Category Archives: الثورة التونسية

Tunisia’s Popular Front has eaten itself

Once Tunisia’s main opposition, the left-wing Popular Front has allowed the re-emergence of the old regime in its attempts to curtail Ennhadha – so much so that it now backs former Ben Ali stooge Beji Caid Essebsi for president.

They oppose corruption and tyranny but do not want Moncef Marzouki to win the presidential election. So what does the Popular Front, once Tunisia’s main opposition force, actually stand for anymore?

One would believe the left-wing party’s anti-corruption platform would lead it to oppose the election of Marzouki’s rival, Beji Caid Essebsi, a figure from the old regime. But a statement issued last week actually indicated its support.

This position appears to be part of a long-running campaign to curtail the power of the Islamist Ennahdha movement. But it strengthens the hand of Essebsi’s party, Nidaa Tounes, which the Front openly admits is stuffed with old regime figures.

The left-wing tragedy

One must ask: has the struggle against Islamists reached such an extreme that we would allow the return of the old regime?

This is perhaps one of the tragedies of the left wing of Tunisian politics, and can be seen throughout recent history: The Democratic Forum for Labour and Liberties, known by its French acronym, FDTL, strived to form an alliance with Ennahdha years before the revolution against dictator Zine el-Abidine Ben Ali.

This accord was doomed from the start – seeking to topple Ben Ali was not enough reason to form an alliance with Islamists. No matter how much they talk about democracy, Islamists do not seriously believe in it.

And in modern times, the Popular Front has fallen by the wayside because of its attempts to topple Ennhadha. The forming of the National Salvation Front with Nidaa Tounes before the last election gave Essebsi’s party the springboard to reach power ahead of the Islamists.

As a result, the Popular Front now accepts it plays a supporting role to Nidaa Tounes.

Rising anger

But even this tactic will not secure the Popular Front’s aims. The ruling mafia, represented by Ennahdha and Nidaa Tounes, are forced by their circumstances to form an alliance in the face of an increasingly disgruntled population.

The ruling mafia is more aware than the Popular Front that the population will revolt once more – therefore it is imperative that they unite.

The main elements missing from the calculations of the FDTL and the Popular Front are the people who are being grinded down by continuous market-liberal policies. That is why the voter turnout in recent parliamentary elections was so weak, especially among the youth of Tunisia – the effective majority in the political struggle.

The anger among the youth is building, and it will explode in another revolution, and not through the ballot boxes.

The left wing does not pay attention to anything other than political formations. Revolutions are started by the people, and the left has not used them at all.

Source: al Arabi al Jadeed

الجبهة الشعبية في تونس

ضد انتخاب المنصف المرزوقي، وضد الفساد والاستبداد، ومع التصويت بكثافة. هذا موقف الجبهة الشعبية في تونس، هل فهمنا منه شيئاً؟ كما يظهر بما هو عام، لم نفهم شيئاً. طبعاً، هذا إذا فهمنا أن الوقوف ضد الفساد والاستبداد يعني ممثل النظام القديم في الانتخابات، أي الباجي قايد السبسي. لكن، يشير بيان الجبهة، فيما يخصّ الانتخابات، إلى أن هناك رموزاً من نظام بن علي وحزبه في حركة نداء تونس. وبالتالي، نصل إلى أن المقصود هنا ليس السبسي، بل هؤلاء. ما يعني أن البيان يدعو، مداورةً، إلى انتخاب السبسي. مع الأسف، هذا هو “الجو” الذي حكم كثيرين من قيادات الجبهة الشعبية، منذ تمحور الانتخاب بين السبسي والمرزوقي. ولقد أخرج بهذه الطريقة “الملتوية”، لأن قواعد الجبهة، خصوصاً الشباب فيها، هو ضد انتخاب السبسي.
هذا موقف “متطور” عن موقف أغلبية أحزاب اليسار في تونس التي تركت حرية الانتخاب لأعضائها. بالضبط، لأنه يوحي بانتخاب السبسي. لكن، هل الصراع ضد “الإسلاميين” وصل إلى هذا الحدّ؟ أي أن نعيد النظام القديم؟
ربما هذه من مآسي اليسار، حيث جاهد حزب العمال للتحالف مع حركة النهضة، سنواتٍ قبل الثورة في جبهة 18 أكتوبر ضد بن علي، على أساس التوافق الديمقراطي. على الرغم من أن ذلك التحالف كان خاطئاً منذ البدء، لأنه لا يكفي، لا التوافق الديمقراطي ولا السعي إلى إسقاط بن علي، للتحالف مع هؤلاء، وهذا ما كان يتجاهله حزب العمال. فهؤلاء، مهما تحدثوا عن الديمقراطية، لن يعملوا إلا من أجل إقامة دولة الخلافة، كما ساد لدى “الإخوان” المصريين ولحقهم راشد الغنوشي. هذه بديهية في التعامل مع الإسلاميين. لكن وضوح هدف هؤلاء (على الرغم من الشكل الديمقراطي الذي اضطروا إليه بعد هزيمتهم في مصر) يبدو أنه دفع الجبهة إلى العودة إلى بلع التقارب مع النظام القديم. لكن، بعد التوهيم أن حزب نداء تونس هو ليس النظام القديم، على الرغم من أنه من صلب ذاك النظام، وإن اختفى كثيرون من رموز بن علي، حيث يتقدم الصفّ الثاني أو الثالث بديلاً عن هؤلاء. فقد سرت دعوات للمشاركة في الحكومة التي ستكون برئاسة شخصية من “نداء تونس”. لكن “نداء تونس” آثر التقارب مع حركة النهضة، وكان ذلك واضحاً منذ ما قبل الانتخابات الاشتراعية.
ولقد ظهر ذلك واضحاً بعد الثورة الثانية في مصر وسقوط “الإخوان”، حيث سارعت الجبهة الشعبية إلى أسوأ سياسة، قادت إلى أن تصبح القوة الثالثة بفارق كبير، بعد أن كانت قوة المعارضة الأساسية، بعد أن قلّدت تجربة مصر، وشكّلت جبهة الإنقاذ مع “نداء تونس”، فصعد الحزب على أكتافها، وبات هو الحاكم. وبالتالي، باتت تقبل الجبهة لعب دور الداعم للحزب، من أجل إبعاد حركة النهضة، لولا أن واقع الطبقة المافياوية المسيطرة يفرض التحالف بين جناحيها في مواجهة الشعب الذي يتراكم الاحتقان لديه، وهي، كطبقة، تعرف أكثر من الجبهة أنه سيثور مرة جديدة، ولهذا لا بد من ضمان تماسكها.
في كل منظورات حزب العمال والجبهة الشعبية، التي اسمها شعبية، الغائب الأساسي هو الشعب. فهو الذي يُطحن جراء سياسة ليبرالية ما زالت مستمرة. ولهذا، كانت نسبة المشاركة في الانتخابات ضعيفة تماماً، وخصوصاً من الشباب الذي يشكّل الأغلبية، والأغلبية الفاعلة في الصراع. وحيث، هنا، يتراكم الاحتقان الذي سينفجر ثورة جديدة، وليس في صناديق الاقتراع.
مشكلة اليسار المزمنة، والتي أنهته، أنه لا يرى سوى التمظهرات السياسية (الأحزاب والتجمعات السياسية). ولهذا يؤسس استراتيجيته على المناورة بين هذه الأحزاب ومع الدولة. أما الشعب فهو لا شيء، على الرغم من ضخامة الثورات التي قام بها هو، ولم يستفد منها اليسار.

