثورية هي الاحتقان الذي يتراكم لدى المفقرين نتيجة البطالة والأجر المتدني والتهميش، والذي يفرض تصاعدة نتيجة زيادة السحق إلى ثورة، التي تتمثل في نزول الشعب إلى الشارع من أجل “إسقاط النظام”.

وهل أعتبر بأن المدنية هي علاقة بين الطوائف لا فرز بين الطبقات؟ ربما تتحدث عن شخص آخر هنا، لأنني أبدأ من الطبقات، واعتبر الطوائف هي “تمظهرات ذهنية” تتخذ شكلاً “اجتماعياً”، لكنها ليست الأساس في حراك الناس إلا في بعض اللحظات التي ترتكب فيها أخطاء، حيث يمكن أن تشوش على الصراع الطبقي.

والسلمية فقيد غالٍ؟ هنا تظهر الانتهازية واضحة، فالسلمية هي مطلب برجوازي، و”حضاري”، وأنا مع الثورة بكل الأشكال التي يمكن أن تأخذها، فليس من الممكن “إسقاط النظام” بالسلمية. السلمية يمكن أن تكون وهم الذين يريدون إصلاح النظام. لكنني لم أكن مع دفن السلمية بأسرع وقت (إذا أحببت راجع مقالي “هجاء السلاح” في جريدة الحياة).

وهل أعتبر أن “الحل السياسي واقع كريه يجب الاعتراف به في اللحظات الأخيرة قبل الخروج من التاريخ..”؟ هذه الخروج من التاريخ لم أفهمها، لأنني لا أعتبر بالحل السياسي ما دام لا يحقق مطالب الثورة، قبل الخروج من التاريخ أو بعده. في سورية الحل السياسي هو الوحيد القائم، هذا ما قلته منذ البدء وليس قبل الخروج من التاريخ، حيث ليس للثورة حزب يقودها نحو استلام السلطة، وبالتالي لا بد من كسر في السلطة يفتح على حل سياسي. هل هذا حلي؟ لا، ولن أوافق عليه، لأنني أعرف طابعه الطبقي، ويخدم من من القوى الإمبريالية. لكن هذا لا يمنعني من القول بأنه الوحيد الممكن. بالتالي فعلاً هو “واقع كريه”. شكراً لمصطلحك أفادني.

*******

على كل، من يقرأ ما كتب دليقان عني، وهو يعرف آرائي سيتأكد من “الغباء الروسي”.

* يجب أن نلاحظ أن فهم الإمبريالية من منظور لينين خضع لسء فهم أساسي، تمثل في عنوان الكتاب: الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية، بالتالي ليس هناك مرحلة أعلى، فقد وصلت الرأسمالية إلى القمة، إلى الأعلى وانتهى الأمر. لكن درس لينين “المرحلة الأحدث في الرأسمالية” وليس الأعلى كما يشير هو، ويقول بأن الناشر هو الذي وضع كلمة أعلى بدل أحدث.

المصدر: الحوار المتمدن

دوري الجديد – رد على ناهض حتر

قرأت مقال ناهض حتّر “سلامة كيلة في دور جديد” (العرب اليوم 31/5/2012) لكي أعرف دوري الجديد، وأمر جميل أن يكتب “صديق” سيناريو دور جديد لي، فربما يريح من البحث عن هذا الدور. والسيناريو “حلو”.
لكن، لا أريد الرد على التحريض الأمني (تفجير البلد). ولا على الشكل الاستخباري لنمط الكتابة الذي كتب به رغم أن أسلوبه القديم أجمل وأكثر رشاقة وعمقاً. ولا على الشكلية المفرطة التي جعلته يستنتج من “قبولي” استخدام “آلامي” لتزويد قنوات الجزيرة والعربية “بمواد دعائية ضد سورية”، أنني “الماركسي الثوري” قد دخلت “العباءة الوهابية”، والوصول إلى معطيات أخرى تجزم بانني أسير باتجاه “مجلس اسطنبول”. فقط أقول هنا بأن هذا يشير إلى نمط العقل الشكلي الذي يؤسس عليه مجمل تحليلاته، رغم أنه أشار إلى “معطيات” لكي يوحي بوجود معلومات. هذه الشكلية التي تربط بين لقاء عشاء جمعني مع الأستاذ طاهر المصري والاستنتاج بأنني “مستعد للحوار الودي مع أحد رموز النخبة الحاكمة في الأردن” بينما أرفضها في سورية.
ما أود النقاش فيه هو مسألتان، الأولى تحالفاتي، والثانية تفجير الأردن.

