Category Archives: الثورة المصرية

أربع سنوات على الثورة

أربع سنوات مرّت على ثورة 25 يناير، لم يتحقق شيء. بالتالي، لم تنته الثورة. كل مَن يظنّ أنه يمكن الالتفاف على الثورة، أو تجاوز مطالبها، سيفاجأ بأنه لحق بسابقيه. ليس تكهناً هذا، ولا توهّم أمل، بل نتاج واقع تمثّل في شعب نهض لتحقيق مطالبه. لا يتمرّد الشعب إلا لـ”الشديد القوي”، حيث يصل إلى وضع لا يستطيع العيش فيه. وهذا يتوضح بالأرقام، حين تناول البطالة والأجور، وانهيار التعليم والصحة والبنية التحتية، والحاجة إلى السكن. لا يمتلك الشعب “هواية” التمرّد، لأنه يريد العيش بعيداً عن غول السلطة. لكن، يحدث التمرّد حين يصل إلى حالة لا يستطيع فيها العيش. هذا ببساطة سبب الثورات، كل الثورات في العالم (ربما عدا ما حدث في البلدان الاشتراكية).
حين تجمعت الملايين، بعد كسر حاجز الخوف في 25 يناير، أرادت تغيير واقعٍ عبّرت عنه في أشكال من الإضراب أو الاعتصام أمام مجلس الشعب، أو قطع الطرق، أو في البيانات والمطالبات المستمرة، شمل تقريباً معظم قطاعات الشعب المصري، بدءاً من سنة 2006. والمطالب محدَّدة ومفصّلة. وكان شعار “الشعب يريد إسقاط النظام” الخلاصة التي توضّح أن تحقيق تلك المطالب يفرض إسقاط النظام، وليس تغيير أفراد، أو ترقيع قضايا. فالنظام الذي فرض البطالة العالية، والأجر المتدني، والتهميش، وانهيار التعليم والصحة، هو الذي يجب أن يزول. وهنا، أولاً، النظام الاقتصادي. وبالتالي، الطبقة التي صنعته، والتي قامت على النهب والسمسرة وسرقة أموال الشعب، وتسهيل نهب الرأسمال الخارجي، والشراكة معه في النهب. وبالتالي، مركزت الثروة بيد أقليةٍ باتت تعيش في “عالم سحري”، بينما يعيش الشعب في واقع مزرٍ.
لهذا، كان يجب أن تتحقق المطالب مباشرة، لكي يستكين الشعب، ويعود إلى “حياته الطبيعية”. لم يكن ممكناً التأجيل، أو الانتظار. بالضبط، لأن التمرّد كان قمة حالة الاحتقان التي كبتها الشعب طويلاً. بالتالي، لا وقت للانتظار. هذا ما أسقط محمد مرسي وتجربة الإخوان المسلمين، وهذا ما سيسقط كل من لا يحقق تلك المطالب، ومباشرة. وتحقيقها يعني مصادرة الأموال المنهوبة، وأموال “رجال الأعمال الجدد” التي تراكمت باستغلال السلطة، أو نهب أملاك الشعب. كثيرون صاروا “رجال أعمال” نتيجة نهب “القطاع العام” وأرض الدولة، والسمسرة مع الطغم المالية العالمية، لتسهيل حركة “الاستثمارات قصيرة الأجل”، أي التي تنشط في المضاربة في البورصة، أو في العقارات والنشاط البنكي، لتنهب وترحل سريعاً.
في الذكرى الرابعة، يجب أن يكون واضحاً أن المطلوب تحقيق تغيير عميق في الاقتصاد لمصلحة اقتصاد منتج. وفي الدولة، لكي يجري التخلي عن “سياسة قمعية” معادية للشعب، نشأت عليها الأجهزة. ودولة ممركزة تمارس القهر لمصلحة دولة علمانية ديمقراطية، تطلق كل الحريات، وحق الاضراب والتظاهر، والتنظيم النقابي الحقيقي.
الدولة القائمة هي شكل مصالح الطبقة المسيطرة اقتصادياً، والقائمة على النهب والفساد. وأسست المجتمع الذي ثار عليها في 25 يناير. الآن، على المجتمع أن يفرض دولته التي تحقق مطالبه، وتسمح له بأن يكون السلطة الفعلية. لا تفيد الحلول الجزئية، أو توهم حل ممّن صنع الأزمة المجتمعية. وأيضاً، ليس من الممكن أن يتوقف الحراك الذي بدأ بثورة في 25 يناير، قبل أن يصل إلى ذلك. الشعب تمرّد، يريد تحقيق مطالبه، وهذا يفرض تغييراً عميقاً يقطع مع السياسات السابقة، الاقتصادية والمجتمعية، والسياسة بمعناها العام. بديل آخر هو الضرورة، حكم طبقات أخرى هو الضرورة.
فتحت ثورة 25 يناير، ككل الثورات العربية، الأفق لثورة مستمرة، وضع ثوري يمكن أن يتفجّر في كل لحظة. هذا هو الوضع بالضبط، من دون أن يكون للسلطة مقدرة على كبح الوضع، أو قمعه. إذن، علينا أن نودع الماضي، وأن نفتح أفقاً لعالم جديد.
Advertisements

“30 يونيو” بعد عام

ما حدث يوم 30 يونيو/ حزيران 2013 في مصر ثورة بالتأكيد، على الرغم من المآل الذي رُسِم لها يوم 3 يوليو/ تموز، والذي كان نتيجة “طبيعية” لغياب الأحزاب التي تريد لثورة الشعب أن تُسقط النظام، وتفرض نظامها هي، حيث كان واضحاً أن مجمل الأحزاب في جبهة الانقاذ كانت تراهن على دور الجيش، وليس على فرض نظام بديل. ولكن، أيضاً، كان أمراً “طبيعياً” نتيجة ميل الإخوان المسلمين إلى الهيمنة على الدولة، حيث بات واضحاً، منذ انتخابات الرئاسة، أن بيروقراطية الدولة، وقيادة الجيش خصوصاً، باتت تخشى من إبعادها. على الرغم من أن الأمر، في كل الأحوال، كان يتعلق بدور الجيش، كما حدث في 25 يناير 2011 بالضبط، نتيجة غياب الأحزاب التي تفرض سلطة الشعب من جهة، ونتيجة أن ما جرى هو محاولة التفاف على الثورة، من أجل الحفاظ على بنية السلطة ذاتها، خصوصاً هنا النمط الاقتصادي (وهو ما كان يقرّب بين المجلس العسكري والإخوان، حيث أنهما لا يختلفان على استمرار النمط الاقتصادي القائم، والذي هو نمط ريعي، همّش الكتلة الشعبية الأكبر، ودفعها إلى الثورة).
إذن، بغض النظر عن المآل الذي سينتج، أيضاً، وضعاً يفرض التغيير، فإن 30 يونيو هو يوم ثورة كبيرة، كانت تهدف إسقاط نظام الإخوان المسلمين، ولا شك في أن الحشد الذي تدفق كان أضخم من الذي كان ضد حسني مبارك، بعدما استثير “حزب الكنبة” (أي الفئة المتفرجة)، نتيجة أن نظام “الإخوان” لم يحقق مطالب الشعب (العمل والأجر ومجانية التعليم والصحة وتحسين البنية التحتية)، بل زادها سوءاً (ارتفاع الأسعار وبقاء الأجور كما كانت)، وأيضاً، أظهر، في سلوكه في السلطة، أنه يريد فرض “نظام متشدّد دينياً”، فيه استعادة لنُظُم القرون الوسطى، وخافت هذه الفئة من المصريين من سلطة “دينية”. وبالتالي، فرض أن يسقط الإخوان، وأن تنتهي كل مراهنةٍ عليهم.
يتعلق الأمر هنا بأن التوتر المجتمعي يفرض أن يحقق مَن يصل إلى السلطة مطالب الشعب مباشرة، وليس بعد حين، وكل تلكؤ سوف يفرض انفجار هذا التوتر من جديد. هذا ما لم تفهمه جماعة الإخوان المسلمين، بالضبط، لأن رؤيتها الاقتصادية لا تختلف عن رؤية حسني مبارك، كما صرّح أكثر من قيادي فيها، من دون فهم أن رؤية مبارك الاقتصادية، أو النمط الاقتصادي الذي تشكّل في ظله، كان في أساس نشوب ثورة 25 يناير. لهذا، كان واضحاً أن ثورة جديدة قادمة منذ نهاية سنة 2012، حين جرت محاولات اقتحام قصر الاتحادية، وفي تظاهرات الذكرى الثانية للثورة في يناير/ كانون الثاني 2013. بالتالي، وكما في 25 يناير، حيث دعت ” 6 إبريل” و”كلنا خالد سعيد”، وتجمعات شبابية أخرى، إلى اعتصام 25 يناير، عملت “تمرّد” على الدعوة لخلع محمد مرسي في 30 يونيو، وكان واضحاً أن الشعب سيستجيب.
توّصل الشعب المصري إلى أن “النظام الجديد” هو النظام القديم، لكن بـ”لحية” وسبحة، وهذا ما زاد الغلّ، وعمّم التخوّف، وبالتالي، جعل المشاركة كبيرة. وإذا كانت النهاية مشابهة لنهاية 25 يناير، أي بتحكّم العسكر، فإن المسار مستمرّ، وسيكون واضحاً أن الإغراق في السياسة الاقتصادية ذاتها، وتجاهل كل مطالب الشعب سوف يفرض أن يعود الحراك من جديد، وأن تصبح الثورة ممكنة، على الرغم من كل الميل إلى السيطرة العنيفة على المجتمع.
حين تنهض الشعوب، لا بد من أن تتحقق مطالبها.

جريدة العربي

سلامة كيلة: المعارضة السورية تعبر عن سياسات النظام ومصر على أبواب ثورة ثالثة

باريس / 20 فبراير 2014

*قبل انطلاق الثورة السورية ومن إحدى المحاضرات التي ألقيتها في مخيم اليرموك بدمشق أشرت إلى أن الربيع العربي قادم إلى سوريا على العكس من بعض الآراء السائدة في ذلك الوقت، ما هي المعطيات التي بينت عليها رؤيتك؟ ولماذا استبعدت نخب أخرى قيام ثورة في سوريا؟

**يتعلق الأمر في طبيعة فهمي للمجتمعات والظروف التي تدفع البشر في لحظة معينة لأن يثوروا، وهذا ما حاولت أن أكتبه سابقاً اعتماداً على تجربة الاتنفاضات العربية التي حدثت في الثمانينات، وهذا ما أصدرته في كتاب في عام 2007 وضعت له مقدمة تشير إلى أننا مقبلون في المنطقة العربية على ثورات جديدة.
الأساس في التحليل ينطلق من فهمي للأزمات المجتمعية، لأنني أعتقد أن الشعوب التي تعيش حياتها” الطبيعية” بمعنى: الحياة الاجتماعية؛ بعيداً عن السياسة، لا تشكل عنصر سياسي فاعل، لأنها تميل إلى الابتعاد عن السلطة والسياسة، وتهرب من ضغوط السلطة عليها في حياتها العادية. لكن في اللحظة التي تشعر بها الشعوب أنها عاجزة عن العيش نتيجة انهيار الوضع الاقتصادي وانهيار الوضع المعاشي، تميل للتمرد؛ وفي هذه اللحظة تستطيع أن تصنع أكبر ثورة.
لهذا أشرت منذ العام 2007 بأن المنطقة العربية مقبلة على ثورات، ومنذ انطلاق الثورة التونسية أشرت في مقال نشر في جريدة الأخبار أن المنطقة العربية ومن ضمنها سوريا ومصر مقبلة على ثورة وذلك بسبب الانهيار الاقتصادي الذي حدث في العقود الماضية والذي أدى إلى إفقار وتهميش الكتلة الأكبر من الشعب، وهذا الأمر ظهر واضحاً في تونس وظهر واضحاً في مصر، وأيضاً كان واضحاً في سوريا رغم أن الليبرالية انتصرت تقريباً في العام 2007.
كان هناك احتقان اجتماعي ينمو في سوريا ويشير إلى إمكانية حدوث انفجار، لكن قرب اكتمال الانفتاح الاقتصادي وخوف الناس من السلطة والذي كان لا يزال يحكمها يجعلان ميل الناس للتمرد أضعف، وهذا الأمر جعلني أقول أيضاً أن الثورة السورية ستحدث لكن ربما تتأخر قليلاً.
وهو ما انعكس أساساً في الثورة حيث أن العنف والدموية كانت تضعف الإنتفاضة من زاوية إلا أنها تشعلها من زاوية أخرى، واتسعت الثورة السورية على خط توسع عدد الشهداء، بمعنى لو بقي الاعتصام في درعا بحدود ضيقة دون بطش النظام لكان الحراك سيأخذ مدى أطول، أي أن الثورة لن تكون متوالية بهذا الشكل السريع. لكن الرصاص دفع أهالي حوران للتمرد وبالتالي كسر حاجز الخوف عبر عنف السلطة ذاته وليس عبر تراكم الاحتقان الداخلي فقط، عنف السلطة أيضاً جعل مناطق أخرى تتأخر في الالتحاق بالثورة، وهو ما جعل الثورة بحاجة لعام كامل لتعم أرجاء سوريا.
أما عن التوقع بعدم قيام ثورة داخل سوريا فذلك عائد إلى أن القوى السياسية العربية والنخب عموماً لا ترى الشعب ولا ترى مشكلات الناس، وتميل للتعبير عن همومها الذاتية على اعتبار أن همومها الذاتية هي الهموم المجتمعية، إضافة إلى أن العنصر المركزي خلال العقود الأخيرة هو مسألة الديمقراطية ومواجهة الاستبداد، وبسبب رؤيتهم لقواهم المحدودة كنخب في مواجهة نظم استبدادية قوية، طغى هدف الديمقراطية والحريات على أي شيء آخر، مع تجاهل كامل للوضع الاقتصادي الذي بدأ يسبب تدهور الوضع المعاشي، في سوريا كان واضحاً التركيز على الديمقراطية والانتقال من الاستبداد إلى الديمقراطية كشعار مركزي مترافقاً مع خطاب موازي وهو القبول باللبرلة والدفع باتجاهها، رغم أن اللبرلة التي كان يقوم بها النظام واقعياً هي التي أفقرت وهمشت الناس، وبالتالي لم تكن النخب تريد رؤية هذه الحركة الواقعية التي همشت المجتمع ودفعته للقيام بثورة، مغطيةً ذلك بالحديث عن استسلام وتبعية الشعب وخوفه وجبنه، وهذه نزعة استعلائية على الناس لا ترى الواقع ولا ترى السبب الموضوعي الذي يجعلهم لا ينشطون سياسياً. فكان المنطق الذاتي هو الذي يحكم، لأنني أنا أنشط سياسياً يجب على كل الشعب أن يلحقني في ذلك، لا أن يكون العكس أن أفهم حركة الشعب وأفهم كيف أتعامل معه وهي مشكلة حتى الآن قائمة عملياً.

