Category Archives: الثورة التونسية

حول الموقف الأميركي والأوروبي من التغيير في تونس ومصر، وربما من التغيير العربي في المرحلة القادمة

في تونس دافعت الحكومة الفرنسية عن نظامها في تونس حتى آخر لحظة، واتسم الموقف الأميركي بقدر من التريث والانتباه الى أن الوضع قلق، لهذا دفعت الى الصيغة التي تقوم على التخلي عن بن علي ولكنها تمسكت بأن يبقى رجال بن علي في السلطة لقيادة المرحلة الانتقالية، مع إدخال بعض أحزاب المعارضة التي كان معترفاً بها، اي حركة التجديد (الحزب الشيوعي سابقاً9 والحزب الديمقراطي التقدمي (الحزب الاشتراكي التقدمي سابقاً).

ورغم أن أحزاباً مهمة قد لعبت دوراً في الانتفاضة (حزب العمال الشيوعي، والحزب الديمقراطي التقدمي)، وكان هناك طيف واسع من الكادر الماركسي المشتت نشط في قواعد الاتحاد العام التونسي للشغل، وفي اللجان التي تشكلت كتعبير عن “التنظيم الذاتي للانتفاضة”، فإن تشتت القوى الماركسية، والحساسيات التي تحكم العلاقة فيما بينها نتيجة تناقض التكتيكات في المرحلة السابقة من الصراع ضد نظام بن علي، فسح المجال للقوى المساومة لأن تقبل القسمة الجديدة بحماس شديد. فحركة التجديد لم تشارك في الانتفاضة وكانت مواقفها مهادنة الى أبعد الحدود (مع وجود قوى قاعدية فيها اتخذت موقفاً آخر)، وبالتالي كان طبيعياً أن تقفز الى السلطة حين طُرح عليها ذلك، فهي لا تؤمن بطاقات الطبقات الشعبية، ولم تكن تعرفها أصلاً، وتعتقد بأن مشاركتها في الحكومة سوف يغيّر من طبيعة السلطة أو يحسّن من طبيعة الطبقة المسيطرة (البرجوازية المافياوية). وأحمد نجيب الشابي كان ينتظر منذ زمن اللحظة التي يصبح فيها شريكاً في السلطة، على أمل أن يحقق تغييراً عميقاً في المستوى الديمقراطي، وهو لا يطرح مسألة تجاوز الرأسمالية أصلاً منذ أن حوّل الحزب الى حزب ديمقراطي. ولقد قاد الحزب في هذا الاتجاه معللاً ذلك بالتغيير من “الداخل” ربما كما يفعل كل من يطمح الى المشاركة بالسلطة بغض النظر عن طابعها. وقيادة الاتحاد العام التونسي للشغل كانت معينة من قبل بن علي، أو على الأقل ليست في تناقض معه، ولقد همّشت دور الاتحاد، ووضعته في سياق سلطوي، وبالتالي ونتيجة ضغط القاعدة حاولت تعميق التغيير، وأفلحت من حيث الشكل، لكنها لم تطرح مطالب العمال الذين يعبّر عنهم.

لهذا نجح الحل المطروح أميركياً، وما تحقق هو انفراج ديمقراطي أوسع مؤقتاً (وهذه المؤقتاً مهمة لأن الطبقة المسيطرة سوف تقضم ما تحقق في المرحلة القادمة)، لكن الأهم هو ثقة الطبقات الشعبية بذاتها، وبدورها، ومن ثم سيكون لذلك نتائج لاحقة في سياق تطور الصراع. فالحل الأميركي يعتمد على إيجاد شكل ديمقراطي ينفّس أزمة المجتمع من خلال “الكلام”، لكن هذه روشيتة الثمانينات والتسعينات، وخصوصاً الروشيتة الناجحة في بلدان أوروبا الشرقية وروسيا، حيث الوضع مختلف جذرياً عما هو في بلدان مثل تونس ومصر وكل الأطراف. وبالتالي فإن الحل “الشكلي” لن يطعم خبزاً أو يوفر فرصة عمل لطبقات جائعة.

في مصر وقفت بالبلدان الأوروبية مع تغيير حسني مبارك منذ البدء، وظلت أميركا تدافع عن النظام، وتؤكد على قوته الى أسبوع بعد انتفاضة 25 يناير. ولقد أظهرت كل ما يفيد بأنها تدعم سلطة الرئيس حسني مبارك، وترفض التغيير. لكنها توصلت الى أن الأمور في تفاقم، والوضع يسير نحو انفلات السيطرة، وأن الشارع يفرض بديله بعيداً عن دورها وحساباتها. لهذا اندفعت بشكل جنوني نحو فرض التغيير، انطلاقاً من رحيل مبارك أو اختفاءه، وتسلم عمر سليمان السلطة، وحل مجلس النواب، والحكومة، وتشكيل حكومة مؤقتة أو مجلس رئاسي، تشارك فيها “المعارضة”، و”ممثلي الشباب”، من أجل انتخابات جديدة وانفراج ديمقراطي.

