Category Archives: الثورة السورية

رد .. نقاش مستمر عن الأساس الاقتصادي للثورات

يبدو أن كل إعادة إلى الأساس الاقتصادي للثورات يستفزّ “النخب”، خصوصاً السورية، بشكل لافت. تثير الرعب لديها، فتندفع إلى “الهجوم”. ولا شك في أن رد الأستاذ حسين عبد العزيز على مقالين لي تناولا الثورات في سورية ومصر (رداً على سلامة كيلة.. قراءة خاطئة لأسباب الثورات، العربي الجديد 8 /2 /2015) سيبدو مثالاً جيداً على ذلك، إذ تظهر حالة “إقناع الذات” بأن “السياسي، وليس الاقتصادي، هو سبب الثورات”. معمماً ذلك على “التجارب الثورية العالمية”، ومبتسراً فهم الواقع بما يتوافق مع هذه الفكرة، ومستنداً إلى من كان يفعل الأمر نفسه، أي “إقناع الذات”، بأن أساس الثورات سياسي، وملتقطاً من الواقع ما يتوافق مع فكرته، أو عارضاً الواقع في “صورة متخيلة”، ليصل إلى أن قراءتي ناقصة، أو ربما غير تاريخية، وتكرر قراءة تقليدية للماركسية، جرى تجاوزها، خصوصاً من غرامشي وألتوسير.

أبدأ بكل هذا التشوش، فأولاً غرامشي استند إلى الأساس الاقتصادي في تحليله، مركزاً على ما لم تبحث فيه الماركسية، وهو المستوى السياسي، وكتاباته تقول ذلك صراحة. وألتوسير جعل ماركس “عالم اقتصاد” فقط. بالتالي، يبدو واضحاً أن حسين لم يقرأ لا غرامشي ولا ألتوسير. ثم ثانياً، يشير إلى ثورات تونس ومصر، متجاهلاً أن الشعار الأول في الثورة التونسية كان “العمل استحقاق يا عصابة السرّاق”، وأن الشعار الثاني خصّ الأجور، ثلاثة أسابيع قبل أن يُطرح شعار الشعب يريد إسقاط النظام، وقبل أن تُطرح المطالب الديمقراطية. وفي مصر، تضمن بيان الدعوة لاعتصام 25 يناير على خمسة مطالب، ثلاثة منها تخص الاقتصاد (العمل، الحد الأدنى للأجور وإعادة الأرض إلى الفلاحين)، وحين بلور شباب الثورة في الميدان مطالبهم، كان الشعار: عيش، حرية، عدالة اجتماعية. وعلى الرغم من نشاط حركة كفاية، إلا أن دورها كان هامشياً في الثورة (كانت تظاهراتها السابقة، على الرغم من أهميتها تشمل المئات فقط). وهنا نجد “عدم معرفة” بالواقع كذلك. ثم ثالثاً وضع تونس الاقتصادي لم يكن جيداً، ولا ليبيا ولا عُمان والسعودية، البلدان النفطية، بل كان الشعب مفقراً كذلك. وهنا، لا يعود الأستاذ حسين إلى الأرقام، بل يعتمد ما كان يقوله صندوق النقد الدولي عن “المعجزة التونسية” (تراجع عنه بعد الثورة). ولا شك في أن الشعارات الأولى التي أشرت إليها تواً توضّح هذا الأمر. وهنا يجري الاعتماد على شذرات متكررة في الإعلام، وليس على فهم الواقع، وإذا كان الدكتور عزمي بشارة قد أشار إلى تونس قبل سبع سنوات، فقد نشرت كراساً قبل ثماني سنوات، عنوانه “طريق الانتفاضة، لماذا تثور الطبقات الشعبية”، كتبت فيه أن البلدان العربية مقبلة على الثورة، بالضبط، لأنني كنت أتابع التحولات الاقتصادية، والتهميش والفقر والبطالة التي كانت تتعمم. والكراس موجود على شبكة الإنترنت قبل نشوب الثورات، ومطبوع سنة 2007.

ثم أخيراً، يعتمد حسين على ما قاله صموئيل هنتغتون حول بلدان أميركا اللاتينية، فقد أشار إلى أن 90% من الثورات فيها كانت قد حققت نمواً اقتصادياً، أي لم يكن الاقتصاد السبب. ولا شك في أن هنتغتون كان يراوغ من أجل تجاهل النهب الإمبريالي، فكل ثورات أميركا اللاتينية نشبت نتيجة التمايز الطبقي الصارخ الذي نتج عن نهب أميركا خصوصاً. وهو يعتمد، في إشاراته إلى التقارير الدولية التي تريد رسم صورة وردية لاقتصاد تلك البلدان. فقد كانت البرازيل معجزة اقتصادية، لكنها انهارت وأفلس شعبها، كذلك الأرجنتين، بداية ثمانينيات القرن الماضي، والبيرو وكولومبيا ونيكاراغوا وغواتيمالا وغيرها.

يا عزيزي، لكل ثورات التاريخ، إلى الآن، أساس اقتصادي، فقط ثورات البلدان الاشتراكية كان لها علاقة بالشمولية (وليس بالاستبداد فقط)، حيث كان الوضع الاقتصادي “معقولاً”. ولا شك في أن غياب الفهم العميق لواقع الشعوب يسمح بوضع الذات بديلاً، ووضع الرغبة الذاتية مكان الواقع المجتمعي. خصوصاً لدى شعوبٍ لا تعرف الفكر والثقافة والسياسة بشكل كافٍ، وبالتالي، لم تصل إليها أفكار الحداثة التي منها الحرية والديمقراطية وتداول السلطة والانتخابات.

يشير ذلك كله إلى عدم فهم، وثقافة شفوية (مع الاعتذار مسبقاً عن “فجاجة” هذا الحكم). وبالتالي، تكوين صورة لا علاقة لها بالواقع، أصلاً، وليس بمنطق التحليل فقط. حين ننتقل إلى الحالة السورية، تبدو الأمور أكثر تشوشاً، وينكشف غياب “الأدوات المعرفية”، ويظهر “الفهم المقلوب”. يقول حسين “إن ربط الثورات بالعامل الاقتصادي يخدم الأنظمة الاستبدادية، لأنه يغيب حقيقة هذه الأنظمة والدمار الذي ألحقته في بنية الدولة والمجتمع، ومحاولتها الهيمنة علة كينونة الإنسان ومستقبله”، كيف ذلك؟ طبعاً يريد أن يشير إلى الاستبداد، من دون أن يحدد ما هو الدمار الذي أحدثته النظم، وما علاقته بالثورات؟ لكن، كيف أغيب حقيقة الأنظمة؟ تحليلي واضح أنها نظم استبدادية شمولية. لكن، ليس “لوجه الله” بل لنهب المجتمع، وهدف كل الهيمنة التي تفرضها “على كينونة الإنسان” نهبه، وليس نتيجة “مرض نفسي” أو “عقدة أزلية”. هذا بالضبط ما يجعل الأساس الاقتصادي موضحاً سبب تشكل النظم بهذا التكوين الشمولي الاستبدادي. والنهب هو الذي أفضى إلى إفقار أغلبية الشعب من العمال والفلاحين والفئات الوسطى، وهمّش بعض الفئات البرجوازية. السؤال: لماذا تركز “النخب” على الاستبداد، وتتجاهل السبب الجوهري في وجوده؟

“لا ماركس ولا لينين أشار إلى أن نسبة البطالة في سورية قبيل الثورة هي 30- 33%”

في سورية، كان “سوء فهم” الوضع يجعل هذه النخب تخاف من أن تلجأ السلطة إلى زيادة الأجور فتنهي الثورة. لهذا، أصبحت تصاب بعصاب، حين الإشارة إلى الاقتصاد، لكنها كذلك تحمل حلاً ليبرالياً الذي هو حل السلطة نفسها. لهذا، لا تريد الإشارة إلى الاقتصاد لإخفاء حلها. هذا يجعلها تركز على المستوى السياسي. وفي ردي على الصديق علي العبدالله، أشرت إلى الوضع الاقتصادي السوري قبل الثورة، حيث ظهر أن نسبة غالبة تعيش حالة بطالة وفقر شديد وتهميش. لكن، لا تهم كل تلك الأرقام شخصاً يريد إقناع الذات بأن الثورة نتيجة الاستبداد، وأن الهدف هو إزالة النظام الاستبدادي فقط من دون التفات إلى الاقتصاد، أو تغيير في النمط الاقتصادي الليبرالي الريعي الذي يحكم سورية (وكل البلدان العربية، وأطراف العالم). لهذا، تصبح الإشارة إلى الوضع الاقتصادي “ترفاً فكرياً”، و”مسبقات نظرية”. مع الأسف، لا ماركس ولا لينين أشار إلى أن نسبة البطالة في سورية قبيل الثورة هي 30- 33%، ولا قال إن الحد الأدنى للأجور هو خُمس ما يجب أن يكون، لكنني أشرت إلى ذلك، ولم أعتمد على صموئيل هنتغتون.