*من ذات الزاوية لم تكن هناك لبرلة في عهد حافظ الأسد، إلا أنه شهد ثورة في الثمانينات، كيف تقرأ ذلك؟

**ما حدث في الثمانينات ليس ثورة، هي ردة رجعية كما أسميها، الإخوان المسلمين قاموا بدور تخريبي ودور رجعي، لأنهم بالأساس عبروا عن فئات تقليدية اجتماعية كانت تتهمش أمام سيرورة التطور والتحول الاقتصادي الذي كان يجري، وهم التجار التقليدين في المدن خصوصاً حلب وحماة وإدلب بالإضافة لقطاعات ريفية مهمشة في الشمال، هذا هو الأساس الموضوعي. فالمناطق الأخرى لم تشهد حراك قوي، ففي درعا مثلاً لم يكن للإخوان المسلمين وجود وفي دمشق كان وجودهم هامشي كذلك في دير الزور، بالتالي هي ليست ثورة إنما ردة رجعية كانت تقوم بها قوى أصولية لمواجهة صيرورة تحدث، مثلا: كان هناك حرفيين صغار فجاءت المحلات التجارية الكبيرة لتدمر هذا النمط الحرفي وهذا كان واضحاً في المدن، في الريف أيضاً كان الإهمال والتهميش للشمال عنصر أساسي لتواجد الإخوان، وهنا تحديداً الأساس، فهم لم يكونوا يواجهون استبداد سياسي ولا هم يواجهون النظام من منظور أنه يسحق الشعب، لذلك قام المنظور على أساس طائفي والإخوان مسؤولين عن افتعال صراع طائفي في ذلك الوقت ويتحملون المسؤولية كما النظام، وقد استفاد النظام من دور الإخوان لكي يكرس سلطته ويكرس هذا الشكل الذي نجده قائماً الآن، سلطة تعتمد على هيمنة أفراد من طائفة معينة على مفاصل أساسية في الدولة، اعتماداً على العصبية من أجل حكم سوريا، فالإخوان ساعدوا في الوصول إلى هذه النتيجة. حافظ الأسد توصل إلى أنه من غير الممكن أن يحكم إلا عبر جمع فئات من بيئته الأساسية تواليه في الحكم، والمسألة ليست طائفية كما يشاع، المسألة لها علاقة بالبيئة الاجتماعية لأن الفلاح يعتمد على بيئته ولا يعتمد على طائفته، فالنظم القومية أو التي تمسى بالقومية كلها اعتمدت على أفراد من بيئة الزعيم، بالتالي ما مارسه الإخوان أدى إلى تدمير الحركة السياسية وتمركز السلطة بشكل أعلى وأقوى.

*كيف ترى مستقبل الثورة السورية الراهنة؟

**أعتقد أن بدء الشعوب بثورات سيفرض بالتأكيد تغيرات، في بعض اللحظات من الممكن أن تفشل وليس هناك حكم مطلق أن كل ثورة يجب بالضرورة أن تنجح، لكن الواقع الموضوعي القائم الآن في سوريا وفي كل الوطن العربي، هو تهميش كتلة كبيرة من المجتمع ربما تبلغ ثمانون بالمائة، نتيجة النمط الإقتصادي الذي تشكل وأصبح نمطاً ريعياً يعتمد على السياحة والخدمات والعقارت والاستيراد، والذي دمر القوى المنتجة التي كانت موجودة في الصناعة وأيضاً في الزراعة والتي تعد إرث تاريخي في بلداننا، هذا النمط أوجد كتلة كبيرة من المهمشين والمفقرين وفرض زيادة مضطردة في البطالة تجعل من إمكانية الثورات أن لا تقود إلى تغيير حقيقي في الوطن العربي مسألة فيها صعوبة، لأن الشعوب التي تمردت لا ترى إمكانية للتراجع ولا ترى إمكانية لتتوقف إلا بتحقيق مطالب أساسية، طبعاً هذه المطالب من الممكن أن تكون جذرية ومن الممكن أن تكون غير جذرية، كمثال الحركة القومية التي تأسست في الخمسينات في مصر وسوريا والعراق لم تكن تستطيع أن تحقق تغيير جذري لكنها في اللحظة التي وصلت فيها إلى السلطة حققت مطالب مباشرة لقطاع كبير من المجتمع، كالإصلاح الزراعي الذي أعاد صياغة الريف وجعل الفلاحون يملكون أرضاً، كذلك مجانية التعليم سمحت للريف أن ينخرط في التعليم ويرتقي بشكل أو بآخر، كذلك جعل فقراء المدن يجدون عملاً سواء في الصناعات الحديثة أو الدولة، لذلك قامت هذه الخطوة بحل مشكلات مباشرة للناس، لكنها لم تكن جذرية لأن الطبقة التي سيطرت قامت على النهب من جديد وأعادت خلط الأوراق لفترة قريبة.
الآن الأمور أعتقد بأنها أكثر تعقيداً، هي بحاجة حلول لهؤلاء المسحوقين، هذه الحلول لم تكن ممكنة إلا في مواجهة الرأسمالية لأنها تبدأ بالعودة للقوى المنتجة زراعياً وصناعياً وهو ما يناقض وجود السيطرة الإمبريالة والسيطرة الرأسمالية عموماً، وهو ما سيفتح أفق لأن تكون الثورات أكثر عمقاً، ومن هذا المنظور سيبقى الحراك قائماً إلى أن تتبلور بدائل سياسية قادرة على أن تحمل مشروع تغيير يحقق مطالب الناس، لذلك أعتقد بأنه لا إمكانية لتوقف الثورات حتى لو انحدرت في بعض الأمور أو تراجعت أو بدت ساكنة للحظات، لكنها ستستمر إلى أن يحدث تغيير حقيقي.

*تنطلق في رؤيتك لتحليل الثورات العربية والثورة السورية من منظور يساري، كيف تفسر مواقف الأحزاب اليسارية من الثورات ومن الثورة السورية تحديداً؟

**بالطبع كانت الثورة السورية مفصل أساسي لتغير النظرة للثورات الأخرى لدى قطاع كبير من اليسار العربي والعالمي، لكن المشكلة الأساسية أن هذا اليسار كان ميتاً قبل الثورات، فمجمل الأحزاب اليسارية القائمة عربياً وحتى عالمياً عدا استثناءات ليست كبيرة هي أحزاب ميتة، بمعنى أنها تبلورت في منظومة ذهنية متقادمة صاغتها الحرب الباردة، وفي النهاية لخصت كل الماركسية في صراع الإمبريالية ضد إمبريالية أخرى، فتخلت عن جوهر الجدل المادي الماركسي لمصلحة فهم شكلي سطحي يكرس الإمبريالية الأميركية كإمبريالية مطلقة على مدى تاريخها، فيصبح لدى هذه الأحزاب كل صراع ضد أميركا هو صراع ثوري، هذا الأمر جعل قطاع من هؤلاء يدعم بن لادن وتنظيم القاعدة لأنه كان يقاتل أميركا، وقسم أكبر منهم دعم الإخوان المسلمين وبأنهم هم الذين سيحررون فلسطين وهم الذين سيقاتلون أميركا، وهذا منظور سطحي لا يمت لليسار بصلة لأن العالم تغير، فلم تعد أميركا هي القوى الأساسية المتحكمة والقادرة على استمرارها في الهيمنة على العالم، فهناك روسيا برزت كإمبريالية جديدة كذلك الصين تتحول إلى إمبريالية، بالتالي هناك منظور جديد للعالم يجب أن يرى.
إضافة إلى ذلك ظهر أن هذه القوى لا تثق بشعوبها ولا تنطلق من مفهوم الصراع الطبقي إنما تنطلق من مفهوم الصراع الوطني، بينما الصراع الطبقي أصبح خارج التحليل لديها وخارج الفهم في حين أن الماركسية تنطلق من تحليل الصراع الطبقي، الصراع في داخل الظاهرة ذاتها، فلا تستطيع أن تدرس العالم بشكل مجرد دون البدء من نقطة محددة بتناقضاتها، لذلك لا أستطيع أن أرى سوريا فقط كنظام سياسي مختلف مع الإمبريالية إذا اعتبرنا أن هذا الأمر قائماً، دون أن أرى أن هناك طبقات وصراع طبقي وشعب يفقر وفئة تنهب، الأساس هنا ومن ثم يمكن أن نرى المستويات الأخرى، أما الأمور لدى هؤلاء فهي مقلوبة، فهو يبدأ من الأعلى من المنظور السياسي وهذا يجعله مثالي وليس مادي، فيعكس الأمور لتصبح: أن النظام السوري ضد الإمبرالية كما يدعي هو بالرغم من أنه ليس كذلك، فيصبح عندها النظام وطني وتصبح البرجوازية المسيطرة وطنية وبالتالي يصبح مبرراً لها أن تسحق الشعب. ولا ينظر إلى الشعب على أنه يعاني من اضطهاد طبقي، على العكس من ذلك ينظر لحراكه وكأنه مؤامرة إمبريالية لإسقاط نظام وطني، هناك هزل فكري وقحط فكري وجمود فضيع يحكم مجمل هذه الأحزاب والقوى، وهو نتاج الماركسية السوفيتية التي أصبحت هي الثقافة العامة حتى لدى من كان ينتقد السوفييت، لذلك تجد أن قطاعات الأحزاب الشيوعية التقليدية تلتف حول الاتحاد السوفيتي عدا مجموعات قليلة منها، فيصبح لديها الشعب السوري متآمر مع الإمبريالية ضد نظام وطني. وهذه الإشكالات تشير إلى إفلاس اليسار العالمي عموماً، هذا اليسار انتهى والثورات ستنتج يسار آخر مختلف.

*تعرضت للسجن في سوريا لمدة ثمان سنوات في ظل حكم حافظ الأسد وبعد الخروج من السجن بقيت في سوريا لماذا؟

**لأنني أعتبر سوريا بلدي ولن أهجره، ففي المرة الأولى من الاعتقال علمت بأنني مطلوب قبل اعتقالي، وأصدقائي طلبوا مني أن أسافر لأنني أحمل جواز سفر أردني ولم تكن المخابرات بالتأكيد قد عممت أسمي فكان يمكن لي أن أسافر، إلا أني لم أكن لأعلب دور سياسي وأهرب منه، لذلك فضلت الذهاب إلى السجن، وهذا ما جعلني أبقى في سوريا لاحقاً، وأن لا أعتبر نفسي طارئ وفي اللحظة التي أتعرض فيها لتهديد” أترك وأمشي”، ولولا أن النظام طردني مؤخراً لبقيت في سوريا إلى الآن ولن أخرج، فأنا أخوض صراع ضد هذه النظم وأعتبر نفسي مواطن عربي يخوض صراع ضد كل النظم العربية، أينما حللت أخوض الصراع ضد النظام الذي أعيشه، ولا أترك إذا حدث قدر من الصعوبة، وإلى الآن أتعامل كذلك.

*في عهد بشار تم ترحيلك بالعكس من عهد حافظ، مالذي اختلف بين عهد الأب والأبن؟

**سألت هذا السؤال في صحيفة عربية وأجبت كالتالي: أنا كنت فرحاً أن نظام حافظ الأسد اعتقلني وأبقاني في السجن، لأنه كان نظاماً قومياً، وبالتالي لا يفرق بين سوري وغير سوري، في حين أني حزنت أن نظام الإبن أصبح قطرياً واعتبرني مواطن أردني ولا أستحق أن أبقى في سوريا، حتى في السجن.
فالمؤكد أن النظام يتعامل مع من يتحرك ضده بنفس الطريقة لكن لا أعلم لماذا قرر إبعادي! ربما الضغوط الدولية وربما الضجة الإعلامية التي حدثت لكن في كل الأحوال بالنسبة لي كانت لحظة سيئة وليست إيجابية.

*كيف تقرأ الأصوات التي تتحدث عن إسرائيل كدولة إنسانية إذا ما قورنت بالاستبداد العربي وتحديداً النظام السوري؟

**أعتقد أن هذه الأصوات تنطلق من مفهوم صوري ذاتي، ومن تحليل غريزي أكثر منه فهم عقلاني للمسائل، المسألة لا تتعلق بأن أقارن بعض المظاهر في بلد ببعض المظاهر المشابهة في بلد آخر، يجب أن أرى كلية التكوين هنا وهناك لكي أحدد موقفاً، المشكلة أن المنطق الصوري الذي يحكم العديد من النخب، يجعل المسألة وكأنها مسألة مقارنات انطلاقاً من مفهوم أبيض أسود، ودائماً المقارنات تتعلق بزاوية صغيرة هي التي تلمس هذا الشخص، أن نرى الحريات فقط فنقول أن إسرائيل أفضل من الدول العربية. المؤكد في خصوص الحريات الدولة الصهيونية أفضل، لكن ننسى أن الدولة الصهيونية قامت على احتلال وسيطرة ونهب وبالتالي هذا شيء غير إنساني وغير ديموقراطي وهو أيضاً مناهض للديمقراطية، كذلك ننسى التمييز الذي يجري بين اليهود الشرقيين واليهود الغربيين، وبالأحرى اليهود العرب والعرب ككل، كما أن الدولة الصهيونية قامت كمرتكز عسكري للسيطرة على المنطقة، في داخلها بعض الممارسات الديمقراطية نتيجة وجود اليهود الذين أتوا من أوربا بشكل أساسي، لكن هذا لا يغير أنها دولة قائمة كقاعدة عسكرية تريد الهيمنة على المنطقة وأنها تمارس القتل والإرهاب ضد الشعب الفلسطيني وضد العرب بشكل عام، وأن دورها الأساسي هو منع تقدم المنطقة العربية، فمن هذا المنظور أرى أن هناك عقول صغيرة تتناول هذا الموضوع تنطلق من انفعالات غريزية وعقل ضيق انفعالي وليس من فهم عقلاني للواقع بكليته، وهذه مشكلة لدى نخب كثيرة في سوريا والمنطقة العربية، وهذه للأسف أضرت الثورة السورية لأنها بدت وكأنها تريد أن تعتمد على إسرائيل، أو نكاية بالسلطة تريد التفاهم مع إسرائيل، وهذا العقل هو الذي أدى بنا لأن تكون المعارضة على هذه الشاكلة. فالمعارضة والنخب السورية بنت تصوراتها كشيء مناقض لما يقوله النظام وليس لما يمارس، بمعنى النظام يدعي القومية لكنه من أكثر النظم التي كرست القطرية وهذه النخب تنظر إلى الشعار ولا تنظر إلى الممارسة لذلك تصبح هي قطرية، وتدعو للوطنية السورية والدولة السورية وبأنه ليس لنا علاقة بقضايا العرب، والنتيجة أنها تصب في المسار الذي يكرسه النظام، فهي تروج ما يمارسه النظام عملياً بحجة أنها تناقض خطابه الإعلامي، لأنها النتاج الطبيعي لمنافسة النظام، أما عملياً فالنظام ليس ضد إسرائيل وحما جبهة الجولان لعقود طويلة وكانت أكثر منطقة مستقرة للحدود الصهيونية هي الجولان حتى أكثر من سيناء بعد اتفاق كامب ديفيد، النظام لم يكن قومياً على العكس لعب دور هيمنة إقليمي خرب خلاله المناطق المحيطة، النظام لم يكن ضد أميركا كما يشاع، لكن كانت الالتباسات في العلاقة هي التي تظهر هذه المسافة بينه وبين أميركا، بالتالي خطاب المعارضة هو التعبير العملي عن سياسة النظام بهذا المجال، كل هذه المسائل من قطرية لعدم معاداة النظام الصهيوني للقرب من أميركا والميل للبرلة النظام قام بفرضه واقعياً، والمعارضة لحقته إعلامياً.

