عن اليونان وإسبانيا واليسار

أحدثت انتكاسة اليونان هزّة لدى الشعب اليوناني. لكن، أيضاً لدى كل الذين عقدوا أحلاماً على يسار جديد يمثله حزب سيريزا. وربما تفضي إلى قطع الطريق على حركة بديموس في إسبانيا، حيث ربما تفقد كثيرين ممن أرادوا التصويت ليسار جديد، نتيجة الشك في يسارية الحركة، خصوصاً أنها، أيضاً، لا تحمل برنامجاً واضحاً، فيما عدا رفض التقشف.
مسارعة رئيس الوزراء سيبراس، إلى توقيع الاتفاق مع الدائنين والاتحاد الأوروبي، أحدثت شرخاً في الحزب نفسه، الذي يتشكّل من كتلة صغيرة في اليمين، لكنها مهيمنة، وكتلة كبيرة في الوسط، وثالثة وازنة في اليسار الجذري. لهذا، ربما يتصاعد الصراع نحو الانقسام السريع، وأيضاً نحو فرط الحكومة والسير نحو انتخابات جديدة، أو تحالف جديد، لا يكون حزب سيريزا المسيطر فيه. لكن، الأهم هنا هو كيف يمكن أن يتجذر الحزب أو يتفكك؟ كتلة الوسط هي التي سوف تحسم الأمر. لكن، من الواضح أن وضع الحكومة سوف يكون صعباً، نتيجة رفض قسم من أعضاء حزب سيريزا التصويت لمصلحة الاتفاق.
لا شك أن الحراك الشعبي سوف يؤثر كثيراً في الصراع داخل الحزب، حيث يمكن أن يشدّ من أزر الوسط، فيميل أكثر نحو اليسار. وهنا، إذا سقطت الحكومة، وجرت انتخابات جديدة، يكون الحزب مؤهلاً لأن ينتصر من جديد. لكن، على ضوء برنامج حاسم في القطع مع الدائنين، ومع الاتحاد الأوروبي، ومع البنوك المحلية والبورجوازية عموماً، أو يصبح قادراً على شلّ أية حكومة، يمكن أن تتشكل من تحالف أحزاب اليمين ويمين حزب سيريزا، في حال نجح هؤلاء في تشكيل حكومة.
هل تسمح التجربة بتحقيق هذا التطور في اليسار، بحيث يصبح حاملاً برنامج تغيير حقيقي، وليس برنامج رفض؟ ربما يعتمد ذلك، بالتحديد على مدى توسّع الحراك الشعبي، وربما، أيضاً، على تفاعل الحزب الشيوعي (حصد 6% من الأصوات) مع الحدث، وميله إلى التفاهم مع التحوّل الجديد الممكن، وأساساً امتلاكه برنامجاً جذرياً.
في إسبانيا، سوف يرى الشعب هنا، وإسبانيا تتحضّر للانتخابات في نوفمبر/تشرين أول المقبل، أن بديموس نسخة عن سيريزا، وبالتالي، ربما يميل إلى الاستنكاف عن التصويت، الأمر الذي سيضعف حركة بديموس بالتأكيد، ويجعلها تفشل في الوصول إلى السلطة. الحدث اليوناني مؤثر هنا، كما كان من قبل. لكن، هذه المرة بشكل معكوس. وبالتالي، انتكاسة اليونان ربما تضرّ بإسبانيا. وهي بالضرورة ستضرّ فيما إذا ظلت حركة بديموس بما هي عليه، كحركة ترفض، من دون بديل حقيقي، يقطع مع الاتحاد الأوروبي والدائنين والبورجوازية الإسبانية، حيث ستبدو للشعب الإسباني يساراً شكلياً، متهافتاً، وانتهازياً، يريد الوصول إلى السلطة فقط.
هل ستتجذر بديموس قبيل الانتخابات؟ هذا ما يجعلها قادرة على النجاح، وإلا فإن السقوط يمكن أن يكون مصيرها. حيث لم تعد الشعوب قادرة على قبول الحلول الإصلاحية، بعد أن بات الرأسمال يعمل على نهبها، ودفعها نحو الفقر. وآليات ذلك باتت مرتبطة، في جزء منها، بالانخراط في الاتحاد الأوروبي الذي يفرض عليها شروطاً تهيء الأرضية لنهب الرأسمال، بعد أن جرى توريط دول عديدة في المديونية التي هي استثمار رأسمالي، وليست مساعدة أو “تسهيلات بنكية”، لكي تتجاوز الدول أزمتها المالية، التي نتجت، أصلاً، عن نهب الرأسمالين، المحلي والدولي، الأمر الذي يضع الشعوب أمام مسار يفرض القطع مع الرأسمال، من أجل وقف النهب، وإعادة بناء الاقتصاد بشكل مستقل، يخدم الشعب وليس الرأسمال.
بالتالي، تجذر الشعوب مواقفها، وهذا ما يفرض بناء يسار جذري. بعد أن ظهر أن اليسار العالمي بات إصلاحياً وانتهازياً، وفي غير وارد التغيير، وظهر أن المحاولات الأولى لتبلور يسار جديد ما زالت تحمل من إرث اليسار السابق الكبير من العيوب والسوء.
أزمة اليسار البديل هي أزمة العالم اليوم.

المصدر: العربي الجديد

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s