أخيراً، يضع الأستاذ حسين عبد العزيز ربطي الحرية بالليبرالية في سياق مقلوب. لهذا، يشير إلى واقع الثورة الذي أعرفه، وتناولته كثيراً، فما كتبته أن “النخب” تربط الحرية بالليبرالية وليس الثورة، أي الشعب الذي تظاهر وما زال يقاتل. وهذا الربط ناتج عن أنها لا تختلف مع السلطة في لبرلة الاقتصاد، بل في شكل السلطة، أو في من يحكم فقط. وهذا هو جذر هجومها على كل تناول للاقتصاد.

المصدر: العربي الجديد

قصف دمشق

تعرضت دمشق، في الأيام الماضية، لوابل من صواريخ كان زهران علوش قد أعلن أنه سيطلقها. وجاء القصف عشوائياً، وطال أحياء مدنية، وأودى بحياة مواطنين. لكن هذه المفردة، أي “مواطنين”، لا تدخل في قاموس جيش الإسلام وزهران علوش، فسلفيته تقسم الأمور إلى ديار إسلام وديار حرب، والمناطق التي يسيطر عليها هي ديار الإسلام فقط، أما دمشق فهي ديار حرب، و”الشرع” يتيح قتل الأبرياء في ديار الحرب، كما يظن وفق منطقه الوهابي.
ما الهدف من قصف دمشق؟ يبرر علوش أن مناطق النظام يجب أن “تتألم”، كما تتألم “مناطقنا”. لكن دمشق “يحتلها” النظام، وهي مناطقنا، جزء من سورية التي نهضت لإسقاط النظام، وتحركت، أولاً، في 15 مارس/آذار، ويوم 16 مارس/آذار، وبعد ذلك. وحيث كانت تنسيقيات أحياء دمشق هي الأهم طوال أشهر من الثورة. ولأنها كذلك، عملت السلطة على تدميرها. وذلك كله قبل أن يصبح زهران علوش، بعد أن أطلقته السلطة لكي يحمل السلاح “ضدها”، كما قال في مقابلة معه، فالسلطة أطلقت سراحه، وهي تعرف أنه سيحمل السلاح ضدها. وبالتالي، لكي يجهض نشاط الشباب الذي بدأ الثورة، وعمل على دفعها نحو الانتصار. واعتقال رزان زيتونة وحده يكشف كل الأمر، فهي من كان فاعلاً منذ بداية الثورة، وهو من خطفها وأخفى أثرها. وربما تشير هذه الرمزية، بوضوح، إلى عملية اختطاف الثورة، والتوافق الكبير بين السلطة وجيش الإسلام وكل المجموعات الأصولية التي خرجت معه، أو بعده، من السجن.
دمشق جزء من الثورة، ومن يقصفها يقصف الثورة، وهذا أمر يكمل ما قام به جيش الإسلام، في الغوطة، وفي كل المناطق التي وصل إليها، ربما منذ سلّم العتيبة للسلطة لكي تحاصر الغوطة، ومن ثم انسحابه إلى الشمال، بعد التمركز حول دمشق، وتخزينه السلاح الذي سيطر عليه من مخازن السلطة، وتصفيته كتائب مسلحة عديدة في الغوطة وغيرها. لأي استراتيجية إقليمية يتبع زهران علوش؟ ربما يوضّح منطقه أنه لا يدافع عن شعب، ولا يحمل مشروعاً لتحقيق مطالب هذا الشعب، فكل ما يقوم به ينطلق من منظور أصولي مدمّر، يقوم على التمييز بين “المسلم” (أي الذي معنا) وفي سلطتنا، والآخر الذي هو جزء من السلطة فقط، لأنه يقيم تحت سيطرتها. داعش تعتبر أن كل المجتمع “جاهلي”، كما قال سيد قطب، ويحتاج إلى الاستتابة، وإلا فهو مرتد، وللحرب ضد المرتدين الأولوية على الحرب ضد الكفرة. والآن، نجد زهران علوش يقيم تقسيماً آخر، ينطلق مما أشرت إليه من قبل، لهذا يعتبر أن من حقه أن يقصف الشعب، فقط لأنه تحت سيطرة السلطة، والشعب هو الثورة. لهذا، فهو يقصف الثورة، بالضبط كما تفعل داعش والنصرة وغيرها.
هذا من منظور “التأصيل الفقهي”، الذي هو مرجعية كل هؤلاء في “الفهم” (أو بالضبط عدم الفهم). لكن، للأمر مرجعية أخرى، لهذا طرحت السؤال حول الاستراتيجية الإقليمية التي يتبعها زهران علوش. هل ما يقوم به جزء من ضغوط أطراف إقليمية (سعودية خليجية) للقول إن أي حل يمكن أن يتحقق بالتوافق بين أميركا وروسيا، أو أميركا وإيران، ليس ممكن التنفيذ، من دون مشاركة من هذه الأطراف؟ بالتالي، يصبح زهران علوش ممثلاً لـ”الثورة”؟
هذا ما يبدو الهدف من القصف الوحشي على دمشق، وزهران أداة إقليمية، ينفّذ ما يعزز من مساومات الدول، من دون التفات إلى أن الذي يُقتل هو الشعب السوري، الذي بات يقتل من أطراف كثيرة تدّعي أنها الثورة، أو التي تركب الثورة، كما يقتل من السلطة وداعميها، من حزب الله، إلى المليشيا الطائفية العراقية، إلى الحرس الثوري الإيراني. ليبدو أن كل هؤلاء واحد، هو ضد الشعب السوري، ويريد إجهاض ثورته.

المفكر الفلسطيني سلامة كيلة: الثورة السورية لم تنته ولكن تطحنها وحشية النظام والمجموعات الجهادية معاً