*ماهي أبرز تأثيرات الربيع العربي على الصراع الفلسطيني الإسرائيلي أو العربي الإسرائيلي؟

**هو أولاً صراع عربي صهيوني، لأن التقزيم الأساسي الذي تحقق أن يكون صراع فلسطيني صهيوني، فخسر الفلسطينيون وجرى تحقيق الهيمنة الصهيونية على النظم العربية، لأنه وبحجة الصراع الفلسطيني الصهيوني كل النظم العربية فتحت علاقات مباشرة أو غير مباشرة مع الدولة الصهيونية واعتبرت أنها ليست في صراع معها، بينما وجود الدولة الصهيونية هو وجود للهمينة على المنطقة ولمنع تقدم المنطقة ككل، هذا مبدأ أساسي يجب أن يكون واضحاً، ومن هذا المنظور هو خطر على المغربي كما هو خطر على الفلسطيني، الفارق أن الدولة الصهيونية قامت على أرض فلسطينية وبالتالي أصبح هناك تشريد عملي مباشر ملموس للشعب الفلسطيني لكن المغربي ربما لا يحس بذلك تماماً، لكن وجود الدولة الصهيونية هو لمنع تقدم كل المنطقة، فحينما حاولت أن تنهض مصر طورت الدولة الصهيونية الصراع معها، العراق حينما حاول أن يبني سلاح نووي لعبت الدولة الصهيونية دوراً بمنعه، بالتالي يجب أن ننظر للدولة الصهيونية كقاعدة عسكرية إمبريالية لمنع تطور المنطقة.
لذلك من المؤكد أن للثورات العربية أثر كبير على الصراع العربي الصهيوني، لأن المعادلة التي تكرست خلال العقود الماضية لخدمة الوجود الصهيوني والسيطرة الإمبريالية عبر تكريس النظم القائمة والنمط الاقتصادي المهيمن تبدو الآن مهددة، وتهديد هذه البنية التي تخدم الوجود الصهيوني والإمبريالية سينعكس سلباً على الدولة الصهيونية، لذلك أعتقد أن الدولة الصهيونية هي أكثر من يتلمس خطر الثورات العربية ومن يتلمس احتمالات تعرض المنطقة لتغيرات جذرية كبيرة تفرض على الدولة الصهيونية وضع مختلف، وهذا في المنظور الاستراتيجي الصهيوني يبدو واضحاً الآن، لهذا يطرح سؤال أنه إذا حدث ذلك كيف يمكن الدفع باتجاه زيادة ميزانية الأمن لكي نستطيع المواجهة، أو ما هو أثر ذلك على تحقيق اختلال كامل في ميزان القوى في المنطقة، وهذا جانب مهم وأساسي يجعل الدولة الصهيونية تفكر جدياً بالوضع إضافة إلى ذلك الأزمة الإمبريالية نفسها أي الأزمة الاقتصادية العالمية، كذلك وضع أمريكا الحالي الذي هو وضع انسحابي من المنطقة، كل ذلك يخلق عناصر ضعف للدولة الصهيونية، فإذا كانت الدولة الصهيونية ترى أنها بحاجة لدعم أعلى في المرحلة القادمة مع تحولات المنطقة العربية، فإن انسحاب أميركا يجعل الأمر صعباً عليها، لأن أميركا الآن أصبحت أولويتها هي آسيا والمحيط الهادي ولن تسطيع مواصلة الدفع المالي بشكل مباشر أو غير مباشر كما كانت تفعل في العقود الماضية حينما كانت المنطقة هي الأولوية الأمريكية، وهذا مهم حتى في إطار المؤسسات الأميركية، والتي لا تنطلق من حب إنساني لليهود بل تنطلق من المصلحة، فلأن للإمبريالية الأميركية مصلحة للسيطرة على المنطقة كانت تقدم من دون حساب للدولة الصهيونية، الآن حين لا ترى الإمبريالية الأميركية أن المنطقة هي أولوية سيختل الوضع في هذا المجال وهو إشكال سينعكس على وضع الدولة الصهيونية ، بمعنى من سيمول المرحلة القادمة والتي لا يستطيع الوضع الاقتصادي والاجتماعي القائم تمويلها. لأنها بحاجة لتسليح عالي أكبر من قدرتها وحجمها العسكري القائم، وهي أيضاً بنت مجتمع مدني بحاجة لتمويل أكبر من قدرة شعب طبيعي موجود في المنطقة، فهي بحاجة ماسة لدعم مالي مستمر، هنا مأزق إسرائيل إضافة لانسحاب أميركا الذي يعري ظهرها وهي تحاول الآن أن تقيم علاقة مع روسيا، وروسيا غير قادرة أن تعوض الدور الأميركي لأنها مالياً وعسكرياً غير قادرة، هذه عناصر تزيد من ارباك الدولة الصهيونية.
العنصر الأخير هو أن الأزمة الاقتصادية انعكست على الدولة الصهيونية ذاتها، وهناك أزمات اقتصادية بدأت تبدو وستشهد تفاقم، وربما ستشهد تفاقم للصراع الذي بدأ في صيفها عام 2011 خلال المظاهرات الكبيرة التي حدثت، لأنه أيضاً التكوين الطبقي للدولة الصهيونية ظهر وكأنه مشابه للدول العربية، أغلبية مفقرة وأكثرية تتحكم بالاقتصاد، كل هذه العناصر ستجعل التحولات العالمية الحالية تتفاقم والثورات العربية ربما تمتد إلى الدولة الصهيونية، بالتالي سيكون هناك أفق جديد للمرحلة القادمة، وهو ما يفرض علينا أن نعيد دراسة طبيعة الصراع وكيف نؤسس لمشروع صراع بديل في المرحلة القادمة.

*من وجهة نظرك ما هي أبرز أدوات الصراع البديل للمرحلة القادمة؟

**هي تتعلق بتطوير بنى النظم العربية فيما يتعلق بالمرحلة القادمة، لكن يجب أيضاً أن نستفيد من التفكك الذي يمكن أن يحدث في إسرائيل، ونطور صراع داخلي كالصراع بين اليهود العرب وغير العرب، والعرب بالمجمل والدولة الصهيونية، والاستفادة من إمكانات تفاقم الصراع الطبقي بداخل إسرائيل مع تغيير الواقع العربي بما يخدم الضغط من الخارج على الدولة الصهيونية، هذا يحتاج إلى رؤية أوسع في المرحلة القادمة، ولكن يجب أن يكون واضحاً أننا نطرح حلاً لمشكلة اليهود ولا ننطلق من مفهوم طائفي أو ديني أو قومي متعصب، بمعنى أننا نريد تدمير اليهود، فنحن إنما نريد فلسطين كجزء من المنطقة العربية ونريد إنهاء المشروع الصهيوني كمشروع إمبريالي يسعى للهيمنة على المنطقة، ولكن يجب أن لا نكون سبباً في دفع اليهود للتمسك بهذا المشروع الإمبريالي، وهناك إمكانات كبيرة في المرحلة القادمة، سواء نتيجة أن نموي الحس الطبقي الذي أعتقد أنه سيتطور في الفترة القادمة أو حتى أن نموي الحس القومي لدى اليهود العرب .

*بعد زيارتك لباريس تنوي العودة إلى القاهرة حيث تعيش حالياً، كيف ترى الأمور في مصر في ظل عودة حكم العسكر؟

**الثورة ستبقى مستمرة أيضاً في مصر، ما يجري هناك منذ ثورة 25 يناير هو أن الشعب يريد التغيير الحقيقي لتحقيق مطالبه، والشعب المصري كان أكثر من عبر عن مطالبه قبل الثورة، من خلال الاعتصامات في الميادين، وهي مطالب شاملة معظمها اقتصادي بالتالي الشعب يريد تحقيق هذه المطالب كحد أدنى للأجور مثلاً إلى الآن لم يتحقق، رغم أنه في زمن حسني مبارك فرضت المحكمة حد أدنى من الأجور قدره ألف ومائتي جنيه إلى أنه لم يطبق حتى الآن، بالإضافة لمعدلات البطالة العالية جداً وازديادها خلال الفترة الماضية بسبب غياب الحل ولا يبدو أن هناك حل في الأفق، كما تعاني البنية التحتية من انهيار بشكل مريب وانهيار التعليم والصحة والدولة المدينة الحديثة، كل هذه العناصر لم يتحقق منها شيء، ما ظهر أنه يحدث أن السلطة المسيطرة كانت تناور لامتصاص الأزمة ودفع الناس إلى الملل وبالتالي لتحقيق الاستقرار من جديد، دون تغيير حقيقي في بنية الاقتصاد، لهذا حاول المجلس العسكري في المرة الأولى أن يتحالف مع الإخوان المسلمين لكي يكسب جزء من القاعدة الشعبية كما كان يعتقد، ولكي يقول أن الثورة انتصرت لأنها أتت بالقوة التي عارضها حسني مبارك وبأنها وصلت إلى السلطة، لكنهم يعلمون أن الإخوان المسلمين لا يمتلكون حلاً اقتصادياً، وبأنهم يكرسون النمط الاقتصادي الذي بني في زمن حسني مبارك، وبأنه من السهل أن يعودو للموافقة على السياسة الخارجية التي رسمها حسني مبارك كالعلاقة مع اسرائيل رغم كل حديثهم عن إلغاء الاتفاق مع كامب ديفيد أو الصراع مع أميركا الذي كان يبدو شكلياً جداً، وهذا ما حدث فعلاً بعد أن أصبحوا في السلطة. فهم لم يغيروا شيء من السياسة الاقتصادية وتكيفوا مع السياسة الخارجية بكل سرور وطيبة خاطر، بالتالي بات واضحاً أن الشعب يريد تغيير السلطة الجديدة، الآن تناور قيادة الجيش من أجل تخويف الناس على أساس أن هناك قطاع من الشعب تعب وباعتبار أن الإخوان المسلمين أصبحوا منبوذين من الناس ما يعكس تحييد جهة اجتماعية عن الحراك، كذلك إعادة التخويف قد تجعل قطاعات أخرى أكبر تتخلى عن ميلها للتغير، وهذا ما يجري الآن، لهذا وجدنا أن آليات نظام حسني مبارك تعود وبشكل أكثر فضاضة أمن الدولة والشرطة بالإضافة للسيطرة على الإعلام، جملة هذه العناصر بدت تعود لكن هل سيؤدي ذلك إلى إنهاء الثورة؟ أنا أعتقد لا، لأن الناس تضررت ولن تعود دون تحقيق شيء ولأن الشباب الذي لم يكن له علاقة بالسياسة انخرط بشكل واسع في السياسة، وهو صاحب مطامح وطالب وأهداف، لذلك سنشهد في المرحلة القادمة تطور جديد للصراع، الآن تعود الاضرابات العمالية بشكل واسع، الحراك الطلابي كذلك يعود والذي يقال أنه حراك إخوان مسلمين وهو ليس كذلك، للإخوان دور محدود فيه، وبالمجمل الحراك بمعنى التظاهر هادئ قليلاً في المجتمع الآن، لأن بعض القطاعات الشعبية تراهن على السيسي، على أمل أن يحل لها مشاكلها، ولكن حين يصل السيسي ويمكث في السلطة شهرين أو ستة أو سنة دون أن يحل أي مشكلة سيحدث معه كما حدث مع الإخوان المسلمين، فكما توهمت بعض القطاعات الشعبية بأن الإخوان المسلمين سيحلون مشاكلهم إلى أن انقلب الأمر وبسرعة، الآن سيحدث نفس الشيء ونحن على أبواب ثورة ثالثة في مصر.

المصدر: الحوار المتمدن

قانون ضبط التظاهر يعيد الحراك الاجتماعي لشوارع مصر

حال صدور القانون الخاص بمسألة حركات الاحتجاج بدأ الاحتجاج عليه، حيث نزل الشباب إلى الشوارع اعتراضاً لأنه يضبط حركات الاحتجاج، ويقيد كل إمكانية جدية للاحتجاج أو الإضراب أو الاعتصام. وهو شبيه بالقانون الذي أصدره محمد مرسي، ربما إلى حدّ التطابق. ما حاجة السلطة الجديدة لقانون كهذا، رغم اعتراض العديد من الأحزاب، ومن الشباب الذين شاركوا في لجنة «الخمسين» الخاصة بكتابة الدستور، قبل إقراره وصدوره؟

قبل أيام كانت ذكرى المواجهة في شارع محمد محمود حيث قتل النظام حينها العديد من الشباب المحتج، وحينها وقفت حركة الإخوان المسلمين مع العسكر ضد الشعب. ولا شك في أن الاحتجاج الذي حدث قد شكّل فاصلاً بين مرحلة الاحتجاج الإخواني على عزل مرسي، وهو الاحتجاج الذي كان يخفت خلال الأسابيع السابقة، ومرحلة جديدة تتمثل في عودة الحراك المجتمعي، رغم أن العديد من الإضرابات قد حصلت خلال الفترة الماضية، ولازالت تحصل. وهي تحدث في مصانع وأماكن احتجت ضد مبارك، وضد المجلس العسكري، وأيضاً ضد مرسي، بالضبط لأن مطالبها لم تتحقق.

وبالتالي يمكن أن نلاحظ بأن المرحلة القادمة سوف تشهد تحولاً في طبيعة الاحتجاج، وانتقاله من طابعه الإخواني إلى طابعه الشعبي، أي ذلك الذي قام بثورة 25 يناير، والذي استمر بتفاوت بعد ذلك.

ومن الواضح أن إصدار القانون الخاص بالتظاهر جاء لكي يقطع الطريق على هذا التحوّل الشعبي لحركة الاحتجاج، ومن أجل «ضبط» الوضع لتحقيق «الاستقرار». وهذا الأخير بات مطلب العديد من قطاعات الشعب من الفئات الوسطى، التي يبدو أنها «تعبت»، وباتت تريد «الاستقرار»، حتى في شكل «سلطة قوية». لكن المشكلة تتمثل في أن هؤلاء ليسوا هم من صنع ثورة 25 يناير، ولا حتى ثورة 30 يونيو، وهم غير قادرين على التأثير في الحراك، الذي يبدو أنه أصلاً من فعل الشباب.

ومن الواضح كذلك بأن السلطة الجديدة تميل للضبط ولا تميل لتحقيق مطالب الطبقات الشعبية. وهي تميل للضبط لأنها تعرف بأن حركة الاحتجاج ستستمر نتيجة أوضاع الطبقات الشعبية، ولا يبدو أن لديها حل يحقق المطالب التي كانت أصلاً في أساس ثورة 25 يناير، أي العيش والحرية والعدالة الاجتماعية، والتي كانت تتحدد في الحدّ الأدنى للأجور، وإعادة الأرض للفلاحين (الأرض التي استرجعت منهم بقرار صدر سنة 1997، وأعيدت للإقطاعيين القدامى)، وحل مشكلة البطالة. والتي على هامشها طرحت عشرات المطالب المناطقية و»الفئوية». إضافة إلى مطلب الدولة المدنية وانتصار الحرية، وحق التظاهر والإضراب وتشكيل الأحزاب وحرية الصحافة. وهي كلها مطالب طرحت قبل 25 يناير، وتكررت طيلة الـ 18 يوم التي مثلتها الثورة في 25 يناير. وكل من يستعيد اليافطات التي رفعت أو الشعارات التي ترددت سوف يجدها تتمحور حول هذه المطالب.

وإذا كانت صور جمال عبدالناصر قد ملأت الشوارع في 30 يونيو إلى 3 يوليو، لكي توحي بأن ما يجري هو استمرار لذلك القائد الكبير، فقد ظهر بأن الهدف هو استعادة الجيش لكي يلعب الدور المحوري في الثورة، وربما تحضيراً لـ «بكباشي» جديد. بينما جرى تجاهل السبب الحقيقي الذي جعل جمال عبد الناصر يحظى بكل ذاك التقدير، وأن يحقق كل تلك الشعبية دون انتخابات ولا برلمانات. فمصر في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية كانت تغلي بالصراع الطبقي، وبالحراك الاجتماعي. وكان واضحاً بأن الأمور تسير نحو الانفجار نتيجة الوضع السيء الذي يعيشه الشعب (والريف خصوصاً، الذي كان يمثل ما يقرب الـ 90 بالمئة من السكان).

