Category Archives: الرأسمالية والإمبريالية

عن اليونان وانتصار اليسار

انتصر حزب سيريزا في الانتخابات اليونانية، وبات يحكم. الحزب جديد، تشكّل على ضوء الأزمة الطاحنة التي تعيشها اليونان، وأدت سنة 2010، أي قبل الثورات العربية، إلى حراك كبير، وثورة عارمة لم تكن سوى احتجاج على الأزمة الاقتصادية في البلد، والتي أدت إلى إفقار كبير وبطالة عالية. وإذا كانت الأزمة تتمثل في حالة الإفقار هذه، فإن الدولة كانت تعيش أزمة، نتيجة تراكم المديونية بما تجاوز مجمل الدخل القومي، حيث باتت عاجزة عن سداد فوائد هذه الديون، وأصبحت مهددة بالإفلاس.
بالتالي، أصبحت اليونان تعاني من أزمتين، أزمة مجتمعية تتعلق بالبطالة والفقر وانهيار الفئات الوسطى، وأزمة الدولة التي لم تعد تستطيع سداد ديونها. لكن، بدل أن تولى الشعب الأولوية، فيجري تجاوز حالة البطالة والفقر، اهتمت البورجوازية اليونانية، ودول الاتحاد الأوروبي، بمديونية الدولة، حيث كان واضحاً أن إفلاس اليونان سوف يقود إلى انهيار بنوك أساسية في فرنسا وألمانيا، البلدين اللذين يحظيان بالنسبة الأعلى من ديون اليونان. لهذا، هرع صندوق النقد الدولي، وكل من ألمانيا وفرنسا، إلى تقديم قروض جديدة، لتستطيع الدولة اليونانية سداد الفوائد المستحقة. لكن، أيضاً فرضت سياسة تقشفية شديدة الصرامة مقابل ذلك، ما كان يعني مزيداً من البطالة والإفقار، أي مراكمة الأزمة المجتمعية. وهو ما كان يشير إلى سياسة الطغم المالية التي تعمل على مراكمة ثروتها ومركزتها بشكل أشدّ، من دون حساب لعواقب ذلك على الشعوب. وسارت البورجوازية اليونانية في المسار نفسه، فهي، أصلاً، من راكم الديون على الدولة، في سياق مراكمة ثروتها هي، وهي معنيّة بأن تزيد من المراكمة من دون اعتبار للشعب.
كانت السياسة التقشفية التي جرى اتباعها ستقود، حتماً، إلى انهيار الحكومة التي تمثّل الرأسمالية، في بلد أفضى انهيار وضع الشعب إلى حراك كبير أصلاً. ثم كان الحراك وتفاقم الأزمة يدفعان نحو تشكيل “يسار جديد”، بعد أن فشل اليسار السابق عن متابعة الأحداث، وظهر متخلفاً عنها، فلم يستطع أن يطرح ما يوازي الأزمة، وما يستجيب لمطالب الشعب. في هذا السياق، تشكّل حزب سيريزا لتوحيد مجموعات ماركسية ويسارية عديدة، ولأجيال شبابية، تميل نحو اليسار، معبّراً عن رفض الوضع المزري الذي يعيشه الشعب، ورفض السياسة التقشفية التي فرضها الاتحاد الأوروبي على اليونان. ربما هذه هي حدود التوافق بين كل تلك المجموعات، مع غموض الرؤية في ما يتعلق بالبديل الضروري في هذا الوقت. فلا المجموعات الماركسية طرحت بديلاً واضحاً، ولا الشباب وصل إلى مرحلة بلورة البديل نتيجة “نقص الوعي” الماركسي. وهذه حالة أحزاب تشكلت في إسبانيا وإيطاليا، وربما تتشكل في بلدان أخرى. حيث يظهر رفض ما هو قائم، من دون وضوح ما يجب طرحه بديلاً.
يجعل هذا الأمر التساؤل حول ما يمكن أن يفعله حزب سيريزا، بعد أن وصل إلى السلطة، هل يستطيع إلغاء الديون التي نهبتها الرأسمالية اليونانية، وأفادت الطغم المالية العالمية؟ أو هل سيغيّر الطابع الرأسمالي للاقتصاد لمصلحة اقتصاد اشتراكي؟ وأصلاً، هل تتوافق مجمل أطراف الحزب على ذلك؟ أسئلة لا بد من الإجابة عليها، وربما يقود عدم الإجابة إلى فشل الحزب في السلطة. وبالتالي، تفككه وانهياره. لقد بُني الحزب عبر رفض سياسات، وبالتالي، ربما يقوم بتغييرها. لكن، هل يمتلك الرؤية التي تؤهله لأن يؤسس اقتصاداً جديداً، يحلّ المشكلات المجتمعية ويطوّر الاقتصاد؟
هذا هو التحدي. لكن، ليس تجاوز الرأسمالية مطروحاً على برنامج الحزب. لهذا، سوف يدخل في أزمة، لأن حل مشكلات اليونان لا تتحقق إلا عبر ذلك، فالبقاء في النمط الرأسمالي يعني استمرار المشكلات وتصاعد الأزمة المجتمعية.
ربما هذه مرحلة أولى من تبلور ماركسية جديدة، تتسم بالضعف النظري، وتحمل بعض الأوهام الرأسمالية.
Advertisements

ضـعف أمريكا وأزمتهـــا

«ضعف أمريكا» الذى يُعزى لضعف الرئيس أوباما هو أبعد من أن يُربط بسياسة رئيس أو حزب كما يجرى فى العادة. الأزمة المالية التى حدثت سنة 2008 لا تذكر، والوضع الاقتصادى يتم تجاهلة

رغم ما حدث قبل اشهر فيما يتعلق بأزمة الدين وميزانية الحكومة، ورغم أن التقرير الأخير لبنك التسويات الدولية يشير إلى احتمال حدوث انهيار مالى جديد هذه السنة أو السنة القادمة.

فالضعف هو نتاج الوضع الاقتصادى بالتحديد، الأمر الذى ينعكس على كلية الوضع الأمريكى بما فيه الدور العالمي. حيث إن أمريكا ظلت تعانى عقوداً من عجز فى الميزانية، وعجز فى الميزان التجارى ومديونية مرتفعة، وصلت الآن إلى حدّ تجاوز الخطوط الحمر، وهو مازال فى ارتفاع، ولا يبدو أن له سقفا يمكن أن يتوقف عنده، لأن المصروفات الاتحادية أضخم من مداخيلها، خصوصاً أنها تقلل الضرائب على الشركات والثروة بدل أن تزيدها. طبعاً هذه العناصر توضح بأن هيكلية الاقتصاد الأمريكى تعانى من اختلال، يظهر واضحاً من إلقاء نظرة على تكوين الدخل القومي. هذا الاختلال يخترق كل الرأسمالية، ويؤشر إلى تصاعد دور المال على حساب رأس المال.

أمريكا تلعب دوراً عالمياً كبيراً، حيث عملت انطلاقاً من أنها القطب المهيمن، وهو الأمر الذى فرض تصاعد العجز فى ميزانيتها، حلّته ومازالت من خلال المديونية التى باتت تتجاوز مجمل الناتج القومي. وهيكلية اقتصادها جعلتها مستورداً للسلع، الأمر الذى أوجد العجز فى الميزان التجاري. وكان يجرى التعويض هنا عبر طبع العملة بعد أن أصبح الدولار هو ما يشبه «الاحتياط العالمي»، الذى كان يغطى بالسيطرة على الأموال النفطية بعد أن فرض تسعيرها بالدولار(وبعد الأزمة المالية باتت الدول النفطية غير قادرة على التحكم بهذه اموال)، وبنهب العالم بأشكال مختلفة. وفى كل ذلك تتضخم ثروات كبار الرأسماليين ويتقلص عددهم، كما يتضخم تراكم الثروات فى البنوك، لأن هؤلاء الرأسماليين لم يعودوا قادرين على الاستثمار فى قطاعات «الاقتصاد الحقيقي» بالضبط لأنه بات مشبعاً، أى بات ينتج السلع إلى حدّ الوصول إلى مرحلة الكساد. فالاقتصاد الحقيقى يعانى من التنافس الشديد، وهو مصاب بأزمة «فيض الإنتاج»، الأمر الذى يقود إلى حدوث انهيارات واندماجات فى الشركات، باتت لافتة.

كل ذلك أوجد وضعاً جديداً، حيث إن تراكم الأرباح فرض أن تصبح هناك كتلة هائلة من المال خارج «الاقتصاد الحقيقي»، مودعة فى البنوك. وهى مهددة بالتلاشى نتيجة التضخم المستمر، حيث إن كل عملة لا تنشط تتلاشي. هذا كان فى صلب الأزمة التى حدثت بداية من سبعينيات القرن العشرين، التى فرضت فك الارتباط بين الدولار والذهب حسب اتفاق بروتون وودز، وفرضت نشوء ما أسمى فى حينها بـ «الركود التضخمي»، حيث هناك كساد فى سوق السلع لكن الأسعار كانت فى ارتفاع عكس «القانون الاقتصادي» الذى كان متعارفاً عليه. وإضافة إلى فك ارتباط الدولار بالذهب كان الحل الذى جرى العمل به هو «اختراع» المشتقات المالية، أى التوظيف فى الأوراق المالية، ومن ثم فى أسواق الأسهم والمضاربة على العملات والسلع، وبالتالى العودة إلى النشاط «المالي»(وليس الرأسمالي). هذا من جهة، ومن جهة أخرى العودة إلى توسيع النشاط المتعلق بالإقراض، وكان أولها البلدان التى فرض عليها «الانفتاح» والخصخصة، والتى راكمت مديونية مرتفعة رغم أنها خسرت أموال «القطاع العام».