عمان – «القدس العربي»: سلامة كيلة مفكر عربي يحمل صدق المبادئ والانتماء للقضية العربية أينما حلت، رافضا الأنظمة الاستبدادية ومدافعا عن الفكر الماركسي. حصل على شهادة العلوم السياسية من جامعة بغداد وانخرط في أنشطة اليسار العربي وسجن على يد النظام السوري ثمانية أعوام قبل أن يستقر به المقام في مصر، وله العديد من المؤلفات والمقالات في الصحف والمجلات العربية. التقته «القدس العربي» وكان هذا الحوار:
■ ما رأيك في «النهضة المجهضة» وهو عنوان لأحد كتبك، وكيف تفسر أسباب فشل النهضة في التاريخ العربي المعاصر؟
□ المحاولة الأولى التي بدأت مع محمد علي باشا في مصر وامتدت إلى بلاد الشام في سياق بناء «إمبراطورية عربية»، قائمة على بناء الصناعة والحداثة، أُجهضت بفعل التدخل الرأسمالي الغربي، حيث عمل محمد علي باشا على تحقيق التطور بالتوازي مع تطور فرنسا وبالتعاون معها قبل ألمانيا بخمسين سنة، وقبل اليابان بسبعين سنة. لكن بريطانيا التي كانت قد دخلت عصر الصناعة صممت على منع تصنيع مصر، لهذا حشدت الدول الغربية دعماً للدولة العثمانية المتهالكة لهزيمة محمد علي، ونجحت في ذلك سنة 1840 حيث فرضت عليه التقوقع في حدود مصر الحالية والتزام عدم تصنيع مصر كما ورد في اتفاق الاستسلام.
بعد ذلك بدأ احتلال البلدان العربية، والسيطرة على مسار تطورها الاقتصادي، حيث كانت الرأسمالية تريد المواد الأولية (القطن، الحرير، وأيضاً القمح)، والأسواق لتصريف سلعها. لهذا حاربت كل محاولة لبناء الصناعة وتحقيق الحداثة، على العكس عملت على تكريس البنى التقليدية والوعي التقليدي، وقامت بتغييرات تخدم سيطرتها ونهبها فقط.
ولا شك في أن نهاية القرن التاسع عشر شهدت انتشار أحلام التطور والحداثة، وطرحت مشاريع كثيرة، كما نشأت حركات تدعو إلى ذلك، وكانت كلها تقوم على تحقيق المثال الرأسمالي الذي انتصر في أوروبا. وإذا كانت هذه المشاريع تواجه من قبل الرأسمالية الأوروبية (عبر دعمها قوى «أصولية» وفكرا تقليديا، أو بالمواجهة المباشرة)، فإن أمر الفشل هذه المرة تعلّق بغياب الحامل الاجتماعي لتلك المشاريع، حيث كانت الفئات التي تستحوذ على المال (كبار ملاّك الأرض والتجار) تميل إلى توظيفها في التجارة والبنوك والخدمات، وليس في الصناعة كما حدث في أوروبا.
جاءت المحاولة الأخيرة في القرن العشرين من طرف الجيش، المغطى بتيار قومي «اشتراكي»، ولقد عبّر بالأخص عن الفلاحين الذين كانوا يعيشون الوضع الأسوأ في مجتمعات كانت ريفية عموماً، وإذا كانت الشعارات العامة تحمل حلم التطور، فقد كان ذلك يعني تحقيق تغيير مجتمعي ينهي البنى التقليدية، ويؤسس لمرحلة جديدة، لكن منطق «الريفي» يقوم على تحقيق ما هو مباشر وخاص، من دون التفات كبير لما هو مجتمعي.
في كل ذلك، فيما عدا التجربة الأولى، نلمس بأن كل محاولات التطور الرأسمالي باءت بالفشل، حتى تلك التي استفادت من التجربة الاشتراكية، من خلال التخطيط وتحكم الدولة بالتطور الاقتصادي، ونتيجة ذلك لم تنتصر قيم الحداثة، واستمرت البنى التقليدية، واستمر الوعي التقليدي.
■ وماذا عن مستقبل الثورات التي انخرطت فيها بعض الدول العربية بظهور الثورات المضادة لها؟
□ هو صراع طبقي يجري في شكل جديد. فإذا كان الصراع كامناً سابقاً، أو عبّر عن ذاته في أشكال متعددة من الاحتجاج، بات الآن صراعاً مفتوحاً. الشعب اندفع لتحقيق مطالبه، التي هي في جوهرها اقتصادية، مع مطالب نخب بالحرية والديمقراطية في دولة مدنية. ولقد سيطر على الشارع، لكن غياب البديل، سواء كأحزاب أو كرؤى وبرامج، جعل الطبقة المسيطرة تحاول المراوغة لكي تستمرّ.
السلطة تدافع عن مصالح رأسمالية مافياوية، وتريد تكريس النمط الاقتصادي الريعي القائم، وتكريس النهب الاقتصادي لمصلحة الطبقة الرأسمالية. وكذلك تريد استمرار شكل السلطة الديكتاتوري القمعي، وإعطاء شيء من «الحريات» الشكلية. والشعب لم يعد يستطيع الاستمرار في الوضعية التي بات فيها، من بطالة عالية (خصوصاً بين الشباب)، وأجور متدنية جداً، مع انهيار نظام التعليم والصحة، والفشل في الحصول على مسكن. ولهذا فقد تمرّد وكسر حاجز الخوف التاريخي، والحرص على تحاشي السلطة، بالضبط لأنه لم يعد يستطيع العيش، من دون «وعي سياسي»، أو تصوّر بديل، لأنه يعرف أن المطلوب هو أن توجد الظروف التي تسمح له بالعيش، العيش فقط. وتحديد هذه الظروف عبر بديل هو من مهمة الأحزاب، والنخب التي تنشط في مجال الفكر والسياسة. لكن ظهر واضحاً أن الأحزاب والنخب لا تحمل بديلاً مجتمعياً، بل طرحت «بديلها» الذي يتمثّل في «الحرية» و»الديمقراطية» في ظل الوضعية الاقتصادية القائمة، كما أنها لم تعرف كيف تدفع الشعب الثوري لكي يفرض التغيير الحقيقي عبر السيطرة على الدولة، بل ظلت تراهن على الدولة ذاتها.
هذا الأمر سمح للسلطة بالمناورة، أو بإنجاح سياستها تجاه الثورة، فلم يتحقق شيء مهم إلى الآن، بل ظل الوضع كما هو وظلت المطالب الشعبية كما كانت.
■ تعيش الماركسية اليوم أزمة عالمية وواقعا صعبا في الوطن العربي من حيث التنظير والأحزاب، فكيف ترى هذا المشهد؟
□ بالتأكيد الماركسية في أزمة في كل العالم، والأحزاب التي تدعي الاسترشاد بها هامشية وكثير منها يتلاشى بعد أن ظهر ارتباط وجوده بوجود الاتحاد السوفييتي، حيث ظهر أن الإنتاج النظري الماركسي كان ضعيفاً، وفي الغالب كان تكرارا نصيّا، أو تمحور حول الصراع ضد الإمبريالية أو السوفييت، ولم يلمس جيدأ الواقع العالمي في تحولاته، لهذا حين بدأ التشكيل العالمي الذي نشأ منذ النصف الأول من القرن العشرين يتفكك بانهيار الاتحاد السوفييتي، ومن ثم الأزمة الاقتصادية العالمية سنة 2008، تاهت كل هذه الأحزاب.
تمثلت الأزمة في العجز عن تمثُّل الماركسية كونها منهجية، وتحديد موقع الماركسية فيه بصفتها ترتبط بالعمال والفلاحين الفقراء. ولقد أظهرت الثورات أن كل الأحزاب التي تقول إنها ماركسية باتت من الماضي، حيث تجاوزتها عفوية الشعب، وظهر عدم فهمها لما يجري، فقد تحدث بعضها عن الثورة كثيراً، لكنه حين حدثت الثورة اعتبر أنها ليست الثورة التي قال بها، وبالتالي أنها ليست ثورة. ولا زالت غير قادرة على تحديد دورها الفعلي في الثورة، بل أن كثيرا منها بات يدعم الطبقة المسيطرة ضد الثورة.
■ في ما يخص الثورة السورية، كيف تقيّمها؟ واين توقفت؟
□ الثورة لم تتوقف، ولم تنته، لكن بات يطحنها ليس عنف ووحشية السلطة فقط، بل كذلك المجموعات الأصولية «الجهادية» التي اشتغلت دول عديدة على إدخالها في المشهد، وأيضاً تفتت الكتائب المسلحة والعبء السيئ للمعارضة. فقد مارست السلطة، ولا زالت، أقصى الوحشية ضد الثورة، فهي تقتل وتدمر بشكل واسع وممنهج، وتعتقل خيرة الشباب، ليقتل كثير منهم في السجون. ولقد ساعدت على نشوء المجموعات المتطرفة كلها بعد أن أخرجتهم من السجون ليعيثوا فساداً في الثورة، ويمارسوا كل أشكال القمع والقتل والاعتقال في المناطق التي انسحبت السلطة منها، أو التي تسمى مناطق محررة. فبات الشعب يقاتل على أكثر من جبهة، في الوقت ذاته، ولقد دعمت دول إقليمية مثل السعودية هؤلاء «المجاهدين»، وأمدتهم بالمال وساعدتهم على الحصول على السلاح. وظهر ان الدول الإقليمية إما تدعم السلطة وتدافع عن وجودها، حتى أن إيران وميليشياتها في المنطقة (من حزب الله إلى فيلق بدر وعصائب أهل الحق وغيرها، التي هي لا تختلف عن داعش والنصرة من حيث التعصب الطائفي) هي التي سمحت بعدم سقوط السلطة منذ سنتين. وأيضاً عملت روسيا بكل جهدها لعدم سقوط السلطة. وهو الأمر الذي يوضح بأن الثورة السورية تواجه ليس السلطة، بل كذلك كل قوة إيران وروسيا.
في المقابل نجد أن «أصدقاء الشعب السوري»، إما يدعمون تفكيك الثورة وأسلمتها والسيطرة عليها، أو يقولون انهم يدعمون ولكن لا يبالون بكل المجازر التي يقوم بها النظام، حتى تلك التي توضع تحت بند جرائم حرب أو حتى إبادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية. وهي كما يبدو تريد تحويل الأمر إلى مجزرة تدمر سورية، وتنهك الشعب، وكذلك تعطي المثل على أن الشعب الذي يثور سوف يكون مصيره كما جرى ويجري في سورية. وبالتالي نجد أن الثورة تواجه كذلك كل الوضع الإقليمي الذي يرتعب من الثورات، والوضع الدولي الذي يتلمس أن المرحلة المقبلة عالمياً هي مرحلة ثورات كبيرة في كثير من بلدان العالم.
ما هو الأفق؟ الصراع سيستمر، والثورة لن تتوقف، لكن ربما تصل الدول الإقليمية والعالمية المتحكمة بالسلطة إلى ضرورة تحقيق حل سياسي. وهذا يعني موافقتها على إبعاد الرئيس بشار الأسد ومجموعته، وفتح أفق لمرحلة انتقالية تعيد بناء الدولة، أو سيستمر الصراع وتزيد التدخلات من قبل أمريكا والسعودية، ويتصاعد دور «الجهاديين»، الذين يُستخدمون لمصلحة تدمير الثورة، والمجتمع، من قبل أمريكا والسعودية، ولكن أيضاً السلطة ذاتها وإيران وروسيا وغيرها، فهي مجموعات مخترقة من أجهزة أمنية متعددة، وإنْ كانت تنحكم في الأخير للسيطرة الأمريكية صانعتها منذ تدريب «المجاهدين الأفغان».
■ كيف ترى مستقبل «داعش»، وما رأيك في ما يحدث هناك؟
□ مستقبل «داعش» مرتبط بسياسات الدول المشغّلة لها، وبالتالي بتحقيقها الأهداف التي عملت من أجلها عبر إطلاق «داعش» بهذا الشكل «المذهل»، بالضبط كما فعلت مع تنظيم «القاعدة». إيران والمالكي استخدما تنظيم «دولة العراق الإسلامية» ضد الحراك الشعبي، وفي سورية استخدمت إيران والنظام «داعش» للقضاء على الثورة (كما استخدمت السلطة جبهة النصرة كذلك). لكن «داعش» الآن يلعب دوراً في سياق السياسة الأمريكية التي تريد أن تفرض أمراً واقعاً جديداً في العراق، يتمثل في تغيير مركز السيطرة في السلطة لمصلحتها بعد أن سيطرت إيران بشكل كامل قبيل وبعد الانسحاب الأمريكي، ثم أنها تريد إعادة تموضع جزء من جيشها في القواعد التي بنتها في العراق بعد أن تحصل على حصانة كما فعلت في أفغانستان.
لقد ضخّمت أمريكا من قوة «داعش»، ودعمته بأشكال مختلفة لتحقيق ذلك، وسيتراجع دوره في العراق بعد أن تحقق أمريكا أهدافها. أما في سورية فالأمر متعلق بالتفاوض مع إيران (الذي هو أوسع من سورية، حيث يشمل العراق، ويشمل تحقيق تفاهم مشترك)، وما يمكن أن ينتج عنه، لينتهي حينها وجود «داعش» بالضبط كما حدث مع تنظيم «القاعدة» في أفغانستان، حيث اختفت بعد ان احتلت أمريكا البلد.
«داعش» إذن، هو «بعبع» يستغلّ لأهداف سياسية، وينتهي دوره حين تحقيق تلك الأهداف.
■ هل تعتقد أن الإعلام خذل الربيع العربي؟
□ الإعلام العربي عموماً ليس فقط خذل الثورات، بل كان في الغالب جزءاً من إستراتيجية النظم لتشويه الثورات، حيث أنه إما تابع لهذه النظم، أو ملك لرجال أعمال، وفي الحالين كان ضد الثورة، وفي الثورة السورية ظهر ذلك واضحاً، حيث ركّز على أسلمتها، أو على تعميم أن ما يجري حرب أهلية، أو تشويه الحقائق.
ربما فتحت قنوات التواصل الاجتماعي، والنت عموماً، على صيغة أخرى سمحت بنشر الفكر المضاد، لكن يبقى الضخ الإعلامي، سواء عبر الصحف أو القنوات الفضائية كثيرة العدد، عنصر تشويه وتشويش، خصوصاً لدى الفئات الاجتماعية التي لا تقرأ أو تتابع الفكر والثقافة.
■ كيف تجد الحركة الفكرية العربية اليوم؟ ومن من هم أبرز المفكرين العرب الذين تركوا إرثا عظيما؟
□ الوضع بائس مع الأسف، حيث تراجع الفكر كثيراً، خصوصاً مع تحولات عديد من المفكرين، وتعميم الأصولية، وأصلاً مع الانهيار الكبير الذي شهده التعليم، وسيطرة النظم على الثقافة والإعلام، وتجييرها لتبرير سياساتها ومنطقها.
هناك عديد من المفكرين هم في الواقع من بقايا المرحلة السابقة، وربما تكون الثورات مدخلاً لتحريك الفكر وإعادة الفعل الفكري، ما يمكن قوله هنا هو أن الفكر النقدي ظل غائباً طيلة العقود السابقة، سوى بعض الحالات، حيث اتسم الفكر بدوغما لا زالت تحكمه، نتيجة التشبث بمنظومات «جاهزة»، لكن الأمر أسوأ الآن.
■ في ظل الظروف الصعبة التي يعيشها الوطن العربي من مآس وحروب وإرهاب، تراجع المشهد الثقافي بشكل كبير في العام الماضي، برأيك ألم يحن الوقت لتكون الثقافة جزءا فاعلا من هذه الأحداث ومؤثرا فيها؟
□ لا شك في ذلك، فقد أفضت الأزمة السابقة إلى حالة من الجمود وهجرة الثقافة، أو الميل نحو التدين، ربما تفتح الثورات أفقاً جديداً. فقد تفاقم الصراع الطبقي، وانفجر في ثورات، كما أشرت لم تجد التعبير الفكري والثقافي عنها، لكن هذه الهزّة الكبيرة فتحت بالضرورة على تلمّس ضرورة الفكر والثقافة، لهذا سنشهد تحولاً كبيراً في الفترة القادمة، سوف ينهض البحث الفكري، ويتوسع النتاج الأدبي، وسنكتشف مواهب مذهلة. لقد هزّت الثورة الأعماق، وحررت المكبوت، وأوضحت أنه بدون وعي ورؤى وبدائل ليس من تقدّم، وهو الأمر الذي دفع الشباب، أو قطاعا مهما منهم، إلى البحث عن الفكر والثقافة، للإجابة على سؤال: ما العمل؟.