ولهذا طرحت الثورة حينها «المبادئ الست»، لكن الأمر لم يبق عاماً بل أن القرار الأول كان تحقيق الإصلاح الزراعي بعد أقل من شهرين من عمر الثورة (وهذا القرار وما تبعه هو الذي حوّل الانقلاب إلى ثورة)، ومن ثم إقرار التعليم المجاني، وتأميم قناة السويس وبناء السد العالي، ثم التصنيع. وعبر ذلك جرى تحقيق مطالب الفلاحين بالحصول على الأرض، ومطالب الفلاحين والفئات الفقيرة في المدينة بالتعليم المجاني، ثم تجاوز البطالة عبر التوظيف في القطاعات الاقتصادية الجديدة وفي الدولة. هذا الأمر وحده هو الذي حقق الاستقرار وفرض نشوء «دولة قوية» (أو سلطة قوية، دكتاتورية)، حيث بات لها قاعدة اجتماعية واسعة.

الآن، ثورة يناير أوضحت المطالب دون لبس، وهي تلك التي أشرت إليها للتو، وهي مطالب ناضل العمال والفلاحون والفئات الوسطى سنوات قبل الثورة من أجل تحقيقها، وبالتالي باتت راسخة في الوعي، وأيضاً بات من غير الممكن توقّف الحراك من أجل تحقيقها بعد أن باتت الطبقات الشعبية المفقرة عاجزة عن الاستمرار في الوضع الذي تعيشه، وبعد أن كسر حاجز الخوف. ولم يظهر طيلة حكم المجلس العسكري أو الإخوان أي ميل لتحقيق كل هذه المطالب، لهذا شهدنا ثورة 30 يونيو.

كل هؤلاء قالوا بأن الاقتصاد لا يحتمل تحقيق كل تلك المطالب «الفئوية»، لكن الاقتصاد القائم هو الذي أوصل الشعب إلى الوضع المزري الذي هو فيه، وبالتالي لا بد من تغيير الاقتصاد.

هذا الأمر هو الذي يجعل إقرار قانون التظاهر أكثر أهمية من تنفيذ الحد الأدنى للأجور، ومن البحث عن حل حقيقي للبطالة، وللبنية التحتية المنهارة (السكك الحديدية مثلاً)، وللتعليم والصحة.

فالسلطة ليست لديها نية لتغيير الاقتصاد، وتعمل على الحفاظ على الوضع المختلّ بين أغلبية مفقرة وأقلية تتحكم بمجمل الاقتصاد. وهي من هذا المنظور تنظر للمشكلات، ولأن هذا الوضع هو الذي أنتجها فليس من حلّ من داخلها. بالتالي ليس غير العودة إلى «الضبط»، والمماطلة من أجل إنهاك الشعب، لكي يستسلم لـ «قدره».

لكن لم يعد الشعب قادراً على الاستسلام لقدره، ربما بعض الفئات الوسطى التي تنظر إلى شكل السلطة، خصوصاً فيما يتعلق بالحرية والديمقراطية، يمكن لها أن «تستسلم» فتعود إلى طلب الهدوء والاستقرار، بينما المفقرون ليس لديهم ترف الاستسلام والسكينة من جديد بعد أن كسر حاجز الخوف.

لهذا سنشهد عودة الحراك الشعبي رغم كل الاتهامات التي تلقى وستلقى عليه بأنه إخواني أو يخدم الإخوان.

باختصار، من يريد الاستقرار عليه تحقيق مطالب الشعب، هذا هو ملخص الأمر. وما هو واضح تماماً هو أن الشعب سيبقى متمرداً إلى أن يحقق مطالبه.

المصدر: العرب

عن ثورة مصر وسورية

عن ثورة مصر وسورية: لقاء مع المفكر الفلسطيني السوري سلامه كيله/ حوار فادي سعد – صحفي سوري

بالقرب من ميدان طلعت حرب المتفرع من ميدان التحرير حيث كان مقرراً للثورة ان تقع في الامس، التقيت الاستاذ سلامه، جلسنا في مقهى ريش، حيث تلتقي أغلبية النخبة الثقافية المصرية، وحيث مرّ نجيب محفوظ وأمل دنقل وصلاح جاهين ورعيل كامل من المثقفين والسياسيين المصريين …

وكما في مقهى ريش، كانت ثورة مصر تنبض في كل مكان ولحظة، محور كل حديث بقربنا او بعيداً الى شوارع القاهرة ومدن مصر والعالم، ثورة مصر التي تتجدّد للمرة الثانية خلال ما يقرب من ثلاثة اعوام فتسقط زعيمين وتخلط اوراق الداخل والخارج في مصر والعالم العربي وتعيد فتح ملف الثورات العربية التي راهن البعض على أنها ستدفن في سورية، سورية التي وجهت ثورتها بتدمير شامل على صعد شتى مازال ينزف منه ملايين السوريين ….

والاستاذ سلامه كيله مفكر ماركسي فلسطيني معروف نفي من بلده الثاني سورية حيث كان يعيش بعد إطلاق سراحه إثر اعتقال استمر اسابيع طويله في سجون النظام السوري الرهيبة، وحيث تعرّض للتعذيب  النفسي والجسدي  ….

عن ثورة مصر الثانية وعن ثورة سورية كان هذا الحديث .

السؤال الاول: استاذ سلامه كيله، ماذا يجري في مصر ؟ هل هو ثورة ؟ ام هو استكمال للثورة؟ ام انقلاب ؟

الجواب: من المؤكد أنه قد بدأ هذا النقاس الان، وهو مبنى على سوء فهم للواقع نفسه، سوء فهم لما جرى منذ 25 يناير، سوء فهم لمعنى الثورة وللواقع الموجود، لانه من الواضح انه يوجد احتقان اجتماعي، المشكلات الاجتماعية لم تحل في زمن العسكر وفي زمن مرسي، الشعب لم يعد يحتمل استمرار الوضع الذي هو فيه، ولأنه لم يعد يحتمل ذلك، ثار الشعب المصري على مبارك الذي كان يعتبر جبار، من اجل ان يأتي بسلطة تحل مشكلات الناس، البطالة والفقر، الصحة والتعليم المنهار، والبنية التحتية المنهارة، ومن ثم تأسيس الدولة المدنية الديمقراطية  العلمانية، هذا الوضع هو الذي كان يؤشر الى ان انفجاراً سيحدث، بغضّ النظر عن  المسار السياسي الذي أسّس لانتخابات هي شكلية ولدستور استبدادي، بالتالي لم يغير في تكوين  السلطة القديمة إلا انه ادخل الدين كعبا ضد الناس، عبر سيطرة الاخوان المسلمين، بهذا المنظور ما حدث هو ثورة، الان لماذ حسمت عبر الجيش ؟  للأسف كل من يسألون هذا السؤال لا يشيرون الى السبب، وهو ان الشعب لا يملك القوة السياسية التي تضع استراتيجية واضحة للتغيير، لأن التغيير لا يتحقّق الا بوجود قوى سياسية ووعي سياسي واستراتيجية تفضي الى استلام الشعب السلطة، لهذا لا إمكانية إلا لتدخل طرف ثالث هذا الطرف هو الجيش لانه الطرف الاقوى، وبالتالي يحاول الجيش كما فعل زمن مبارك لكي يحافظ على السلطة عبرابعاد الرئيس، الآن يفعل نفس الشيء، وبالتالي الذي يجب ان يبحث بشكل جدي هو لماذا هذا الغياب للقوى الحقيقية التي تعبر عن مصالح الناس، والتي تضع رؤى استراتيجية واضحة لكيفية التغيير، لايصال الثورات الى منتهاها الحقيقي، والذي هو اسقاط الطبقة المسيطرة وليس فقط الرئيس، وتاسيس نمط اقتصادي مختلف يخدم الطبقات الشعبية،

سؤال : حجّة الذين  لهم اعتراض على تسمية ماحصل في مصر على انه ثورة، هو ان مرسي وصل الى الحكم بطريق شرعي عبر الانتخابات، باعتقادك استاذ سلامه، أيها الأصل والأقوى؟  شرعية الانتخابات ام شرعية الشارع ؟ اليست الجماهير التي انتخبت مرسي هي من ارتأت النزول الى الشارع لتسقطه ؟

جواب: اولاً شرعية الشارع هي الاساس، في زمن الثورات الشارع هو الذي  يقرّر وهو الشرعي وليس اي سلطة، المسالة الاخرى : ايضاً حسني مبارك كان منتخب من الشعب وكان يحكم بالدستور، لماذا اعتبرنا ان اسقاط مبارك طبيعي رغم ان شكل الاسقاط ذاته  ؟ والآن نتحجّج بالشرعية، الاخوان المسلمين نجحوا بنسبة 12 بالمئة من الشعب الذي يحق له الانتخاب، والآن يسقط بنسبة تتجاوز ال 60 بالمئة من الشعب الذي نزل الى الشوارع، من هذا المنظور اجد ان الميل الليبرالي يتحكم بعقول الكثير من الاشخاص الذين باتوا يرفضون الثورات، والذين يعتبرون الثورات عمل خاطئ، والذين صاروا يعبدون صندوق الانتخابات رغم ان الديمقراطية ليست صندوق الانتخاب فقط، الديمقراطية هي بنية كاملة، صندوق الانتخاب هو نتيجة جزئية فيها، والانتخابات في بلادنا لا زالت تزوّر، لا زالت تخضع لسيطرة النظام نفسه لازالت تخضع لتأثيرات عدة، وبالتالي ليست هي المعبّر الحقيقي عن الديمقراطية .

سؤال: برأيك استاذ سلامه كيله هل سيكون للجيش دور سياسي في المستقبل ؟

جواب: انا لا اعتقد ان الجيش سيكون له دور، الجيش يحكم فعلاً وهو الذي يمسك الامور على الارض، كان في زمن( …؟)  وكان في زمن مرسي وسيكون في المرحلة القادمة مادامت الثورة لم تغير الطبقة المسيطرة، الجيش بنية تشكلت لخدمة الطبقة الرأسمالية المسيطرة، التي تنهب وتحتكر الاقتصاد، والتي كان حسني مبارك واجهة لها رغم كل جبروته، وكانوا الاخوان المسلمين ايضاً واجهة لها، بالتالي سيأتي الجيش بأشخاص آخرين وسيعمل على المناورة أكثر، ل( تنفيس ؟) الثورة دون الوصول الى حل حقيقي للمشكلات القائمة، من أجل الحفاظ على البنية القديمة وإعادة انتاجها، بما يجعلها تستقر، وتفشل الخيار الشعبي .

سؤال: انتقالاً الى الوضع السوري العديد من مثقفي الثورة ومثقفي الاخوان تحفظوا على مايجري في مصر، والبعض يعتبره انقلاب عسكري، برأيك ما يجري في مصر هل يمكن ان يؤثر على مسار المعارضة السورية او على مصير الاخوان السوريين في المستقبل ؟

الجواب: اولاً هناك نظرة سطحية تحكم النظر السياسي لدى اليسار وبقية القوى الاخرى ينطلق من ان هناك موقف معين  من قوى معينة تحدد باقي المواقف انطلاقاً منها، الآن يصبح في سورية الصراع ضد النظام السوري هو الصراع الاساسي، من هذا المنظور يصبح الاخوان المسلمين (المصريين) حلفاء  لدى هؤلاء، وبالتالي محمد مرسي قطع العلاقات الدبلوماسية مع النظام السوري  وبالتالي هو يدعم موقف الثورة، من هذا المنظور يفتعلون الحجج للقول ان إسقاطه خاطئ، سواء تكلموا عن الديمقراطية والانتخابات او تكلموا بأي شكل من الأشكال الاخرى ، هذا الاشكال له علاقة بالوعي والمنهج،  وبالتالي هو الذي اتى بالمعارضة السورية الى هذا المصير المأساوي لا يجب ان ننظر سطحياً الى المسألة، اعتقد ان انهيار المشروع الاسلامي في مصر انهيار لكل المشروع الاسلامي في المنطقة، هذا الامر مهم جداً لسورية لأن الاخوان المسلمين لعبوا دوراً تخريبباً تدميرياً في الثورة السورية، وهم مسؤولون عن الدم والتدمير الذي حدث، شاركوا النظام نتيجة جملة سياسات: اولاً دعوا للتدخل الخارجي وبخطاب طائفي جعل الفئات الخائفة والمترددة تتردّد بالانضمام الى الثورة، فأخّر كثيراً الانضمام للثورة، قطاع كبير من المجتمع وهذا ما اعطى فرصة حقيقية للنظام كي يحكم سيطرته، ومن ثم صاروا يعملون بطريقة التسليح السريع لدفع النظام كي يزيد من تدميره وقتله، لكي يفرضوا تدخل خارجي حينما اكتشفوا ان العالم الخارجي لا يميل للتدخل، من هذا المنظور فهم الآن عقبة وعائق ولهذا نجد ان الشعب السوري قد بدأ يتحرك ضدهم وبدأ يشعر انهم يعملون لمخطط خاص بهم وليس متعلق بالثورة ايضا اعتقد ان الاخوان المسلمون في سورية انتهوا من اللحظة التي وافق فيها امريكا على الحل الروسي وتوافق مع الروس على حل سياسي، وهذا ما ظهر في الصراع في اطار الائتلاف السوري، والذي يظهر اليوم او غدا نتائج الانتخابات، كان واضحاً الميل لإبعاد الاخوان المسلمين عن الهيمنة على المعارضة الخارجية وتهميش دورهم الواقعي،  الان ما يجري في مصر سيعزّز هذا الاتجاه كثيراً وسيدفع باتجاه انهاء الدور التخريبي

سؤال: صحيح ان الاخوان سقطوا من السلطة لكن عدد من وسائل الاعلام المصرية في اليوم الاول لسقوط مرسي مارست ما يشبه نوع من التهدئة والتوجيه الاجتماعي باتجاه احتواء الاخوان والقبول بهم،  السؤال استاذ سلامه كيله: برأيك هل سيستمر الاخوان المسلمون كقوة سياسية في مصر ؟ ومن ناحية ثانية، في حال لم يتم حل الازمة الاقتصادية للفقراء للشعب المصري عموماً، هل يعاود الاخوان المسلمون صعودهم السياسي في مصر ويشكلوا جزء من المعارضة المصرية   ؟

