“اليسار اليوناني” يخفق

نجح حزب سيريزا اليساري في اليونان، بالضبط لأنه رفض سياسة التقشف، والشروط المجحفة التي وضعها الدائنون (صندوق النقد الدولي والبنوك الأوروبية)، وعمل على إعادة البحث في تلك الشروط، وعلى أساس وقف سياسة التقشف. وحين أصرّ الاتحاد الأوروبي والدائنون على شروطهم، قرّر الحزب إجراء استفتاء عليها، ولقد رفض الشعب اليوناني تلك الشروط، بنسبة قاربت 65%. وظهر أن اليونان تسير نحو الخروج من الاتحاد الأوروبي، وسوف توقف سداد فؤائد ديونها، وطالب بعضهم في الحزب بإلغاء الديون ومصادرة أموال الرأسمالية اليونانية التي تسببت في مراكمة تلك الديون، وهي من استفاد منها. لكن الحزب لم يأخذ في الاعتبار رفض الشعب، حيث قدّم “خطة جديدة” وافقت دول الاتحاد الأوروبي عليها. تنص على زيادة عائدات الضرائب وترشيد رواتب التقاعد وتحرير سوق العمل. وما اعتبر رئيس الوزراء، سيبراس، أنه انجاز هو تجنيب نقل الأصول اليونانية إلى الخارج، وانهيار النظام البنكي فقط. وما “تحقق” هو إعادة جدولة الديون من دون تخفيضها، بمعنى أن ما تحقق في الاتفاق الجديد هو “تحسين جزئي” في الشروط من دون المسّ بها.
وبالتالي، نفهم هنا لماذا استقال وزير المالية، المشاغب الأكبر، ضد الدائنين والاتحاد الأوروبي، عقب التصويت بلا على الشروط الأوروبية، حيث فهم أن الـ لا هذه تنفيس لرفض الشعب من أجل الوصول إلى اتفاق، وليس من أجل رفض الشروط والتصميم على رفض سياسة التقشف، وكل شرود الدائنين، حتى وإنْ قاد ذلك إلى الخروج من الاتحاد الأوروبي، والعودة إلى العملة اليونانية، الدراخما. ولا شك في أن ما جرى يعني أن الحزب الذي ظهر تجديداً لليسار، وبديلاً عن الأحزاب اليسارية، سوف يعاني من موته الآن، بسرعة لا مثيل لها. ولسوف يفقد شعبيته كذلك بسرعة لا مثيل لها. ومن ثم يتحوّل إلى أداة جديدة بيد الرأسماليتين، اليونانية والأوروبية.
طبعاً، كان واضحاً أن الحزب الذي تشكّل “على عجل”، وانطلاقاً من سياسة “رفضية” (رفض سياسة التقشف وشروط الدائنين)، يضم تيارات متعددة، بعضها جذري، وبعضها نقابي مطلبي، لكن بعضها إصلاحي بكل معنى الكلمة. وكان يشار إلى سيبراس الذي أتى من صفوف الحزب الشيوعي ممثلاً لهذا التيار الإصلاحي الذي من السهل عليه التحوّل إلى الليبرالية، كما أوضحت تجارب “التجديد” التي يطرحها شيوعيون سابقون. حيث تشرّب هؤلاء فكرة أن زمن تجاوز الرأسمالية لم يحن بعد، وأن بلداً وحيداً لا يستطيع الانتقال إلى الاشتراكية. وبالتالي، ليس من الممكن سوى تحسين في بنية الرأسمالية باتجاه “عدالة ما تشمل الفئات الأفقر، و”تشذيب” في التكوين الاقتصادي، يراعي عدم رمي الشعب في الفقر بسرعة. فالنمط الرأسمالي ما زال قائماً، لن يكون ممكناً تجاوزه الآن، بالتالي، الهدف هو “تحسين” الأوضاع بشكل ما.
لهذا أظهر سيبراس “منجزاته” بأن أشار إلى تجاوز بيع أصول يونانية (بعض الجزر) للدائنين، وأنه منع انهيار النظام البنكي، بالعودة إلى المديونية، لكي تنهب البنوك وتستقر. على الرغم من أن الحل يفرض انهيار النظام البنكي، مع إعادة تأسيسه على أسس جديدة، بعيدة عن سيطرة الطغم المالية الأوروبية (الفرنسية الألمانية)، من خلال الخروج من الاتحاد الأوروبي ومن منطقة اليورو.
سوف تدفع هذه الخطوة إلى تفكك حزب اليسار. لكن، أيضاً إلى تصاعد الحراك الشعبي، بالضبط لأن الشعب لم ينتخب سيريزا من أجل ذلك، بل من أجل إنهاء سياسة التقشف. بالتالي، نحن في بداية طريق من الصراع الذي يفرض تأسيس يسار آخر، جذري، ومعني بتجاوز الرأسمالية، هذه المسألة التي ما زالت تخيف “اليسار القديم”، وأطرافاً في اليسار الذي يتشكّل “على عجل”. والشباب اليساري الذي كان في صلب تجربة حزب سيريزا يمكن أن يكونوا هم أساس ذلك.

المصدر: العربي الجديد

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s