هذا يجعلنا معنيين بدراسة وضعية النمط الرأسمالى بشكل أدق، حيث إن الهيمنة فيه باتت للنشاط المالي، ومن خلال متابعة النشاط المالى فى الأسواق نلمس بأن نسبة مرتفعة (تبلغ 90% تقريباً) تنشط فى المضاربات، وأن كل الاقتصاد الحقيقى يحظى بنسبة 10%. ماذا يعنى النشاط المالي؟ يعنى الأرباح تتحصل من خلال نشاط مالى محض (بعيداً عن الاقتصاد الحقيقي)، وأن نسبة الأرباح هنا مرتفعة جداً، وهى أضعاف نسبة الأرباح فى القطاعات الاقتصادية «الحقيقية». لهذا باتت نسبة التوظيف فى الاقتصاد الحقيقى فى أمريكا (وفى مجمل النمط الرأسمالي) هى عُشر نسبة حركة الرأسمال. أى أن قطاع المضاربات فى أسواق الأسهم والسلع والعملة والنفط، والنشاط فى المشتقات المالية وفى المديونية بات هو المهيمن فى الاقتصاد الرأسمالي. والسبب الأساسى هو أن تراكم الأرباح وصل فى نهاية ستينيات القرن العشرين مرحلة لم يعد ممكناً إعادة توظيفة فى القطاعات الاقتصادية «التقليدية»(أى الصناعة والزراعة والتجارة والخدمات، والنشاط المالى المرتبط بها)، فكما هناك فيض إنتاج كان فى أساس أزمات الرأسمالية، هناك فيض أرباح أصبح هو الأزمة الحقيقية التى تدفع الرأسمالية إلى حالة من الأزمة المستمرة، والتى تفضى إلى أشكال انهيار وانفجارات غير مسيطر عليها. فهذه الأموال باتت توظف فى أشكال من المضاربات والمديونية لا تضيف قيماً (وهى سمة إنتاج السلع) لكنها تفرض تضخم الأسعار والثروة بشكل متصاعد وسريع. وبالتالى تؤسس لنشوء فقاعات مالية سرعان ما تنفجر. أمريكا هى البلد الأول فى هذا الأمر نتيجة تمركز الأموال فيها، سواء تعلق الأمر بالبنوك الكبرى أو بالشركات فائقة الضخامة. وكانت أزمة الرهن العقارى هى حالة من حالات ممكنة ربما نشهدها فى الفترة القادمة. فقد بات التوظيف فى المضاربة عاملاً فى ارتفاع «غير عقلاني» للقيم، يصل إلى مرحلة تفرض الانهيار، الأمر الذى يؤدى إلى خسارات هائلة تتكبدها البنوك. أمريكا مازالت تعيش أزماتها التقليدية (عجز الميزانية والميزان التجارى والمديونية)، لكنها باتت تعيش أزمة أضخم، هى أزمة احتمالات متكررة لحدوث انهيار مالي. فالمضاربات تفرض التضخم فى القيم، ومن ثم «انفجار الفقاعات»، الأمر الذى يؤدى إلى انهيار مالى يطيح بالمؤسسات المالية، التى تعود الدولة لتحملها عبر مراكمة الدين، الأمر الذى سيقود إلى إفلاس الدولة ذاتها، ولقد تجاوزت أمريكا فى الاستدانة خطوطاً حمراً متعددة. وهذه دائرة مغلقة لا خروج منها إلا بحدوث انهيار كبير.

المصدر: الأهرام

الفيتو الروسي الصيني جريمة ضد الإنسانية

يمكن أن يُفهم سبب الفيتو الروسي الصيني ضد التدخل العسكري في سورية، وهذا كان يمثّل مفصلاً في تشكّل عالم جديد، يؤشر إلى بداية نشوء “قوة عالمية” تواجه أميركا، وتفرض توازناً جديداً، كما وتحصل روسيا على الاستحواذ على سورية، وتنال الصين حصتها. وهذا ما جعل أميركا “تبيع” سورية لروسيا، فهي، أصلاً، لم تستطع السيطرة عليها خلال محاولتها بعد احتلال العراق، على الرغم من شره السلطة السورية للارتباط بأميركا (وهذه كانت مفارقة). وبالتالي، يمكن أن تقرّ بما حصلت عليه روسيا من امتياز في سورية بعد الثورة، قدمته السلطة للحصول على الفيتو الروسي الصيني أصلاً، أي لحماية ذاتها من إمكانية تدخل “غربي”، كانت تعتقد أنه ممكن، ففعلت كما فعلت إيران قبلها لحماية ذاتها.

ويصير الأمر محل “انبهار”، حين يتعلق بجرائم ضد الإنسانية تحدث علناً أمام العالم، وتنقل مباشرة عبر وسائل الإعلام، وتثبت في تقارير من الأمم المتحدة، مثل استخدام الأسلحة الكيماوية، والبراميل المتفجرة، وصواريخ سكود (لا يملكها أحد غير السلطة)، فمنع محاكمة مجرمي حرب يعني مشاركتهم في الإجرام، بحمايتهم من المحاسبة، وهذه جريمة حرب كذلك. ربما لأن روسيا مارست في الشيشان ما تمارسه السلطة السورية (البراميل المتفجرة من اختراع روسي)! وربما يجب أن تُحمى النظم التي تواجه الثورات بهذه الوحشية، لكي لا يفكّر أحد في العالم بالثورة (والوضع الاقتصادي العالمي يدفع إلى الثورة)! وفي هذه تكون روسيا والصين قد غطتا على “نوايا” أميركا التي تريد، كذلك، إظهار كل هذه الوحشية، من أجل إخماد الميل الثوري الذي يؤسسه الاحتقان الحاصل بفعل الأزمة الاقتصادية العالمية. لكن، تظل الممارسة التعبير عن جريمة ضد الإنسانية، حيث تجري حماية سلطة مافياوية وحشية من العقاب.

هذا يعيدنا إلى محاولة فهم وضع السلطة في روسيا، التي تبدو أنها تنزع نحو الفاشية في تعاملها العالمي. وما قامت به في سورية، منذ حاجة السلطة لتدخلها بداية سنة 2012، يوضح ذلك، حيث دعمت، وساهمت في، الحرب التي بدأتها السلطة ضد الشعب، وأمدته بالأسلحة والخبرات والمعلومات الاستخبارية، ولازالت. وما قامت به في جورجيا، حيث قسّمتها وهيمنت على جزء منها. وكذلك ما قامت به في أوكرانيا، حيث سيطرت على شبه جزيرة القرم، وتعمل على تفكيك البلد، لأن الثورة هناك طردت عميلها (الثورة السابقة طردت عملاء الغرب).

عملت أميركا على أن تنهار روسيا بعد انهيار الاشتراكية، لكي تستحوذ عليها، ودفعتها لأن تعود دولة “عالمثالثية” (تدمير الصناعة بحجة أنها متخلفة)، لكن روسيا تماسكت بعد عقد من انهيارها، على الرغم من أنها اعتمدت على تصدير النفط والغاز، وحاولت تصدير الأسلحة، لكنها كانت تواجه بحصار أميركي، ومحاولة مد خطوط غاز منافسة. فرض هذا الأمر أن تميل إلى العنف، لفرض سيطرتها على “محيطها السوفيتي” أولاً، ومن ثم بعد أن أحسّت بضعف أميركا بعد الأزمة المالية سنة 2008، أخذت تحاول التمدد أكثر. في سورية، سمحت الثورة لها بأن تقتنص الفرصة، لكي تستحوذ على مصالح كبيرة، ولهذا، باتت معنية بالدفاع المستميت عن السلطة، خشية أن تسقط بيد أخرى، تحرمها تلك المصالح. وفي أوكرانيا، ثار الشعب نتيجة الانهيار الاقتصادي الذي يعيشه، فأسقط عميلها، وبالتالي، باتت معنية بفرض مصالحها بالقوة. وهي تُظهر ذلك كله على أنه صراع مع أميركا، و”نضال ضد الإمبريالية الأميركية”، على الرغم من أنه صراع ضد الشعوب التي تثور على الرأسمالية، ومن أجل التحرر والتطور، من أجل أن تستطيع العيش. وأميركا مرتاحة، لأن هناك من يسهم في سحق الشعوب غيرها.

أزمة روسيا في السيطرة تدفعها إلى أن تميل نحو الفاشية، بالضبط كما كانت ألمانيا زمن هتلر.

المصدر: العربي الجديد

أمريكا فى عالـم تغيــــر

الملاحظة المتكررة هى «ضعف أمريكا»، حيث يشار إلى تراجع الدور الأمريكى فى مواقع مختلفة من العالم. فى سورية، وفى الصراع العربى الصهيوني، ثم فى أوكرانيا، أى فى مجمل الأزمات الدولية.

وكانت زيارة باراك أوباما الرئيس الأمريكى إلى جنوب شرق آسيا مجالاً للتعليق على «انسحاب أمريكي» من «الشرق الأوسط»، وحتى من باقى العالم. ومن ميل للانكفاء الذاتي، يوصم بأنه «انعزالية جديدة».

ظهر فى السنوات الثلاث الأخيرة أن العالم لم يعد أمريكياً كما حدث بعيد انهيار النظم الاشتراكية، خصوصاً الاتحاد السوفيتي، حيث أصبحت أمريكا حينها هى القطب الأوحد الذى يريد السيطرة على كل العالم. لقد سعت حينها لأن تسيطر عبر توسيع تواجد جيوشها على كل مناطق النفط، وتفتح كل الأسواق لسلع شركاتها ورءوس أموال مستثمريها، وخاضت حربين كبيرتين فى أفغانستان والعراق، فارضة احتلالهما، وتثبيت قواعد عسكرية فيهما. وهو ما كان يوحى بأن العالم قد أصبح أمريكياً بالحتم، وأنه سيمرّ بمرحلة استقرار طويل تحت سيطرتها. وتكرر الكلام عن «الشرق الأوسط الموسّع»، وعن «الفوضى الخلاقة»، وعن التفكيك والتفتيت والنهب. وكأن الإرادة الأمريكية قد اصبحت لا رادَّ لها. الآن، نلمس بأن الأمور قد انقلبت، حيث باتت هناك روسيا، وكذلك الصين، ونشهد ضعفاً أمريكياً واضحاً، وقرارات بتقليص الجيش والميزانية العسكرية، وباختصار الدخول فى حروب. ومن ثم الكلام عن «ضعف أمريكا» الذى يُعزى أحياناً لـ «ضعف أوباما»، أو طبيعة الديمقراطيين. لكن لا شك فى أن العالم قد انقلب بعد الأزمة المالية التى حدثت فى 15 سبتمبر سنة 2008. فهى من فرض نجاح أوباما الذى كان متخلفاً فى استطلاعات الرأي، على أمل أن يحمل حلاً للمشكلة الاقتصادية. وإذا كان قد حاول الفصل بين الداخل، حيث حاول معالجة الوضع الاقتصادي، والخارج حيث استمرّ فى سياسة بوش الابن طيلة سنتين من حكمه، فقد توصل إلى أن الأزمة المالية لم تنتهِ، ولا يبدو من أفق لنهايتها، وبالتالى كان الخيار الوحيد الباقى هو «إدارة الأزمة».