الانتخابات التونسية

عن الانتخابات التونسية ومآلاتها في المستقبل وعن المسار الانتقالي من 2011 إلى 2014 ، التحديات والنتائج ، وعن المشهد السياسي العام في تونس وفي دول الربيع العربي مابعد الثورات ، كان لـ «المغرب» حديث مع المفكر الفلسطيني سلامة كيلة.

ماهي قراءتكم للمشهد العام في تونس مابعد 2011 ؟
لاشك في أن هذا السياق الديمقراطي كان «لافتاً» وأظهر إمكانية أن يتطور الوضع بشكل سلس في اتجاه ديمقراطي حقيقي. خصوصاً بعد إقرار الدستور الذي تنازلت فيه حركة النهضة بما أبقاه مدنياً.

لكن السؤال الجوهري في هذا المجال يتمثل في هل أن الثورة طالبت فقط بالديمقراطية، أو أن الديمقراطية كان مطلبها الوحيد؟ يطرح هذا السؤال نتيجة أن أي تغيير لم يطل النمط الاقتصادي، وأن جل المشكلات التي فجرت الثورة لم يجرِ لمسها، بل استمرت وتصاعدت. فقد استمرت السياسة الاقتصادية منذ عهد بن علي، وأتت الحكومة الأخيرة لتكرس شروط صندوق النقد الدولي التي هي في كل الأحوال ضد الطبقات المفقرة. وبالتالي فإن مطلب «العمل استحقاق» الذي رفع منذ اللحظة الأولى للثورة لا زال دون إجابة، وكذلك الأجر، والتهميش، وكل المشكلات المجتمعية التي فرضت نشوب الثورة.

وهذا المسار الذي سارت مصر فيه هو الذي فرض نشوب ثورة جديدة، هذا بالتحديد وليس الديمقراطية، حيث جرت انتخابات برلمانية وانتخابات رئاسية، وظلت المساحة التي فرضتها الثورة في مجال الحريات قائمة. لكن لم تحل مشكلات البطالة والأجور والتهميش، لهذا اندفع الشعب في ثورة ثانية، بغض النظر عن المآل الذي اتخذته والذي هو نتاج غياب الأحزاب التي تعبّر عن الطبقات المفقرة.ولا شك في ان الإضرابات وحركات الاحتجاج بقيت مستمرة منذ ما بعد 14 جانفي، وباتت تأخذ طابعاً طبقياً واضحاً، وبدت أنها تسير في مسار مختلف عن «المسار الديمقراطي»، وتدفع الفئات الشعبية الى عدم المراهنة على الانتخابات، وخصوصاً الشباب المفقر والمعطل، بالضبط كما حدث في مصر حيث كانت نسبة مقاطعة الشباب عالية جداً، وكانت المسافة تبدو واضحة بين «المسار الديمقراطي» والمسار الاحتجاجي الشعبي (الثّوري). أظنّ أنّ ذلك يحدث في تونس، وهذا ما ظهر من تراجع نسبة المسجلين في قوائم الانتخابات، وستظهر في نسبة المشاركين في الانتخابات.

ما أشير إليه هنا هو أن الأحزاب القائمة بكل تلاوينها يتمحور تركيزها على «المسار الديمقراطي» لأنها لا تطرح سياسات تهدف الى تغيير النمط الاقتصادي كضرورة لحل مشكلات البطالة والفقر والتهميش، بل تعتقد أن المطلوب هو تشكيل «نظام ديمقراطي»، وبالتالي فإن الفارق في هذا المجال لن يكون كبيراً، خصوصاً أن بيروقراطية الدولة القديمة لا زالت تمسك في بنية السلطة، وتتحكم من ثم في مسار الانتخابات، وتستطيع التأثير في من سيصبح هو القوة المسيطرة في المرحلة القادمة. بينما يتمحور تركيز المفقرين، والذين هم النسبة الغالبة من الشعب، على كيفية تحقيق مطالبهم. وهذا ما يدفعهم للسير في مسار آخر يقوم على الاحتجاج وربما يؤدي الى الثورة من جديد. أظن أن هذا أمر حتمي في وضع تريد الطبقة المسيطرة استمرار النمط الاقتصادي الذي يحقق مصالحها رغم أنه يسحق الشعب. وليظهر أن كل نتائج الانتخابات لن تغيّر شيئاً في وضعها. وأظن أن كل الأحزاب التي ستهيمن على البرلمان الجديد أو تختار الرئيس ليست في وارد حل مشكلات الشعب، بل في وارد تجديد سلطة الطبقة المسيطرة، ومن ثم استمرار النهب والفساد والإفقار والبطالة والتهميش.

كيف ترون انتخابات سنة 2014؟
على ضوء ما أشرت إليه فإنني ارى أنها لن تؤدي إلى استقرار، لأنها لا تحمل حلولاً للمشكلات المجتمعية. ولهذا فإن الأزمة المجتمعية لن تتراجع، بل سنشهد اشتدادها بعدئذ. كما أن المشاركة في التصويت ستكون ضعيفة كما أظن، نتيجة ما أشرت إليه للتو، ولهذا سيظل الوضع يراوح بين صراعات بين الأحزاب في البرلمان نتيجة العجز عن حل المشكلات، وصراع مجتمعي ضد كل العملية السياسية، والسلطة عموماً من أجل التغيير الجذري الذي يطال، ويجب أن يطال بالضرورة، النمط الاقتصادي. وبالتالي ربما تحدث ثورة ثانية.

ما الذي تغير في تونس مابعد الثورة ؟
ما تغيّر هو أن الرئيس لم يعد بن علي، لكن النظام القديم لا زال مستمراً، ويحاول أن يجد الشكل السياسي الذي يضمن استمراره واقعياً مع غطاء شكلي يوحي بأنه نظام جديد نشأ بفعل الثورة. لا شك في ان هناك حريات أوسع، وحراكا سياسيا كبيرا، وأيضاً حراكا شعبيا مستمرا، وضوضاء حول الخيارات والبدائل، وطموحا من أجل التغيير يقابله طموح من أجل الحفاظ على ما هو قائم

 

المصدر: جريدة المغرب

الانتفاضات مستمرة

مصر تنتفض من جديد لتقول بأن كل ترتيب لا يغير الوضع سيسقط حتماً، وأن التغيير الشكلي لا قيمة له. فما يجب أن يكون واضحاً هو أن الانتفاضات بدأت فقط، ولن تتوقف قبل تحقيق التغيير الجذري في بنية المجتمعات. لم تخرج الطبقات الشعبية من أجل طرد رئيس أو الإتيان بحكومة “منتخبة” فقط، وليس لتغيير أشكال الحكام فحسب. لم يكن يعنيها كل ذلك أصلاً، وليست مشكلتها مع أفراد. بل خرجت من أجل أن تغيّر “السياسات” التي همشتها وأفقرتها ووضعتها في حالة قمع شديد. أضاعت الوطن والاقتصاد والحريات لمصلحة فئة نهبت ومركزت الثروة بيدها، في ارتباط مع الطغم المالية الإمبريالية.