يشير ناهض إلى أن “تحولاتي” شملت تغيير “تحالفاتي” في الأردن. فقد أصبحت “فجأة، جزءاً من التيار الليبرالي القطري”، وأن وضعي الصحي والنفسي دفعني إلى “الانزلاق مع جماعات التوطين والحقوق المنقوصة والليبراليين الأردنيين الملتحقين بهم”. رغم أنني كنت في وضع صحي لم يسمح لي الخروج من البيت، كيف استنتج “الصديق القديم” ذلك؟ ببساطة الشكلية المفرطة هي التي جعلته يصل إلى ذلك، حيث إن علاقتي بـ “الليبرالي الأردني” خالد كلالدة قديمة، ولقد اهتم بمتابعة وضعي الصحي، و”جماعة التوطين” استقبلتني في بيتها (الصديق خالد رمضان الذي يقرر ناهض حتر انه من هذه الجماعة، هو الذي يستقبلني في بيته)، هل من شكلية أكثر من ذلك؟ خلط الشخصي بالسياسي، والاستنتاج المتسرع من “صورة” أو شكل، هما أساس تفكير “الصديق القديم” ناهض حتر، وهو هنا يوضح ذلك بدقة.
لكن هل هو ضد الليبرالية وما هي مشكلته مع “الحقوق المنقوصة”؟

خاض ناهض “معركة” ضد الليبرالية في السنوات السابقة، لكنه قصرها على “شخص”، لن أدخل هنا في نقاش كنت قد قمت به ضد منطق ناهض، الذي لم يكن يؤشر بالنسبة لي أنه يساري أو قومي، بل كان ينحكم لإشكالية “ما قبل حديثة” (وليس ماركسية أو يسارية) كانت تحفر في كل كتاباته، هي “الهوية”، التي كان يعود بها إلى تخيل هوية في الأردن تفرض حتماً خلق انقسام أردني فلسطيني. وبالتالي، لم أكن معنياً بـ “الفتاوى” التي يصدرها في توصيف الآخرين، وما زلت، لأنني لا أرى أنها تنطلق من منظور صحيح، أو منهجية “يسارية”.

قصدت القول بانني لم أكن في تحالف مع “الصديق القديم” رغم صداقتي معه، بل كان لي شبكة علاقات وصداقات، وكان لي رأيي في مجمل النشاط السياسي لم أبخل في الكتابة عنه. ولقد كان من أصدقائي كذلك “الليبرالي الأردني” و”الحقوق المنقوصة”. الأمر الذي يُظهر مدى التخيل الذي يحكم ناهض، أو التحوير الذي يريد أن يقوم به لفرض “اتساق” سيناريو جديد. حيث إن تحويل التحالفات تفترض انتظار ما أكتب لكي يتوضح هل غيّرت من مواقفي أو لم أغيّر وليس الانحكام لشكلية مفرطة.

المسألة الأخرى، وهي التي فجّرت ناهض ودفعته لكتابة هذا السيناريو. فقد سمع أنني تكلمت عن سبعين ألف اردني من أصل فلسطيني غادر آباؤهم الأردن بعد معارك أيلول، وطالبت بعودتهم. ما تكلمت به هو وضع أشخاص في التهجير في سورية لا يعرفون أين سيذهبون لأن جنسيتهم أردنية ولم تعد معهم، حيث طلبت النظر في وضع هؤلاء، وأشرت إلى أن هؤلاء قالوا إن هناك مشكلة لسبعين ألفاً آخرين.

أوضح بأنني أتضامن مع كل من سحُبت جنسيته، فالدستور لا يسمح بذلك والأبناء لا ذنب لهم، رغم أنني أرفض هذا التوصيف الذي أعطاه ناهض لهم كونهم “فارين أولغوا في دماء شعبنا وجيشنا”. ..

هذه مشكلة ناهض القديمة الجديدة ، الذي أعرف جذرها العميق. والذي حاولت أكثر من مرة النقاش معه حولها. لهذا اُستثير من طلب اعتبرت أنه إنساني لأشخاص انسدت الآفاق أمامهم. أعرف ظروف الأردن، ولكن أعرف أن هذا المنطق هو افتعال، وهو خطر، لهذا يعتبر أن دسترة فك الارتباط هي معركته “التاريخية”، رغم أن الصراع يجري في عمق أكبر وفي توجهات أخرى تتجاوز كل منطق ما قبل حديث، يحاول أن يعيد “الهويات” ما قبل قومية. وهنا يمكن أن أعيد التأكيد على أن هذا المنطق لا يستطيع أن يحكم لا على الليبرالية ولا على “الحقوق المنقوصة” لأنه في ذاته ما قبل حديث، وبالتالي ليس يساريا، وليس من الممكن أن يكون يساريا لكي يعتبر أنني انحزت إلى الليبرالية، أو اعتبار المطالبة بحق المواطنة تعبيرا عن ميل يتعلق بحقوق منقوصة رغم أن ما يطرحه هو رفض لمبدأ المواطنة ذاته. وهذا أمر طبيعي لوعي ما قبل حديث.

*رد على مقال ناهض حتّر المنشور في “العرب اليوم” يوم الخميس 31 أيار المنصرم.