جواب: اعتقد من حيث المبدأ انه انتهى دور الاخوان السياسي، خروجهم من السلطة يعني نهايتهم، هذا لا يعني انه مطلوب الحجر عليهم، طبعاً هذا يعتمد على طبيعة ردود افعالهم وتصرفاتهم، وما يمكن ان تؤدي إليه، فهم في بعض الاماكن يمارسون عنف، فبالتالي يمكن ان يتفاقم الامر، لكن من حيث المبدأ ليس خطأ التركيز انه ليس المطلوب تحريمهم ومنعهم كقوة سياسية، فقط المطلوب الان أن يحتوي الدستور ما يؤكد على منع تأسيس الاحزاب القائمة على اساس ديني، لكن اعتقد ان ما جرى انهى الوهم الذي رسم حول الاخوان المسلمين، بالتالي ينهي البيئة الاجتماعية التي كانوا يعتمدون عليها، وسيجعل قطاعات كبيرة منهم تترك الاخوان الآن، خصوصاً أن الصراع في مصر لم يأخذ فقط طابع اقتصادي إنما اخذت طابع مواجهة أصولية دينية تهيمن، وبالتالي سيكون هناك تحرر واسع في المرحلة القادمة على الصعيد الاجتماعي، على صعد العلاقات الاجتماعية التحرر العام، هذا سيهمش دور الاخوان المسلمين ويجعل قواهم معزولة ، مشروعهم السياسي انتهى وتبيّن انه غلط، واضح انه لا يختلف عن مشروع حسني مبارك والقوى الاخرى، مشروعهم الليبرالي ايضاً لا يختلف، فقط حاولوا ان يفرضوا على المجتمع قيم قروسطية قديمة، هذه القيم ترفض الان رفض كامل،  وسيندفع المجتمع لحالة تحرر جديدة لن تبقي للأخوان المسلمين سوى حيز ضئيل

سؤال: لنتحدث استاذ سلامة عن الحالة الاجتماعية في مصر، برأيك ما هو وضع الطبقات واصطفافها في مصر ؟ ماهو وضع الفقراء ؟ في الثورة هل كان هناك تحالف بين الفقراء والطبقة الاقتصادية الغنية المتضررة من الاخوان المسلمين ؟

جواب: لا يوجد تحالف لان التحالف يعني وجود احزاب ووعي سياسي، هذا غير موجود، لكن يوجد فئات شعبية مفقرة، نسبة البطالة عالية جداً في مصر ونسبة الفقر عالية جدا هناك 80 بالمئة من الشعب المصري يعانون من فقر شديد، بالتالي هناك وضع صعب جداً في المدينة والريف، هذا الوضع هو الذي يحرك الفئات الفقيرة، هناك فئات وسطى وتضررت هناك فئات وسطى تريد الحرية والديمقراطية بالمعنى السياسي، هناك بعض رجال الاعمال وهم محدودون وقفوا ضد حكم الاخوان ويريدون التغيير لمصلحتهم، كذلك رجال اعمال من زمن مبارك يريدون ان يسقطوا الاخوان، لكن القطاع الاساسي الذي يقود الصراع وملأ الشوارع هو الشعب الفقير، حتى الطبقة الوسطى التي شاركت في التظاهرات هي من الفئة المفقرة، نتحدث عن عمال وفلاحين، هؤلاء من يقود الصراع لكن للأسف لا يوجد تعبير سياسي عنهم، يضمن حل اقتصادي لمشاكلهم وحل سياسي للنظام السياسي، هذه هي المشكلة القائمة الآن، التي تجعل الجيش يكون في مركز الثقل

سؤال عن بنية الثورة المصرية: من هي حركة تمرد التي حشدت هذه الملايين  والتي كانت هيكل الثورة العظمي ؟ من هم بنية الثورة  هل هم الطلاب والموظفين ام الفلاحين والمهمشين ؟ من ناحية ثانية  بدت ثورة مصر متباينة في الايام الثلاثة التي استمر فيها الحشد بين 30 حزيران و3 تموز، ففي العاصمة ولاسيما في ميدان التحرير بدى الحراك سلمياً بل وراقياً، لكنه في الاطراف خصوصاً في الريف جرت صدامات وسمعنا عن جرحى وقتلى، ما تفسير ذلك برأيك ؟

“تمرد” ليست حزب، صعب ان نحدد ماهيتها، لكنها مجموعة شباب جمعت توقيعات تتعلق بتنحية الرئيس، لا يوجد إمكانية لتوصيفها من المنظور الاجتماعي، لكن الناس التي نزلت الشارع هم من العمال والفلاحين والفقراء والمثقفين الفئة الوسطى، هؤلاء من ملأوا الشوارع، بالتالي هذا هو الطابع الاساسي للثورة، فئات شعبية تحاول ان تغير النظام

بالنسبة للشكل فهو مختلف عمى جرى في الايام الاولى للثورة ضد حسني مبارك ، كانت بنية الدولة  مهيئة للدفاع عن النظام السياسي بشكل كامل ولهذا لجات الى اعلنف ولكن ضخامة الحراك الشعبي حينها كسرت الامن المركزي الذي كان هو القوة الاساسية في القمع، وبالتالي جعلت قيادات الجيش تتشكّك في إمكانيتها ان تخوض صراع ضد الشعب، وقفت بحياد بين قوسين لكن مع منع الثورة من الاستيلاء على مؤسسات الدولة، بالتالي اوقفتها عن حد ان تبقى حالة احتجاج،  اصبحت كما رأيتها الان احتجاج في الميادبن دون ضغط الامن المركزي الجيش عمل على الحفاظ على الامن، الان كان واضح ان الحراك يمكن ان يكون هائل وبالتالي كان قرار الجيش منذ البداية ان لا يجري الاصطدام مع الناس خصوصا ان الجيش لم يكن مرتاحا لحكم الاخوان المسلمين، فمحمد مرسي والاخوان ارتكبوا حماقة ربما كانت طبيعية بالنسبة لهم، وهي انهم عملوا على الهيمنة على الدولة، كان ذلك يعني الاصطدام ايضاً مع بيروقراطية الدولة التي لها مصالح حقيقية لهذا لم تكن في وارد الدفاع الحقيقي عن مرسي  خصوصاً انها وجدت ان الشارع ملتهب وان الاعداد التي نزلت هائلة، طبعا ربما لو نزلت اعداد قليلة الى الشارع  لكانت قيادة الجيش اتخذت موقفاً آخرن لكن ضخامة الاعداد حددت ان هذا الجيش غير قادر على مواجهة الشعب لأنه يمكن ان يقوم بخطوة ابعاد مرسي، هذا الوضع جعل الحراك بلا عنف “جينتلماني” بلا عنف في المدن حيث سيطرت الملايين على الميادين وفي الارياف  الوضع مختلف لن الاخوان المسلمين كانوا يعتقدون أن سيطرتهم هي اساساً على الريف، ومعظم الذين حشدوا من الاخوان المسلمين في القاهرة أوتي بهم من الريف، هذا الوضع جعل الريف أكثر حساسية في الصراع، خصوصاً لأن الريف يدخل لأول مرة في الصراع، ففي الثورة ضد حسني مبارك لم يدخل الريف في الصراع، بقي الريف خارج إطار الثورة التي سيطرت على المدن الرئيسية، كان هناك بعض التحركات المحدودة في الايام الاخيرة للثورة في بعض القرى كقطع الطرق مثلاً لكن لم تصل الورة إلى عمق الريف، الان تصل الثورة إلى عمق الريف، لهذا يصبح الاشتباك في الريف أعنف.

سؤال: كلامك ايتاذ سلامة يدفعنا الى مقاربته بالوضع السوري، برأيك أن توازن القوى بين الجيش والحراك الشعبي هو الذي يحدّد طريقة تعامل الجيش مع الحراك، في سورية الاجهزة الامنية والجيش مصممان بشكل كامل من اجل الحفاظ على النظام، وكان لديها الشعور دائماً بقدرتها على السيطرة على الشارع، هذه الفكرة (توازن القوى) هي الاساس لمواجهة الجيش النظام السوري للثورة السورية في بدايتها  ؟

جواب: وضع الجيش في سورية محتلف عن وضع الجيش في مصر، في مصر  الجيش مؤسسة لها بنيتها المتماسكة الى حد ما، رغم خضوعها للقاعدة الاعلى، لكن لديها قدر من المرونة ان تستقل عنه، في سورية بني الجيش منذ زمن حافظ الاسد انطلاقاً من فكرة بسيطة هي: كيف لا يقوم هذا الجيش بانقلاب بعد حافظ الاسد. لهذا بنى الاسد بنية سياسية تعتمد على الامن وليس على الجيش، وعلى تعددية الاجهزة الامنية التي يراقب كل منها الآخر، وكلهم يقمع الشعب، وفي المستوى الآخر الهيمنة الامنية على الجيش، وبالتالي أصبح المسؤول الامني في أي فرقة عسكرية أهم من قائد الفرقة العسكرية، وهذا ما جعل الجيش ليس جيشاً منظماً وليس جيشاً قتالياً لأنه أخضع حتى اللواء مسؤول الفرقة مثلاً لأبسط عنصر أمن في الفرقة، هذا الوضع لم يسمح للجيش ان يلعب دور مستقل عن الآمن وأصبح خاضع لبنية السلطة،

ما جرى في سورية هو أن الثورة أدت الى احتقان اجتماعي داخل الجيش فبدأت الانشقاقات الفردية وتوسعت، لهذا لجأ النظام منذ سنة الى وضع الجيش في معسكرات مغلقة دون إجازات لكي يمنع إمكانية الانشقاقات، وهذا ما جعل النظام يعتمد على قوى اساسية صلبة محددة.

الآن أمام وضع الثورة يمكن أن تتفكك هذه البنية الصلبة لأنها تعرضت لضربات حقيقية أدت الى قتلى بأعداد كبيرة وهذا ما دفع أصلاً لإدخال حزب الله وايران في هذه الحركة لمصلحة النظام، وضع الجيش لم يكن يسمح بالتالي أن يحدث في سورية ما يحدث في مصر منذ اللحظة الاولى، النقطة الاخرى النظام قرر منذ البداية ممارسة العنف الشديد لكي يمنع حالات امتلاك الميادين وبالتالي جعل تطور الثورة بطيء ومحدود، وتوسّع على مدى سنة، هذا عنصر جعل هذه البنية الصلبة في النظام قادرة على مسك الوضع بطريقة لا تفلت منها،

تعقيب: هذا يعني انه لامجال للمقارنة بين الحالتين السورية والمصرية لا من حيث بنية النظامين ولا من حيث الحراك الثوري …

جواب: لا طبعاً، هناك شكلين مختلفين رغم ان الاساس واحد، لكن هناك اختلاف، من حيث ان مصر تعاني من انهيار اقتصادي اجتماعي  كبير قديم، الشعب مارس خلاله كل اشكال الاحتجاج قبل الثورة،وبالتالي كان مهيّأ في لحظة معينة ان يتجاوب لدعوة على الانترنت للثورة، في سورية اللبرلة انتصرت متأخرة تقريباً سنة 2007 والانهيار الاقتصادي الاجتماعي بدأ بشكل سريع بعد 2007 ، لكن هذا الزمن لم يكن كافياً ليكسر حاجز الخوف عند الناس، هذا فارق مهم، إضافة لأنه -كما اشرت- وضع الجيش وبنية السلطة مختلفان،

تعقيب: إضافة للتركيبة الاجتماعية والمشكلة الطائفية في سورية

جواب: ربما ليس مهماً لو كان الوضع الاجتماعي تفاقم بشكل اعلى، فمثلاً انا كنت في لحظة اتوقع ان الذي  يقوم بالثورة هي العشوائيات المحيطة بدمشق وجزء اساسي منها علويون وهم مفقرون حقيقة، ولكن للأسف آليات النظام وخطابه الاعلامي والمعارضة الخارجية التي ساعدت النظام على إظهار الثورة على انها اسلامية أخوانية سنية آتية كي تنتقم من العلويين، السعودية ودورها فيإبراز العرعور وتعميم الخطاب الطائفي، أيضاً قطر وقناة الجزيرة كلها كانت تلعب دور في خدمة النظام، لإبقاء الفئات المفقرة العلوية خائفة من التغيير، بدل ان تكون هي جزء أساسي منه، هذه مشكلة ولهذا قلت قبل قليل أن الأخوان المسلمين يتحملون مسؤولية كبرى إضافة للقوى الاقليمية التي أصلاً لا تريد للثورة السورية أن تنتصر،

سؤال: استاذ سلامة كيلة برأيك هل كن لثورة 25 يناير في مصر أثر حاسم في انطلاق الثورة السورية، رغم أن الظرف الاقتصادي الاجتماعي في سورية لم يكن وصل الى مستوى من النضج يؤهله لتفجير ثورة ؟

الجواب: بالتأكيد ن الظرف الاقتصادي كلن ناضج لكن الاحتقان الاجتماعي لم يكن قد وصل الى لحظة كسر حاجز الخوف من سلطة كانت استبداديتها واضحة، في مصر كانت استبدادية السلطة قد تراجعت شكلاً، منذ نهاية عهد السادات حيث بدى هناك – بين قوسين- ديمقراطية، وبالتالي احزاب تشتم ليلاً نهاراً الرئيس والحكومة، اصبح هناك امكانية لإضرابات وحركات احتجاج، في سورية لم يكن كل ذلك قائماً أصلاً، حدث انهيار اقتصادي سريع، دون ان يعبّر الشعب عن أزمته، النظام كان مازال مستبد من آثار الاعتقال الطويل للمعارضة، آثار مجزرة حماه، كانت بعدها في ذهن الشعب،  لهذا كان الشعب بحاجة لوقت اطول كي ينفجر بشكل طبيعي . الآن اتت مسألة الثورات العربية تونس ومصر لكي تدفع قطاع من الشباب للتحرك، وكي تعطي الجرأة لقطاعات من الشعب للتعبير عن نفسها كما جرى في الفحامة  ودرعا

ماكسر حاجز الخوف هو رصاص السلطة، طبعاً بعكس ما ارادت، هذا من زاوية/ لكن خدم السلطة من زاوية أخرى بحيث جعل اي تحرك في المناطق الاخرى يحتاج الى جرأة اعلى كي ينفجر ولهذا كنا نلاحظ ان توسع الحراك في المناطق كان يعتمد على استشهاد اشخاص، هذا الاستشهاد هو الذي كان يكسر حاجز الخوف، اما دون استشهاد كان يبقى الحراك بسيطاً

سؤال: يرأيك ان ثورة مصر الآن ونحن نعيش ساعاتها الاولى يمكن ان يكون لها ارتدادات في تونس او في سورية او ليبيا إن كان من حيث التأثير على حركة الاخوان المسلمين او من حيث إعطاء الحراك الشعبي دفعة جديدة ؟

جواب: بالتأكيد ستؤثر على كل المنطقة، اولاً الاسلاميين انتهى دورهم كما اشرت وبالتالي الآن يجب ان تنتقل المسألة الى تونس ايضاً السودان يجب ان ينتهي البشير، الاسلاميين في سورية سيهمشون في الفترة القادمة، لك نالاهم كما اعتقد هو ان القوى الاقليمية السعودية قطر القوى الامبريالية ايضاً حاولت ان تجعل الثورة السورية هي نهاية الثورات العربية، لهذا دفعت باتجاه تصعيد العنف السلطوي ضد الشعب وتحويل الصراع الى مسلح وكأننا في حرب جماعات مسلحة، وإعطاؤه شكل طائفي، من اجل تخريب الثورة وتدميرها، ومن ضمن ذلك ارسال جبهة النصرة بالتوافق مع النظام لكي تحوّل الصراع الى شكل آخر وتخربه.

الآن تبيّن انه لا يمكن إيقاف الثورات في المنطقة العربية فالثورة في مصر أعادت فتح الطريق بشكل طبيعي للثورات في المنطقة  العربية، بالتالي نحن امام لحظة يعاد فيها فتح آفاق الثورات بعد ان وقفت امام ابواب دمشق نتيجة كل هذا التكالب الدولي والاقليمي والمعارضاتي في سورية لتخريب الثورة .