آية الخوالدة

المصدر: القدس العربي

أفق الثورة وآفاق الحل السياسي في سوريا

الممكنات منذ بدء الثورة
دور الخارج

ما زال النقاش حول “النهاية” الممكنة في الثورة السورية ناشطاً، رغم أن جموع الشعب باتت تريد حلاً بعد أن تشردت وعاشت أسوأ أزمة اقتصادية، وحالة رعب مستمر وقتل وتدمير واعتقال.

بمعنى أن الوضع الشعبي وصل إلى حالة من السوء دفعت إلى القول بأن “الشعب بات يرضى بأي حل”، خصوصاً مع شعور عام بالعجز عن انتصار أي من الطرفين: الثورة والسلطة.

وهو شعور واسع نتج عن الدعم غير المحدود للسلطة من قبل روسيا وإيران (وأتباعها)، واللعب بالثورة من قبل “أصدقائها”، وعدم تقديم سوى ما يضرّها. فأصبحت حالة الاستعصاء هي القائمة منذ ما يقارب العامين. وأصبحت إمكانية انتصار طرف مستحيلة، وما يمكن أن ينتج في أقصى الاحتمالات هو حالة انهيار عام.

هذا الأمر فرض التعلق بأمل الوصول إلى حل، لكن في المقابل هناك من يعتقد أن التحولات العالمية سوف تفرض دعم الثورة من قبل “أصدقائها” لكي تنتصر. ولهذا نلمس أن بعض الانتصارات على الأرض تعلي من هذا الصوت، وكذلك حماس بعض الدول الإقليمية أو الدولية لـ”دعم” الثورة يزيد بروزه.

الممكنات منذ بدء الثورة
حتى يتضح الوضع الآن؛ يمكننا العودة إلى الاحتمالات الممكنة منذ بداية الثورة، هل كان لها أن تنتصر؟ أي أن تسقط النظام كما كُرّر في الشعار؟

هذا سؤال بدهي على ضوء نتائج الثورات في تونس ومصر واليمن وليبيا والبحرين، حيث شهدنا ثلاثة أشكال من المصير، فإما انقلاب السلطة على ذاتها وإبعاد الرئيس، أو التدخل “الدولي”، أو السحق كما في البحرين من قبل السعودية، أو المناورة ومن ثم إبعاد الرئيس كما في اليمن، تحت ضغط دول إقليمية وعظمى.