هذا الأمر فرض أن تجرى إعادة توضع أمريكا عالمياً، فلم يعد ممكناً أن تستمر فى السياسة ذاتها التى كانت تمارسها، التى كانت تهدف لأن تكون القوة الرأسمالية القائدة، ثم القوة العالمية المسيطرة. فقد أصبح «الوضع المالي» لا يحتمل كل هذا الدور، إضافة إلى أن الاقتصاد الأمريكى يشهد حالة انهيارية لم تجد حلاً لها، وهو فى وضع يمكن أن يفضى إلى انهيارات مالية جديدة (وتقرير بنك التسويات الدولى الأخير يشير إلى إمكانية ذلك فى هذه السنة أو السنة القادمة). وبالتالى فإن طموح الزعامة بات مرهقاً إلى حدّ لا يطاق. وأكثر من ذلك، بات السعى للحفاظ على أمريكا كقوة عالمية فقط هو الأمر الذى تعمل من أجل تحقيقه إدارة أوباما. لقد أنتهى طموح الزعامة العالمية، وباتت أميركا معنية بأن تكون «قوة عالمية» بين قوى متعددة فى عالم أصبح يميل لأن يكون متعدد الأقطاب. وأن تستطيع حماية وضعها كقوة اقتصادية كبيرة وفاعلة، فى عالم بات يشهد نشوء قوى اقتصادية جديدة وكبيرة مثل الصين، وروسيا إلى حدّ معيّن، وإلى تفلت بعض الدول التى كانت خاضعة للسيطرة، ومحاولتها التحوّل إلى قوى عالمية، وهو ما يبرز واضحاً فى ميل كل من الهند والبرازيل وجنوب أفريقيا خصوصاً.

كل ذلك فرض وضع إستراتيجية جديدة أعلن أوباما عنها فى 6/1/ 2012، تنطلق من تحديد أولوية جديدة، هذه الأولوية هى منطقة آسيا والمحيط الهادى، المنطقة التى تشهد الاحتكاك بالصين، وهو ما اعتبرت انه الخطر الأول عليها فى المستقبل القريب. وعلى ضوء وضعها الاقتصادى المربك وأولويتها الجديدة، قررت الإدارة الأمريكية تخفيض عدد الجيش وميزانيته، وتركيز السفن الحربية فى تلك المنطقة (انسحاباً من منطقة الخليج العربى)، وأبقت قواعدها فى الخليج على ألا تستخدم سوى الطائرات عند الضرورة. ورأت بأنها لم تعد قادرة سوى على خوض حرب واحدة فى الآن ذاته.

وهى مازالت تخوض الحرب فى أفغانستان بعد أن انسحبت من العراق، وبالتالى ليس بإمكانها أن تدخل حرباً جديدة (ورغم مشاركتها فى حرب الأطلسى على ليبيا فقد حوسب أوباما من قبل الكونجرس على تدخله هذا). وفى التصور الاستراتيجى اعتبرت أن الصين هى «الخطر الرئيسى» لهذا قررت سياسة تقوم على حصاره لتحافظ على وضعها كقوة عالمية.

إذن، أمريكا ضعفت اقتصادياً وباتت بحاجة إلى ترتيب جديد تحلم بأن يؤدى إلى تجاوز أزمتها، أو على الأقل قد يسمح لها البقاء كقوة عالمية. لهذا لم تعد بذات الفاعلية التى كانتها على الصعيد العالمي. ولقد رسمت إستراتيجيتها على أساس ذلك، وهو الأمر الذى جعلها ليست معنية جدياً بمناطق عديدة فى العالم، أو أنها قابلة لأن تساوم عليها مع روسيا من أجل تحقيق تحالف تريده، وتعتبر أنه المنقذ لها، حيث تخشى تحقيق التحالف الروسى الصينى الذى يمكن ان يزيد من أزمتها، ويسرّع من انهيارها.

إن كل منظور يكرر التصور الذى ساد ما قبل الأزمة حول دور أمريكا العالمى سوف يوصل إلى مواقف خاطئة، وسياسات تجاوزها الزمن. فقد شكلت الأزمة المالية ـ تلك ـ مفصلاً حاسماً فى الوضع العالمى لا يمكن تجاهله أو الاعتقاد بأنه لم يدفع إلى تحقيق تغيير عميق فى الوضع العالمى.

المصدر: الأهرام

حول أزمة التطور الرأسمالي

كل المشكلات التي نعيشها هي نتاج “نقص” في التطور الرأسمالي: من استمرار سيطرة الأفكار التقليدية، وخصوصا الفكر الأصولي الديني، إلى النظم الاستبدادية والبنى “البطركية”، والتخلف الثقافي العام، و”ترسخ” الوعي الطائفي والديني والقبائلي و”المحلوي”، والتخلف الاقتصادي وغياب قوى الإنتاج، وعشوائية الطبقات، وتضخم البطالة والمهمشين.

وكل ما يمكن أن يوضع في مقارنة مع وضع الأمم التي باتت رأسمالية منذ زمن بعيد.
هذه حقائق واضحة. واضحة على صعيد البنى الذهنية والسياسية أكثر من غيرها، لكنها واضحة في الاقتصاد الذي هو اقتصاد استيراد ويقوم على الريع، دون إنتاج حتى في الزراعة التي هي ما توارثناه، وحيث كانت البنى الزراعية هي أساس الاقتصاد، وبالتالي في إطار تخلف تقني هائل. لكن لماذا استمرت؟ لماذا لم تُكنس؟

إن كل ما يطرح في إطار الدعوة لتجاوز الواقع القائم، يربط تحقيق تجاوز هذه البنى الاقتصادية الفكرية والسياسية بالحاجة إلى الرأسمالية، وبالتالي بـ”نقص في التطور الرأسمالي”.

ولا شك أن الرأسمالية الأوروبية هي التي أوجدت هذا التمايز وهذه الهوة، حيث طورت الفكر في منحى تصاعدي، وأسست الصناعة التي جعلتها قوة اقتصادية وعسكرية حاسمة ومهيمنة، وطورت بنى الدولة، وأقامتها على أساس ديمقراطي وعلماني، انطلاقا من المساواة بين المواطنين بعيدا عن كل التمييزات السابقة.

بينما لا زلنا في وضع القرون الوسطى، ربما بشكل مُحسن قليلا، وبفعل التبعية للمراكز الرأسمالية، أو نتيجة طموح بعض الفئات التي لم تستطع الاستمرار في “مشروعها” نتيجة ميلها إلى النهب والتحول إلى رأسمالية تتكيف مع النمط السائد.

لكن، لماذا لم ندخل عصر الرأسمالية؟ لماذا لم تنتصر الرأسمالية عندنا؟ وهل حتما كان تحقيق كل المهمات التي حققتها الرأسمالية في أوروبا يرتبط بالرأسمالية؟

لقد حققت الرأسمالية الأوروبية هذه النقلة، لكن لماذا لم تحققها عندنا؟ كل الإجابات تنطلق من “محاسبة الذات”، حيث إن تخلفنا هو السبب. لكننا نناقش لماذا لم نستطع تجاوز تخلفنا، ونتساءل لماذا لم تنتصر الرأسمالية عندنا؟ حيث إن استمرار تخلفنا هو نتاج فشل هذه المسألة، وليس العكس، فقد كانت أوروبا متخلفة، حتى عن الشرق وقتها (ربما إلى أواسط القرن الـ18)، لكنها انتقلت إلى الرأسمالية حال اكتشاف الصناعة.

لقد اندفع الرأسمال التجاري الذي كان يوظف في البيع وشراء الأرض والتوشيج مع الإقطاع نحو التوظيف في الصناعة حالما اكتشف أنها تدرّ الربح أكثر من الأرض ومن التجارة ذاتها. وفي هذه الاندفاعة حقق الانتقالة الهائلة التي نشاهدها.

إن الذي أسس للنمط الجديد -إذن- هو اكتشاف الصناعة الذي فرض تحول النشاط الاقتصادي نحوها، ومن ثم فرضت كل هذا التغيير العميق في التكوين الاقتصادي الاجتماعي، وفي مؤسسات الدولة وفي الوعي والفكر، رغم أن النهضة الفكرية كانت قد بدأت قبل ذلك بقليل، لكنني أقصد هنا أن النقلة المهمة تحققت مع هذا التطور، والتي سمحت بأن يصبح الفكر الجديد هو أساس التعليم وكل وسائل الإعلام، وبالتالي تطوير الوعي المجتمعي. وهو الوضع الذي أنتج ما نشير إليه، ونسعى لتقليده أو تمثله.
إذن، ليس التخلف هو سبب عدم الانتقال إلى الرأسمالية، لقد كان التراكم المالي عندنا متوفرا قبل انتقال أوروبا، لكن التطور الفكري والعلمي كان معدوما، لهذا تقدمت أوروبا.

وهذا ما يجعلنا نطرح السؤال بعدئذ: لماذا لم تنتصر الرأسمالية عندنا؟ لن نشير إلى أسباب سبق أوروبا، بل سنشير إلى لماذا لم تنتصر الرأسمالية “بعد إذ”؟ والمشكلة كلها تتحدد في الـ”بعد إذ” هذه، حيث إن التطور بات في وضع لم تشهده البرجوازية الأوروبية، أو شهده بعضها (ألمانيا مثلا) لكن قبل أن يستفحل، وقبل أن تتكون الرأسمالية كنمط عالمي، وقبل أن يكون قد جرى تقاسم العالم بين الرأسماليات.