القاهرة

3 تموز 2013

فادي سعد – صحفي سوري

المصدر: صفحات سورية

حوار مع سلامة كيلة: مصر وسوريا واليسار

عن أحداث مصر الأخيرة وأبعادها في الإسلام السياسي العربي، عن سوريا وكتائبها الإسلاميّة-الجهاديّة، وعن موقف اليسار في الساحة السورية. حوار أجرته شيرين الحايك في القاهرة مع المفكر والمناضل الفلسطيني سلامة كيلة (مواليد فلسطين 1955)، الحائز على بكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة بغداد (1979)، والفاعل في عمل المقاومة الفلسطينية واليسار والماركسيّة العربية. اعتُقل لمدّة ثمان سنوات في حقبة حافظ الأسد، وأُعيد إعتقاله بعيد اندلاع الثورة السورية، قبل أن يُبعد عن سوريا نهائيّاً عام 2012. له العديد من المقالات في الصحف والمجلات العربية، وعدد من المؤلفات في شؤون اليسار والعرب، آخرها كتاب عن الثورة السورية «واقعها، صيرورتها وآفاقها» صدر عن دار أطلس في بيروت (2013).
عن أحداث مصر وأبعادها في العالم العربي وسوريا

1) كمراقب عن كثب، ما هو رأيك بالحاصل مؤخراً في مصر؟

من الواضح أنّ الشعوب بعد أن نهضت لم تعد تحتمل نظماً لا تحقق لها مطالبها، لهذا حينما أزاح الشعب المصري حسني مبارك كان يعتقد أنّ النظام الذي سيأتي سيحقق له مطالبه، والتي كانت واضحة خلال ثورة 25 يناير سواء بما يخص بالبطالة أو الأجور أو التعليم أو الصحة، وأيضاً الدور المدني. لكنه اكتشف أن المجلس العسكري لم يُرد ذلك. من ثمّ ساعد المجلس العسكري في إيصال الإخوان المسلمين، الذين عملوا على زيادة المشاكل عوضاً عن حلها. سواء تعلق الأمر بممارسة السياسات الاقتصادية ذاتها، مما أدى إلى زيادة الأسعار وعدم زيادة الأجور وعدم التطرق للفساد القائم، أو بالميل لفرض سلطه دينية أشعرت الناس أن عقل القرون الوسطى يعود لكي يتحكم بهم. كان من الطبيعي أن يقود هذا الأمر إلى حراك جديد للشعب المصري، وهذا ما حصل فعلاً وأدى إلى سقوط سلطة الإخوان المسلمين. طبعاً، الشعب إلى الآن لم يحقق ما يريد، ولا يبدو أنّ السلطة الجديدة، كما أظهرت إلى الآن، معنية بتحقيق مطالب الناس.

2) هل تتفق مع تسميته بالإنقلاب العسكري؟

لا أعتقد ذلك، رغم أن هناك مظاهر لذلك. لكن حتى لو عدنا إلى ثورة 25 يناير، أو ما حدث في تونس، سنلاحظ أن الشعب ثار وكسر هيبة السلطة، لكن من قام بالتغيير هو الجيش. يعني، من أزاح حسني مبارك هو المجلس العسكري ولم تزحه سلطة الشعب التي كانت في الشوارع، وبالتالي فأن يتدخل الجيش في ظلّ الأوضاع القائمة أمر طبيعي، بالتحديد نتيجة لكون الثورة ليس لها قيادة سياسية واضحة تدفع إلى أن يكون الشعب هو من يستلم السلطة دون الاعتماد على طرف ثالث. بالتأكيد كان للجيش مصلحة بالتغيير، لأن التوافق الذي كان قد تحقق بين المجلس العسكري والإخوان المسلمين برعاية أميركية بعد ثورة 25 يناير كان ينص على أن يستلم الإخوان المسلمين مجلس الشعب والشورى وأن يأتي رئيس قريب من المؤسسة العسكرية.

لكن يبدو أن غرور الإخوان المسلمين وشعورهم بالقوّة بعد انتخابات مجلس الشعب والشورى، دون أن يفهموا سبب هذه القوة، دفعهم أكثر لمحاولة السيطرة على بنى الدولة، وهذا ما أخاف البيروقراطية والقيادة العسكرية، لأنها بدأت تشعر أن هناك قوة آتية للسيطرة على الدولة كبديل لها. من هذا المنظور، كان واضحاً أن القيادة العسكرية تركت مرسي بالأشهر الستة الأولى من حكمه ليقع بأخطاء متعددة، ومن ثمّ بدأت بالدفع باتجاه تغييره، فاستغلت هذا الحراك الشعبي الكبير الذي حدث لتُبعد مرسي، وبالتالي كان لها دور في التغيير بكل تأكيد. لكن ما أحاول التركيز عليه هو أنّ الرغبة الأولى التي أطاحت بالإخوان المسلمين كانت القوّة الشعبية على الأرض، والتي فاقت حتّى ما كان في ثورة 25 يناير.

3) مظاهرات 30 يونيو اعتُبرت، وفقاً للسي إن إن، أنها المظاهرات السياسيّة الأكبر حشداً في التاريخ. ما تعليقك؟ هل تخلى الشعب عن الحاضن الديني مقابل ذاك البحث عن الحاضن الاقتصادي؟

لا أعرف إذا كان هو أكبر حشد بالتاريخ، لكن بالتأكيد كان حشداً هائلاً ولم يحدث ضد حسني مبارك، حتى في اليوم الأخير، الذي شهدتُه في مصر وكان التقدير أنّ من شارك فيه كانوا تقريباً 23 مليون مصري. الحشد الذي رأيته في 30 يونيو كان بالتأكيد أضخم من ذلك.

هذا الحشد هو نتاج عنصرين باعتقادي: الأوّل هي القوة الشعبية الأساسية التي تخوض صراعاً من أجل تحقيق مطالبها؛ والعنصر الثاني هو بعض بقايا الفلول ومن شعروا أن قيادة الجيش أميل لأن تكون مع التحرّك وبالتالي اندفع للمشاركة رغم أنه لم يكن لينزل لو شعر بأن الصراع حقيقي. بالتالي هذان العنصران هما اللذان شكّلا هذه الصورة للعدد الكبير من المصريين. لكن في كل الأحوال هو حشد هائل. الجزء الأساسي منه يسعى لتحقيق مطالبه، وهو الذي استمرّ بالحراك بعد 25 يناير، حيث كان واضحاً، بالأشهر الأخيرة على وجه الخصوص، أنّ الشعب يريد تغييراً جذرياً، وهذا ما لمسته مثلاً في نهاية 2012 عندما حاصر الشعب قصر الاتحاديّة واقتحمه، وأيضاً في الذكرى الثانية لثورة 25 يناير، حيث كان الحشد هائلاً بوضوح وكان مؤشراً على أن الغضب يتصاعد وأن هذا الشعب نفسه سيقوم بثورة ضد محمد مرسي. هذا هو أساس الكتلة الشعبية التي تحركت في ثورة 30 يونيو.

الآن، بالتأكيد أن الشعب عندما انتخب الإخوان المسلمين لم ينتخبهم لمجرد كونهم إخواناً مسلمين، إنما لأنه أعتقد أن لديهم حلولاً لمشاكله، وأنهم من الممكن أن يكونوا صادقين ما داموا يتمسحون بالدين. ولكنه اكتشف بعد أشهر أنهم يستخدمون الدين لأسباب حزبيّة خاصّة، خصوصاً وأنه بدأ يلمس أن ما يقومون به هو استمرار أسوأ للوضع القائم أيام حسني مبارك، بشكل خاص على الصعيد الاقتصادي.

لذا أعتقد أنّ عنصراً بارزاً في فهم كلّ الثورات في المنطقة وما يجري في مصر هو أنّ مطالب الشعوب الأساسية هي مطالب اقتصادية، لأنّ الشعوب، لا تتحرك في بلداننا خصوصاً والبلدان المتخلفة عموماً، إلّا حين تشعر بأنها تعيش بين الحياة والموت نتيجة الانهيار الاقتصادي الذي يجعلها لا تستطيع العيش. هذا الوضع هو الذي يحرّك الشعوب، كما ظهر في التجارب التاريخية في بلداننا وجميع بلدان العالم، لذا من الواضح أنّ هذا الشعب سيبقى يتحرّك من أجل التغيير إلى أن يتغير النمط الاقتصادي-السياسي القائم. لهذا، لا الدين هو المحرك الأساسي، ولا قضية الحرية هي الأولويّة. بالتأكيد الحرية ضرورية، وهي تأتي في سياق فهم عمق المشكلات القائمة، وبالتالي حلّها، لأنه لا إمكانية لوجود حرية حقيقية ضمن وجود شعب مفقَر ومهمّش، وهذه قضية أساسية في ظل اقتصاد ريعي لا يستطيع أن يشغّل إلّا قسماً ضئيلاً من المجتمع ويهمّش البقية. الديمقراطية الحقيقية تفترض بناء اقتصاد منتج حقيقي. من هذا المنظور، كيف يمكن أن يتأسس اقتصاد منتج بعد أن قامت النظم الليبرالية بتدمير كل ما هو إنتاجي، من الصناعة إلى الزراعة، وبعد التركيز على الريعي في الاقتصاد، أي التركيز على خدمات السياحة والبنوك والاستيراد، وهذا قطاع هامشي أصلاً ولا يستطيع أن يستوعب إلا حوالي 20% من المجتمع ثم يهمّش الباقي. لهذا لا إمكانية لديمقراطيّة حقيقية في ظلّ هذا الفارق بين فئة قليلة تستطيع أن تعيش بشكل جيد وغالبية أخرى مهمّشة. سيبقى الشعب يتحرّك إلى أن يتغيّر النمط الاقتصادي، وفي هذا السياق نستطيع أن نطرح مشروع تغيير جذري يتعلّق ببناء دولة مدنية ديمقراطيّة.

4) هل يمكن القول بأنّ سقوط الإخوان في مصر هو مؤشر بداية سقوط نفوذهم كقوّة سياسيّة، في العالم العربي عموماً وسوريا خصوصاً؟

بالتأكيد. لأنّ اللحظة التي أصبح للإخوان المسلمين حضور رمزي انتهت مع وصولهم إلى السلطة، لأنّ قوتهم نبعت من جملة عناصر حدثت في العقود الماضية، بأساسها كان انهيار المشروع القومي وانهيار الكتلة الاشتراكيّة، وبالتالي انتكاس المدّ التحرّري التقدّمي في العقود الماضية. هذا الأمر ترك فراغاً مُلئ بالوعي الديني، نتيجة انهيار الثقافة عموماً وانهيار التعليم، وبالتالي عودة للوعي التقليدي كوعي أساسي لدى قطاعات واسعة في المجتمع. وفي إطار الدعم السعودي الخليجي الرجعي ومن قبل النظم نفسها التي حكمت بعد مرحلة التحرر القومي، أصبح للإخوان المسلمين قوّة في الشارع، ولكن ما زال جزء من هذه القوّة هو ما تبلور في مرحلة ما بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، أي أنّ الإخوان المسلمين هم من يناهض النظم، فقد كان يبدو أنّ من يقاتل النظام هم الإسلاميون والجهاديون، وبالتالي فهذه القوة هي من يريد التغيير. لذا كان يبدو أنها تعبّر عن رغبات فئات أخرى مهمّشة بدأت تشعر بأنّ عليها أن تتمرّد. المستوى الثاني أنهم بعد 11 سبتمبر بدأ يبدو أنهم هم من يناهض المشروع الأميركي، وهذا أيضاً أكسبهم قدراً من الرمزية والتعاطف الاجتماعي. كذلك، ثالثاً، مستوى الصراع مع الصهيونية، حيث ظهر الإسلاميون على أنهم هم خصوم الصهيونيّة بالمنطقة، وظهرت كحركات التحرير الوطني، وأنهم بالتالي من سيحرر فلسطين.

جملة هذه العناصر كانت تطلق رمزيّة لدى الشعب عن الإسلاميين تجعلهم وكأنهم هم البديل. أضيف إلى ذلك ميول العديد من الجهات الليبراليّة-الديمقراطيّة في بلداننا، والذين بدأوا يضخمون من الميل الديمقراطي والتحديثي لدى الإخوان المسلمين، وظهروا باعتبارهم هم من سيحقق الثورة الديمقراطيّة. بالتالي حصلوا على كلّ العناصر التي تجعلهم يملأون فراغ البديل. هذا هو الوضع الذي رسم لهذه القوّة، ومع الأسف لعب الكثير من الليبراليين والديمقراطيين واليساريين دوراً في تضخيم حجم الإسلاميين في كل هذه العناصر.

الآن، وبعد أن وصلوا إلى السلطة، أصبحوا أمام مفترق: هل سيحافظون على هذه الرمزية، أو سيمارسون سياساتهم الفعلية؟ طبعاً بالنسبة لي كانت هذه الرمزية وهمية ولم تكن تعبّر عن جوهر الإسلاميين، لأنني أعتقد بأنّ الإسلاميين هم أولاً ليبراليّون على الصعيد الاقتصادي، لأنّ المنظور الفقهي الذي ينطلقون منه يعتبر التجارة هي الأساس، يعادي الصناعة، يكرّس كبار ملّاك الأرض كأساس في النمط الاقتصادي، وهذا ما ظهر عندما أيدوا حسني مبارك عام 1997 حين أصدر قانوناً بإعادة الأرض إلى الإقطاعيين. لهذا كنت أعتقد أنهم لن يحققوا تغييراً اقتصادياً. من منظور آخر، كنت أعتقد أنهم ما زالوا على تواصل مع الإمبريالية الأميركية، وأنهم جزء من هذه الشبكة الخليجية الأميركية ولن يخرجوا منها، وبالتالي صراعهم مع الدولة الصهيونية هو صراع شكلي، لأنهم في مراحل أسبق كانوا يعتبروا أنّ الصراع قائم على تحالف الإيمان ضدّ الإلحاد، وبالتالي تحالفوا مع الدولة الصهيونيّة ضدّ الشيوعية والسوفيتية.

لذا من الطبيعي أن أتوقع أنّ وصولهم إلى السلطة سيكشف الغطاء على كلّ هذا الغطاء الرمزي الذي حصلوا عليه فعلاً. أولاً، استمرت العلاقة مع الدولة الصهيونية، مع أنهم كانوا يقولون بأنهم سيُلغون اتفاق كامب ديفيد. هم كرّسوا العلاقة والاتفاق. بدا وكأن علاقتهم مع الولايات المتحدة وثيقة جدّاً، وبدأ يبدو واضحاً أنّ الولايات المتحدة هي من يدافع عن وجودهم في المنطقة. على الصعيد الاقتصادي استمرّوا بالسياسية الليبراليّة القائمة على الاستدانة دون زيادة بالأجور، دون خلق فرص عمل، بل على العكس من ذلك اتبعوا خطوات اقتصاديّة أضرّت بالشعب أكثر، وبالتالي كان واضحاً أنهم سينهارون… انهيارهم هنا كان سينعكس على كلّ المنطقة، لأنّ الرمزية السابقة تحطمت في مصر، وستتحطم بالتالي في كل المنطقة.