“إن مقدرة الثورة تتمثل في خلق تفكك في السلطة يدفع إلى تحويل “ديمقراطي” على أمل إعادة السيطرة، لكن واقع الثورة السورية لم يكن يسمح بأكثر من ذلك نتيجة غياب القوى السياسية التي تنظمها”

بمعنى أنه لم يحدث أن وصلت الثورة -في هذه الحالات جميعا- إلى لحظة أن يفرض الشعب سلطته. والسبب في ذلك أن انتصار الثورة يحتاج إلى قوى سياسية لديها رؤيتها وبديلها وتكتيكاتها التي تدفع الثورة نحو الانتصار، وهذا لم يكن قائماً في كل تلك البلدان، وكذلك في سوريا. ولهذا كانت الخيارات المطروحة تتمثل في: إما تحوّل من داخل السلطة يفتح على مرحلة انتقالية كما في تونس ومصر، أو التدخل “الخارجي”.

إن مقدرة الثورة -كما ظهر في البلدان الأخرى- تتمثل في خلق تفكك في السلطة يدفع إلى تحويل “ديمقراطي” على أمل إعادة السيطرة، لكن واقع الثورة لم يكن يسمح بأكثر من ذلك نتيجة غياب القوى السياسية التي تنظمها وتحدد شعاراتها، وتضع الرؤية التي توصل إلى انتصارها وتفرض البديل الذي يحمل مطالب الشعب.

وهو الأمر الذي كان يدفع إلى انتظار حدوث كسر في السلطة. هذا وضع ثورات تونس ومصر واليمن خصوصاً. وهو الوضع ذاته الذي كان يحكم حالة سوريا، بعد أن أدى الاستبداد وتكلس الأحزاب إلى الانقطاع عن “الشارع”، والقطيعة معه في المطالب والشعارات كذلك.

في سوريا؛ كان الخيار لدى أطراف المعارضة يتمثّل في: إما الضغط المحلي والدولي على السلطة لكي تقبل الدخول في مرحلة انتقالية لنقل سوريا “من الاستبداد إلى الديمقراطية”، أو الاندفاع نحو الدعوة إلى تدخل “خارجي”، خصوصاً بعد أن ظهر تدخل الحلف الأطلسي في ليبيا.

لكن الخيار الأول كان يصطدم بتشبث السلطة وحسمها “القتال إلى النهاية”، وبالتالي لم يفد تدخل الجامعة العربية ثم مجلس الأمن الذي عيّن كوفي أنان ممثلاً له وللجامعة العربية لتطبيق المبادرة العربية الدولية. ولم تفد العلاقات مع إيران وروسيا والصين لتحقيق هذا الغرض.

وكان الخيار الثاني يبدو مستحيلاً -منذ البدء- لأسباب كثيرة، منها وضع أميركا “الانكفائي” الذي جعلها تعيد بناء إستراتيجيتها بعيداً عن المنطقة، وأن تحاول التقارب مع روسيا (والآن أيضاً مع إيران)، وكذلك لأن التدخل سيتحوّل إلى حرب إقليمية لم ولن تكون أميركا مستعدة لها، كما يبدو إلى الآن.

من كان يقبل التدخل هو تركيا وفرنسا عبر الحلف الأطلسي، لكن كانت أميركا تلجم هذا الميل، وفي الأخير “باعت” سوريا لروسيا. بمعنى أن الوضع الدولي لم يكن يشير إلى أيّ إمكانية للتدخل العسكري، ولهذا أصبح هذا الخيار نفلاً.

ولهذا كان “الشغل السياسي” يفترض التركيز على تفكيك السلطة، وكان ذلك يعني تسهيل حدوث شرخ فيها يسمح بانتقال إلى “الديمقراطية”. لكن كل السياسة التي جرى اتباعها قامت على عكس ذلك؛ بدءا من التعامل مع “المنشقين”، إلى تحويل مجمل الجيش وأجهزة الدولة إلى عدو، إلى التحريض الطائفي الذي كان يتوافق مع ما تريده السلطة ويؤكد خطابها، إلى الاستهانة بالمسألة الوطنية، وغيرها كثير.

“لقد كانت إستراتيجية المعارضة خاطئة، وبعضها ألحق أبلغ الضرر بالثورة فهي  لم تشتغل من أجل حدوث كسر في بنية السلطة يفتح الطريق لتحقيق مرحلة انتقالية، بل إنها اشتغلت على تكريس تماسك السلطة”

لقد كانت إستراتيجية المعارضة خاطئة، وبعضها ألحق أبلغ الضرر بالثورة (وهنا تمكن الإشارة إلى الإخوان المسلمين والمجلس الوطني الذي تشكّل تحت هيمنتهم، ثم أغلبية معارضة الخارج)، فهي ليس فقط لم تشتغل من أجل حدوث كسر في بنية السلطة يفتح الطريق لتحقيق مرحلة انتقالية -وهذا ما هو ممكن كذلك نتيجة مجمل وضع الثورة- بل اشتغلت على تكريس تماسك السلطة.

حيث اعتمدت على دور دول خارجية، وهي هنا كانت ما زالت تعيش عصر “الحرب الباردة” في عالم شهد تغيّراً كبيراً كان أصلاً في أساس نشوب الثورات (الأزمة المالية العالمية سنة 2008). إضافة إلى تراجع القدرة الأميركية على التدخل، حيث إنها الوحيدة القادرة في الإطار الإمبريالي والمحدِّد كذلك، فقد باتت معنية بمواجهة موجة ثورية بدأت في تونس وتوسعت إلى كل المنطقة، في عالم بات يتحفّز لنشوب الثورات.

دور الخارج
بمعنى أن الثورة السورية باتت عُرضة لتدخلات معاكسة، سواء بشكل صريح مثل دور روسيا وإيران، أو مموه مثل دور “أصدقاء سوريا”.

وبالتالي كان التدخل الخارجي يهدف إلى حماية السلطة ومنع سقوطها، وتشويه الثورة وتفتيتها على أساس طائفي وأصولي ومناطقي من طرف آخر. والسيطرة على مسارها بما لا يسمح لها بأن تتطور إلى الحدّ الذي يهدد السلطة.

هذه العملية جعلت السلطة تعتمد كلياً على إيران/روسيا، وباتت -نتيجة الدور العسكري الكبير الذي قدمته- تقاتل الشعب بقوى خارجية (حزب الله، والمليشيات الطائفية العراقية، والحرس الثوري الإيراني، وخبراء من روسيا وإيران، وحشد من اليمن وباكستان وأفغانستان وروسيا) بعد أن تضعضع الجيش وفقد قوته الرئيسية.

لكن هذه العملية جعلت الكتائب المسلحة المعارِضة تتأسلم إرضاءً للممول، وتتشظى بتعدد مصادر التمويل، وجرى إدخال “الجهاديين” بتضافر بين السلطة وإيران ودول إقليمية (السعودية)، حيث أصبحت القوى الأصولية متمكنة والكتائب الأخرى مشتتة ومطاردة من القوى الأصولية. وباتت حدود الثورة -وفق إستراتيجية الدول الخارجية- هي خلق توازن يتيح الوصول إلى حل تفاوضي. أو كما تكرر “طائف سوري”، أو وفق مبادئ “جنيف 1”.

وبهذا لم يعد الحل قائماً على فعل داخلي محض، حيث باتت الدول الخارجية هي التي يجب أن تتوافق للوصول إلى حل، في ظل مروحة واسعة من المسائل العالقة بينها.

“تقوم المناورة الآن على أن يتم الحل ببقاء بشار الأسد كما يريد ذلك الروس والإيرانيون، بينما تضغط دول أخرى من أجل تنحيته. لكن في كل الأحوال ليس من حل سياسي بوجود بشار الأسد”

ولكن يبدو الميل هنا نحو توافق أميركي/روسي -كما كان في “جنيف 1”- ومن ثم إيراني سعودي، مع موافقة دول إقليمية أخرى (مصر، قطر). لكن يبقى الموقف التركي مربكاً، لأن تركيا لن تحصل على ما كانت قد حصلت عليه من بشار الأسد في أي حل قادم، ولهذا تدفع نحو تعزيز الدور العسكري، وتريد موافقة أميركية على منطقة حظر جوي لكي تفرض بديلها، الذي بات هو الائتلاف الوطني بعد أن سيطرت عليه تماماً.