فالولايات المتحدة واضحة في دعمها للطبقة المسيطرة ولكل السياسات التي مارستها في العقود الماضية، وهي معنية بأن تبقى في السلطة، وأن لا يصل إليها إلا من يتوافق معها. وهو الأمر الذي دفعها الى التأكيد على أن أي تغيير يجب أن يلتزم الموافقة على كل الاتفاقات الموقعة، من اتفاق كامب ديفيد الى الاتفاقات العسكرية، الى التوافق السياسي مع سياستها العالمية. هذا الوضع الذي يحكم الموقف الأميركي، والذي فرض التسارع لتحقيق تغيير مضبوط كما جرى في تونس. حيث تستفيد من كل النشاط “الأيديولوجي” والدعائي السابق، ومن موجة الدمقرطة التي أطلقتها من أجل حصر المسألة في “الرئيس”، المستبد، والذي بقي طويلاً في السلطة. أما السياسة الاقتصادية التي ترسمها الشركات الإمبريالية، والسياسات الإقليمية والدولية التي تتبع ذلك، فيجب أن تكون خارج البحث، ويجب أن يجري استباق تصاعد الصراع لإيجاد حل يحافظ عليها.

بالتالي جاء التدخل الأميركي من أجل ذلك وليس حباً بالشعب المصري، أو أملاً في تحقيق نظام ديمقراطي بعد دعم طويل لنظام فاسد وبوليسي. ولن تتورع من أن يعيد الكرة بعد أن يهدأ الوضع وتستكين الطبقات الشعبية، حيث أن النهب المفرط يفترض شكلاً من أشكال الدكتاتوريات وليس النظم الديمقراطية.

الآن، ستكون المراهنة على دور الجيش، والصيغة التي يمكن أن تخرج الصراع من مأزمه القائم الآن، نتيجة أن الطبقات الشعبية صمدت ولازالت صامدة، لكن ليس لديها خطة للتقدم من أجل فرض التغيير، وما يجري هو انتظار حل “مقبول” يطرحه الجيش أو من يعبّر عنه. وهو حل يفترض إما مشاركة قوى معارضة في حكومة تقوم بعد رحيل مبارك (أو تغيبه باسناد صلاحياته لنائبه)، أو تشكيل حكومة انتقالية من أطراف في السلطة مدعومة من الجيش وأطراف معارضة (مثل الأحزاب الشرعية، الوفد والتجمع وحزب الجبهة. أو نصف الشرعية مثل حزب الغد. وأيضاً الجمعية الوطنية للتغيير التي يرأسها البرادعي. وبعض هيئات المجتمع المدني والشخصيات المستقلة). تشرف على مرحلة انتقالية يجري فيها إعداد دستور جديد، ومن ثم تجري انتخابات جديدة.

هذا هو الحل الأقوى ربما، وما يجري من ضغوط من قبل السلطة تهدف الى تحقيق أقل قدر ممكن من التنازلات. لهذا جرى حصر المسألة في رحيل حسني مبارك، واعتقال بعض رموز المرحلة الماضية، وربما تهميش الحزب الوطني. وما يمكن أن يعدل من ذلك هو استمرار تماسك قوى الانتفاضة، وأقصد الطبقات الشعبية بالتحديد التي أظهرت قوة هائلة وصموداً بطولياً. رغم غياب القوى الجذرية تماماً هنا، ومن شارك فقد بدا كنشاط فردي، وليس بتحضير حزبي، أو رؤية واضحة. فقد كان الشك هو الحاكم لهؤلاء لإمكانية نجاح انتفاضة الآن. والأسوأ هو الموقف المخزي لقيادة حزب التجمع، برغم مشاركة أفراد منه في الانتفاضة منذ البدء، وساهمت في الدعوة إليها. وأظن بأن الزمن قد تجاوز هذا الحزب، ويجب أن يصبح من الماضي. أما القوى الماركسية الأخرى فقد اسهم بعضها في الدعوة للإضراب يوم 25 يناير وشارك فيها، لكن دون استراتيجية أو فاعلية، أو حتى الاستفادة في الدعاية لأهداف ورؤى، أو محاولة تعميق الجانب الذي يهم معظم هذه الجموع الهائلة، أي من خلال التركيز على طرح المطالب التي تتعلق بالأجور والبطالة والفساد ونهب الطبقة المسيطرة، وبالدعوة لنمط اقتصادي جديد. وهو الأمر الذي بات يحصر المطالب في المطلب الديمقراطي وفي رحيل مبارك فقط، رغم أن انتفاضة الطبقات الشعبية انطلقت مما هو اقتصادي: البطالة والفقر والأرض والصحة والتعليم والتدمير الذي تحدثه الطبقة المسيطرة في كل مناحي الحياة.