لهذا، ماذا يفيد إذا استلم المجلس العسكري، أو الإخوان المسلمون، أو المعارضة الليبرالية السلطة إذا استمر النمط الاقتصادي الذي يقوم على مركزة الثروة وينحكم لطابع ريعي، ويتشكل كتمظهر محلي لسيطرة الطغم الإمبريالية، وإذا استمرت الاتفاقات التي توثق ذلك فاعلة؟

في تونس، نصف الذين يحق لهم الانتخاب لم يسجلوا أسماءهم لأنهم لم يشعروا بأن شيئاً تغيّر. وفي مصر، الشعب يعود إلى الميدان ضد العسكر والإخوان. وربما لا تجرى الانتخابات في 28 الشهر الحالي. والذين انتخبوا في تونس، وأعطوا أصواتهم لحركة النهضة سوف يثورون عليها قريباً، لأنها لا تمتلك غير الاستمرار في النمط الاقتصادي الذي تشكل أيام بن علي، وأن تحافظ على الاتفاقات التي وقعها. وقد أعطت الضمانات لذلك.

ما يبدو واضحاً هو أن موضعة البلدان كلها في التكوين العالمي الذي فرضته الرأسمالية لم تعد ممكنة، فالمراكز تنهب وتنهب، وتفرض النظم المنفذة لسياساتها، والتكوين الاقتصادي المحلي الذي يسمح بالنهب. هذا ما فرض تهميش 80 % من السكان هم الطبقات الشعبية، وفتح على تدهور وانهيار الأطراف، وبالتالي ثورتها. لهذا، ليس من حل في الوضعية هذه، وكل حل يجب أن يكون ضدها؛ في الاقتصاد كما في السياسة، وليس من الممكن تحقيق الديمقراطية بدون تجاوزها.

وما تحاوله الرأسمالية المافياوية المسيطرة، وما تحاوله الطغم الإمبريالية، هو إيجاد حل من خلال الوضعية ذاتها، لهذا يجري اللجوء إلى تغيير الأشخاص، وتوهم تحقيق ديمقراطية شكلية ومضبوطة بحيث تعيد إنتاج سيطرتها.

لكن لم يعد لدى الشعوب وقت لكي تنتظر. ليس لديها ترف الانتظار لأنها انتفضت، لأنها لم تعد تستطيع العيش أصلاً. وهذا يجعل كل الحلول الشكلية لا معنى لها، ولا تصمد أمام تصميم الطبقات الشعبية على تحقيق التغيير الجذري.

لهذا، لن تكون هناك مسافة بين انتفاضة وأخرى، ولن يكون هناك تراجع عن ممارسة كل أشكال الاحتجاج من التظاهر إلى الإضراب. فالمطالب “الفئوية” هي مطالب الشعب، وهي المطالب التي فجّرت الانتفاضات، والتي لا هدوء قبل تحققها. فالمطلوب اليوم هو تغيير النمط الاقتصادي والتكوين الطبقي القائم، وإعادة بناء الاقتصاد كاقتصاد منتج، ويخدم الطبقات الشعبية، قبل أن يبتسر الحل في دولة ديمقراطية مدنية. وأصلاً ليس من دولة ديمقراطية في ظل سيادة اقتصاد ريعي وتابع ومنهوب.

للذين ينطلقون من أن الهدف هو الديمقراطية الآن نقول بأن الأمر أبعد من ذلك، فالديمقراطية لا توجد فرص عمل ولا تطعم خبزاً، وأولوية الناس هي هنا. ولهذا فإن تغيير النمط الاقتصادي يسمح وحده بتأسيس دولة ديمقراطية. وللذين اعتبروا بأن ما يجري هو مؤامرة لأن “الإسلاميين” هم الرابح، نقول بأن الإسلاميين هم لحظة عابرة في صيرورة صراع سوف يكنس كل الذين يدافعون عن نمط اقتصادي ريعي وليبرالي.

بالتالي، لابد من فهم الطابع العميق والجذري لهذه الانتفاضات.

المصدر: الغد

مشهد الإسلام السياسي من المعارضة إلى السلطة: الخوف من فقاعة

أكثر ما يشغل الآن هو مشهد الإسلام السياسي، حيث ظهر وكأنه هو المستفيد من الثورات العربية من خلال وصوله إلى السلطة في كل من تونس ومصر، وحتى المغرب. فقد نجح في الانتخابات البرلمانية والرئاسية، وأصبح “يحكم” في هذه الدول الثلاث. بالتالي هل نحن مقبلون على سيطرة إسلامية على البلدان العربية؟

هذا هو الهاجس الذي يسكن وعي قطاع كبير من اليساريين والعلمانيين، ويخيف “الأقليات الدينية”، ويُظهر “الغرب” أنه متخوّف منه. ولهذا يزداد التشكك بالثورات ذاتها، ويظهر التردد من دعم التغيير، وتنتشر حالات من اليأس والإحباط في قطاعات عديدة تخاف من سيطرة هؤلاء، وتتخوّف من “حكمهم الطويل” كما تظن. لهذا يظهر الأفق متشحاً بالسواد. فقد حكم الإسلاميون في إيران منذ سنة 1979 إلى الآن، وحكم البشير في السودان منذ سنة 1989 إلى الآن، وحماس حكمت فاستوطنت. وهو الأمر الذي يفضي إلى التأكيد بأن وصول الإسلاميين إلى السلطة يعطي “تأبيدها” لهم.

هذه صورة سوداوية بالتأكيد، وتنطلق من بعض التجارب السابقة، لكنها لا تنطلق من الواقع القائم، ولا من الظروف الموضوعية التي سمحت بوصول هؤلاء إلى السلطة، وبالتالي من فهم مقدرتهم على الحكم أصلاً، أي مقدرتهم على قيادة السلطة والتصرف بـ”راحة” ودون منغصات، في وضع “ثوري” كالذي بدأ منذ 17/ 12/ 2010 في سيدي بوزيد في تونس، وانتشر بسرعة كبيرة إلى مختلف البلدان العربية بشكل أو بآخر. فهل سيتمكنون من الحكم؟ وهل سيستطيعون “إعادة بناء” السلطة لكي يحكمون السيطرة عليها؟

هذه مسائل تحتاج إلى تحليل، وهي في صلب فهم “المشهد الإسلامي”، الذي سيبدو كمشهد كاريكاتوري في فاصل بين ثورتين أو أكثر.

مشهد الإسلام السياسي

لماذا تحقق انتصار الإسلاميين في الانتخابات بعد ثورات عاصفة؟
فالمعروف أن دورهم في الثورات كان هامشياً، حيث لم يكن هناك وجود حقيقي لحركة النهضة في تونس نتيجة القمع الذي تعرضت له خلال حكم زين العابدين بن علي، ولم تقرر جماعة الإخوان المسلمين المشاركة في الثورة إلا بعد أن ظهر كسرها لهيبة السلطة بعد خروج الملايين في مختلف أنحاء مصر، وظلت مشاركتها مترددة حيث فاوضت عمر سليمان في عز الثورة.

ما لا بد من ملاحظته هو أن الإسلام السياسي كان يظهر في العقدين الأخيرين خصوصاً كمعارض للنظم القائمة، وكـ”مقاوم” للدولة الصهيونية والسياسات الأميركية، وهذا ما أعطاه رمزية مهمة، فوسّع من قاعدته، وجعله يبدو قوة المعارضة الوحيدة أو الأساسية. وبالتالي أن يحصد التفاف القوى الأخرى حوله وقبولها كونه “القائد” للصراع ضد النظم. في الوقت الذي كان اليسار بأشكاله القومية والاشتراكية يتراجع، ويتلاشى، ويحمّل مسؤوليات الفشل سواء في “النظم القومية” أو حتى في التجارب الاشتراكية. ويقبل هو دور المعلي من أهمية و”نضالية” وحداثية الإسلاميين.