وبالتالي، فإن السؤال الخاص بنا يتحدد على الشكل التالي: لماذا لم نستفد من التطور الصناعي والعلمي والفكري من أجل تحقيق التطور الرأسمالي؟ ومن ثم لماذا كانت الفئات التي تمتلك التراكم المالي لا تميل لتوظيفه في الصناعة كما في البحث العلمي والحداثة؟

قبل أن نشير إلى ذلك، أوضح أنه في بعض المراحل حاولت قطاعات من “الرأسماليين” النشاط في الصناعة، ومنها تجربة بنك مصر وعمادها طلعت حرب، وكذلك بعض المحاولات الخجولة في بلاد الشام وتونس والعراق، لكنها تلاشت دون أن تترك أثرا.

وبالتالي يمكن القول إن هذه الفئات تقدمت بخجل، لكنها انهارت دون أن تحقق شيئا، وهذا ما يطرح سؤالا: لماذا؟ بمعنى أن “النسج على منوال أوروبا” كان قد بدأ منذ زمن طويل (الربع الأول من القرن الـ19)، ولقد كان تمثل الغرب محاولة متكررة، وأفكار عصر النهضة في الوطن العربي تشير إلى ذلك. لكن لماذا لم يتحقق التطور الرأسمالي بالمعنى الأوروبي (أي الصناعي) للرأسمالية؟
هل هو قصور ذاتي كما حاول البعض تفسير الأمر؟ أم لأن الصيغة ذاتها التي تطورت أوروبا من خلالها لم تعد ممكنة؟

بالطبع نستبعد مسألة القصور الذاتي، وكل ما أشير إلى الدين الإسلامي كعائق كان لا معنى له، حيث إن الإسلام حقق نهضة كبيرة من قبل: في التجارة، والحِرَف، والفكر. لهذا يجب أن ندقق في الصيغة، حيث -كما بدا في التطور الطبيعي- إن نشوء الشيء يفرض تجاوز تكراره، يلغي تكراره، لأن وجوده ذاته يصبح مانعا لتكراره. بمعنى أن نشوء الرأسمالية كنمط فرض حسم إمكانية نشوء صناعة في مناطق أخرى، وبالتالي حسم مسألة عدم إمكانية التطور الرأسمالي فيها. رغم أن النمط ذاته يمد العلاقات الرأسمالية إلى كل بقاع العالم، ويشكل رأسمالية لكن من نوع “خاص”، “كومبرادوري”.

المسألة بالتالي لا تتعلق برغبات ذاتية، بل تتعلق بتكوين عالمي بات يمنع التطور الصناعي (وبالتالي الرأسمالي) من أجل ضمان السيطرة عبر الحصول على المواد الأولية الرخيصة والاستحواذ على الأسواق لتصريف فيض الإنتاج الذي هو سمة الإنتاج الصناعي.

بمعنى أن الاحتكار الذي باتت تشكله الشركات العملاقة متعدية القومية فرض على الرأسمال المحلي الضعيف والمحدود النشاط في القطاعات التي لا تدخله في منافسة مع تلك الاحتكارات، لأن النتيجة محسومة مسبقا، وبالتالي مال إلى النشاط في التجارة والخدمات التي باتت أكثر ربحية بالنسبة له من التوظيف المحفوف بالمخاطر في الصناعة. والنشاط التجاري لا يستلزم تحديث الفكر والمؤسسات، ولا يستلزم السوق الواسعة، وبالتالي يمكن أن يتحقق في إطار بنى إقطاعية أو شبه إقطاعية، أو رأسمالية متخلفة، وفي إطار وعي “قروسطي”، وتكوينات طائفية وقبلية ومحلية، فقد كان كذلك لعقود طويلة قبل.

إذن، ليس من رأسمالية لديها مشروع رأسمالي (بالمعنى الصناعي الحداثي)، وهي الطبقة التي حققت التطور الرأسمالي (بمعناه الصناعي)، ولقد كانت كل المحاولات التي حدثت خجولة وضعيفة، لهذا انهارت دون أن تترك أثرا، حيث كان عدم التكافؤ في المنافسة (التي هي أس الرأسمالية) يفضي إلى الفشل الذريع. لهذا يطرح السؤال: كيف يمكن تحقيق التطور الرأسمالي؟ هل من طريق غير الطريق التقليدي؟

ما يمكن استخلاصه من تجربة القرن العشرين هو أن التطور “التقليدي” للرأسمالية في الأطراف لم يعد ممكنا، ولم يحدث في أي مكان، حيث إن الرأسمال الخاص لا يغامر في التوظيف في الصناعة التي هي أس التطور الرأسمالي، وبالتالي كل التطور الذي تحقق في هذا المجال تحقق عبر الدولة (الهند، النمور الآسيوية)، وفي ظروف خاصة، لم تجعل التجارب في تناقض مع المراكز الإمبريالية والطغم المالية، بل كان بعضها في اتساق مع هذه المراكز والطغم (تجربة النمور).

بمعنى أن التطور بات مرتبطا بـ”قرار” المراكز، الذي يخضع لمصالح الطغم، التي بدورها تفرض “منع انتشار” الصناعة، إلا في ظروف استثنائية، كوقف المد الشيوعي نهاية الأربعينيات والخمسينيات الذي فرض تطوير نمور آسيا، وهي ظروف لم تعد قائمة بعد توقف المد الشيوعي منذ السبعينيات، ومن ثم انهيار الشيوعية.

هل من طريق رأسمالي آخر؟ لا، الشكل الآخر تمثل في تجارب حركات التحرر (الناصرية والبعث والبومدينية)، ولقد شاهدنا كيف انهارت دون أن تحقق التطور الضروري.

إن أزمة التطور الرأسمالي في الأطراف -إذن- تتحدد في أن عالمية النمط الرأسمالي لم تعد تسمح بالتطور عبر الوسائل التقليدية، أو حتى المستحدثة في إطار رأسمالي، لأن الطغم الإمبريالية هي التي تتحكم في “حدود التوسع الصناعي”، والذي بات مشبعا منذ زمن بعيد، لأن فيض الإنتاج الذي هو سمة الصناعة يفرض التمركز العالي من جهة، لكنه يفرض منع نشوء صناعة جديدة حيث يستطيع فرض سيطرته من جهة ثانية.

لهذا ما تجاوز ذلك هو التجارب الاشتراكية التي خرجت من هذه السيطرة. هذه هي أزمة التطور الرأسمالي، والتي جعلته مستحيلا لكل منْ لم يصل من قبل.

المصدر: الجزيرة

نقاش خفيف مع -الرفيق- محمد نفاع – الإمبريالية والاستعمار والثورة السورية

أتابع ما يكتب عن الثورة السورية، خصوصاً من مَنْ بات يعرف أنهم شيوعيون أو يسار، بهدف المعرفة، لكن إغراءً بأن أدقق في مدى صحة تقييمي لهذا اليسار الذي كنت توصلت منذ زمن بعيد إلى أنه “دوغما”، يحمل بعض الفكار التي يكررها دائماً بغض النظر عن الواقع، سواء تطابقت معه أو عاندته. ولما كنت أعمل على كتابة دراسة حول إفلاس اليسار العالمي، الذي ظهر جلياً في الموقف من الثورة السورية، بالضبط كما كانت الحرب العالمية الأولى هي الكاشف لإفلاس الأممية الثانية، فقد تابعت بعض الكتابات سابقاً، لكن هذه المرة أغراني “خطاب شاعري” كتبه “الرفيق” محمد نفاع حول “الناحية الفكرية والموقف من سوريا” (http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=413145)، فهو يشير إلى “الناحية الفكرية”، وهذا مهم من أجل الفهم، لكن ظهر أن الفكر يساوي الشعارات ضد الاستعمار والإمبريالية والصهيونية والرجعية. وظهر “ثبات العالم”.

بدا لي أنه لازال يعيش “في الزمن البعيد”، “الزمن الجميل”، الذي كان يحمل الأحلام حول مواجهة الإمبريالية والاستعمار، ومن أجل دعم “النظم التقدمية”. أنه يكرر محفوظات قديمة، ويعيد كاسيت لازال يكرر الأغنية القديمة ذاتها. فهو يواجه “التدخل الإمبريالي لتغيير النظم” الذي تكرر منذ “ثورة أكتوبر الاشتراكية العظمى”، إلى دعم فورموزا في الصين والحلف الثلاثي، و.. ألخ. ويواجه في السياق ذاته “التدخل الخارجي الإمبريالي الصهيوني الرجعي العربي والعالمي” في سورية. اللازمة تعطي النتيجة، و”الرفيق” ينطلق كما حزبه من “الموقف الصحيح اعتماداً على انتمائه الفكري في معاداة الإمبريالية والصهيونية والرجعية العربية”.

لكن ألم يتغيّر الواقع منذ ثورة أكتوبر إلى الآن؟ ألم تتغير القوى الإمبريالية؟ أين التحليل الملوس للواقع الموضوعي القائم الآن؟
“الرفيق” يكرر لازمة بغض النظر عن الواقع الموضوعي، وهذه سمة أصيلة في الدوغما التي تكرست في “الماركسية اللينينية” التي يعتمدها. الأمر هنا لا يتعلق بالموافقة على التدخل الإمبريالي، أنا أيضاً ضد كل تدخل إمبريالي، منذ ثورة أكتوبر إلى العدوان الثلاثي على مصر، وقبله إلى فرض الدولة الصهيونية بقوة الاستعمار البريطاني، إلى التدخل ثم احتلال العراق، وليبيان وفي سورية أيضاً، وأكثر من كل تلك التدخلات. لكن الخلاف يكمن في تحديد معنى الإمبريالية، وفي الدور الفعلي للقوى الإمبريالية والصهيونية والرجعية العربية والعالمية. هنا تظهر الدوغما، وتظهر المحفوظات التي تكرر “عن ظهر قلب”، دون التفات إلى الواقع.