المصدر: العرب اليوم

عن ترحيل سلامة كيلة وقصة الممانعة السورية

محمد ديبو

في مقاله عن سلامة كيلة بعيد اعتقاله، كتب رئيس تحرير صحيفة «الأخبار» الأستاذ ابراهيم الأمين متسائلاً: هل هناك مكان على المسرح السوري لمعارضين من قياس سلامة، أو من صنفه؟ («الأخبار»، عدد 25 نيسان الماضي). لم تتأخر الإجابة عن سؤال «الرفيق» ابراهيم من قبل السلطات السورية، فالترحيل بطريقة مهينة لسوريا كلها، كان كافياً ليجيب على من توهم طويلاً أنّ سلطة مستبدة كهذه يمكن أن تَصْلُح أو تُصْلِحْ، فالمستبد كان دوماً عدوه الرئيسي المفكر الذي لم يحتمله في أوقات الرخاء إلا ليغطي على استبداده، فكيف يحتمله في أوقات الثورة حين يكون مشاركاً وفاعلاً وحاداً كسلامة؟

من هنا يتخذ الكلام حول ترحيل سلامة كيلة أهمية مضاعفة لما للرجل من رمزية في الداخل السوري، ولما كشفته قضيته من عقم خطاب الممانعة. إذ تتجلى المفارقة الفاضحة في أنّ نظاماً ممانعاً (وفق تصنيفات الممانعين) يطرد كاتباً ممانعاً يتشدد أكثر من السلطة نفسها بكل قاموس الممانعة الذي تاجرت به على مدى عقود!

لكن من شأن التأمل في ترحيل سلامة كيلة، الفلسطيني الأصل والعربي الانتماء والسوري الهاجس والأممي اليساري (رغم اختلافنا معه في طريقة قراءته للثورة السورية ومجرياتها)، أن يعري منظومة السلطة نفسها ومنظومة الذين لا يزالون يرون في النظام السوري «ممانعاً». إذ تؤكد خطوة النظام تلك لكل من لا يزال متوهماً، أنّه حين يصوّب أي من «الممانعين» سهام نقده (وليس سيفه، فسلامة كان ضد العسكرة والتدخل الخارجي والارتهان لقوى النفط مقابل الإيمان المطلق بقوة الشعب) إلى السلطة، فمكانه السجن أو الترحيل على أقل تقدير. وفي تعميق أوسع لعلاقة الممانعة بالنظام السوري، سنجد أنّ الممانعة لم تكن يوماً إلا ورقة بوجه محكوميه لإسكاتهم، إذ لم يدفع شعباً عربياً ضريبة الممانعة والقضايا القومية كما دفعها الشعب السوري الذي انتفض وثار لتحصيل حقوقه المهدورة من جهة، ولتصويب الممانعة المتلونة، لصالح ممانعة حقيقية. لكن هذا الشعب السوري ووجه بذبذبة أهل الممانعة الذين باتوا يبررون للسلطة أفعالها بممانعتها وتآمر الغرب عليها! وكأنّه حتى في حال صحت قصة ممانعة النظام وتأمر القوى الغربية عليه، يجب أن يدفع الشعب السوري الثمن، ليبقى النظام الممانع، بحيث تعجز عقول أهل الممانعة عن عكس الآية مثلاً، وكأنّ سوريا الممانعة تعجز عن تخريج ممانعين آخرين!

وفي منظور آخر تأتي خطوة ترحيل سلامة، في لحظة من المفترض فيها أنّ النظام وافق على خطة أنان، مما يجب عليه تهيئة الأرضية اللازمة لانطلاق التفاوض، لتأتي خطوة الإبعاد مع خطوات أخرى على الأرض، لتؤكد طريقة تفكير النظام التي لم تزل هي هي بشأن التعاطي مع مواطنيه (وسلامة واحد منهم). من شأن ترحيل سلامة أن يعد انتهاكاً فاضحاً لمهمة أنان قبل غيرها، وسط صمت سياسي يطال المعارضة أيضاً. وهنا بيت القصيد، لأنّ من شأن توسيع دائرة الرؤية أكثر، لتشمل المعارضة السورية، أن تجعلنا نوسع تساؤل ابراهيم الأمين، ليصبح كالتالي: هل ثمة مكان لسلامة كيلة في الأفق السوري المعارض؟

كان نقد سلامة إلى جانب نقده النظام، يتركز أساساً على التيارات السياسية المعارضة، حين لم تؤمن بقوة الشعب، متوقعة أنّ المدد يأتي من الخارج، كما فعل المجلس الوطني السوري، أو هيئة التنسيق التي اتجهت من بداية تشكلها نحو التفاوض مع النظام، لتخسر الشارع الثائر حصراً وليس غيره، وليستثمر المجلس الشارع إلى حين انكشاف أمره، إذ تراجعت شعبيته أخيراً. كان سلامة من بين قلّة دعت إلى ترسيخ الانتفاضة على الأرض وتوسيع قاعدتها وإنتاج قيادتها دون أن تقع في أحابيل القوى الدولية المتصارعة أو النظام السوري، ودون أن تضطر للتفريط بأي شيء. وكان هذا هو طريق الجلجلة السوري الصحيح، ولكن الصعب والطويل والمهلك.