5) وماذا عن الأحزاب الدينية عموماً؟ هل يصحّ القول أن الشعوب الإسلامية قد استيقظت من مرحلة الأحزاب السياسية الدينية؟

الشعوب لم تغرق في هذا الموضوع. للأسف الشعوب تقاتل من أجل العيش، ووجدت في لحظة أنّ القوة السياسية الموجودة هي القوة السياسية الدينية: اليسار تهمّش، القوميّة تهمّشت، الليبراليون لم يستطيعوا من أن يصبحوا قوّة وبالتالي لم يكن من خيار سوى الإسلاميين. هذا الأمر هو الذي دفع الشعوب في تونس أو مصر لانتخاب الإسلاميين، وليس أي شيء آخر، لأن الشعوب أصلاً لا تميل إلى السياسة بالأساس، وحين تقاتل فهي تقاتل من أجل مصالحها وبالتالي تبحث عن قوة تحقق لها هذه المصالح. وفي لحظة ما، بدا وكأن الإسلاميين هم هذه القوة التي ستحقق المصالح، ولكن تبيّن فعلياً للناس بأنها ليست كذلك وبالتالي جرى تجاوزها. أعتقد أنّ نهوض الحراك الشعبي كان يقطع بالضرورة مع مجمل الدور الذي أصبح للإسلاميين في المرحلة الماضية، لأن هذا الدور قام على ركود وليس على حراك شعبي، كما قام، كما أشرت، على تضخيم دور الإسلاميين وإعطائهم رمزية هي أصلاً لليسار وليست لهم. الآن حينما يتحرّك الشعب يتحرك لتحقيق مطالب مباشرة، وفي هذه اللحظة تسقط كل قوة لا تستطيع تحقيق مطالب مباشرة للناس، لذا أصبح الحراك الشعبي بالضرورة يتجاوز كل ما تشكل في الماضي بما في ذلك الإسلاميين الذين سيصبحون في المرحلة القادمة هامشاً صغيراً لا أثر حقيقي له.
الثورة السورية

6) هل يمكن لهذا (أي أحداث مصر مؤخراً) أن يحمل أثراً في الثورة السورية؟ إن نعم، فهل يعتبر هذا الأثر سلبياً أم إيجابياً برأيك؟

بالتأكيد سيحدث أثر مهمّ في الوضع السوري. لأنه أظهر أنّ الشعوب لا تثق بالإسلاميين وأنها أسقطتهم الآن في مصر وغداً في تونس وليبيا… وبالتالي سيتكرّس الوعي المجتمعي في سوريا أن الإسلاميين ليسوا الحل أو البديل، خصوصاً أنّ ممارسات الإخوان المسلمين في سوريا خلال الثورة كانت سلبيّة وليست إيجابيّة.

فالإخوان المسلمون مارسوا خطاباً أو اتبعوا خطاباً سياسياً كان في تناقض مع الوعي الشعبي عموماً، أي جزء منه يتعلق باستدعاء التدخل الخارجي والجزء الآخر يتعلق بالميل الطائفي، خصوصاً أنّ الشعب السوري كان يعرف أنّ أيّ صراع طائفي هو لمصلحة السلطة. لهذا عندما حاولت السلطة افتعال صراع طائفي عن طريق القيام بمجازر، لم يردّ الشباب حتى المتديّن برد طائفي، لأنه يعرف أن هذه هي لعبة السلطة التي لا يريد الوقوع فيها لأنه يعرف نتائجها كما توضح له بالتجربة العراقية. لهذا كان يُنظر للإخوان المسلمين من هذا المنظور بحذر وتوجّس.

أكثر من ذلك، الممارسات التي اتُبعت من قبل الإخوان المسلمين في سوريا، كشراء الناس في الكتائب وتخزين الأسلحة بدل دعم المقاتلين بها، أوجد موقفاً سلبياً جداً من الإخوان في سوريا، أضيف إليه الموقف السلبي جدّاً من جبهة النصرة أو دولة العراق والشام التي باتت الآن في صراع مع الشعب نفسه عبر ممارسات آتية من العصور الوسطى في وضع الشعب أصبح يتجاوزه كثيراً. من هذا المنظور انتهت حظوظهم، مع العلم أنّ حظوظ الإخوان المسلمين لم تكن قويّة أصلاً نتيجة التكوين السوري، لكن الآن انتهت تماماً، وهذا ما يشعر به الإخوان المسلمون ويعتقدون بأنّ الأمور سائرة بإتجاه تهميشهم.

7) وماذا عن جبهة النصرة ودولة العراق والشام، وغيرها من التنظيمات التي تعطي الثورة طابع الثورة «إسلاميّة-جهاديّة» وتضعها على النقيض من ثورات عربية أخرى تجري حالياً في المنطقة؟

طبعاً، مع الأسف، ضعف التجربة والخبرة لدى الشعب الذي خاض الثورة في سوريا، وخصوصاً الشباب الذي مالَ إلى العمل المسلح، سمح بقبول مجموعات خطرة كمجموعات القاعدة التي سمّيت جبهة النصرة والآن دولة العراق والشام، انطلاقاً من أنّ صراعنا الأساسي هو مع النظام.

لم يجرِ النظر إلى أنّ هذه القوة بتكوينها الذاتي هي قوّة تخريب في أيّ مكان وُضعت فيه، لأنّ التكوين الذي قامت عليه ينطلق من أن أولوية الصراع تكمن في داخل الدين وليس في المستوى السياسي. بمعنى أنّ الصراع السياسي الذي يذهبون لخوضه هو صراع ضد الروافض والمارقين والملحدين وقيم المجتمع الذي يرون أنه تجاوز ما يعتقدون أنه الدين، وبالتالي معركتهم الأساسية هي أولاً ضد الطوائف والأديان الأخرى التي يعتبرونها كافرة، فبالنسبة لهم ليس على الأرض سوى إسلامهم. ومن جهة ثانية فإنّ هذا المجتمع السني هو أيضاً مارق، لأنه لا يطبّق الشريعة التي –باعتقادهم– يجب أن تطبّق.

لذلك تصبح معركتهم على مستويين: الأوّل طائفي والثاني فرض سلطة قهرية على الناس تستطيع أن تطال أيّ إنسان في أيّ لحظة من اللحظات، لأنّ قيم الإنسان العادي هي خارج إطار الشريعة التي يعتقدونها. وهكذا يصبح لبس المرأة مشكلة، وتدخين الرجل مشكلة، وحركة أي إنسان يمكن أن تكون مشكلة، ويصبح عدم الالتزام بما يعتقدون هم أنه الدين مشكلة. هذا الأمر هو الذي يجعل الهيئة الشرعية هي الحاكم الأساسي الذي يحاكم كل حركات وسكنات الناس، ويجعل الصراع في داخل البيئة التي يتواجدون بها وليس صراع هذه البيئة مع النظام، وهذا ما حدث في الشمال في الفترة الماضية في الرقة وحلب وتل أبيض والعديد من المناطق.

طبعاً هذه المشكلة ضخمت في الإعلام، وطبعاً كان هناك قصد من ذلك سواء من النظام أو من قبل الإعلام الخليجي أو العالمي لإظهار الثورة السورية كدولة إسلاميّة. وهذا مبدأ كان في أساس سياسة النظام للتعامل مع الثورة، ولكنه مع الأسف كان في أساس سياسة الإخوان المسلمين السوريين، وكذلك الدول الخليجية التي كانت تريد للثورة أن تبدو على أنها ثورة إسلاميّة، وأيضاً كان هدف الإعلام الغربي القول أن ليس هناك ثورات بل حراك ديني متخلف. لذا جرى تضخيم الإخوان المسلمين في الثورة في المرحلة الأولى، الآن انتهى هذا الدور وأصبح هناك تضخيم لدولة العراق والشام وجبهة النصرة، رغم أنّ وجود كل هذه المجموعات لا يساوي وجود مئات الآلاف من الشباب المسلّح، كثير منه متدين ولكن هذا التدين أفهم أنه تديّن شعبي قد يُستغل من قبل بعض المجموعات، وأمام الموت هناك الكثير من الشباب العلماني أصبح متديّناً أو أخذ شكل التدين الواضح، وهناك الكثير من أسماء الكتائب الإسلاميّة تحوي شباباً لا يعرف الكثير عن الدين أصلاً.

ولهذا فإنّ الشكل العام الذي يأخذ عن هذه الكتائب لا يعكس الواقع الحقيقي، الواقع الحقيقي أنّ معظم المقاتلين هم شباب بسيط لم يمتلك وعياً سياسياً في السابق، يخوض صراعاً دموياً مع النظام وأخذ هذا الشكل، ولكن شكله لا يعكس شكل فئات لديها أيديولوجيا لفرض نظام إسلامي، فحتى بعض الكتائب التي تقول أنها تطمح لدولة إسلاميّة كثير ممن يقاتلون فيها لم يكونوا يعرفون الصلاة أصلاً. وبالتالي هذا غير ذاك.

الآن جبهة النصرة ودولة العراق والشام أصبحت خطراً على الثورة، وتلعب دوراً مساعداً للسلطة في مواجهة الثورة، وهذا هو العنصر الآخر الذي يجب أن ندرسه عندما نتناول جبهة النصرة ودولة العراق والشام والقاعدة عموماً في سوريا، حيث للسلطة دور في تشكيلها وللسعودية دور في تشكيلها ولإيران دور في تشكيلها، لأنّ تنظيم القاعدة هو شكل من أشكال الميل الأصولي المتعصب القروسطي لفئات تريد أن تذهب إلى الجنة. يعني شباب بسيط يريد أن يذهب إلى الجنة بسرعة، وتحكّم مخابراتي يوظف هؤلاء الشباب في صراعات تخدم الدول والقوى التي تشاغب. الآن في سوريا إيران والنظام السوري يلعبان الدور الأكبر في تخريب المناطق التي انسحب منها النظام، في شكل من أشكال تهيئتها لعودة النظام إليها، فجبهة النصرة وتنظيم دولة العراق والشام يلعبان هذا الدور، تكفير الناس بالثورة وتكفير الناس بالدين أيضاً، ثم ليحدث ما حدث بالعراق في مواجهة الأميركان حينما سيطرت القاعدة، فقد دُفعت القوة التي كانت تقاتل الأميركان للتحالف مع الأميركان ضد القاعدة، والآن النظام يروّج لوجود مجالس صحوة كما حدث في العراق، يعني قوة كانت مع الثورة ستتحوّل للتحالف مع النظام ضد التنظيمات الأخرى. آمل أن ينتهي وضع جبهة النصرة، وأعتقد أنه يجب أن تُصفّى كما يجري الآن في منطقة درعا من خلال عدّة اشتباكات وقعت معها –مما يبدو أنه قرار في تصفيتها– لأنها عنصر تخريب وليست عنصر مساعد، هي عنصر يخدم النظام ولا يخدم الثورة.

8) مع الأخذ بعين الإعتبار موقف اليسار من الثورة السورية، والتي قد تُعتبر معادية لها، بشكل خاص من قبل شباب ثورات الربيع العربي، ما هي برأيك فرص تغيير هذا؟

مع الأسف هذا صحيح. ولكنه يدل على قصر نظر هؤلاء الشباب وخصوصاً من اليسار. الشباب العادي البسيط لم ألمس مشكلة معهُ في التعاطي مع الثورة السورية، المشكلة في قطاعات اليسار والقوميين الذين يعتبرون أولاً أن النظام السوري هو نظام معادٍ لأميركا، ويعتقدون بأنّ الصراع الأساسي في العالم هو «مع أميركا» أو «ضد أميركا»، وبالتالي يصبح تصنيف النظام السوري على أنه «ضد أميركا» ومن ثم فأيّ حراك ضده هو أميركي بالضرورة. يعني هذا التحليل الميكانيكي للمسائل يقوم به الذهن دون فهم الواقع ورؤية المشكلات على الأرض. هذا هو، للأسف، ما دفع قطاعاً كبيراً من اليسار العربي، والعالمي أيضاً، لكي يقف مع النظام ضد الثورة السورية. طبعاً هذا يؤشر على شكل سطحي جدّاً لفهم الأمور. وهو شكل قروسطي لتحليل الأمور بناءً على الموقف الصوري الذي ينطلق من مبدأ القياس ومن منظور أن هناك عدواً رئيسياً هو الأساس وكل من يختلف معه هو ثوري وحقيقي ويجب أن ندافع عنه. لذلك وقف هؤلاء مع بن لادن لأنه ضد أميركا ودافعوا عن تنظيم القاعدة طويلاً بحجّة أنها ضد أميركا ودافعوا عن الإخوان المسلمين بحجّة أنهم يريدون تحرير فلسطين ويقفون ضد أميركا… لنكتشف بأنّ كل تحليلهم عن الإخوان المسلمين والقاعدة هو تحليل سخيف وخاطئ. لكن هذا العقل ما زال يمارس الآلية نفسها بالنسبة للنظام السوري. أيضاً انطلق من أنّ الإمبريالية الأميركيّة هي العدو الرئيسي، وبالتالي النظام السوري ضدها وبالتالي ما يجري في سوريا مؤامرة.

طبعاً لعب النظام على هذا الموضوع عن طريق الإعلام الذي مارسه بالتركيز في خطابه على الأسلمة ومجموعات إرهابيّة من تنظيم القاعدة منذ اللحظة الأولى، يعني استخدم نفس الخطاب الأمريكي الذي شيطن الإسلاميين من أجل أن يغزو العالم، النظام السوري كرر هذه العملية. وكررها أيضاً باختراع جبهة النصرة كما فعل الأميركيون في العراق، وبالتالي هو التلميذ النجيب للإمبريالية الأميركية في هذه المسائل. وأيضاً ساعد على ذلك المعارضة السورية التي يجب أن تتحمّل مسؤولية الدم كما النظام، وخصوصاً الإخوان المسلمون الذين كانوا حريصين منذ اللحظة الأولى أن الثورة السورية هي ثورة إسلاميّة وأنها مجرّد استمرار لما حدث في 1982 وبالتالي هم العنصر الأساسي فيها، رغم أن وجودهم على الأرض كان هامشياً جداً. وساعدهم في ذلك الإعلام الخليجي كالجزيرة والعربية والذي كان هدفه أيضاً تشويه الثورة السورية ووضعها في سياق يخرّبها ولا يساعدها على الانتصار. وكانت الأسلمة هي أفضل عنصر لتخريبها. على سبيل المثال، كانت السعودية تدعم النظام السوري لأشهر بعد الثورة، وربما لا زالت إلى الآن. بعض التحليلات تقول بأنّ السعودية تدفع اليوم مالياً لدعم النظام السوري مثلها كمثل الإمارات والكويت، أيضاً السعودية دعمت الأسلمة وأطلقت العرعور، والذي ظهرَ ليكرّس خطاب النظام السوري بأنّ الثورة إسلاميّة وليُخيف الأقليات وخصوصاً العلويين، لأنّ العرعور هو من الوهابيين الذين كانوا يُفتون بقتل الروافض بما في ذلك العلويين. بالتالي ساعدت السعودية النظام على أن ينجح خطابه لأنها كانت تريد أن تبقي الأقليات بعيدة عن الثورة كي تفشل الثورة. لأنّ إبعاد العلويين تحديداً عن الثورة هو نقطة ضعف أساسية تبقي النظام متماسكاً وقوياً كما لاحظنا. أيضاً الدول الأخرى كانت تدعم الأسلمة من أجل فرض نظام بديل، فقطر مثلاً كانت تعمل على دعم الإخوان المسلمين عن طريق المجلس الوطني كسلطة بديلة، بما يدعم مصالحها.

كلّ ذلك كان يعطي مبرراً لهذا اليسار بأن يقول أنّ هذه الثورة إسلاميّة وتدعمها السعودية وقطر وبالتالي يدافع عن النظام السوري. وهو لا يرى نتيجة شكليته، بالنظر إلى أن ما تقوم به السعودية أو قطر شكل من أشكال تخريب الثورة، يعني دون أن يحلل خطاب قطر والسعودية ومغزاه، وحتى الدول الغربية، لكي يفهم ماذا يجري بشكل حقيقي. هذه هي المشكلة التي عانيناها مع قطاع اليسار. للأسف، القطاع الذي يمثّل معظم كتل اليسار القديم الذي أعتقد أنه مات أصلاً، لأنه ما زال يعيش بأوهام مرحلة الحرب الباردة، وأصبح هرِماً إلى حد أنه لم يعد يستطيع التفكير.