كما لعب الإسلاميون دوراً في استقطاب قطاعات مجتمعية من خلال أشكال “الاحسان” التي يمارسونها عبر الجمعيات الخيرية، وكان ترابطهم “التاريخي” مع المال النفطي يوفّر لهم دعماً كبيراً كان يستخدم في هذه المجالات. ولهذا بدا أن لهم قاعدة اجتماعية من فئات مفقرة، رغم أن قاعدتهم الأساسية تشكلت من قطاعات تجارية “تقليدية”، ومن نخب من الفئات الوسطى تقليدية المنحى.

هذا وضع جعل لهم رمزية ما، حيث جرى اعتبارهم قوة المعارضة في مختلف البلدان العربية رغم وجود أحزاب أخرى، وأصبحوا محور التحالفات ومركزها. لكنهم حين بدأت الثورات بدو بعيدين عنها، راشد الغنوشي دعم الثورة التونسية من بعيد، والإخوان المصريون رفضوا المشاركة في إضراب 25 يناير/ 2011 الذي كان هو المفجر للثورة، وركّزوا على الإصلاح فقط. لكن بدا، بعيد سقوط كل من زين العابدين بن علي وحسني مبارك، أن من أسقطهم يتحالف مع هؤلاء الإسلاميين، الذين باتوا يعتبرون أنهم هم السلطة من لحظتها. وبدا أن تفاهماً قد تحقق بين “الانقلابيين” (قيادات الجيش) والإسلاميين، وأن إعادة إنتاج السلطة سوف يتحقق عبر دفع هؤلاء الأخيرين إلى واجهة السلطة، لكي يقال بأن المعارضة قد استلمت السلطة بعد الثورة.

في الانتخابات كان الإسلاميون هم القوة المنظمة، والمدعومون من قبل أجهزة السلطة، البيروقراطية والإعلامية والأمنية. وهو ما أوجد شريحة اجتماعية ليست صغيرة تميل إلى انتخابهم تأثراً في هذا “الجو السلطوي” الداعم. لكن الأهم ربما كان غياب الأحزاب القوية التي يمكن أن تشكّل عنصراً منافساً، ومن ثم ميل قطاع مهم من المشاركين في الثورة إلى دعمهم انطلاقاً من “تجريب” خطابهم الذي كان يقول بأنهم يمتلكون حلولاً لمشكلات المجتمع والطبقات الاجتماعية المفقرة. وهذا ما جعل هذا القطاع من الشعب يعتقد بأن عليه تجريب هؤلاء.

كل هذه العناصر لعبت الدور المهم في أن يحصد الإسلاميون العدد الأكبر من أعضاء البرلمان (وانتخابات الرئاسة في مصر). وأن يصبحوا هم السلطة “الجديدة”.

هذا الأمر هو الذي أخاف، وأربك قطاعا كبيرا من اليسار والعلمانيين، والإعلام الغربي، ونثر المخاوف حول “السلطة المطلقة” التي يمكن أن تجعل الإسلاميين يحكمون “إلى الأبد” (حسب الشعار السوري)، ويتكرر المشهد الذي حدث في إيران والسودان. ومن ثم ندخل في “حقبة ظلامية” لعقود جديدة، ربما في شكل أقسى مما شهدناه في العقود السابقة.

هل يستقر حكم الإسلاميين؟

إذا كان الظرف الموضوعي هو فرض أن يصبح الإسلاميون هم السلطة، سواء نتيجة غياب بالبدائل السياسية التي تعبّر عن الشعب، أو نتيجة كل التكتيكات التي اتبعت من أجل أن يكونوا هم “الشكل الجديد” للسلطة. فإن السؤال الذي يطرح هنا هو: هل يمتلك الإسلاميون حلولاً لمجمل المشكلات التي فجّرت الثورات؟ أو هل يمكن لهم أن يحكموا دون تحقيق المطالب التي كانت في أساس الحراك الشعبي الذي فجّر الثورات؟

ما يبدو واضحاً هو أن الإسلاميين لا يمتلكون برنامجاً يتضمن حلولاً للمشكلات المجتمعية، وإذا كانوا معارضين للنظم السابقة فذلك لم ينتج عن اختلاف عميق معها في كثير من المسائل الجوهرية، وربما كان تخوّف النظم مما كان يشاع عن دعم أميركي لإشراك هؤلاء في السلطة هو الشكل الأبرز للاختلاف الذي كان يظهر بينهم، رغم أن الإسلاميين دعموا الكثير من المواقف والقرارات الاقتصادية والسياسية لها. وإن التدقيق في “الصراعات العملية” يشير إلى ميل “رجال الأعمال الجدد” (أي المافيا المتشكلة حول عائلة الرئيس) إلى السيطرة الشاملة على الاقتصاد المحلي، وبالتالي تدمير كل الفئات الرأسمالية الأخرى أو “هضمها”، الأمر الذي جعل الصراع حتمياً بين الطرفين كون القاعدة الأساسية للإسلاميين كانت من فئات تجارية “تقليدية” (أو حتى مافياوية، مثل شركات توظيف الأموال مثلاً).

فالأساس الاقتصادي الذي يطرحه الإسلاميون ينطلق من حرية التملك، ورفض المصادرة، كما من التركيز على التجارة كون فيها “تسعة أعشار الربح” كما ادعى أبو حامد الغزالي. وليس ذلك غريباً عن منطقهم، حيث تشكّل ما عرف بـ “الإسلام السني” بعيد بدء انهيار الإمبراطورية العربية الإسلامية، وتقوقع المدن التي باتت مراكز تجارية. ومن ثم تشكّل كمعبّر عن هؤلاء. ولقد اتخذ طابعاً محافظاً تأسيساً على ذلك، وتمركز حول “الأحكام الأخلاقية”. هذا ما بدأ مع الإمام أبو حامد الغزالي، ممتداً إلى ابن تيمية، وصولاً إلى محمد بن عبد الوهاب وتبلور جماعة الإخوان المسلمين.

لهذا وجدنا أن جماعة الإخوان المسلمين تدعم قرارات حسني مبارك فيما يتعلق بإلغاء التأميم وتعميم الخصخصة، وكذلك القرارات التي صدرت بخصوص الأرض وأقرت بإعادة الأرض إلى الإقطاعيين القدامى وتشريد الفلاحين. وما عبرت عنه الجماعة بعد الثورة، وخصوصاً بعد سيطرتها على مجلسي الشعب والشوري، حيث أكد أكثر من مسؤول فيها بأن الجماعة لم تختلف مع حسني مبارك في سياسته الاقتصادية. وأيضاً هذا ما تردد على ألسنة قيادات في حركة النهضة التونسية، حيث جرى القول إن الحركة لم تختلف مع بن علي في سياسته الاقتصادية. ولهذا وجدنا السلطة الجديدة في البلدين، تونس ومصر، تمارس السياسات ذاتها في المجال الاقتصادي، مثل الاعتماد على قروض صندوق النقد الدولي، والسعي لتقديم “تسهيلات” لجلب “الاستثمارات الأجنبية”. وكذلك رفض تحديد حد أدنى للأجور، أو إيجاد مداخل لحل أزمة البطالة، أو التفكير في تحسين التعليم والصحة والبنية التحتية.

كما لم يظهر أنها تعمل على تأسيس دولة ديمقراطية حقيقة، حيث أخذت تمدّ السيطرة على مؤسسات الدولة، وتفرض سطوتها على الإعلام، وتعود لقمع الحراك الشعبي، وتشن هجوماً على الإضرابات تحت حجة رفض “المطالب الفئوية”.