وهنا يصطدم سلامة ليس مع السلطة فحسب، بل مع تيارات معارضة أخرى، قد تجد في ترحيله «فرصة» لها لترتيب الأجندة التي تشاء. السلطة تطرد كيلة لأنّ ممانعته الحقيقية تفضح ممانعتها المزيفة، لنغدو أمام تطبيق فعلي للقانون الاقتصادي الشهير «العملة الرديئة تطرد العملة الجيدة من السوق». والمعارضة ذات الأجندة المختلفة، تدرك أنّ خطاباً معارضاً واضحاً كهذا خطر على مصالحها التي باتت ترتبها مع دول أخرى، وهي تهدف أول ما تهدف إلى تفكيك كل ما له علاقة بالمقاومة وفكرها وبالدولة الوطنية الحقيقية وأجنداتها التي لا تهادن ولا تساوم ولا ترواغ.

المصدر: الأخبار

حساباتهم وسذاجتنا

نهلة الشهال

حين اعتُقل سلامة كيلة، أسرعنا إلى إصدار بيانات التنديد مفترضين أن الرجل، الذي نعرفه جميعنا جيداً، سيخرج في الغد أو بعده. كنا نعلم أنه سبق له أن أمضى سنوات في السجن في سورية نفسها. لكننا افترضنا – مجدداً! – أن ذلك جرى في إطار «ظروف أخرى»، حين كان سلامة حزبياً ناشطاً وكان تنظيمه يتعرض للقمع ومحاولة الاجتثاث.

كنا نعلم أن كتّاباً آخرين سبق لهم أن أمضوا سنوات في السجن في سورية لأنهم قالوا كذا أو كيت. لكننا افترضنا (!) أن لدى السلطة في سورية حالياً ما يشغلها بإلحاح أشد عن كلام قيل في مقهى أو صحيفة. كنا نعلم أنهم يعتقلون أولاداً، ولا أقصد الأطفال الذين يعذبون ويقتلون لتربية آبائهم و «الشعب»، بل هؤلاء الشبان والشابات اليافعين الذين يتجرأون على الخروج في تظاهرة، أو كتابة موقف على مدوناتهم، أو رفع لافتة في شارع عام أو الجدال في مقهى. لكننا افترضنا أن لمعاملة الكتّاب المعروفين مقاييس أخرى، ليس رأفة بهم أو احتراماً للثقافة، بل مراعاة لمصلحة السلطة ذاتها.

كنا نعلم أنهم قساة، لكننا افترضنا أن لوحشيتهم وظيفة، ورحنا في كل واقعة متوحشة تُرتكب «نحلل» المعطيات، فنسعى إلى تحديد تلك الوظائف: في درعا، في حمص، في المناطق الحدودية… كنا نفترض لأفعالهم عقلانية، ونسعى إلى التقاطها لنفهم هذا «الآخر» الذي نواجه، فيمكن استباق ردوده، ودفع الخيارات المقابلة نحو امتلاك الفاعلية. ذلك هو تعريف السياسة. كنا نعلم أنهم لا يقرّون لسواهم بالحق في السياسة، لكن الخوض فيها رغماً عن إرادتهم هو قانون الصراع… أي قانون الحياة، وليس أقل.

كنا نعلم ونفترض و «نتفلسف»، إلى أن أُطلِق سلامة كيلة من المعتقل، بعد قرابة شهر وليس بعد يوم واحد، وأُبعِد إلى الأردن بينما هو متوطن في سورية منذ عقود، ومتزوج بسوريّة، وبينما هو فلسطيني وليس أردنياً، وبينما كنا نفترض أن السلطة في سورية «عروبية»، فلا فرق بين… إلى أن صوَّر سلامة آثار التعذيب المريع على جسده ونشرها على «يوتيوب». تعذيب؟! سلامة قارب الستين، ومريض بالسرطان (الذي يقاومه ويقهره منذ سنوات).

دعك من الاستهجان الأخلاقي والحقوقي والإنساني المحق: علام التعذيب؟ هل سيغير سلامة رأيه؟ هل سيخاف أقرانه ويرتهبون؟ أين العقلانية الوظيفية تلك التي رصدناها في كل حين، وكيف تستمر العملية السياسية من دونها؟