إذن، الانتفاضة شعبية شاملة، والإخراج سيكون أميركياً ولن يقود الى تحقيق أي من أهداف الطبقات الشعبية. فقط متنفس ديمقراطي.

المصدر:

ما حدث وما يمكن أن يحدث في تونس

تطور الوضع التونسي إلى اللحظة التي فرضت هرب الرئيس زين العابدين بن علي، ولم يفد التهديد الذي مارسه الرئيس السابق، ولا فادت الوعود التي أطلقها في لحظاته الأخيرة، ولن يفيد الحل الذي أخرج به الهرب، ويجري فيه نقل السلطة إلى رئيس الوزراء.

وربما لن ينجح الحل “الدستوري” الذي أتى برئيس البرلمان كرئيس مؤقت يعمل على التحضير لانتخاب رئيس جديد خلال مدة لا تتجاوز الستين يوماً.

ما يجري العمل على أساسه هو إعادة إنتاج السلطة من خلال إبعاد الرئيس وتحميله كل وزر الماضي، واستقطاب بعض أحزاب المعارضة، وبالتالي إبقاء السيطرة الطبقية للفئات ذاتها. فالخطوات أخذت على أساس الدستور الذي صاغه زين العابدين بن علي، والذي يحدد شكل الصيغة “الديمقراطية” التي كانت تمارس، والتي تبقي الحزب الدستوري هو المحدِّد لشخص الرئيس القادم من خلال البرلمان الحالي الذي يهيمن عليه. ولتبقى أجهزة السلطة ذاتها، البوليس والبيروقراطية اللذين حكما طيلة ربع قرن في عهد بن علي، هي المقررة لنتائج الانتخابات التي ستجري.

وبالتالي يجري التركيز على الدمقرطة وحرية الأحزاب والصحافة، وإشراك المعارضة في السلطة، بينما تبقى البنية الاقتصادية كما هي، وتظل الطبقة الرأسمالية المافياوية هي ذاتها، ربما مع إبعاد مافيا العائلة، وربما لمصلحة مافيا عائلة جديدة.

هذا ما أوضحته التجربة حينما يجري “التغيير” على أرضية السلطة ذاتها، ووفق القوانين ذاتها، والأهم وفق البوليس والبيروقراطية ذاتها. ليكون هناك مرحلة انفراج ديمقراطي، وحرية سياسية، لكن دون لمس المشكلة الأساس التي قادت إلى تفجُّر الانتفاضة، وهي مشكلة النمط الاقتصادي الذي تشكل خلال العقود السابقة، والذي أفضى إلى الإفقار الشامل من جهة، والبطالة الواسعة من جهة أخرى. بالتالي تتراجع نخبة السلطة قليلاً من خلال تحقيق الانفراج “الديمقراطي”، واشراك بعض المعارضة في السلطة، وإعطاء الوعود بتحقيق كثير من المطالب، وتستغل “نخبة” من السياسيين “المعارضين” كل هذا الانفجار الاجتماعي الذي يعبّر عن مشكلات عميقة تفضي إلى الانتحار أو الموت جوعاً، من أجل القفز إلى السلطة، وإن كان ذلك يتحقق من موقع الهامش والملحق لأن البيروقراطية الحزبية القديمة (الحزب الدستوري) ستبقى هي الممسكة بمقاليد السلطة. وهي “اللعبة” التي يراد لها أن تمتص الأزمة، وترحلها إلى أمد أبعد.