بمعنى أن “السلطة الجديدة” كرّست النمط الاقتصادي الذي تشكل في العقود التالية للناصرية في مصر، وعززت من السياسات الليبرالية في كل من مصر وتونس، وهو ما يمكن أن تفعله أنى نجحت في أن تكون هي “السلطة الجديدة”. لهذا يمكن التأكيد بأنها لا تحمل حلولاً لمشكلات البطالة وتدني الأجر وانهيار التعليم والصحة والبنية التحتية، كما لا يمكن ضمان أن تكون ديمقراطية، وأن تؤسس دولة مدنية ديمقراطية كما طالب الشعب في ثوراته، فقد عادت للكلام عن “الخلافة الإسلامية”، وأخذت توحي بضرورة “تطبيق الشريعة”، وتعمم بأن وصولها السلطة هو نتاج تحقق “وعد إلهي” سوف يقود إلى سيطرتها على “ديار المسلمين”.

ما هو هام هنا هو أن “مشروع النهضة” الذي تطرحه لا يحمل حلولاً للمشكلات التي كانت في أساس تفجّر الثورات: البطالة والأجر المتدني، وهي المطالب التي كانت في أساس تفجّر الثورة التونسية، ومن جملة مطالب الثورة المصرية، وكل الثورات العربية. ولا في تأسيس الدولة المدنية التي كانت هي الأخرى مطلباً واضحاً في هذه الثورات. بالتالي هل يمكن أن يلوذ الشعب بالصمت معتبراً أن ثورته قد فشلت أو سرقت، وأنه لم يجنِ سوى وصول الإسلاميين إلى السلطة؟

هذه النقطة تغيب عادة عن البحث، أو يعتبر أن فشل الثورة قد حصل. لكن هل يمكن للذين تمردوا بعد أن اصبحوا عاجزين عن تحمّل الوضع الذي يعيشونه أن يعودوا إلى قبول الوضع ذاته؟

الحراك المستمر يشير إلى أن الأمر مختلف، حيث أنه ليس من الممكن أن يجري التراجع بعد أن أصبح الواقع ذاته لا تسمح بالعيش، وبعد أن امتلك هؤلاء الجرأة وتسيّس قطاع كبير من الشباب الذي كان منكفئاً أو منعزلاً. بمعنى أن سلطة الإسلاميين سوف تكون عرضة لاحتجاجات متتالية كبيرة، ربما تخفت قليلاً لكنها سرعان ما تعود بقوة، وبالتالي أن تكون هي ذاتها سلطة مهزوزة وضعيفة، ربما تحاول أن “تضرب بقوة” لكن دون مقدرة على الحسم، ودون مقدرة على ضبط الوضع الشعبي المتحرك. لهذا ستبقى سلطة ضعيفة وعرضة للانهيار والعجز عن الحكم.

الإسلاميون الآن في تجربة قاسية، هم ليسوا قادرين على الخروج منها منتصرين، لأنهم بالضبط لا يمتلكون الأساس الذي يسمح بذلك، وهو الحلول لمشكلات مجتمعية كبيرة تراكمت طيلة عقود، ولوضع اقتصادي طبقي يفرض تغيير كلية النمط الاقتصادي، في حين أن رؤيتهم الاقتصادية لا تخرج عن تكرار السياسة الاقتصادية الليبرالية الدراجة، والتي كان تطبيقها منذ الانفتاح الاقتصادي الذي قام به أنور السادات في مصر، ومنذ القبول بشروط صندوق النقد الدولي واعتماد الخصخصة والاتكاء على الديون، كان تطبيقها هو الذي فجّر هذه الثورات، بعد أن أوصل الشعب إلى حالة من التهميش شديدة القسوة. لهذا ستكون سلطة “فاشلة”، وستفضي سياساتها إلى عودة الغضب الشعبي. ولن يقف الدين حاجزاً أمام تصاعد هذا الغضب، لأن مقياس الشعب “عملي” وليس روحيا، ويتعلق بالحلول التي تقود إلى تجاوزه وضعه الراهن، الذي بات لا يمتلك ترف التخلي عن النشاط من أجل تجاوزه.

ربما كان على السياسة أن تُفهم الآن أنها من صنع الشعب وليس من صنع النخب التي يمكن أن تتوه خلف تخوفات وتوهمات، وتقديرات ليست مبنية على فهم حقيقي للواقع، ولمعنى أن يثور الشعب. ليس من خوف من سلطة أصولية قوية وطويلة، بل نحن في لحظات تلاشي مشروع الإسلام السياسي

المصدر: صوت العرب

حينما يقرر الشعب إسقاط النظام

الانتفاضة في تونس انتقلت إلى الجزائر، وأسّست لثورة في مصر، كما حدثت حركات احتجاج في الأردن واليمن والبحرين وليبيا والعراق، ومظاهرة للعاطلين عن العمل في السعودية. ولقد حققت خطوة مهمّة في تونس، وربّما توقّفت مؤقّتاً في الجزائر، وفرضت رحيل حسني مبارك في مصر. لهذا لا بدّ من النظر لما جرى بشيء من التمحيص، فلم يكن الانتقال من تونس إلى الجزائر إلى مصر إلى مختلف أرجاء الوطن العربي هو نتيجة “عدوى”، ولا يمكن أن تكون كلّ الانتفاضات التي يمكن أن تحدث في هذه الفترة هي نتاج “تقليد”. مصر كانت تعيش حركة احتجاجية واسعة منذ أربع سنوات، والمغرب شهد تحرّكات في عديد المناطق، آخرها في سيدي إفني. والعراق المحتلّ شهد تحرّكات احتجاجية على انقطاع الكهرباء وسوء الأمن والغلاء قبل شهور قليلة. وفي الإمارات حدثت إضرابات “عمّالية”. وفي سورية تبدو الأمور في الطريق.

بمعنى أنّ كل الوطن العربي يتهيّأ لولادة عقد من الانتفاضات والاحتجاجات والإضرابات. إنّ التحوّلات التي بدأت منذ أوائل سبعينات القرن العشرين، بدءاً بمصر مع قرارات الانفتاح الاقتصادي، ثم السودان الذي تبعه، وكذلك تونس التي ظلّ اقتصادها ليبرالياً رغم توسيع دور الدولة. مثلها كلّ من المغرب والأردن اللذين تحولا إلى اللبرلة الشاملة بعد أن كانا مضطرّين لتوسيع القطاع العام نتيجة المدّ العام الذي اجتاح الوطن العربي، وكان يهدّد كل النظم العربية الملكية أو “الرأسمالية”. وفي الثمانينات سارت الجزائر على هذا المسار. إن هذه التحولات فرضت ربط النظم بمديونية عالية رغم أنّ مبرّر الخصخصة كان عجز الدولة، وبالتالي الإفادة من بيع “القطاع العام” من أجل تعديل وضع الميزانية. حيث دُفعت النظم إلى الاستدانة تحت مسمّيات شتّى، لم تؤدِّ سوى إلى التبعية الوثيقة نتيجة ضرورة سداد الديون في وضع اقتصادي محلّي كان يُدفع نحو التخلّي عن قوى الإنتاج (الصناعات التي أقيمت، وكذلك الزراعة)، ومن ثم التخلي عن كل مورد داخلي غير الضرائب، أو العوائد النفطية في البلدان النفطية.