كنا نعلم أن السلطة في سورية تضبط المجتمع عبر نظام معقد من القمع. ليس ذاك المباشر فحسب، والذي يتعمد الانفلات عند أقل نأمة، ويتعمد الوصول إلى مستويات مدهشة من التوحش، بل بالاشتغال المنهجي على إلغاء أي أفق لبديل وسحق أي أمل: التيئيس والإخضاع. وكنا نعلم أن مأسسة الوشاية جزء أساسي من فاعلية هذا النظام، وأن توزيع الفتات – من وظائف محتملة، أو إجازة أعمال حرة مهما كانت متواضعة، أو القبول في الجامعة، أو حتى إنجاز المعاملات العادية واليومية – يعمل بصفته الجزء الآخر من تلك الشبكة القمعية الضابطة. لكننا افترضنا أن انهيار هذه المنظومة برمتها بفعل الانتفاضة المستمرة منذ عام ونيف، سيدفع أهل السلطة إلى تعديل مسلكهم ليلائم الواقع!… وأن الخبرة المتوافرة لديهم أفضل مدرسة. كنا نفترض بعض الشطارة، فيقمع النظام «المجموعات الإرهابية» ولو أدى ذلك إلى دمار أحياء بأكملها على رؤوس ساكنيها، لكنه يتغاضى عن كلمة قالها أو كتبها شيوعي ومسيحي وفلسطيني… معارض! وإن أراد الزجر، وبافتراض حاجته به، فيمارسه بنعومة، مميزاً بين الحالات، ساعياً إلى الحفاظ على بعض المظاهر، على الأقل حيال الدوائر العالمية التي ترصد حركاته، إن لم يكن من اجل استمالة أو تحييد أو إرباك قوى داخلية وإجبارها على تلوين مواقفها بالتعقيد الذي يفرضه الواقع وذلك المسلك على حد سواء. كنا نعلم مقدار العسف، لكننا افترضنا وجود – استمرار وجود – تعقيد خارجه.

السلطة في سورية تعتبر المجتمع كتلة صماء، وتقسّمه إلى فسطاطين: معنا أو ضدنا. ولأن الـ «معنا» تلك تتقلص وتصـفو إلــــى بضعة مكونات، فجميع الأعداء سَواء. وهذا مسلك سلطة برَّانية. وهي قد تجر في حركتها تلك الأجــــزاء مــــن المجتمع التي يفترض أنها استندت إليها في صعودها وسيطرتها، لكنها تفعل في شكل فج وعارٍ تماماً: لم يصل حافظ الأسد إلى السلطــــة في ســــورية باسم الطائفة العــــلوية، وإن كان أحد أبنائها، وسعى إلى الاستفــــادة من عصبية توفرها له، بل هو وصل وحَكَمَ باسم مشروع كانت خصائصه أنه قادر على توحيد سورية – بينما هناك في البلاد عوامل قوية تجعل هذه الوحدة غير بديهية – وترسيخها في محيطها العربي، وتحقيق تنمية تستند إلى حــــد من العدالة الاجتماــــعية. أليــــس ذلك هو «البعث»؟ هـــي على الأقل المشروعية السياسية له، وقاعدته الاجتماعية الفعـــلية، وإن اســــتند أمنه إلى الجيش والاستخبارات.

لألف سبب وسبب، تغيَّر ذلك على مرّ الأيام. وإن كانت بذور التغيير ذاك حاضرة منذ البدء، لكنها مثل الأعشاب الضارة، نمت عندما لم تُقتلع. وإذا أمكن عند الأزمة الأولى (أعوام 1979 – 1982)، عقد تسوية مع شرائح اجتماعية نافذة في المدن الكبرى، فإن المسار المعتمد مذاك ألغى هذه الإمكانية: جرى إنبات بورجوازية جديدة، مرتهنة تماماً للسلطة وأفرادها، طفيلية ومضاربة، نهَّابة فحسب. وهذه كالفطر، لا جذور لها، لكنها تتكاثر وتبتلع ما يتاح لها. لم يعد يوجد من تُقام معه تسوية! حتى العلويون ككتلة بشرية واجتماعية، يدركون أنهم وُرِّطوا بأمر لا يُدافَع عنه. وحتى الأقليات الأخرى التي تجري إخافتها بالمسلمين «المتطرفين» الذين سيأكلونها حية، تدرك مبلغ مأزقها، وبعضها يختار حلولاً مرعبة، على رأسها الهجرة.

السلطة البرَّانية تكتسب بسرعة ملامح انكشارية. يمكن الخبراء الروس والإيرانيين أن يخططوا للمعارك العسكرية وللغارات القمعية، لكن ذلك الأساس ليس من اختصاصهم. وأما سلامة كيلة، فله الأفق الذي استمر هو متمسكاً به، على رغم الهول، وبالعناد الذي يميزه. سلام إليه وإلى كل أقرانه، وما أكثرهم!