وهذا ما يمكن أن يعقد الأمر ويؤخر الحل، لكنه لن يغير من أمر التوافق بين البلدان المشار إليها.

ما حاولت قوله هو أن الحل سياسي كان -منذ البدء- لا مخرج غيره. ولقد قادت شراسة السلطة وتعنتها والتدخلات المضادة للثورة إلى أن يصبح الحل السياسي بأيدي دول أخرى.

وتقوم المناورة الآن على أن يتم الحل ببقاء بشار الأسد كما يريد ذلك الروس والإيرانيون، بينما تضغط دول أخرى من أجل تنحيته. لكن في كل الأحوال ليس من حل سياسي بوجود بشار الأسد، ليس نتيجة رفض المعارضة أو أي من الدول الأخرى، بل لأن الحل يهدف إلى إنهاء الصراع وبقاء بشار الأسد لن يسمح بذلك، حيث لن تنخرط القوى المقاتلة على الأرض فيه، ولن تقبل فئات الشعب -بما في ذلك قطاع كبير من الذين يحسبون عليه- بحل دون تنحيته.

وهو الأمر الذي سيُبقي الصراع محتدماً إلى أن تتم القناعة الدولية بتنحي الأسد، خصوصاً من كل من روسيا وإيران. وهما الدولتان اللتان باتتا تعانيان من أزمات اقتصادية صعبة، ولن تستطيعا (نتيجة وضعهما الهش) تجاوز قبول المساومة مع أميركا. خصوصاً أن هذه الأخيرة تقدّم لهما تنازلات في سياق الوصول إلى توافق دولي.

وفي الأخير، الأمر يتطلب حدوث كسر في السلطة كان يجب أن تحدثه الثورة، لكن خطايا المعارضة والتدخلات الخارجية منعت ذلك. الآن لا بد لروسيا وإيران أن تحدثا هذا الكسر من أجل الوصول إلى حل، أو سيستمر الصراع لفترة أخرى. وربما تحدث تغيرات كبيرة في العالم (خصوصاً في روسيا وإيران) تفتح الأفق لهذا الحل.

وهذا يقتضي التركيز على هذا الحل وليس الغرق في أوهام الحسم كما يجري لدى قوى المعارضة التي ستكون خارج اللعبة، أو لدى تركيا التي لن تحصل على ما تريده. طبعاً دون تجاهل تطوير القوى على الأرض، وإعادة بناء الثورة بقدر ما يسمح به الوضع، فربما تسمح أزمات الدول وحدوث نهوض ثوري جديد في أكثر من منطقة، بفتح أفق آخر للثورة يجعلها تنتصر.

المصدر : الجزيرة

الوهم التركي

منذ التدخل الأميركي “ضد داعش”، وتركيا تتوهم أن “المأزق الأميركي في الحرب ضد داعش” سوف يتيح لها لعب دورها. ويستجر هذا الوهم التركي وهماً لدى أطراف في المعارضة السورية بأن الأمور سوف تختلف في المرحلة المقبلة، وسيقود التدخل التركي إلى “إسقاط النظام”.
حين توصلت مجموعة العمل حول سورية إلى مبادئ جنيف1، لمست تركيا أن أميركا قد تفاهمت مع روسيا. وبالتالي، خسرت هي مصالحها في سورية، المصالح التي حصدتها من السلطة الحالية. لهذا، استجابت للضغط السعودي لإدخال “الجهاديين” إلى سورية، بعد أن كانت رافضة له، لأنها تريد إسقاط النظام، وفرض بديلها الذي تمثّل حينها في المجلس الوطني. وأخذت تسهّل مرور وإقامة كل المجموعات الأصولية القادمة من أنحاء العالم لـ “الجهاد” في سورية. وأكثر من ذلك، أخذت تنسّق معها من منظور “التخريب” على التوافق الأميركي الروسي. ولقد ظنت أنها باتت تتحكم فيها، بالضبط كما كان يظن النظام السوري، وأيضاً، النظام في إيران. لهذا، أصبح من الطبيعي أن ترى تحركات عناصر داعش والنصرة في الأراضي التركية، علناً، ومن دون إزعاج.
وحين تقدمت أميركا لـ “الحرب ضد داعش”، ظنت أنها سوف تفرض منظورها، فقد أعلن أردوغان بعد أن يئس من قبول بشار الأسد إصلاح النظام وبناء نظام تعددي، أنه حين يُطرح التدخل في سورية، فتركيا أحق في أن تفعل ذلك. كان هذا التحديد يحيل إلى الصراعات الدولية حول سورية، حيث يبدو أن الرؤية التركية كانت تعتقد أن أميركا سوف تتدخل لصالحها، وتقطع الطريق على تركيا التي ستخسر مكتسباتها. طبعاً، إضافة إلى بروز النهم الروسي. لهذا، كان أردوغان يقول إن سورية “له”، وليس لأيٍّ من الدول الأخرى. لهذا، بعد بيان جنيف1، أخذ “يلعب بداعش”، لاستجرار قرار دولي، يخوّل التدخل العسكري ضدها. ولأن أميركا باتت لا تستطيع إرسال قوات برية، والحرب ضد داعش تستلزم ذلك، اعتقد أردوغان أن أميركا ستكون مضطرة لدوره. بالتالي، بعد أن أصبح التدخل الأميركي قائماً ضد داعش، أعلن شروطه التي تتعلق بـ “إسقاط النظام” أيضاً، عبر فرض “منطقة آمنة في الشمال السوري” (أي فرض منطقة حظر جوي). وهو، إلى الآن، ينتظر “تورط” أميركا، وبالتالي، حاجتها إلى قوى برية، بات يحضّرها لذلك.
هذا هو الوهم التركي الذي ينطلق من أن لعبته بداعش قد نجحت، ولم يبقَ سوى اعتراف أميركي بضرورة تدخل تركيا بعد الموافقة على شروطها. لا شك في أن داعش مخترقة لأجهزة أمنية عديدة، من إيران والنظام السوري إلى السعودية، وصولاً إلى تركيا. وكل من هؤلاء لعب لكي يضعها في سياق استراتيجيته. لكن كل “الحالة الجهادية” مؤسَّسة أميركياً منذ الحرب ضد السوفييت في أفغانستان، وهي ممسوكة في مفاصلها التي تنتج هذه القوة والتقنية العالية والقدرات المالية. وإذا كانت قد خدمت النظم في إيران وسورية وتركيا في الفترة السابقة، فقد وُضعت في خدمة إستراتيجية أميركية جديدة، تهدف إلى إعادة السيطرة على العراق، والتأثير في المسار السوري (أو اتخاذ المسار السوري ورقة ضد في الحوار مع إيران وروسيا). لهذا، أشرت مراراً إلى أن أميركا لا تحارب داعش، بل تخوض الحرب بداعش، أي تستخدمها ضد القوى الأخرى، لكي تتدخل وتفرض شروطها هي. وسنلمس بأن داعش توسعت، في ظل الغطاء الجوي الأميركي، في ساحة يسهل فيها صيد كل حركة، وهذا ما فعلته أميركا في جيش العراق قبل الاحتلال وخلال الغزو.
أقول إن تركيا أردوغان تتوهم قرب تدخلها لفرض “رجالاتها”، وهذا ما يظهر واضحاً في السيطرة الإخوانية على “الحكومة المؤقتة”، كما على الائتلاف. فهي تعتقد أن الوقت قد حان، لكي تتشكل الهيئات التي ستمارس “السلطة” على الأرض التي سيفرض عليها الحظر الجوي، مقدمة لكي تصبح هي السلطة المقبلة في دمشق. لكن، هذا وهم، والأخطر منه أن أطرافاً في المعارضة تعتقد بذلك، وتهيّئ لكي تستلم السلطة. ولهذا، نجدها ترفض الحل السياسي، وتوهم أن الصراع ضد السلطة سينتهي قريباً.