وهذه العملية أسّست لآليات نهب للطبقات الشعبية لأنها فرضت زيادة الضرائب، والأسعار بشكل متتالٍ دون رفع الأجور إلا بالحد الأدنى، وبالتالي زيادة الأعباء على هذه الطبقات. لكن هذه العملية كانت تسهم في مراكمة المال لدى الطغم الإمبريالية التي أنشأت مسألة المديونية كباب جديد للتوظيف المالي، هذا المال الذي تراكم وأصبح هو أساس الأزمات التي باتت تطال الرأسمالية كلها. ولكنها أيضاً أفضت إلى نشوء “طبقة” مافياوية تتحكم بالسلطة والثروة، وتتمحور حول حكم عائلة، ونظام بوليسي.

من هنا أصبح المجتمع ينقسم إلى “طبقة” بالغة الثراء، هي التي تستولي على السلطة، وتنهب المجتمع، و”تلتصق” بشكل تبعي شديد بالطغم الإمبريالية، وطبقات مفقرة في الغالب، ربما سوى شريحة وسطى استطاعت أن تعيش بشكل مريح. ولهذا كانت الأزمات الاجتماعية تتصاعد بعد الانتفاضات التي جاءت كردّ مباشر على “سياسة الانفتاح”، والتي ملأت كل عقد الثمانينات من القرن العشرين، والتي لم تستطع تحقيق التغيير (سوى في السودان سنة 1985)، لكنها أفضت إلى أن تميل النظم إلى تحقيق “انفراج ديمقراطي” استطاع أن يستقطب الأحزاب المعارضة (في الغالب)، وأن يدجّنها في حدود النضال السلمي “الديمقراطي”. ومن ثم يبعدها عن لمس الاحتقان المتصاعد لدى الطبقات الشعبية.

بالتالي ففي الوقت الذي كانت تتشكل فيه فئة مافياوية تحكم، وأصبحت بالغة الثراء والسطوة، أصبحت أغلبية الشعب في وضع مزرٍ. فالأسعار باتت هي ذاتها الأسعار العالمية بعد أن تحقق الانفتاح الكامل، وبعد أن جرى تدمير كل القوى المنتجة تقريباً، وبالتالي أصبح الاستيراد هو أساس الاقتصاد. بينما لم تتطور الأجور إلا بالكاد، وفي حدود لم تستطع ردم الهوة التي كانت تحلّق بالأسعار. هذا إضافة إلى زيادات كبيرة للضرائب لتسديد حاجات “الدولة” (أي الفئات الحاكمة التي كانت تزيد من بذخها)، وزيادة السلع الضرورية مع التطور الذي تحقق، وتعميم أنماط مختلفة من الأغذية والمطاعم والأسواق الضخمة (المولات) التي تحتوي تنوّعا هائلا من السلع. هذه السلع التي باتت تفرض ذاتها على المشتري بفعل الضخّ الإعلامي الذي يرافق تسويقها.

في المقابل كان تكوين الاقتصاد كاقتصاد غير منتج يفرض زيادة العاطلين عن العمل بشكل عام، وخصوصاً للفئات التي استوعبها التعليم، وباتت تتحصل على شهادات عليا. لقد تصاعد الإفقار والتهميش، وأصبحت البطالة سمة عامة تبلغ نسبتها ما يفوق ربع القوى العاملة.

وإذا كانت الطبقات الشعبية قد تكيّفت مع مستوى معيشي، وإن كان منخفضاً جداً، حيث بالكاد تستطيع توفير الأوليات التي تسمح باستمرار العيش، فإنّ التصاعد الكبير في أسعار المواد الغذائية بعد أن أصبحت تخضع للمضاربات المالية (مثل القمح والأرز والشاي والقهوة والزيت) خلال السنوات الثلاث السابقة، قد فرض انهياراً مريعاً في الوضع المعيشي لهذه الطبقات، الأمر الذي كان يوصل إلى العجز عن الحياة، إلى عدم المقدرة على توفير ما يسمح بالعيش. وهو الأمر الذي يدفع إلى وصول الاحتقان حدّا لا يمكن كبحه.

هذا هو الأساس الذي جعل انتفاضة تونس تنتقل إلى الجزائر مباشرة، وتفضي إلى تغيير في مصر بعد ثورة هائلة، وسوف تنتقل إلى بلدان أخرى، بل سوف ندخل في عقد من الانتفاضات والثورات، وما حدث الآن ليس سوى بروفة لهذا العقد الجديد.

وما يوصل إلى هذا الاستنتاج، ليس انفجار الانتفاضة فقط، بل أن الأزمة الرأسمالية التي تفجرت في سبتمبر سنة 2008، سوف تجعل الطغم المالية تمعن في الضغط على الأطراف من أجل النهب، كما تعيد الكرة في لعبة المضاربات على السلع الغذائية (التي هي الحصن الأخير للطبقات الشعبية). كما أن أزمة المافيا الحاكمة في الأطراف سوف تزيد من الضرائب، ومن نهب المواطنين، دون زيادة في الأجور، كما سوف تسهّل ارتفاع أسعار المواد الغذائية خصوصاً، وكل السلع الأخرى، بما فيها المشتقات النفطية والخدمات الضرورية والكهرباء، والأدوية، وأجور التعليم والمشافي، بما يجعل مقدرة الطبقات الشعبية على العيش تتلاشى. كل ذلك بالترافق مع تراجع أشدّ في فرص العمل، وبالتالي زيادة أعلى في البطالة.

هذه هي صيرورة انعكاس الأزمة الرأسمالية على الطبقات الشعبية، وهي الصيرورة التي سوف تفرض حتماً ميل هذه الطبقات للدفاع عن وجودها البيولوجي.

لقد نهبت الفئات الحاكمة بما جعلها تستحوذ على كتلة هائلة من المال نتيجة نشاطها في القطاعات الهامشية، مثل العقارات والسياحة والخدمات، والاستيراد. كما أن الطغم الإمبريالية أمعنت في النهب بفعل الآليات التي أوجدتها، أولاً من خلال أزمة الديون، وثانياً من خلال تحكمها بالاقتصاد المحلي بعد فرض تعميم اقتصاد السوق وتحويل الاقتصاد من اقتصاد منتج إلى حدّ ما إلى اقتصاد يقوم على الاستيراد والنشاط الهامشي. الأمر الذي فرض تعميم الإفقار على كل الطبقات الشعبية.

هذا الإفقار هو الذي جعل الطبقات الشعبية في وضع من الاحتقان وصل حدّا يمكن أن يتفجر عنده في أي لحظة، ولأي سبب. لهذا كان شعور فرد بأنه عاجز عن العيش نتيجة منع السلطة له من العمل، دافعا إلى حرق ذاته، هو المدخل لبدء الانتفاضة في تونس، التي لازالت تتصاعد وتتوسع بعد أسابيع من بدئها رغم رحيل بن علي. وكان ارتفاع أسعار المواد الغذائية (السكر والخبز والزيت) هو المحرّك لانتفاضة الجزائر، التي استمرت رغم التراجع عن رفع الأسعار، بل وتخفيضها عما كانت عليه. ورفع المشتقات النفطية هو الذي حرّك قطاعات شعبية في الأردن، والبطالة تترافق مع كل ذلك لأنها تخلق أجيالا مازالت تعتاش على مورد العائلة لأنها لا دخل لها. وبالترافق مع كل ذلك تبرز مشكلة السكن ويطلّ الفساد.