“التدخل الإمبريالي في سورية”

أولاً عن أي إمبريالية نتحدث؟ أميركا أو روسيا؟ ألم تصبح روسيا إمبريالية أو لازالت اشتراكية أو بين بين؟
من يتابع سياسة أميركا تجاه الثورات العربية يلمس الارتباك الأميركي نتيجة المفاجأة، ثم الميل إلى الالتفاف على الثورات في تونس ومصر من خلال الضغط لإبعاد الرئيس. في ليبيا تدخلت بعد تلكؤ، ومماطلة، من خلال الطيران (ولقد حوسب باراك أوباما من قبل الكونغرس على هذا التدخل). وفي اليمن دعمت الدور السعودي، وايدت اجتياح السعودية للبحرين. الآن ما هو الموقف في سورية؟ لا أريد أن ننطلق من انها إمبريالية، ولهذا يكون الاستنتاج المتسرع بأنها تدخلت، وربما افتعلت ما جرى. هذا كلام دوغما، يعيد محفوظات مكتوبة منذ عقود. وتنطلق من أن الإمبريالية الأميركية هي وراء كل شرور العالم. وليست معنياً بالدفاع عن هذه الإمبريالية، لكن فهم الواقع هو الأساس لكي نستطيع اتخاذ سياسة صحيحة. لم تطرح أميركا إبعاد بشار الأسد إلا في فترة متأخرة، ولقد تحدثت بخطاب سطحي عن ضرورة التغيير في سورية، وطالبت بشار الأسد بذلك. ولقد عملت على منع شطت فرنسا التي كانت تدفع لتدخل الحلف الأطلسي، وأبلغت المعارضة منذ الأشهر الأولى بأنها لن تتدخل عسكرياً وعن تدعم المعارضة بالسلاح. ومنذ بداية سنة 2012 طلبت من روسيا رعاية مرحلة انتقالية كما حدث في اليمن، وسارت منذئذ مع روسيا في رسم حلّ سياسي. وكان دورها دفع طحلفائهاط (السعودية وقطر وتركيا وفرنسا) لقبول الحل الذي تم التوافق علية في 30 حزيران مع روسيا. وعملت على تطويع المعارضة “ذات الهوى الغربي” لقبول “الحل الروسي” (المتمثل في مبادئ جنيف1، وتحت الرعاية الروسية الأميركية). ولا زالت ترفض تسليح المعارضة وتمنع حلفائها من تسليحها. هل هذه مؤامرة إمبريالية أميركية، او تدخل إمبريالية أميركي؟

واضح من كل السياق العالمي أن أميركا لا تنافس روسيا في الاستحواذ على سورية، بل تساعدها في ذلك. وهذا يطرح السؤال حول السبب، حيث سيظهر واضحاً كم أن العقل الدوغما بات متغرباً عن الواقع، ويعيش “ماضيه الزاهر”. والمشكلة في هذا العقل أنه لازال يكرر ذلك إلى الآن بعد أن بات واضحاً انسحاب أميركا من “الشرق الأوسط” (عدا منطقة الخليج)، وحتى قبولها بأن ترثها روسيا. لماذا؟ بالضبط نتيجة أزمتها العميقة، التي تفجرت سنة 2008 ولم تجد لها حلاً إلى الآن، واقتنعت الطغم المالية الحاكمة في الأخير أنْ لا حل لها، وبالتالي فإن المطلوب هو “إدارة الأزمة”. ولقد تُرجم ذلك بتحديد إستراتيجية جديدة أعلنها باراك أوباما في 6/1/2012، تقوم على اعتبار أن منطقة آسيا والمحيط الهادي هي الأولوية (ويا رفيق تابع ما يكتب في الصحف الصهيونية عن ذلكن والسياسة الجديدة التي قررها وزير الخارجية على ضوء ذلك، أو انك لا تعيش في “إسرائيل”؟). وكان من ضمن عناصرها التفاهم مع روسيا وحصار الصين (يمكن أن تعود إلى كتاب بيرجنسكي” رؤية إستراتيجية” الذي ربما يوضح هذه الإستراتيجية). سنلمس هنا بأن الواقع يُظهر اختلاف الدور الأميركي نتيجة الأزمة العميقة التي تطيح بالاقتصاد الأميركي، والرأسمالي عموماً. هذا ما لم يره “الرفيق”، بالضبط لنه يعيش الماضي، والأحلام، ويكرر المحفوظات.

إذن، أميركا ظهرت كمحايدة في الفترة الأولى من الثورة السورية، ثم عملت على دعم الموقف الروسي في سورية. الآن، هل التدخل الروسي هو تدخل “ثوري”؟ ألم تصبح روسيا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي دولة رأسمالية، ومن ثم بات لها مصالح عالمية ككل رأسمالية (ولا أريد قول إمبريالية هنا لكي لا أفتح نقاشاً آخر، حيث أن كل رأسمالية صناعية هي إمبريالية)؟ بالتالي ما الموقف من الدعم الروسي للنظام؟ ومن الاتفاقات التي وقع عليها نائب رئيس الوزراء للشئون الاقتصادية في آب سنة 2012، والتي تتضمن الاستثمار في النفط والغاز وفي المشاريع الاقتصادية (ومن ثم الاتفاق على توسيع القاعدة البحرية)؟ أليس كل ذلك سيطرة إمبريالية؟ تتوافق مع دعا إليه بوتين منذ زمن بضرورة تعميم حرية الأسواق؟

الآن، الصهيونية، يعني الدولة الصهيونية التي تعترف بها كدولة مستقلة، وأعتبر أنها دولة احتلال لأرض فلسطين. ما هو موقفها مما يجري في سورية؟ وأنت الذي يقيم في فلسطين (أو كما تسميها إسرائيل) ألم تتابع كل الميول التي تدعم نظام بشار الأسد، النظام الذي حافظ على الحدود في الجولان مستقرة طيلة العقود السابقة، والدولة الصهيونية تقضم الضفة الغربية بهدوء وراحة (بعد أن أخرجت مصر من الصراع على ضوء اتفاق كامب ديفيد)؟ والتي لازالت تميل إلى أن بقاء الأسد أفضل من تغييره؟ وأنها تخشى نتائج الثورات أكثر مما تخشى النظم القائمة؟ لكن الدوغما لا تقبل معرفة الواقع، حتى وهو يتكرر أمام الأعين، ويصمّ الآذان.

ثم ثالثاً، “الرجعية العربية” (وهو توصيف سياسي قديم، طرح مقابل التقدمية التي نظّرت لها النظم القومية)، ما هو موقف قطر؟ قطر التي كانت “زعيمة الممانعة” (وأطلق حسن نصرالله على حمد لقب أمير المقاومة)، والتي حصلت من نظام بشار الأسد على مصالح هائلة (مثل تركيا، التي كان الانهيار الاقتصادي في سورية من نتائج العلاقة معها في بغض جوانبه)، والتي كانت عبر تركيا تريد النظام لأن يصلح الوضع لكي يبقى، لأنها تحقق من خلاله ما تريد. وحين تعنّت النظام عملت (مع تركيا وفرنسا) على ترتيب بديل (هو المجلس الوطني). ولقد أفشلت سياسة أميركا ذلك كما أوضحنا قبلاً. أما السعودية التي تعلن دعم الثورة، وتطالب بتسليحها، فقد كان همّها الأساس هو افشال الثورة لأنها وجدت بأن التحرك الذي بدأ في تونس وصل إلى رقبتها (مصر، اليمن، البحرين، وسورية، مع حراك في الأردن والعراق) لهذا كان عليها أن تعمل على وقف هذا المد الثوري لكي لا يصل إليها، ووضع الشعب يعاني كما في البلدان الأخرى، من الفقر والتهميش والبطالة (إضافة إلى السلطة الاستبدادية الأصولية). لهذا ظلت تدعم النظام السوري مالياً (حيث قرر الملك عبدالله دعمه بعد مؤتمر الكويت، الذي تحققت فيه المصالحة بين عبداللة وبشار الأسد، واعتبر عبدالله أن بشار ابنه)، ومن ثم عملت على “الخط الآخر” من تكتيك النظام، الذي كان يريد إظهار الثورة كثورة أصولية إخوانية.
فأطلقت عدنان العرعور، الذي هو وهابي (حموي) أسست له منذ زمن قناة فضائية ضد الشيعة، بهدف استخدامه في تخويف العلويين خصوصاً. ثم عملت عبر إعلامها (مثل قطر) على غظهار الثورة كتحرك “إسلامي”، ثم دعمت إرسال “جهاديينط بعد أن أطلق النظام كل “الجهاديين” المعتقلين لديه (بداية سنة 2012)، لتشكيل جبهة النصرة، ثم داعش. والهدف كما أراد النظام هو تشويه الثورة وتخريبها من الداخل. ثم لم تقدّم كثيراص ما وعدت بهن وما قدمته كان يهدف إلى إطالة أمد الصراع أكثر مما هدف إلى دعم انتصار الثورة، بعد أن “اشترت” كتائب مسلحة جعلتها قوة إرباك في الثورة (مثل زهران علوش وجيش الإسلام).