“ما هو ضروري فهم أن لا نهاية للصراع إلا بحل سياسي، وهذا الأمر واضح منذ البدء، لكنه بات مكشوفاً الآن”

لن توافق أميركا تركيا على شروطها، وهي، أصلاً، لا تريد لتركيا أن تسيطر في سورية. ولا بد من نزع الوهم أن أميركا تقاتل داعش، وهو أمر يعني أن كل التكتيك التركي خاطئ. فأميركا تساوم إيران على وضع سورية، وما زالت تتحاور مع الروس حول ذلك. هذا ما يمكن أن يشكل صيغة الحل في سورية، إلا إذا لم تستجب روسيا وإيران لذلك، وظلتا متمسكتين ببشار الأسد، الأمر الذي يمكن أن يدفع إلى تركيز داعش في سورية، بعد ترتيب وضع العراق لمصلحة أميركا، ومن ثم الشغل على ترتيب أميركي للوضع السوري. بالتالي، حتى في ذلك ليس لتركيا دور أساسي، فبالنسبة لأميركا، تمددت تركيا في الفترة السابقة أكثر مما يجب، وعملت، بخلاف السياسة الأميركية، حين فرضت الإدارة الأميركية الحصار على النظام السوري (كما تفعل، الآن، بالعلاقة مع روسيا في ظل العقوبات الأميركية والأوروبية عليها، إذ توافق على مد أنبوب الغاز من أراضيها). ومن ثم لا يجب أن يتجاوز دورها دور الدولة الصهيونية، كما أرادت أن تفعل سابقاً.
هنا الدولة التركية تتوهم بالحاجة الأميركية إليها، وأميركا تسير في مسار آخر. لهذا، لن تقبل فرض حظر جوي أو مناطق آمنة، أو أي تدخل تركي في “الحرب ضد داعش”. وبالتالي، لن تقبل سياسة تقود إلى إسقاط النظام عبر الدور التركي. وكما أشرنا، أميركا تريد التفاهم مع إيران تحديداً. لهذا، لن “تبيع” سورية لتركيا، فهذه من حصة روسيا/ إيران.
يعني ذلك كله أن المراهنة على تغيير معادلة الصراع، عبر الدور التركي في سياق العمل على إسقاط النظام، هي وهم كذلك. فلن تستطيع تركيا لعب أي دور من دون غطاء أميركي. لهذا، لا بد من فهم الوقائع بدقة شديدة، ووضع سورية يسير نحو استعصاء مؤلم. ما هو ضروري فهم أن لا نهاية للصراع إلا بحل سياسي، وهذا الأمر واضح منذ البدء، لكنه بات مكشوفاً الآن. الأمر الذي يدفع إلى بلورة صيغة لهذا الحل والشغل على أساسها، طبعاً من دون توقف الثورة أو وقف الصراع، إلى أن يجري التوصل إلى الحل، على أساس مبادئ جنيف1 التي تنطلق من تنحية بشار الأسد ومجموعته.

المصدر: العربي الجديد

Syria needs more than just a new regime

The rise of extremism and sectarianism means that the fall of Assad is now not enough to build a better Syria – revolutionaries need to reject hateful ideologies to realise their original goals of freedom and democracy.
The people who started the Syrian revolution no longer control it. The regime targeted the coordination committees established by activists to ensure they lost educated members with vision and organisation. Many were arrested or killed, and many others fled Syria.

Those who remained decided to take up arms against the regime’s barbarity, setting in motion a spiral of violence. The regime began destroying areas of active opposition, resulting in the decline of the peaceful demonstration movement and the rise of the armed opposition.

With the increased militarisation of the revolution, armed factions began to seek weapons and money from regional states to confront a professional force. Assad’s regional enemies gladly contributed to further their own policies.

At this time, former prisoners of the Syrian regime, many of whom believed in violent jihad, flocked to groups such as Ahrar al-Sham, Suqour al-Sham, Jaish al-Islam, the Nusra Front and later the Islamic State group.

Foreign funding strengthened these groups as the ostensibly secular forces of the Free Syrian Army were in decline, pushing some Syrians into the arms of the better equipped jihadist groups.

A fate worse than Assad: read the first part of Salameh Kaileh’s series on the Syrian revolution

The youth had originally responded to regime accusations that the Muslim Brotherhood and Salafis ran the revolution by chanting: “no Salafis or Brotherhood, the revolution is by the youth”. But as foreign money began to influence the opposition, that chant was consigned to history.

One can also not ignore the role played by the media, with western outlets focusing on the sectarian nature of the conflict – a Shia Iranian-backed Alawite Assad suppressing a Sunni-majority revolution. The regime itself depicted the revolution as Salafi.

This portrayal facilitated the infiltration of extremist groups in the revolution who were not in Syria to topple the regime, but to establish an Islamic state. That goal would destroy the original demands of the revolution.

Not all revolutionaries have sided with the Salafis, however. Large segments of the population became refugees and many activists left the country. It is these people who need to rebuild the revolution and turn it away from the sectarianism that has derailed it.

The original revolutionaries were united by grievances over poverty, lack of democracy and oppression. The revolution should be about more than toppling Assad – it should seek to improve the economy, representation and freedom.

This requires an ideological battle against fundamentalism. We have to expose how the visions of fundamentalists contradict the demands of the population and the interests of impoverished segments of society.

 
The original revolutionaries were united by grievances over poverty, lack of democracy and oppression.

We have to demonstrate the error of joining groups that work against the aspirations and demands of their Syrian members and against the interests of the areas in which they have taken refuge.

Here we should clearly distinguish between religion and the ideology of these fundamentalists groups, and demonstrate how these groups use religion as a tool to further their interests, which stand opposed to the interests of the people.

We also have to expose the vision of liberalism that wants to limit the revolution’s goals to political freedom, ignoring the fact the economic liberalism – the belief that the “market” is king – causes its own problems of inequality and misery.

The struggle against the regime is for an alternative that meets the demands of the population. The regime needs to be replaced with a system that resolves the problems of unemployment, poverty and marginalisation as well as other social problems.

المعارضة السورية في متاهة الحلول

حرّك الحديث عن حل سياسي في سوريا -خصوصا بعد “النشاط” الروسي- كل مكونات المعارضة السورية، حيث يبدو أن “الخطوة الجديدة” لا تستند إلى تمثيل الائتلاف الوطني السوري كما جرى في مؤتمر جنيف2. ولهذا نشطت كل أطراف المعارضة، وبات البعض يدعو إلى مؤتمر في القاهرة.

في مؤتمر جنيف2 كان التوافق الأميركي الروسي -المستند إلى المبادئ التي جرى الاتفاق عليها في 30/6/2012- يقتضي أن يسمّي الروس وفد السلطة ويسمي الأميركيون وفد المعارضة. ولهذا اختارت روسيا وفدا أرسله بشار الأسد لا يوافق أصلاً على مبادئ جنيف1، بينما قررت الولايات المتحدة حصر التمثيل في الائتلاف الوطني الذي وافق حينها على المبادئ والتزم تطبيقها، ومن ثم زار روسيا لكي يؤكد لها أنه ملتزم بكل الاتفاقات التي جرى توقيعها مع السلطة السورية.

لكن وفد السلطة أفشل المؤتمر دون أن يحرّك الروس ساكنا، ومن ثم دخلوا في متاهة الأزمة الأوكرانية التي جعلتهم لا يقوون على لعب أي دور على الصعيد السوري، طبعا نتيجة للأولوية الشديدة التي يعطونها لأوكرانيا.

الغياب الروسي ترافق مع ميل أميركي جديد يهدف إلى العودة إلى العراق بعد الانسحاب الذي جرى نهاية سنة 2011 حسب الاتفاق المبرم، وبعد أن رفضت حكومة المالكي ضمان عدم ملاحقة الجنود الأميركيين. وهو الأمر الذي جعلها تتمدد إلى سوريا بحجة “الحرب ضد داعش”، وبالتالي تفرض ذاتها قوة مقررة بعد أن مارست الدعم لروسيا من بعيد، كما مارست دعم الفوضى المصدَّرة من دول إقليمية من بعد كذلك.

هذا ما دفع الروس إلى “أخذ زمام المبادرة” عبر “النشاط المحموم” من أجل العودة إلى التفاوض بين السلطة السورية والمعارضة. وقد باتت روسيا تهيئ لعقد مؤتمر موسكو1 بدل جنيف3.

هذا الوضع أعاد طرح مسألة تمثيل المعارضة، حيث إن روسيا لم ترتح للائتلاف حتى بعد التأكيد على ضمان المصالح الروسية. وربما كان معها بعض الحق لأن الائتلاف كتل هلامية يبحث الجزء الأكبر منها عن مصالح ضيقة، كما ليس من الممكن تجاهل المعارضة التي تشكلت في هيئة التنسيق وتضم أحزابا لها تاريخ في سوريا. وأيضا لا يبدو أن الروس قبلوا بألا تكون جبهة التحرير والتغيير جزءاً من المعارضة.