إن قطاعات واسعة لم تعد تقدر على العيش، فماذا تفعل غير أن تنفجر في احتجاجات سلمية وعنيفة؟

هذا الوضع هو وضع الصراع الطبقي لمن لا يعرف معنى الصراع الطبقي، وهو عملية احتجاج تتخذ أشكالا مختلفة، من التظاهر إلى الإضراب إلى السيطرة العنيفة على الشارع، إلى العنف الذي يطال السلطة ورموزها، من مراكز الأمن والشرطة، إلى المؤسسات ودوائر الدولة إلى مقرات الحزب الحاكم. وإذا كانت تطالب بالعمل والقدرة على العيش فإنها تستهدف المافيات والسلطة التي تنهب.

ولا شك أن عمق الأزمة التي تعيشها يدفعها إلى عنف “مغالى فيه” أحياناً، حيث أن المأزوم لا يستطيع كبح رد فعله حينما ينتفض أحياناً. لكن الأهم هو كيف يتطور فعل الطبقات الشعبية لكي يفضي إلى انتفاضة شاملة تطيح بالسلطات؟ فلا يجوز أن يقف الماركسي، وفي ظل تفاقم الصراع الطبقي، موقف المستجدي لتحقيق بعض المطالب، وخصوصاً الديمقراطية فقط. عليه أن يدفع الصراع الطبقي إلى مداه، أن يجعله يوضّح الحد بين المافيات الحاكمة والشعب. وأن الهدف هو إنهاء الحكم المافياوي وتأسيس سلطة طبقية بديلة. حتى وإن لم نصل اليوم إلى ذلك. فهذا ما يجب أن يرسّخ في وعي الطبقات الشعبية من أجل انتفاضة أخرى إذا لم يكن ممكناً تحقيق التغيير الآن، كما هو واضح نتيجة وضع القوى الماركسية التي لم ترسم استراتيجية تغيير. لكن ما يجري هو بروفة عقد من الانتفاضات، وبالتالي علينا أن نستفيد من هذه الانتفاضات إلى الحد الأقصى، وتحويل الممارسة الثورية إلى خبرة تفتح على بلورة رؤية نظرية جديدة.

الانتفاضة في تونس ومصر قادت إلى تغيير، وهي في الجزائر والأردن واليمن مستمرة، وربما تتوسع إلى بلدان أخرى، أو سوف تتوسع إلى بلدان أخرى. وفي خضم الصراع الطبقي يجب أن يبنى الحزب الماركسي القادر على تطوير الصراع الطبقي وتحقيق التغيير. يجب أن تنصهر القوى الماركسية المنخرطة في هذا الصراع، ويجب أن تنصقل الكادرات الجديدة في خضمه، وأن ينفرض بناء الحزب المعني بالثورة والتغيير. ربما باتت الأمور واضحة، فقد توضّح الصراع الطبقي واقعياً، لكن كيف تتبلور الرؤية وتصاغ الإستراتيجية اللتان تحكمان النشاط؟

يجب أن تتطور المطالب مع تصاعد الصراع وتوسع الانتفاضة. ويجب أن يرسخ في وعي الطبقات الشعبية بأن مطالبها لا تتحقق إلا بتحقيق التغيير. هذه هي المسألة التي يجب أن ترسّخ منذ الآن.

المصدر: الأوان

يساريّو تونس ومصر: سقوط مدوٍّ

دافعت الحكومة الفرنسية عن النظام في تونس حتى آخر لحظة، واتّسم الموقف الأميركي بقدر من التريث والانتباه إلى أنّ الوضع مقلق. لهذا دفعت واشنطن الى الصيغة التي تقوم على التخلّي عن بن علي، لكنّها تمسكت بأن يبقى رجاله في السلطة لقيادة المرحلة الانتقالية، مع إدخال بعض أحزاب المعارضة التي كان معترفاً بها، أي حركة التجديد (الحزب الشيوعي سابقاً)والحزب الديموقراطي التقدمي (الحزب الاشتراكي التقدمي سابقاً) وحزب لبرالي آخر.

أدّت أحزاب دوراً في الانتفاضة (حزب العمال الشيوعي، وقواعد الحزب الديموقراطي التقدمي)، وكان هناك طيف واسع من الكادر الماركسي المشتّت نشط في فروع الاتحاد العام التونسي للشغل، وفي اللجان التي تألّفت تعبيراً عن «التنظيم الذاتي للانتفاضة». لكن تشتّت القوى الماركسية، والحساسيات التي تحكم العلاقة في ما بينها نتيجة تناقض التكتيكات في المرحلة السابقة من الصراع ضد نظام بن علي، أفسح المجال للقوى المساومة لأن تقبل القسمة الجديدة بحماسة شديدة. فحركة التجديد لم تشارك في الانتفاضة، وكانت مواقفها مهادنة الى أبعد الحدود (مع وجود قوى قاعدية فيها اتخذت موقفاً آخر). وبالتالي كان طبيعياً أن تقفز الى السلطة حين طُرح عليها ذلك. فهي لا تؤمن بطاقات الطبقات الشعبية، ولم تكن تعرفها أصلاً، وتعتقد بأنّ مشاركتها في الحكومة ستغيّر من طبيعة السلطة أو تحسّن من طبيعة الطبقة المسيطرة (البرجوازية المافياوية). وهي، أي الحركة، وافقت على إصلاحات بن علي ذاته ولم تطرح رحيله.

أما أحمد نجيب الشابي، فقد كان ينتظر، منذ زمن، اللحظة التي يصبح فيها شريكاً في السلطة، على أمل أن يحقق تغييراً عميقاً في المستوى الديموقراطي. هو لا يطرح مسألة تجاوز الرأسمالية أصلاً، منذ أن حوّل الحزب الى حزب ديموقراطي. ولقد قاد الحزب في هذا الاتجاه، معلّلاً ذلك بالتغيير من «الداخل»، ربما كما يفعل كلّ من يطمح الى المشاركة بالسلطة، بغضّ النظر عن طابعها. وهو أيضاً وافق على إصلاحات بن علي.

في المقابل، كانت قيادة الاتحاد العام التونسي للشغل معيّنة من بن علي، أو على الأقل ليست في تناقض معه. وهي همّشت دور الاتحاد، ووضعته في سياق سلطوي، وبالتالي، ونتيجة ضغط القاعدة، حاولت تعميق التغيير، وأفلحت من حيث الشكل، لكنّها لم تطرح مطالب العمال الذين تعبّر عنهم.

لذلك، نجح الحلّ المطروح أميركياً، وما تحقق هو انفراج ديموقراطي أوسع، مؤقتاً (وهذه «المؤقتاً» مهمّة لأنّ الطبقة المسيطرة ستقضم ما تحقّق في المرحلة المقبلة). لكن الأهم هو ثقة الطبقات الشعبية بذاتها، وبدورها، ثم ستكون لذلك نتائج لاحقة في سياق تطور الصراع. فالحلّ الأميركي يعتمد على إيجاد شكل ديموقراطي ينفّس أزمة المجتمع من خلال «الكلام». لكن هذه وصفة الثمانينيات والتسعينيات، الناجحة في بلدان أوروبا الشرقية وروسيا، حيث الوضع مختلف جذرياً عما هو في بلدان مثل تونس ومصر وكلّ الأطراف. وبالتالي فإنّ الحل «الشكلي» لن يطعم خبزاً، أو يوفر فرصة عمل لطبقات جائعة. في مصر، وقفت البلدان الأوروبية مع تغيير حسني مبارك منذ البدء، وظلّت أميركا تدافع عن النظام، وتؤكد قوّته إلى ما بعد أسبوع على بدء انتفاضة «25 يناير». كذلك أظهرت واشنطن كلّ ما يفيد بأنّها تدعم سلطة مبارك، وترفض التغيير. لكنّها توصّلت الى أنّ الأمور في تفاقم، والوضع يسير نحو انفلات السيطرة، وأنّ الشارع يفرض بديله بعيداً عن دورها وحساباتها. لذلك، اندفعت بنحو جنوني نحو فرض التغيير، انطلاقاً من رحيل مبارك أو اختفائه، وتسلّم عمر سليمان السلطة، وحلّ مجلسَي الشعب والشورى، والحكومة، وتأليف حكومة مؤقتة، تشارك فيها «المعارضة»، و«ممثلو الشباب»، من أجل انتخابات جديدة وانفراج ديموقراطي.