السعودية بالتالي دعمت النظام مالياً ودعمت سياسته لأسلمة الثورة، واشترت كتائب مسلحة لكي تكبح الثورة بها. المشكلة هنا تتمثل في الإسقاط الميكانيكي للتصور المتخيل عن السعودية (كذلك عن الإمبريالية عموماً)، وبالتالي تجاهل الواقع والوقائع. لهذا ينطلق “الرفيق” “من وضوح الوضع في سوريا، من حيث التدخل الخارجي الإمبريالي الصهيوني الرجعي العربي والعالمي”، وضوح فاقع إلى حدّ تشوه رؤية “أفراد عندنا يناقشون الموقف ويتحفظون وحتى يعارضون، وهذا مثير لأشد الدهشة”. ربما للعمر أثر يا “رفيق”، حيث تكلس ما تكلس، ولم يعد للواقع أثر على ما في الدماغ. وأصلاً لم تعد هناك إمكانية لأن تستوعب الدماغ حركة الواقع السريعة والمتشابكة والمتشعبة. لهذا الأفضل أن “نبقى على قديمنا”، رغم أنه لم يسعفنا في أن نربح معركة واحدة، أو نتقدم خطوة واحدة، ولم نفعل سوى تبرير هزائمنا بالتدخل الإمبريالي. يا “رفيق” نحن في عالم لم يعد المعسكران قائمين، ولا ظل الصراع هو بين الاشتراكية والرأسمالية، بل بات تنافس بين رأسماليات، كل يريد كسب مواقع جديدة بعد أن هزلت أميركا الإمبريالية وباتت تقبل ألا تكون الإمبريالية المسيطرة، وان تلجأ لعقد تحالفات تنقذها من خطر الصين. بالتالي لم تعد روسيا عدواً لهان رغم الصراع في أوكرانيا، والتنافس للسيطرة عليها، بعد ان أفضت الثورة فيها إلى طرد “عميل روسيا”، حيث سيقبل “الغرب” التنازل هنا لروسيا كذلك. فالعالم متشابك وليس من الممكن أن ينجرب إلى حرب، ولا إلى حرب باردة (كما صرّح مسئول العلاقات الخارجية في مجلس الدوما الروسي). وبتنا إزاء تقاسم عالمي جديد، هذه هي البديهية الأولى التي تنهي عقوداً من عالم ثنائي القطب، وعالم تهيمن أميركا عليه. ثم أن الأمر الذي يبدو أن ” الماركسية اللينينية” قد محته، هو أننا نشهد عصر الثورات، التي بدأت في الوطن العربي، لكنها مرشحة للتوسع العالمي نتيجة أزمة الإمبريالية العميقة والتي لا حلّ لها، وهذا جعل أمر تصفية الثورات العربية بديهية لدى الإمبريالية و”الرجعية” وليس تغيير نظام بشار الأسد الذي كان قد التحق بالركب الليبرالي.

تحليل النظام السوري

هذه المسألة الأخيرة تلمس الوهم الآخر الذي يحكم منطق “الرفيق” محمد نفاع، فهو لا زال يتعامل مع النظام السوري كما كان سنة 1967. حيث “عرف الحزب طبيعة وجوهر النظام في سوريا، ومن أهم ملامحه معاداة الاستعمار”. لهذا يستهجن “بدعة وضع النظام على المشرحة في الوقت الذي يتعرض فيه إلى حرب إجرامية بهدف اسقاطه”. ويستزيد في توصيف النظام: “لا يصنف الناس بحسب طوائفهم”، “حرية المرأة في العلم والعمل”، “في المجتمع السوري ملامح هامة من العلمانية وبلا “كبت ديني” من قبل النظام”، “حرية العبادة بلا تعصب”، “الأحزاب ليست على أساس طائفي”، “الجبهة التقدمية”. سنلمس هنا أن “الرفيق” يركز على ما هو سياسي متجاهلاً الوضع الطبقي للنظام والمجتمع، وهذه “ميزة مهولة” لدى الرفاق الذين يتبعون “الماركسية اللينينية”. حيث يطفو السياسي ويختفي الطبقي، رغم أن اكتشاف ماركس الجوهري تمثل في “الأساس الاقتصادي الطبقي”. ولا شك في أن ما أوصل هؤلاء إلى “الماركسية” هو “معاداة الاستعمار”، وهو الأمر الذي سنتحدث حوله تالياً. لكن ما هو الطابع الطبقي للنظام السوري سنة 1967، وما هو طابعه الآن؟ هل ظل كما كان سنة 1967 أو تغيّر؟ مسألة الصيرورة والتغيّر أيضاً لا تدخل في قاموس “الماركسية اللينينية” التي يعتنقها الرفاق، رغم أنها جوهر المفهوم المادي الديالكتيكي الذي هو منطق الماركسية كلها.

ما لا تعرفه يا “رفيق”، وبغض النظر عن كل ما اشرت إليه حول طبيعة النظام السوري، هو أن 70% من الاقتصاد السوري يمتلكه القطاع الخاص حسب تقديرات رسمية سنة 2010، وأن 30% من هذه تمتلكها “العائلة الحاكمة” (آل مخلوف والأسد)، وان هؤلاء متحالفين مع تجار دمشق وحلب في “شركة الشام القابضة” (التي تضم مائة “رجل أعمال”) يسيطرون على 60- 70% من الاقتصاد السوري. وأنه حسب دراسات الدولة سنة 2010 كان يجب أن يكون الحد الأدنى للأجور هو 31 ألف ليرة سورية (622 دولار) بينما كان الحد الأدنى هو 6 آلاف ليرة (150 دولار)، وأن متوسط الدخل كان 11 ألف ليرة (220 دولار)، أي ثلث الحد الأدنى الضروري للعيش تقريباً. وأن الصناعة انهارت (حتى صناعة الغزل والنسيج التي هي تراث سوري)، والزراعة انهارت (وتشرّد من منطقة الجزيرة السورية مليون فلاح إلى سنة 2010). وتمركز الاقتصاد في ما هو ريعي (الخدمات، والسياحة والعقارات والاستيراد)، وكان محتكراً من قبل تلك القلة. وحسب تقرير اللجنة الاقتصادية لغرب آسيا لسنة 2010 كانت سورية أغلى بلد عربي من حيث علاقة الأجور بالأسعار.

كيف سنحلل كل ذلك ماركسياً؟ وكيف يمكن ان نلمسه طبقياً؟ وهل كان وضع تونس ومصر أسوأ من ذلك؟ وهل يمكن أن نتوقع أن يثور شعب تونس ومصر وهو في هذه الوضعية وألا يثور الشعب السوري لأن النظام “معادي للاستعمار (رغم أن الاستعمار رحل منذ زمن طويل)؟ أليس الصراع هو أولاً وأساساً صراع طبقي كما تعلمنا الماركسية؟ بالتالي من الطبيعي ان تحدث ثورة حين يصبح أغلبية الشعب مفقر (30- 33% نسبة البطالة)، وأقلية تحتكر الثروة بشكل وحشي، هذا هو مبدأ الثورة كما تحددها الماركسية الصحيحة. بالتالي بغض النظر عن تحالفات النظام العالمية، و”مواقفه الوطنية”، “المعادية للاستعمار الذي رحل منذ عقود”، فإن الصراع الطبقي سوف ينفجر، لن الطبقات الشعبية تتمرّد حين لا تعود قادرة على العيش، ولا أظن انها ستكون قادرة على مقارعة “الاستعمار” وهي عاجزة عن العيش نتيجة نهب رأسمالية مافياوية تحكمها. في الوقت ذاته لا يعود مهماً “موقف النظام الوطني” حين يدفع الشعب إلى الجوع والموت. طبعاً سأتناول تالياً مسألة “معاداة الاستعمار” لهذا لن اشرح هنا حول ذلك، لكن طبيعة المنظور الذي يحكم فهم الواقع هو الذي يحدد ماركسية أو لا ماركسية الشخص، والماركسية تنطلق من الطبقي وليس من الوطني (وإلا اصبحت نظرية قومية)، والوطني يتأسس على الطبقي وليس العكس.

لهذا أشير إلى أن نظاماً فرض اللبرلة، وخضع لفئة نهبت “القطاع العام” وباتت تتحكم في الاقتصاد وفي السلطة، ليس من الممكن أن يكون معادياً للإمبريالية، ربما يختلف معها لكنه لن يكون معادياً لها، لهذا سنجد أنه يتشابك معها اقتصادياً. وإذا كانت المافيات الحاكمة في سورية لم تتشابك مع الإمبريالية الأميركية(بالقطع كان ذلك نتيجة السياسة الأميركية وليس نتيجة عدم رغبة تلك المافيات، التي زحفت لكي تقبلها هذه الإمبريالية) فقد تشابكت مع الرأسمال الخليجي المتشابك مع الإمبريالية الأميركية، ثم مع الرأسمال التركي، ومن ثم مع المافيا في أوروبا الشرقية وروسيا. ولقد وقعت صفقات (هي ذاتها التي كانت توقع مع الشركات الأميركية) مع روسيا الإمبريالية. ولا شك في أن طبيعة الشروط التي تحقق المصالح الاقتصادية لبلد هي التي تظهر الطابع الإمبريالي للعلاقة، وهو ما ظهر واضحاً في ما اضطرت السلطة السورية خشية من تدخل “غربي” أن تقدمه لروسيا (رغم أنه لم يكن مطروحاً التدخل كما أشرت قبلاً). لهذا فإن المسألة لا تتعلق بـ “معادة الإمبريالية” بل بالشروط والظروف التي دفعت السلطة السورية لعدم المقدرة على الارتباط بأميركا، واضطرت للالتحاق بروسيا. السلطة الحاكمة في سورية تمثل مافيا رأسمالية تتشابك بالمافيات العالمية بالتالي، وليس “معادية للإمبريالية”. وهذا يحدث كثيراً، حيث يمكن لرأسمالية تابعة أن “تتمرد” وتميل لعلاقة مع طرف إمبريالي غير أميركا (نوريغا في بنما، ومينامار التي تمردت على أميركا والتصقت بالصين).

وهنا نشير إلى أن المنظور “الوطني” يؤدي بالضرورة إلى رفض إمبريالية لمصلحة التحالف مع أخرى، أما الماركسية فتقاتل ضد كل الإمبرياليات. ولهذا لا تعتبر أن الموقف ضد إمبريالية كافٍ للتحالف مع أخرى، او الدفاع عن نظام يتحالف مع أخرى، خصوصاً وهو يسحق الشعب، ويمارس كل الوحشية التي لم تمارسها النازية. هذا ما يفعله “تصنيم” الصراع ضد أميركا كونها الإمبريالية الوحيدة، ربما كان ذلك صحيحاً خلال الحرب الباردة وفي مرحلة الأحادية القطبية بعد انهيار النظم الاشتراكية، لكنه يصبح “مسخرة” بعد كل التحولات العالمية التي أسست لتنافس جديد بين إمبرياليات.