9) أخيراً، هل تعتقد بإمكانيّة بقاء الأسد على رأس السلطة، مع الأخذ بعين الاعتبار أن موعد تجديد الإنتخابات الرئاسية بعد أقل من عام في سوريا؟

لا أعرف سبب الربط مع التجدد. الثورة مستمرة. لا أحد يقدّر أن تنتهي، يمكن أن تستمر سنوات. وبالتالي تجديد الاننخابات الرئاسية بأي شكل من الأشكال، رغم أن وضع سوريا لا يسمح بإجراء انتخابات أصلاً. ويمكن أن تنتهي الثورة بفترة ليست بعيدة. المشكلة تتعلّق بآليات الصراع وتطوره، الربط نتج عن الكلام عن حل سياسي عن طريق جنيف 2 وأن المطلوب هو استمرار بشار الأسد حتى 2014 ومن ثمّ ينتهي. أعتقد أنّ هذا الأمر غير عقلاني أصلاً، لأنّ الكل يعرف أنه لا إمكانيّة لوجود حل حقيقي في سوريا إلا بإنهاء سلطة بشار الأسد ومجموعته.

المسألة تتعلّق حالياً بالصراع على الأرض. بمعنى أن النظام بالأشهر الأخيرة استنفد قواه الأساسية لأنه كان يقاتل بالبنية الصلبة التي شكّلها لتكون ركيزة السلطة الأساسية، أي الفرقة الرابعة والحرس الجمهوري، ومن ثمّ زاد من دور المخابرات الجويّة كعنصر أساسي بعد أن بدأ يشك بالأجهزة الأمنية الأخرى، هذه القوة التي خاضت الصراع منذ اللحظة الأولى مع الشعب تكسرت على مر الزمن، خصوصاً بعد أن أصبح العمل المسلح هو العمل الأساسي في الصراع مع النظام، لهذا بدا في لحظة أنّ النظام يتهاوى. لكن المشكلة كانت بأنّ بنى الكتائب المسلحّة لم تكن على مستوى خوض صراع حاسم لإسقاط النظام، سواء لأنها لا تمتلك الخبرة أو لأنها بدأت تتبلور كمجموعات مختلفة متخالفة ولا تنسق فيما بينها، وبالتالي لها طابع مناطقي، أي كل مجموعة تدافع عن منطقتها فقط، وليس لديها أفق كيف تصل إلى إسقاط النظام، لذلك تعمل إقطاعيّة لذاتها في منطقة معينة. ولنقص السلاح أيضاً دور، خصوصاً أن الكلام عن إرسال سلاح من الخارج يبدو أنه كان وهميّاً. يعني لم يصل شيء مهم من الخارج، وبالتالي اعتمدت الكتائب المسلحة على ما تحصل عليه من النظام أو ما تحصل عليه من السوق، سوق السلاح، لكن عاد النظام فاستعاد قدراً من قواه اعتماداً على الدعم الذي قدمه حزب الله والدعم الذي قدمته إيران عبر إرسال قوى من الحرس الثوري وإرسال مجموعات من العراق من القوى الطائفية جداً المرتبطة بإيران، وقد حاول استعادة فواه عن طريق البدء بهجوم لإعادة السيطرة على بعض المناطق كما حدث في القصير والخالدية، وحاول في حمص لكن واضح أنّ ميزان القوى على الأرض عاد ليحقق توازناً مختلفاً، لأنّ الكتائب الثورية المسلحة عادت لتحقق تقدّماً على الأرض في منطقة الساحل. هذا الأمر هل سيؤدي إلى إمكانية ارتقاء العمل المسلح ليصبح هو القوة المتماسكة القادرة على وضع استراتيجيّة تغيير، أو أن هذا الصراع سيوصل القوى الدولية إلى أنه لا مجال للحل إلا بفرض حلّ على الأرض الآ،ن لأنّ استمرار الصراع سيؤثر سلباً على مصالحها. نحن الآن في هذه اللحظة.

أعتقد أنّ العديد من القوة الدولية تدفع باتجاه الوصول إلى حل، لأنها ترى أنّ الصراع يتفاقم ويمكن أن يخرج عن السيطرة، خصوصاً روسيا التي يبدو أنها راهنت، بعد أن حصلت على الدعم الأميريكي والغربي في فرض سيطرتها على سوريا، على أن تدعم النظام فيستعيد قواه وسيطرته ربما لفرض حل أقرب لأن ينتصر النظام فيه. لكن ربما أقنعها الصراع على الأرض الآن أنّ هذا غير ممكن، وأن ميزان القوة أصبح واضحاً بأنّ السلطة غير قادرة على تحقيق انتصارات مهمّة، ومن ثمّ لا إمكانيّة إلّا فرض حل لا يصب في مصلحة النظام ويقوم على إبعاد بشار الأسد وإنهاء سلطته. هذا يجري الآن في هذه الأوقات كما يبدو.

لا أعرف تماماً إلى أين سيسير المسار لكن هناك ميل لفرض حل دولي، وفي نفس الوقت إذا لم يفرض حل دولي سيستمر الصراع. وهنا يجب أن نركز على كيف يمكن أن يصبح هناك عمل مسلّح حقيقي، كتائب مسلحة حقيقية، أن ينتهي الميل إلى أن يصبح كل شخص قادراً على فرض سلطته الذاتية على منطقة محدودة، أن يصبح هناك قوة مسلحة تعرف ماذا تريد، وأن تنتهي كل هذه القوة التخريبية التي تلعب دوراً تخريبياً وإعاقياً، من دولة العراق وجبهة النصرة إلى العصابات التي دخلت باسم الثورة وشاركت، كذلك الزعران الذين يسعون نحو مصالحهم عبر النهب والسرقة وغيرها. كل هذا يجب أن ينتهي كي تتطور الثورة. وهنا يجب أن تلعب السياسة دوراً عبر إعادة بناء الفعل السياسي الداخلي في سوريا، بعيداً عن معارضة الخارج التي لم تقدم ولن تستطيع أن تقدم شيئاً.

المصدر: الجمهورية

مصر بين ثورة وانقلاب

ما حدث في مصر بين 30 حزيران (يونيو) و3 تموز (يوليو) أثار الكثير من النقاش، فهل هو ثورة أم إنه انقلاب؟ أو هل هو ثورة قطفها العسكر أم انقلاب مغطى بحراك جماهيري؟

يبدو أن المشكلة الواقعية باتت تحل عبر هذا النقاش «النظري» (أو السفسطائي). ثورة أم انقلاب؟ والهدف هو تحديد موقف، لكن كيف يمكن أن نحدد أنها هذه أو ذاك؟ خصوصاً أننا نعاني من «تخبيص» في فهم المصطلحات، بحيث ينعكس الموقف الذاتي على معنى المصطلح بما يجعله خارجاً عن سياقه، ولا يعبّر عن المعنى الحقيقي الذي وُجد من أجله. فالمصطلحات هي عنصر التوافق الضروري من أجل الفهم المتبادل. لهذا طرح السؤال: ما معنى الثورة أصلاً؟ هل نتوافق على معنى الثورة؟ بالتأكيد لا، بالتالي كل النقاش يكون بلا معنى، بالضبط لأنه لا ينطلق من توافقات أولية هي المصطلحات التي نستخدمها، والتي من دون التوافق على معانيها لن يكون ممكناً التفاهم أصلاً.

في كل الأحوال، بالنسبة لي الثورة هي كل تمرّد شعبي على السلطة من أجل تغييرها، بصرف النظر عن النتيجة. والانقلاب هو دور العسكر في تغيير السلطة (أو الرئيس).

طبعاً، لم يثر هذا النقاش بعد ثورات تونس ومصر على رغم دور العسكر حينها، حيث واجه الشعب القوى القمعية للسلطة (البوليس السياسي في تونس والأمن المركزي في مصر)، وتدخلت قيادة الجيش لكي تفرض رحيل الرئيس. في مصر استطاعت الملايين التي نزلت إلى الشوارع يوم 25 كانون الثاني (يناير)، ومن ثم 28 منه خصوصاً، أن تهزم الأمن المركزي وكل قوى وزارة الداخلية، فاستطاع الشعب احتلال ميدان التحرير وميادين أخرى في مدن عدة (الإسكندرية، بورسعيد، الإسماعيلية، السويس، المنصورة ومدن كثيرة أخرى)، ظل مقيماً فيها إلى يوم 11 شباط (فبراير)، تحت عنوان «اعتصام، اعتصام، حتى يسقط النظام».

الآن، كان واضحاً أن الجماهير التي نزلت إلى الشوارع يوم 30 حزيران هي أكبر من أكبر حشد حدث ضد حسني مبارك، وكان يوم 11 شباط، حيث جرى تقديره حينها بأنه وصل إلى 23 مليون مصري. بالتالي فإن الرقم 30 أو 33 مليون مواطن الذي قيل إنه نزل يوم 30 حزيران صحيح إلى حد ما. لكن الجيش تقدّم وأعلن تنحية محمد مرسي، وحجزه. ومن ثم عين رئيساً موقتاً، هو رئيس المحكمة الدستورية العليا، الذي أصدر إعلاناً دستورياً من دون مشاورة القوى، وبدأ بتشكيل حكومة جديدة.

 

سياقان لسقوط مرسي

هنا يمكن متابعة سياقين أوصلا إلى سقوط مرسي، السياق الأول يتمثل في الحراك الشعبي الذي تصاعد بعد انتخابه ، وشمل حركات احتجاج شبيهة بما كان يجري آخر أيام حسني مبارك، من الإضرابات إلى الاعتصامات إلى التظاهرات إلى قطع الطرق في الأرياف. وكان واضحاً أن الأزمة المجتمعية تتفاقم، وأن حراك الشعب يتصاعد في شكل لافت، بما في ذلك النقمة على «الإخوان»، من منظور أنهم وعدوا بحلول لمشكلات الشعب ولم يحققوا شيئاً، على العكس من ذلك زادت المشكلات. وهذا واضح من السياسة الاقتصادية التي اتبعها مرسي، والتي هي استمرار لسياسة حسني مبارك، من حيث الحفاظ على الاقتصاد الليبرالي، والاعتماد على القروض كحل لمشكلات الاقتصاد، والخضوع لشروط صندوق النقد الدولي، ورفض رفع الأجور كما كان يطالب الشعب في 25 يناير (أي أن يكون الحد الأدنى للأجور هو 1200 جنيه). وكذلك زادت مشكلات عدة فرضت على الطبقات الشعبية التحرك.

هذا الأمر الأخير أوجد حالة لم تشاهد ضد حسني مبارك، فهذا الأخير كان يبدو مستبداً أفقر الشعب، ولهذا كان يجب أن يزول. بينما زاد على ذلك أن الحكم الجديد يتحدث باسم الإسلام، ويؤكد أن «الإسلام هو الحل»، وأنه يمتلك الحل. لكن، تبيّن أن كل ذلك لم يكن سوى تغطية للوصول إلى السلطة، والسعي لاحتكارها، واحتكار نهب الاقتصاد وفق الآليات ذاتها التي كانت قائمة زمن حسني مبارك.

وربما كان الإحساس بأن السلطة التي يسعى مرسي (و «الإخوان» من خلال حزب الحرية والعدالة) إلى فرضها هي العودة بمصر إلى الوراء، إلى القرون الوسطى. وهذا ما كان يلمس في السياسات الخفية التي كانت تمارس، وفي طبيعة ممارسة الحكم، التي أظهرت أن هؤلاء غير جديرين بسلطة دولة كمصر. وأنهم وفق «النظام المعرفي» الذي يحتكمون إليه (وهو نظام فقهي متخلف) لا يستطيعون سوى إعطاء صورة لسلطة قروسطية.

بالتالي كان واضحاً بأن الحشد سيكون هائلاً حتى قبل يوم 30 حزيران. فقد جمعت حركة تمرّد ما ينوف عن 22 مليون توقيع يطالب بتنحية مرسي، وكان واضحاً التفاعل الهائل مع الحركة من قبل قطاعات شعبية واسعة. سواء بالاستعداد لجمع التواقيع أو بالحماسة للتوقيع. وهذا ما ظهر يوم 30 حزيران، اليوم الذي حددته حركة «تمرّد» لإسقاط مرسي. وسنلمس بالتالي أن كتلة شعبية هائلة كانت تريد رحيل مرسي وإنهاء حكم «الإخوان المسلمين». وأن هذه الكتلة عبّرت عن ذاتها في حركة احتجاجية ضخمة استمرت إلى يوم 3 تموز.

هل كان باستطاعة الجيش مواجهة هذا الحشد الهائل؟ لا أظن على الإطلاق، وأعتقد أن قرار الجيش، بصرف النظر عن نواياه المسبقة، ارتبط بحجم الحراك أصلاً. بالتالي من يلحظ حجم الحراك يعرف أنه لم يكن باستطاعة الجيش مواجهته، خصوصاً هنا أن الريف لأول مرة يتحرك بقوة (وهذا ما لم يحدث ضد حسني مبارك)، وهو الأمر الذي كان يجعل الجيش (ذوي الأصول الريفية، وأيضاً الأمن المركزي الذي هو من أصول ريفية كذلك) غير قادر على الصدام مع الشعب، وكان سيدفعه أي ميل للصدام إلى الانشقاق والانضمام إلى صف الشعب.

لكن، لا بد من القول إن قيادة الجيش لم تكن تريد نجاح محمد مرسي، وإنها كانت تفضل نجاح أحمد شفيق، وقد بذلت مجهوداً كبيراً لضخ أصوات هائلة. خصوصاً بعد أن لمست أن «الإخوان» يميلون للهيمنة الشاملة فلم يكتفوا بالسيطرة على مجلسي الشعب والشوري (بدعم من الجيش)، بل قرروا أخذ الرئاسة كذلك، في سياق اتفاق سابق، كما يبدو، أن تكون الرئاسة للجيش.

وبصرف النظر عمّن حصل على أعلى الأصوات، مرسي أو شفيق، من حدّد الرئيس هو الضغط الأميركي الذي كان يريد «الإخوان» في السلطة، كونهم «قوة من الشارع» وتستطيع التعامل مع الشارع، في وضع يفرض إنهاء الثورة وحسم الصراع بتكريس البنية الاقتصادية السياسية القائمة. بينما كان المجلس العسكري يعتقد أن مواجهة الشارع تستلزم توافق الرئيس معها. لكنها تحت الضغط الأميركي سلمت بـ«الإخوان».

وأمام الميل المتسارع لـ «الإخوان» للسيطرة على الدولة، وفرض «أزلامهم» في المواقع الحساسة، كان يبدو أن قيادة الجيش (التي عينها مرسي بالتوافق كما يبدو مع المجلس العسكري) لم تعد راضية باستمرار مرسي. وهذا ما جعلها تميل إلى الحياد في صراع الشعب مع حكم «الإخوان»، وتظهر أحياناً ميلها للشعب. وربما شجعت الحراك كله، وأظهرت «عدم عدائية» لنزول الشعب إلى الشوارع، لكن حسمها الصراع كان يرتبط بالضبط بحجم الحراك ذاته.

المصدر: الحياة