فالولايات المتحدة واضحة في دعمها للطبقة المسيطرة، ولكلّ السياسات التي مارستها في العقود الماضية، وهي معنيّة بأن تبقى في السلطة، وألّا يصل إليها إلا من يتوافق معها. الأمر الذي دفعها الى التأكيد أنّ أيّ تغيير يجب أن يلتزم الموافقة على كلّ الاتفاقات الموقّعة، من اتفاق كامب دايفيد الى الاتفاقات العسكرية، الى التوافق السياسي مع سياستها العالمية. هذا الوضع الذي يحكم الموقف الأميركي، فرض التسارع في تحقيق تغيير مضبوط، كما جرى في تونس، إذ تستفيد واشنطن من كلّ النشاط «الأيديولوجي» والدعائي السابق، ومن موجة الدمقرطة التي أطلقتها من أجل حصر المسألة في «الرئيس»، المستبد، الذي بقي طويلاً في السلطة. أما السياسة الاقتصادية التي ترسمها الشركات الإمبريالية، والسياسات الإقليمية والدولية التي تتبع ذلك، فيجب أن تكون خارج البحث، ويجب استباق تصاعد الصراع لإيجاد حل يحافظ عليها.

بالتالي، جاء التدخل الأميركي من أجل ذلك، وليس حباً بالشعب المصري، أو أملاً في تحقيق نظام ديموقراطي، بعد دعم طويل لنظام فاسد وبوليسي. ولن تتورع من أن تعيد الكرّة، بعد أن يهدأ الوضع وتستكين الطبقات الشعبية، إذ إنّ النهب المفرط يفترض شكلاً من أشكال الدكتاتوريات، لا النظم الديموقراطية. ولهذا تراجعت مواقف باراك أوباما الصارمة بضرورة رحيل مبارك بعد أيام من طرحها. بدأ التراجع حينما شعر بأنّ مبارك استطاع أن يحجّم الانتفاضة ويحصرها في ميدان التحرير، قبل أن تتوسع إلى حركة إضرابات عمالية واسعة، تبعتها حركة إضرابات طالت موظفي الدولة. لكنّه عاد وضغط من أجل رحيله، خوفاً من سيطرة شعبية شاملة على الوضع، وبالتالي انضمام الجيش إلى الشعب.

لذلك، كانت المراهنة على دور الجيش، والصيغة التي يمكن أن تُخرج الصراع من مأزقه، نتيجة أنّ الطبقات الشعبية صمدت ولا تزال صامدة، لكن ليس لديها خطة للتقدم من أجل فرض التغيير. وما كان يجري هو انتظار حلّ «مقبول» يطرحه الجيش أو من يعبّر عنه. حلّ يفترض إما مشاركة قوى معارضة في حكومة تقوم بعد رحيل مبارك، أو تأليف حكومة انتقالية من أطراف في السلطة مدعومة من الجيش وأطراف معارضة (مثل الأحزاب الشرعية، الوفد والتجمع وحزب الجبهة، أو نصف الشرعية مثل حزب الغد، وأيضاً الجمعية الوطنية للتغيير التي يرأسها البرادعي، وبعض هيئات المجتمع المدني والشخصيات المستقلّة). حكومة تشرف على مرحلة انتقالية يُعدّ فيها دستور جديد، ثم تجرى انتخابات جديدة.

ولقد فرض الحلّ الذي جعل الجيش هو المتحكم بالمرحلة الانتقالية من دون تغيير حكومة أحمد شفيق التي عيّنها مبارك، الذي عمل على تحقيق أقلّ قدر ممكن من التنازلات (حتى استقال شفيق). هكذا حُصرت المسألة في رحيل حسني مبارك، واعتقال بعض رموز المرحلة الماضية، وتهميش الحزب الوطني، لكن مع إبقاء رموزه في الحكومة. فتحققت، لفترة، الخطة التي وضعها حسني مبارك، والقائمة على تعديل بعض مواد الدستور التي تتعلق بانتخاب الرئيس لا بصلاحياته، وحلّ مجلسي الشعب والشورى، وبالتالي الإعداد لانتخابات رئاسية وبرلمانية ف ي فترة ستة أشهر. ولا بد من ملاحظة أنّ هذه الفترة القصيرة لن تمكّن قوى الانتفاضة من أن تتنظم لكي تكون مهيّأة لانتخابات حرّة، وبالتالي ستكون النتيجة هي نجاح القوى المنظّمة أصلاً (الإخوان المسلمين) وبقايا الحزب الوطني، وبعض اللبراليين الذين برزوا في الإعلام، خلال السنوات الماضية. وعلى صعيد الرئيس، يبدو عمرو موسى هو الأوفر حظاً، وهو من صلب سلطة مبارك.

ما يمكن أن يعدّل في ذلك هو استمرار تماسك قوى الانتفاضة، وأقصد الطبقات الشعبية بالتحديد التي أظهرت قوّة هائلة وصموداً بطولياً، ودفعها إلى إسقاط هذه الخطة، وتأليف الحكومة الجديدة (برئاسة عصام شرف) قد يدخل في هذا الإطار. رغم غياب القوى الجذرية تماماً هنا، بدت المشاركة نشاطاً فردياً، لا بإعداد حزبي، أو رؤية واضحة. فقد كان الشك هو حاكم هؤلاء لإمكانية نجاح انتفاضة في هذا الوقت بالذات. والأسوأ هو الموقف المخزي لقيادة حزب التجمّع، برغم مشاركة أفراد منه في الانتفاضة منذ البدء، ومساهمتها في الدعوة إليها. وأظن أنّ الزمن قد تجاوز هذا الحزب، ويجب أن يصبح من الماضي. أما القوى الماركسية الأخرى، فقد اسهم بعضها في الدعوة إلى الإضراب يوم 25 يناير/كانون الثاني. كذلك شاركت فيها، لكن دون استراتيجية أو فاعلية، أو حتى الاستفادة في الدعاية لأهداف ورؤيات، أو محاولة تعميق الجانب الذي يهمّ معظم هذه الجموع الهائلة، أي من خلال التركيز على طرح المطالب التي تتعلق بالأجور والبطالة والفساد ونهب الطبقة المسيطرة، وبالدعوة إلى نمط اقتصادي جديد. وهو الأمر الذي بات يحصر المطالب في المطلب الديموقراطي، رغم أنّ انتفاضة الطبقات الشعبية انطلقت مما هو اقتصادي: البطالة والفقر والأرض والصحة والتعليم والتدمير الذي تحدثه الطبقة المسيطرة في كل مناحي الحياة.

إذن، الانتفاضة شعبية شاملة، والإخراج سيكون أميركياً ولن يقود الى تحقيق أي من أهداف الطبقات الشعبية. فقط متنفّس ديموقراطي، وهو متنفس قد يكون أقلّ كثيراً ممّا أراد الشعب.

المصدر: الأخبار