الآن، قبل الانتقال لمسألة “معاداة الاستعمار” سأكمل قليلاً عن سورية، حيث أن المظاهر التي اشار إليها “الرفيق” هي نتاج تطور الشعب السوري، ولقد لعب البعث في مرحلته الأولى دوراً فيها، لكن لا يمكن أن نتجاهل بأن النظام منذ سيطرة حافظ الأسد قد عمل على استغلال كل ما هو ديني وطائفي في المجتمع، فشجع كل الاتجاهات السلفية ودعم المؤسسات الدينية المتخلفة (الأصولية)، واستغلّ “تنظيم القاعدة”، وعمل على تدمير كل فكر حر ويساري. بما في ذلك أحزاب “الجبهة الوطنية التقدمية” التي فككها لأحزاب متناحرة، وحوّلها إلى بيروقراطية سلطة (لهذا نراها تدافع عنه، رغم أن كثير من قواعدها انضم إلى الثورة تاركين أحزاب ملحقة بالسلطة)، وألقى بخيرة شباب سورية في السجون لسنوات طويلة. وكان حليفاً رئيسياً للسعودية، وشارك في الحرب الإمبريالية ضد العراق سنة 1991، وكان قد أسهم في تدمير المقاومة الفلسطينية. كل ذلك يشير إلى أن مصالحه هي التي حكمت مواقفه وسياساته وليس أوهامنا حول “معادة الاستعمار”.

معاداة الاستعمار

تكرار كلمة الاستعمار تشي بأن “الرفيق” يكرر ما كان قد صيغ في الربع الثاني من القرن العشرين، حيث ان الاستعمار بدأ يأفل بعيد الحرب العالمية الثانية، إلا في فلسطين التي لا يعتبر “الرفيق” انها مستعمرة من قبل “الدولة الصهيونية”، حيث أنه وحزبه يعترفان بالدولة ويتحدثان عن فلسطين في 20% هي الضفة الغربية وقطاع غزة. بالتالي أحرى أن يجري تناول هذا الاستعمار الاستيطاني المكرّس من قبل الإمبريالية (الأميركية، ولا نعرف ممن في المرحلة القادمة، هل من روسيا أو من الصين). والملفت هو أن “الرفيق” يشير إلى اعتماد “الحزب الشيوعي اليهودي العربي” (وهل اليهودية قومية أو دين لكي يجري تعريف جزء من البشر بها مقابل العرب؟) “على انتمائه الأيديولوجي المعادي أولاً وقبل كل شيء للاستعمار”، ويبدو انه نسي أن يضيف فقرة صغيرة تقول: إلا في فلسطين. على كل ما أريده هنا هو إظهار المفارقة، حيث يجري إعلاء مبدأ “معادة الاستعمار” في الأماكن التي هي مستقلة، في الوقت الذي يجري قبوله والتكيف معه في المكان الذي هو مستعمر فعلاً.

لكن ما يبدو مفيداً هو ملاحظة أن الأولوية تعطى لمعادة الاستعمار، فـ “كل حزب عربي قومي حقيق مكانه يجب أن يكون ضد الاستعمار بناءً على الماضي والحاضر”. وإذا كانت سورية غير مستعمرة بل تحكم بنظام “وطني”، فما علاقة تلك الأولوية لكي تكون أساس تحديد الموقف الداعم للنظام؟ سورية مستقلة منذ سنة 1946، وحكمت بنظم متعددة، آخرها نظام حافظ الأسد، الذي تقارب مع “الرجعية” والإمبريالية بعد وصوله السلطة، ولعب دوراً إقليمياً كان يضر “التحرر الوطني”. حتى في الصراع ضد الاحتلال الصهيوني لجنوب لبنان، حيث عمل على تدمير المقاومة الوطنية اللبنانية لمصلحة مقاومة طائفية مرتبطة بإيران (حزب الله) لكي يكون سهلاً وضعها في السياق الذي يريده. ومن ثم، بعد الثورة، بات أسير الصراع والتنافس بين الإمبرياليات كما أشرنا قبلاً. أين موقع الاستعمار؟ إلا إذا كان مصطلح الاستعمار يعني الإمبريالية كما هو متداول لدى بعض “الماركسيين”؟ لكن حتى في ذلك هناك قلب للماركسية لكي تقف على رأسها، حيث أن الأولوية هي للصراع الطبقي، وهذه هي ميزة الماركسي عن “القومي” الذي ينطلق من “الوطن”. طبعاً هذه عاهة “الماركسية اللينينية” التي عممها السوفيت، والتي شطبت كل منجز لماركس وإنجلز، معيدة إنتاج المنطق الصوري على الضد من الجدل المادي. يا “رفيق” تكون الأولوية لمعادة الاستعمار حين يكون هناك مستعمِر، ويكون الصراع الطبقي هو الأساس في كل الحالات الأخرى. لهذا كان صحيحاً مواجهة الاحتلال الأميركي في العراق والتدخل الأطلسي في ليبيا، لكن في سورية ليس من تدخل استعماري (احتلالي)، وكل التدخل هو ضد الثورة كما شرحت قبلاً، والصراع هو صراع طبقي بامتياز نتيجة ما أشرت إليه من أرقام متعارف عليها (وليست مغرضة). ولا شك في أن كل صراع طبقي محلي يستثير تدخلات عالمية، ويخلق شهوة السيطرة لدى القوى الإمبريالية، كما حدث في أوكرانيا مثلاً. هذا هو الوضع الذي كان مفكرو الماركسية الأوائل يوصفونه دون أن يتجاهلوا أن الأساس هو الصراع الطبقي. أي وضع الثورات وكيف يمكن أن تجري التدخلات دون أن يجري تجاهل أنها ثورات.

فالتحليل يجري “من تحت إلى فوق” وليس العكس، أي من البنيان الاقتصادي الطبقي إلى السياسي (الدولة والأحزاب) إلى العالمي، والصراعات تدرس على هذا الأساس. وحين يجري العكس يجري البدء من الاقتصادي العالمي لكي يجري لمس أثره على الأطراف، وعلى الواقع العياني في بلد ما. أما “معادة الإمبريالية” هكذا دون تحليل اقتصادي طبقي فتتحوّل إلى موقف “وطني” خالٍ من كل تحليل اقتصادي طبقي، وتؤسس للتعصب، وللوقوع في فهم مغلوط للقوى التي “تصارع” الاستعمار، التي سيكون بعضها رجعياً (مثل القوى الأصولية، وتنظيم القاعدة). فالصراع ضد الإمبريالية يمكن أن يكون من موقع “رجعي” أو من موقع ثوري، وبالتالي لا يكفي القول بـ “معادة الإمبريالية”. ولهذا لا يكفي أن ندافع عن أي نظام “يقول لأمريكا وإسرائيل لا”، رغم أن النظام السوري لم يكن يقول لا، لا لأميركا ولا للدولة الصهيونية، وظل يحاول “مد الخيوط” نحوهما. هذا ما حدث مع نجاح أوباما، حيث كانت العلاقات الحسنة قد بدأت تعود إلى مجاريها. وهو ما ظل قائماً مع الدولة الصهيونية، حيث استمر التواصل معها، خصوصاً منذ استلام بشار الأسد السلطة، وبعد قتل الحريري، حيث عقدت اجتماعات سرية توجت باجتماع علني برعاية تركية. وحين تصاعد الصدام التركي مع الدولة الصهيونية ذهب بشار الأسد لكي يقنع اردوغان بعدم قطع العلاقة معها. كل ذلك يبدو أنه بات منسياً كالعادة، حيث أننا نعمل “يوم بيوم”.

النوستالجيا يبدو انها تفرض اختراع ماض جميل لنظم كانت قد تشوهت وتخلت عن كل ميراث “تحرري”. ويبدو ان أوهام “معاداة الاستعمار” التي خبت كثيراً في العقود الأخيرة باتت تفرض كل هذا الدفاع عن بقايا نظام “من الماضي”، وان نعطيه الصورة التي في مخيلتنا لكي نرضي نوستالجيانا.

يا “رفيق” نحن في عالم مختلف. لسنا في زمن الحرب الباردة. أميركا في أفول، وروسيا تحاول أن تصعد كإمبريالية، وتجري محاولات لتقاسم جديد للأطراف وللعالم، في ظل أزمة عميقة وصعبة تعيشها الرأسمالية كلها، ليس من إمكانية للخروج منها. وهذا ما سيدفع إلى تعميم الثورات التي بدأت في الوطن العربي على العالم. وكل هذه التحولات كانت الثورة السورية هي مفصلها، بالتالي بدل توهم دور “إمبريالي” ضد النظام السوري من قبل أميركا والصهيونية والرجعية، يجب ملاحظة التدخل الإمبريالي الروسي الذي يدعم نظام مافياوي على ضوء مصالح اقتصادية وجيوسياسية. يجب تلمس وحشية النظام الذي يستخدم كل أنواع الأسلحة المحللة والمحرمة ضد الشعب، علناً وبموافقة أو تواطؤ من كل الإمبرياليات والنظم “الرجعية” و”الثورية”، ومعظم اليسار العالمي. اليسار الذي سقط أخلاقياً بما سيجعله يلقى في “مزبلة التاريخ” مع كل النظم القائمة، ومع الرأسمالية، وأن يدان ويحاسب كما يدان كل هؤلاء. فهو يقف في لحظة تاريخية فاصلة مدافعاً عن أسوأ النظم بحجة “معاداة الإمبريالية”.

المصدر: الحوار المتمدن

عن عودة الحرب الباردة

استحوذ الصراع في أوكرانيا على اهتمام كبير من منظور أنه يشير إلى عودة الحرب الباردة، وعودة انقسام العالم إلى قطبين. خصوصا وأن روسيا قد ضمت شبه جزيرة القرم، وتعمل على تفكيك أوكرانيا للسيطرة على شرقها، واندفعت أميركا لاتخاذ عقوبات اقتصادية ضدها.