“يظهر أن كلا من روسيا وإيران لا تستطيع أن ترى الوضع السوري ومصالحها في سوريا بمعزل عن وجود بشار الأسد. ربما لأنه هو الذي أعطى لكل منهما المقدرة على السيطرة والتأثير وأغدق المصالح، ومن ثم يظهر الخوف الشديد من أن رحيله ربما يفضي إلى فقدان كل ذلك”

لهذا وجدنا أن الأمور تسير في مسارين، الأول يتمثل في بلورة الصيغة التي يمكن أن تؤدي إلى تحقيق الحل السياسي.؛ وقد تسرب عدد من الصيغ، بعضها ينطلق من بقاء بشار الأسد (كما تروّج لذلك القوى والصحف الداعمة للسلطة)، وبعضها ينطلق من حتمية إزاحته. وفي هذه الوضعية يبدو أن الروس لم يتوصلوا إلى ما يجعل الحل ممكنا، حيث ما زالوا يصرّون على بقاء بشار الأسد حتى وإن بشكل “صوري”، وكذلك يفعل الإيرانيون.

ويظهر أن كلا من روسيا وإيران لا تستطيع أن ترى الوضع السوري ومصالحها في سوريا بمعزل عن وجود بشار الأسد. ربما لأنه هو الذي أعطى لكل منهما المقدرة على السيطرة والتأثير وأغدق المصالح، ومن ثم يظهر الخوف الشديد من أن رحيله ربما يفضي إلى فقدان كل ذلك، بغض النظر عن طبيعة السلطة الجديدة التي ستكون راجحة بالضرورة لعناصر من السلطة الحالية وفق الترتيب الذي يجري.

طبعا، إن التمسك ببشار الأسد لن يقود إلى حل حتى وإن وافقت كل أطراف المعارضة، لأن ما جرى يحتاج إلى “كبش فداء”، وهو أكبر كثيرا مما جرى في تونس ومصر واليمن، وهي البلدان التي أطيح بالرئيس فيها لكي يقال إن الثورة قد حققت هدفها. فكيف في بلد مارست سلطته أقصى الوحشية، وأصابت كل المجتمع سواء بالتدمير أو القتل، ومارس شبيحتها كل العنف حتى في المناطق التي تسمى “مؤيدة”؟ ليبدو الرحيل هو أقلّ ما يمكن أن يتحقق، رغم أن الممارسات تفرض تحويل قيادات السلطة الأساسية إلى محكمة الجنايات الدولية بجرائم ربما تكون أضخم من كل ما ارتكِب في التاريخ الحديث.

لهذا فإن الخطوة الأولى تتمثل في موافقة الروس والإيرانيين العلنية على رحيل الأسد و”الطغمة” التي حكم عبرها. وهذا هو الخطوة الأولى في نجاح الحل. وهو الأمر الذي بات يَجمع معظم أطراف المعارضة (هيئة التنسيق، وتيار بناء الدولة، والائتلاف، ومعاذ الخطيب)، والذي لا بد من أن يكون في رأس الحل.

هل سيعلن الروس والإيرانيون ذلك؟ ربما سيبقى الصراع قائما إلى أن يصل كل منهما إلى هذه النتيجة، خصوصا أنهما باتا يعيشان أزمات الحصار “الغربي”، ولا يبدو أن أمامهما غير التوافق على كثير من القضايا مع أميركا، ومنها سوريا.

المسار الثاني يتعلق بالمعارضة ذاتها، حيث هناك هيئة التنسيق وتيار بناء الدولة في الداخل السوري (يضاف إليهما من قبل الروس جبهة التحرير والتغيير)، وهناك الائتلاف المنقسم على ذاته، والذي بات يخضع لتناقضات الدول الإقليمية والوضع الدولي.

وإذا كان الائتلاف قد مثّل المعارضة في مؤتمر جنيف2 مبعِدا كل الأطراف الأخرى (وكما أشرنا بقرار أميركي)، فإن ما يجري يشير إلى أن الأمور قد خرجت من هذا السياق، ولم يعد الائتلاف مطروحا كممثل، بل ربما كطرف من جملة الأطراف التي تمثل المعارضة، إذ ربما يجري إشراك بعض أطرافه فقط. وإضافة إلى ذلك، هناك الكتلة التي يمثلها معاذ الخطيب الذي يبدو أنه سيكون أساسيا في صيغة الحل المطروح.

وفي الائتلاف سوف نلاحظ التنازع بين “ذوي المصالح” الذين يمكن أن يشاركوا في أي حل يضمن لهم دورا، وهؤلاء كثر وكل منهم ينتظر معرفة إلى أين تسير الأمور لكي يقفز سريعا إلى الوجهة التي تسير فيها. وهناك من هو “مستثنى” أو يريد حصة أكبر مما يحصل عليها في حل كهذا، ولهذا يريد اللعب والتشويش و”إعلاء الصوت” بضرورة “إسقاط النظام”.

“إذا كان الائتلاف قد مثّل المعارضة في مؤتمر جنيف2 مبعِداً كل الأطراف الأخرى (وكما أشرنا بقرار أميركي)، فإن ما يجري يشير إلى أن الأمور قد خرجت من هذا السياق، ولم يعد الائتلاف مطروحاً كممثل، بل ربما يجري إشراك بعض أطرافه فقط”

ولا شك في أن الصراعات الإقليمية باتت تنعكس مباشرة على القوى التي تشكل الائتلاف، حيث نجد أن ميل تركيا لدفع الأمور إلى حدّ فرض منطقة حظر جوي وإنشاء منطقة آمنة وحتى التدخل لإسقاط النظام، جعل الإخوان المسلمين وبعض “المفلسين” يدفعون للسيطرة على مسار الائتلاف، وتجييره بما يجعله واجهة لتدخل تركي. فقد توهمت حكومة أردوغان أن أميركا سـ”تضطر” لأن تتحالف معها ضد داعش لاحتياجها إلى قوات برية تهزم هذه الأخيرة، وبالتالي سعت إلى “فرض شروطها” المتمثلة في إسقاط النظام وليس الحرب ضد داعش فقط.

ولهذا حاولت ترتيب الائتلاف بما يجعل الإخوان المسلمين هم القوة المسيطرة (بتحالف مع بعض “الليبراليين” مثل برهان غليون وميشيل كيلو)، وهو ما ظهر في فرض إعادة أحمد طعمة رئيسا لحكومة افتراضية، وتشكيل “مجلس قيادة الثورة” من فصائل مسلحة نشطت تحت اسم مبادرة “واعتصموا”.

وبهذا بات الحراك السياسي يتمحور حول تحالفات واصطفافات داخل المعارضة في سياق النشاط الروسي للوصول إلى حل. وبالطبع إذا لم يكن التوافق شاملاً ترحيل بشار الأسد فإن صوت الإخوان وحلفائهم سيعلو في حال وافقت أطراف المعارضة على ذلك. لكن لا بد من التشديد على أن الحل يبدأ من ترحيل بشار الأسد، وبعد ذلك يمكن البحث في كل المسائل الأخرى، لأن هذا هو الذي سوف يفضي إلى أن يصبح تطبيق الحل ممكناً.

فرغم صعوبة الظروف التي يعيشها السوريون، سواء اللاجئون والذين ما زالوا يعيشون الصراع، ومع انهيار الوضع الاقتصادي والانفلات الأمني، فإن حلا لا يقوم على ترحيل الأسد لن يلقى الموافقة، وسيفشل بالضرورة حتى وإن وافقت عليه كل قوى المعارضة، لأن المتضرر هو الشعب، وهو الذي ثار ويريد أن يحصد بعد كل هذه الوحشية انتصارا ولو كان صغيرا، وهو ذاك المتعلق بترحيل الرئيس.

إذا كان الشعب السوري قد تعب، وتعب كثيراً، فربما تكون القوى الدولية الداعمة للسلطة قد تعبت لكي تقبل -بعد أن باتت هي المتحكم في السلطة بسوريا- برحيل الأسد وتحقيق حل مقبول، بعد أن دخل الوضع في حالة استعصاء طويل، ولم يعد ممكنا انتصار أحد، خصوصا بعد تدخلات القوى الإقليمية والدولية التي لا تريد للثورة أن تنتصر، وبالتالي يكون استمرار الوضع القائم هو إيغالا في الاهتراء والتدمير والقتل والتهجير.

المصدر : الجزيرة