المصدر: الحياة

عن سلامة كيلة وسوريا

عمار ديوب

يستصعب كتاب يساريون رؤية سلامة كيلة للثورة السورية، باعتبارها ثورة شعبية، جسدها الأساسي الطبقات الشعبية والمفقرون، ويعدّون ذلك نزعة اقتصادوية ماركسوية. وهناك بالمقابل من يعيبون عليه هذا الفهم بكليته، ويشكّكون في الثورة كثورة، فهي بنظرهم مجرد مؤامرة إمبريالية خليجية، وهنا لن ننظر إلى من لا يزال يتصور أن ما يحدث هو مجرد أفعال عصابات سلفية ومجموعات إرهابية؛ لكل ذلك نكرّر مع الصديق سلامة أنّ الرؤية الماركسية الجادة لا تتخيّل ثورة مصطنعة، ولا توارب في فهمها لتتوافق مع رواية النظام السوري عنها، ولا تذهب نحو ديموقراطية مبتذلة مع المعارضة كسببٍ وهدف للثورة، بل هي رؤية تستقي من الماركسية منهجية التحليل، ومن الواقع المعطيات الموضوعية، ومن إعادة إنتاج الفكر الماركسي سوريّاً رؤية للواقع، إذ إنّ الثورة الآن هي الواقعة التي تفرض نفسها في سوريا وفي العالم، وهي حدثت لأسباب متعدّدة. أمّا شرطها العام وسببها الأساسيّ فهما السياسات الليبراليّة التي انتهجها النظام السوريّ. وبغض النظر عن استبداديته، فإنّها هي ذلك الشرط، وهي الشرط العربي الذي دفع بملايين العرب إلى الثورة، ومحاولة إيجاد نظام مطابق لحاجاتهم الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، أي دفعتهم إلى الثورة التي قطعت شوطاً في إسقاط ديكتاتوريات قديمة، كانت كارثيّة بكل معنى الكلمة، وستستمر بإسقاط كل ديكتاتوريّة جديدة. ستكون هذه الأخيرة أسوأ، إذ غلّفت نفسها بإيديولوجيا دينيّة أو ديموقراطيّة أو ثوريّة كاذبة، فالناس ثاروا ليكنسوا من مجتمعاتهم بقايا أنظمة وفئات مفوّتة لا تمتّ للمجتمع الإنسانيّ بصلة، ولكنّها تعبّر عن الرأسماليّة بامتياز، لذلك جاءت هذه الثورات ضدّ السياسات الليبراليّة، وستكون لاحقاً ضد الرأسماليّة كنمط إنتاج كونيّ قائم على الربح والإفقار للملايين، وهي الآن السبب الوحيد للأزمات الاقتصاديّة العالميّة ولوجود ملايين المفقرين. هذه المسائل هي ما ينطلق منها سلامة كيلة. طبعاً لم يتجاهل سلامة، ولا أي كاتب ماركسي، أنّ الاستبداد وشدّة القمع ومنهجة القتل هي عوامل قويّة لاشتداد الثورة وتوسيعها. ولكن لا يمكن جمع الأسباب، وخلطها بعضها ببعض، لنصل إلى تمييعٍ فاسدٍ لأسباب الثورة، واستنتاج أهداف مائعة منها بالضرورة، كأن يقاول رأياً ما: أنّ الليبراليّة هي الحل أو الديموقراطيّة هي الحل، متجاهلاً أنّ السياسات الليبراليّة بوجهيها الاقتصاديّ والسياسيّ لم يقدما حلاً للأزمات الاقتصاديّة ولا للأزمة السياسيّة. فقد حدث ويحدث الانهيار عربياً وعالمياً وتشتعل الثورات العربية والعالمية بأشكالٍ متعدّدة، وكلها بسبب تلك السياسات، لتطرح على العالم ضرورة وجود نمطٍ اقتصاديّ مختلف، وطبقات جديدة تحكم، وأنظمة سياسيّة مطابقة للأكثريّة المفقرة، وعولمة لمصلحة كل الأمم.

ليس من المستغرب أن يعتقل سلامة، بل ربما من المستغرب أن لا يعتقل منذ بداية الثورة، فرؤيته لأسبابها واضحة تماماً، ولجهة الحل واضحة كذلك، وهي تستند إلى الممكن في حقل الصراع، لا البحث عن حلول على حساب الثورة، والقائمين بها، الممكن هنا أنّها ثورة متصاعدة، إلى حين تحقيق أهدافها. رؤيته هذه تركن إلى ثقة إيمانية راسخة، لجهة حق الطبقات الشعبية ببناء دولتها، وبما يتناسب مع مصالحها ومصالح أفراد الشعب كافة، ووفق نظام علمانيّ ديموقراطيّ يتيح لتلك الطبقات أوسع الحقوق الديموقراطية الضامنة لدور قياديّ لها في الدولة الجديدة. هذا ما تتضمنه تحليلات سلامة كيلة، دون أيّ لبس ودون أيّ مواربة. رؤيته تلك تستند إلى أنّ الطبقات الشعبيّة تشكّل جسد الثورة الأساسيّ، بغض النظر عن شكل وعيها، الذي سيخُسرها الكثير الكثير، إلى أن تتعلم بالتجربة، وعبر مساهمة اليساريين الفكرية والسياسية، في أخذ زمام المبادرة والثقة بنفسها، وكنس كل السياسيين، الذي لا يرون من الثورة سوى حصان جامح لإيصالهم إلى السلطة، أو يقزمون الثورة لانتخابات وصناديق اقتراع، ما كانت هي سبب الثورة المركزي، كما أشرنا، ولن تكون سوى جزئية في أهداف الثورة الساعية إلى تحقيق مطالب الأكثرية المفقرة.