وإذا كانت روسيا تظهر وحيدة في هذا الصراع فإن أميركا في تآلف مع أوروبا لدعم “الحكم الجديد” في أوكرانيا، ووقف الاعتداءات الروسية على هذا البلد.

هل هي، بالتالي، عودة للحرب الباردة؟ أم هو صراع على النفوذ في سياق تقاسم العالم وفق ميزان القوى الجديد؟

لا بد من أن نشير أولا إلى أن روسيا تمارس سياسة القضم والضم والتفكيك من أجل السيطرة في أوكرانيا، حيث ضمت شبه جزيرة القرم، وها هي تدفع شرق أوكرانيا للاستقلال، أو تطالب بأن يعطى استقلالية في إطار دولة فدرالية.

ولا شك في أهمية القرم حيث تشكل القاعدة الأساسية للبحرية الروسية، التي لا يمكن الاستغناء عنها، خصوصا وأن روسيا تسعى لتوسيع وجودها البحري في العالم من البحر المتوسط حيث لها قاعدة بحرية “صغيرة” في طرطوس السورية، وتطرح إقامة قاعدة أخرى في قبرص وثالثة في مصر، وصولا إلى فيتنام وحتى تايلند، إلى أميركا اللاتينية (فنزويلا).

وفي هذه الوضعية العالمية تصبح أهمية القرم أعلى، فهي المركز لكل هذا النشاط البحري. كما أن أوكرانيا مهمة لروسيا لأنها طريق الوصول إلى أوروبا، وضمن ذلك تأتي أهمية أنابيب الغاز الضرورية لروسيا، لكن كذلك لأوروبا. وهي “جزء تاريخي” لا يمكن الاستغناء عنه لتطور روسيا ذاته. وما يساعد على ذلك وجود جالية روسية كبيرة، إضافة إلى ميل الشرق لروسيا، عكس الغرب الذي يميل للارتباط بأوروبا.

روسيا بالتالي تفرض مصالحها بالقوة على أوكرانيا، وتعمل على إجهاض تطلعات الشعب الأوكراني الذي ترى في غالبيته أن مستقبل الشعب مرتبط بالعلاقة مع أوروبا، رغم أن هذا الطموح سيبدو وهما لأن أوروبا لا تفعل سوى النهب كما مارست في أوروبا الشرقية التي لم يصبح وضعها أفضل بعد الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي أو الشراكة مع أوروبا.

وهو الوضع الذي سيفرض حتما التمرد على أوروبا، واتخاذ طريق مختلف. لكن ليس من خيار سوى تجريب هذا الوهم، لأن الشعب لم يتوصل إلى خيار بديل، ككل شعوب أوروبا الشرقية.

المشكلة الأسوأ هي أن مطامح الشعب الأوكراني ستخضع للتقاسم العالمي الذي يجري الآن بين الإمبرياليات كما كان في القرن التاسع عشر والقرن العشرين، حيث إن الوضع العالمي الراهن يشجّع روسيا على التمادي، والسعي لفرض شروطها، التي ستُقبل في الأخير.

ففي أوروبا نجد ألمانيا تقيم “علاقة متينة” مع روسيا، وهي معنية باستمرار هذه العلاقة التي تخدم مصالح شركاتها. وألمانيا هي المركز المؤثر في أوروبا، ربما تحاول فرنسا العمل على تحقيق شيء آخر نتيجة مصالحها في أوكرانيا، لكنها لن تستطيع مقاومة الموقف الألماني. وهذا يفتح الباب على المفاوضات والبحث عن “حلٍّ مقبول”.

ورغم حماس أميركا لـ”فرض عقوبات اقتصادية” على روسيا، والتهديد “الفارغ” الذي بات يتكرر من قبل باراك أوباما، فإن أميركا ليست في وارد تصعيد الصراع ضد روسيا، على العكس نجد في إطار الوضع العالمي الراهن أنها تريد “علاقة وثيقة” مع روسيا. ولهذا سوف تعمل على التوصل إلى حل مرضٍ، هو ما تريده روسيا. أي أن يبقى القرم بيد روسيا، وتصبح أوكرانيا فدرالية بين شرق وغرب، وتتشكل حكومة تميل إلى “الحيادية”، أو إلى تحقيق التوازن في علاقاتها بين أوروبا وروسيا، وبالتالي تكون جسر وصل، وليس سد قطيعة.

ولا شك أن هذا لا يلبي طموحات القسم الأعظم من الشعب، ويؤسس لدولة هشة ومسيطر عليها من كل من روسيا وأوروبا، دون أن يتحقق ما يطالب به الشعب من تغيير في الوضع الاقتصادي لتحسين معيشته بعد الانهيار الاقتصادي الذي باتت تعيشه، والذي فرض حدوث أكثر من ثورة.

إذا كانت روسيا قد باتت دولة رأسمالية (وهي بالتالي إمبريالية بالطبع)، وبات اقتصادها متشابكا في إطار النمط الرأسمالي، وبالتالي باتت تتأثر بكل مشكلاته، وفي كل الآليات الاقتصادية التي تحكمه، فقد غدت تريد أسواقا، وسيطرة على مواقع إستراتيجية ككل الإمبرياليات. هذه النظرة هي التي تحكم علاقتها بأوكرانيا، وربما باتت تفكّر في التهامها.

ولقد ظهرت نزعة “الندم” على تفكيك الاتحاد السوفياتي في خضم البحث عن “السوق الواسعة”، والمراكز الإستراتيجية (التي أشرنا إليها من قبلُ فيما يخص أوكرانيا)، أي في خضم البحث عن التوسع الإمبريالي. لكن تشابكها الاقتصادي في إطار النمط الرأسمالي يفرض عليها كذلك “اللعب ضمن الحدود الممكنة”، ولا شك أنها تعرف هذه الحدود التي باتت تميل لمصلحتها.

فليست ألمانيا بحاجة إلى روسيا فقط، بل إن أميركا كذلك هي بحاجة إلى روسيا. وهذا الأمر يوضّح المدى الذي يجري فيه التحوّل في ميزان القوى العالمي، وفي إعادة ترتيب العالم وفق وضع القوى الإمبريالية ذاتها (إلى الآن، حيث سينقلب ذلك في الفترة القادمة نتيجة تفاقم الصراعات ضد الدول الإمبريالية ذاتها من قبل الشعوب).

وإذا كانت أميركا هي القوة المضادة للاتحاد السوفياتي زمن الحرب الباردة، في تكافؤ ظاهر كان لا يسمح بهزيمة طرف لطرف آخر، لهذا تعايشا في ظل سياسة “التعايش السلمي” التي بدأت مع خروتشوف واستمرت مع بريجينيف إلى فترة انهيار الاتحاد السوفياتي. وإذ أرادت أن تقلب الوضع العالمي لمصلحتها النهائية بعد انهيار الاتحاد السوفياتي عام 1991، عن طريق فرض ذاتها قوة عالمية وحيدة، مهيمنة ومسيطرة، ومحتكرة، فقد ظهر عليها “الإعياء” بعد أن حاولت تجاوز أزماتها من خلال السيطرة على العالم طيلة عقدي التسعينيات وما بعده.

حيث لم تفض السيطرة الواسعة التي قامت بها، ونشر قواتها في مناطق واسعة من العالم، إلى منع الأزمة الاقتصادية من الانفجار.

هذه الأزمة هي التي قادت لنجاح باراك أوباما لأنه كان يطرح سياسة التركيز على حل الأزمة الاقتصادية داخليا، وهي التي أوصلته بعد سنتين من حكمه إلى أنْ لا حل للأزمة المالية، ومن ثم يجب إدارتها والتكيف معها فقط.

ولقد أظهرت الأزمة أنه يجب تقليص ميزانية الجيش وعدده، وتقليص الدور العسكري في العالم. وهذه النتيجة فرضت بالضرورة إعادة تموضع أميركا عالميا من خلال تحديد الأخطار وبناء التحالفات على الأسس الجديدة.

فقد ظهر واضحا عجزها عن خوض الحروب العديدة، ونشر قواتها في العالم، وباتت قدرتها على تقديم “المساعدات” الاقتصادية أضعف. وهو الأمر الذي جعل باراك أوباما يصدر بداية سنة 2012 الإستراتيجية الدفاعية الجديدة، التي انطلقت من أن الأولوية انتقلت إلى آسيا والمحيط الهادئ، نتيجة الاستنتاج بأن الصين باتت هي الخطر الرئيسي.

ولهذا جرى السعي لإعادة بناء التحالفات على ضوء ذلك، الأمر الذي جعل الحاجة إلى روسيا أمرا لا بد منه، من جهة لكسر كل إمكانية لتحالف روسي صيني، ومن جهة ثانية لفرض الحصار حول الصين.

ولأن لروسيا مطامح بعد أن عملت أميركا على عزلها وتهميشها منذ انهيار الاتحاد السوفياتي إلى سنة 2010، فقد بات على أميركا أن تتنازل لها في مناطق عديدة تريدها.. سوريا كانت المكان الأول الذي قررت أميركا أن تدعم السيطرة الروسية عليه. وربما تقبل بتوسعها في الشرق الأوسط غير النفطي (أي دون الخليج العربي).

لكن كان وضع أوكرانيا مريحا لروسيا، حيث كان يسيطر يانوكوفيش. الثورة التي حدثت هي التي أوجدت الإشكالية الراهنة، حيث سعت بعض بلدان أوروبا لاستغلالها من أجل “سحب” أوكرانيا وإخضاعها، بينما تصرفت روسيا كقوة إمبريالية من خلال السيطرة على القرم، والدفع نحو تفكيك أوكرانيا. ولأن أميركا و”ألمانيا” كذلك تريدان التحالف مع روسيا فإن الأمور سوف تسير نحو التفاهم، وفق المنظور الروسي.

أميركا ليست في وضع الهجوم، بل باتت في وضع التراجع.. وهذا ما سمح لروسيا أن تحاول التقدم، وأن تتشدد في أوكرانيا، وتطمح لأن تتقدم في “الشرق الأوسط”، وتتوسع في مناطق كثيرة من العالم.

المصدر: الجزيرة