إن كل هذا الانفجار الاجتماعي، ولكي يحقق أهدافه، لا بد له من أن يفضي إلى أن يتجاوز ليس الرئيس، بل كل بنية السلطة التي شكلها، بما في ذلك وأساساً الحزب الذي حُكم باسمه، والبوليس والأجهزة الأمنية اللذين تدربا لكي يخدما مصالح مافياوية لتلك الطبقة التي تحكم تونس منذ عقود، وتوثق ارتباطه بالطغم الإمبريالية. وهي التي، وانطلاقاً من هذا الارتباط، فرضت الإفقار الشامل والبطالة المفرطة، إضافة إلى الاستبداد الشامل الذي هو ضرورة، ليس من أجل ذاته بل من أجل تحقيق السيطرة الطبقية التي تسمح بالنهب وبصياغة النمط الاقتصادي. لهذا فإن تقدم الانتفاضة وانتصارها ليس ممكناً إلا من خلال فكفكة أجهزة الدولة البوليسية، وتجاوز الدستور الذي فرضته المافيا، وكذلك تجاوز كل بنية السلطة القائمة، فهذه يجب أن تنتهي، أن تهزم، وأن يجري تشكيل حكومة من القوى الأساسية التي لعبت دوراً مهماً في الانتفاضة، أي النقابات والاتحادات والأحزاب، من اتحاد العمال إلى المحامين وأحزاب اليسار التي كان لها دور بارز، إلى الهيئات واللجان التي تشكلت خلال الانتفاضة. حكومة مؤقتة تعد لانتخابات لمجلس تأسيسي يضع دستوراً جديداً يقر الحريات، ويضع سياسة اقتصادية مختلفة تخدم الطبقات الشعبية.

وهنا لا بد من أن نلحظ بأن المسألة لا تتعلق فقط بتشكيل نظام ديمقراطي، يعتمد الانتخابات والتعددية وحرية الصحافة، فهذه لا تحل مشكلات الطبقات الشعبية وستفضي إلى أزمة بعد حين تفرض انتفاضة جديدة. ولاشك في أن لعب الطبقة الرأسمالية المافياوية كان يجري على هذه المسألة، حيث يجري التنازل في المجال “الديمقراطي” وغض النظر عن كل ما يتعلق بما يتعلق بالنمط الاقتصادي وبالفروق الطبقية، وخصوصاً بوضع الطبقات المفقرة، التي هي أساس كل انتفاضة. ولسوء الحظ تقبل بعض قطاعات المعارضة بهذه اللعبة، فتنقاد خلف السلطة، وتتجاهل الوضع الطبقي الذي كانت تعتبر أنها تعبّر عنه. ويصبح همها هو “اللعبة الديمقراطية”، في وضع غير متكافئ لا يسمح لقوى تطرح بديلاً اقتصادياً أن يحقق ما يجعله يفرض برنامج يمثل الطبقات الشعبية.

وتونس تقف الآن في هذه اللحظة، هل تقبل المعارضة، واليسارية خصوصاً السير مع الحل الذي طرحه أفراد نظام بن علي (أو نظام المافيات)؟ أو تقول بأنها تسعى إلى تحسينه، لكنها تقبل في الأخير؟ أو تشكل سلطة بديلة، وتفتح الطريق لانتصار حقيقي للانتفاضة؟ فالحل من خلال آليات السلطة ذاتها سوف يوجد متنفساً مؤقتاً في المستوى السياسي، لكنه لن يحل مشكلات الفقر والبطالة، لأنه لن يغيّر من النمط الاقتصادي القائم، الذي هو كما أشرنا نمط رأسمالي مافياوي. وبالتالي سوف يعيد الصراع إلى نقطة الصفر. وهو حل يجب أن يرفض نهائياً. ومن ثم ليس غير البديل الذي يقوم على أنقاض النظام القائم، حتى لو لم ينجح الآن، لكن يجب أن يكون واضحاً بأن الأزمة العميقة التي تعيشها الطبقات الشعبية لن يحل عبر الحل السلطوي، وبالتالي حتى فيما إذا توقفت الانتفاضة الآن فإنها سوف تعود في فترة قريبة بعد أن يتوضح للعاطلين عن العمل والمفقرين بأن شيئاً لم يتحقق. وهنا يكون طرح البديل الآن من قبل اليسار هو الأفق الذي سيحكم الانتفاضة القادمة.

المسألة إذن لا تتعلق بشكل السلطة فقط، بل أساساً في طبيعة التكوين الاقتصادي الذي صيغت فيه تونس خلال العقود الماضية. ومن استطاع أن يعرف السبب الذي جعل الطبقات الشعبية تنتفض بهذه القوة عليه أن يعرف بأنه لم يعد من الممكن أن يتحقق حل شكلي تمويهي كما تريد المافيات، وأن الأمور سوف تندفع نحو تصاعد الصراع الطبقي، حتى وإن كان قد هدأ الآن. لهذا سوف يموت اليسار إذا وافق على لعبة المافيا المطروحة من خلال بيروقراطية السلطة القديمة، وبالتالي عليه أن يتبلور كبديل واضح، وأن يدفع الطبقات الشعبية لإكمال الانتفاضة لكي تنتصر حقاً.

المصدر: الأفق الإشتراكي