حاول سلامة كيلة في المقالات الأخيرة له، أن يركّز على أنّ روسيا إمبريالية ولكنّها غبية، كما أنّ مؤيدي «المجلس الوطني»، من دول الغرب إمبرياليات، لذلك من الضرورة فهم أنّ خطة كوفي أنان لن تكون في مصلحة الثورة، بقدر ما ستكون في مصلحة وضعٍ جديد، ستحاول قوى سياسيّة معارضة، وربما مع جزء من النظام القديم، تشكيله من «الذين لم تتلطخ أيديهم بالدماء»! وسيتم بالتالي إبعاد مصالح الطبقات الشعبيّة عن طاولة البحث، والطبقات نفسها، لمصلحة ديموقراطية مبتذلة في «صندوق اقتراع»، سيقول كثيرون «إنّنا عشنا ومتنا من أجل الوصول إليها». كما سيزعمون أنّها البداية نحو ديموقرطية أعمق تطوّر نفسها بنفسها، قاصدين من وراء ذلك السعي خلف مصالحهم، ومستندين في ذلك إلى رؤية ضيّقة ومشوّهة لدور اليساريين ولدور الطبقات الشعبية بأنّ دورها فقط العمل، والإنتاج، والاكتفاء بنتفٍ من الحقوق الانتخابيّة العامة، وترك الاقتصاد وكذلك السياسة بما حملا للطبقة الرأسماليّة. فبرأيهم، هذه الأخيرة هي القادرة على إخراج سوريا من أزمتها، وهم بذلك يتجاهلون (إلى جانب كونهم غير واعين) أنّ تلك الرأسماليّة ذاتها، والتي هي طبقة متعدّدة الشرائح، منها العسكريّة ومنها التجارية والصناعية، قد أثرت ثراءً فاحشاً في العقد الأخير عبر السياسات الاقتصاديّة الليبراليّة، وعلى حساب الأكثريّة المنتفضة في عموم سوريا! وبالتالي، هم يفتحون لها، بعد إسقاط النظام، المجال واسعاً لمزيدٍ من النهب. ضد ذلك الفهم المأزوم، كان سلامة يقدّم رؤيته، وهذا ليس جديداً لديه، بل هو موجود كأفكارٍ وتحليلاتٍ في كل مقالاته وكتبه، التي تغطي الواقع السوريّ، اقتصاداً وسياسةً وقوى سياسية وغيرها.

ركّز صديقنا المعتقل على أنّ القوى السياسيّة هي قوى طبقيّة كذلك، وإذ كان أميناً للثورة، ومحاولاً قراءتها كما هي دون تزويق وأدلجة وتحريف، كما يفعل الكثيرون من الديموقراطيين واليساريين النظاميين «لتشابه رؤيتهم مع رؤية النظام السوريّ»، فإنّه وجد في المعارضة السورية بتياريها العريضين، قوىً سياسيّة لم تفهم الثورة، بل عملت على تسخيرها، لمصلحة رؤية ضيقة متعلقة بوصولها إلى السلطة بأي شكل كان. لذلك هي قوى سياسية طبقية تريد أدواراً لها في العملية الديموقراطية القادمة، وبقاء السياسات الاقتصاديّة الليبراليّة ذاتها، ويرفضون أيّ تحديد دقيق للمسألة الوطنيّة أو القوميّة، لأنّها تضعهم في مواجهةٍ فعليّة مع الولايات المتحدة الأميركيّة وكلّ الدول الإمبرياليّة. سلامة كما قلّة آخرون، استثناء في ذلك؛ فلسوريا أراضٍ محتلة ستستعاد بكلّ الطرق الممكنة، وفلسطين مسألة عربيّة بامتياز، وليست مسألة فلسطينيّة وكفى المسلمين شرّ القتال. وقد يكون أسوأ قضية تجاهلتها المعارضة السوريّة هي المسألة الوطنيّة، فبانت كمعارضة متخلية عنها، أو متجاهلة إياها. وفي الحالتين لديها فهم مشوّه وضيّق نحوها، وكأنّ طرحها يعوق الثورة، وهذا كذب، فهو حقيقةً يعوق فقط مشروع تلك القوى، التي لا ترى كما النظام ما يحدث ثورة شعبيّة، بقدر ما هي ثورة لمصلحة نقل السلطة من بورجوازيّة إلى بورجوازيّة متضرّرة، وهذا لعمري أسوأ فهم للثورة وللمسألة الوطنيّة. سلامة كان واضحاً في ذلك، فالمسألة الوطنيّة واحدة من قضايا الثورة العربيّة، والمسألة القوميّة ستكون على قائمة أهداف تلك الثورات، لأنّ الثورة بالأساس هي ضد النظام القائم، ولكنّها كذلك ضد أشكال السيطرة الإمبرياليّة، على بلادنا، التي كانت هي السبب المركزيّ للتكوين الاقتصاديّ الاجتماعيّ لها.
سلامة كيلة، غضبنا كبيرٌ لاستمرار غيابك عنّا، الكثيرون الكثيرون يسألوننا عنك كل يوم، وأنا أتلعثم كثيراً في الإجابة، لكنّي، يا صديقي أُكثر من الأمل الكاذب لقرب الإفراج عنك، مرة بسبب مرضك وضعف بنيتك الصحيّة، ومرة بسبب تداخلات مواقفك مع قوى قوميّة وماركسيّة ويساريّة عربيّة، ومرة بسبب العملية السياسيّة التي يقودها كوفي أنان، لكنّني سأكذب على نفسي كذلك وأقول متمنيّاً: الإفراج عنك بعد قليل…

المصدر: الأخبار

سلامة كيلة.. الماركسي الإنسان

عائداً من مصر التي شارك ثوارها ميدان تحريرهم من الديكتاتورية، كان سلامة كيلة واثقاً بأن حراكاً وثورة مماثلين لا بد وأن تشهدهما سورية قريباً! وطبيعي أن تسأل نفسك وأنت تستحضر تاريخاً من القهر والإخضاع اللذين دمرا المجتمع وإنسانيته: ما الذي يعرفه هذا الماركسي السوري-الفلسطيني-الأردني فيمنحه كل هذه الثقة؟ أو لربما، ما الذي لا يعرفه فيجعله يعيش وهم التفاؤل؟!

حين تندلع ثورة الكرامة، وينقلب “رفاق” كثر على مبادئهم المعلنة حتى أيام؛ يغدو الجواب الأول عن سر تلك الثقة أن كيلة كان مطلعاً على المؤامرة الإمبريالية الكونية التي تم إعدادها لنظام “الممانعة والمقاومة!”، بل كان أكثر من ذلك، متورطاً فيها تخطيطاً وتنفيذاً طالما أن الثورة السورية كانت لديه أملاً مبكراً لم يتوان عن الدفاع عنه منذ اليوم الأول لتحققه وحتى اعتقاله يوم الثلاثاء الماضي!

لكن هذا الجواب يفرض سؤالاً آخر: هل كان كيلة إسلامياً مندساً، أو عميلاً أميركياً-صهيونياً لسنوات وسنوات بين صفوف اليسار؟ وإلا، بدون صفة الخيانة هذه، كيف يمكن لماركسي-يساري المشاركة مبكراً جداً في مؤامرة يؤكد القائلون بها إنها إسلامية-أميركية؟! أما إن لم يكن مندساً أو عميلاً، فلربما يستطيع “الرفاق” استجداء النظام السوري إخراجهم من “مأزق اعتقال كيلة” بدعوى أن السرطان اللعين الذي ينهش جسده منذ سنوات قد نال من رجاحة عقله، ونال من “ممانعته ومقاومته”. لكن دقائق قليلة جداً مع الرفيق الصلب، شديد حضور الذهن، تكفي تماماً للتشكيك في كل تقارير الأطباء، وإلا فالتشكيك في فتك كل أمراض السرطان.

سلامة كيلة، كان وما يزال ماركسياً وفياً، عروبي الهوى والانتماء. أما تنبؤه بالقادم المأمول فلم يكن أبداً بسبب معرفته عن “المؤامرة الكونية” وتورطه فيها، بل هو بسبب معرفته بحقائق الدمار والخراب الذي ألحقه الاستبداد بسورية الوطن لأجل سورية النظام. وإذ هو بهذه المعرفة لا يختلف أبداً عن كثير من “رفاق المؤامرة” الذين يعلنون تأييدهم للنظام في مواجهة إنسانية الشعب السوري استناداً لذرائع خرافية ساذجة، إلا أن كيلة اختلف عن هؤلاء “الرفاق” بانحيازه لإنسانيته، وبما يؤكد أنه لأجلها وحدها، ووحدها فقط، اعتنق الماركسية. وهذه الإنسانية هي وحدها أيضاً التي جعلت كيلة ثابتاً على مواقفه واثقاً بها بين جمهرة الرفاق المرتعدين المرعوبين من انتصار الإسلاميين في مرحلة ما بعد الثورة التونسية والمصرية. ببساطة، يظل لدى كيلة أن “الإنسان العربي أولاً”.

سلامة كيلة، ورفاق مبدئيته الحقيقيون، يرد اليوم الاعتبار والألق للفكر الماركسي والانتماء العروبي الإنسانيين. وهو بذلك، في المقابل، يعري صدق مبادئ وانتماء كثير من الرفاق الذين ضحوا بالإنسانية على مدى عقود لأجل أنظمة استبدادية، كاشفا عن المؤامرة الحقيقية والمتورطين فيها.. ضد الشعوب.

المصدر: جريدة الغد