المديونية كتوظيف مالي

ينظر إلى عملية الاقتراض، سواء من صندوق النقد الدولي أو من البنوك الدولية، على أنها حل لمشكلات داخلية تتعلق بعجز الموازنة، حيث تكون مصروفات الدولة أكبر من وارداتها لأسباب مختلفة، منها ما يعاد إلى “فشل القطاع العام”، والضمان الاجتماعي ومجانية التعليم، وتحمُّل الدولة فروقات الأسعار في سلع أساسية بين سعرها العالمي وما يناسب الأجر المحلي. كل ذلك حسب ما تكرر في خطاب صندوق النقد الدولي الذي يضغط من أجل فرض الخصخصة.

ولهذا يظهر الأمر وكأن عبئاً ملقى على الدولة فرض ذلك، لهذا يجب أن يُزالَ العبء عبر الخصخصة وتخلي الدولة عن التزاماتها تجاه الطبقات الشعبية. ولحين تحقيق ذلك تأتي “اليد الحنون” لكي تساعد الدولة على إعادة الهيكلة عبر تقديم قروض مالية “سخية”.

هكذا يظهر الأمر في البروباغاندا، وهكذا يروج مفكرو الليبرالية الجديدة. لكن سيبدو الأمر غير ذلك تماماً فيما إذا درسنا عوائد القروض، وكيف أن القرض يتراكم ويكبر رغم دفع المستحقات السنوية (فوائد الديون). وإذا جرى جمع الفوائد التي دُفعت وحدها سنجد أنها أكبر من الدين ذاته. هنا نلمس عملية مزدوجة في تحقيق الربح، حيث تكون الفوائد شكلاً له، ويكون تراكم الدين شكله الآخر. هذا الشكل الأخير يتحقق عبر الاستدانة من أجل تسديد فوائد الديون، وهكذا….

اقرأ أيضا: الديون في الدول العربية: اقتصادات برسم البيع

وبالتالي سنلمس هنا أن نسبة الربحية في توظيف الديون ستكون أعلى بما لا يقاس عن نسبة الربحية في الصناعة أو حتى التجارة والخدمات. لهذا فالديون توظيف جيد ومضمون، ويحقق عبر ذلك وضعاً اقتصادياً يسمح بنشاط استثماري مربح كذلك.

مثلاً، لنأخذ وضع مصر، حيث كانت القيمة الفعلية للقطاع العام في ثمانينيات القرن العشرين تبلغ 360 مليار دولار، وكان قد بدأ الشغل على “الانفتاح الاقتصادي” وبيع القطاع العام، كما بدأت عملية “التصحيح الهيكلي” (هذا هو الاسم “العلمي” لشروط صندوق النقد الدولي)، وأصبحت الدولة بحاجة إلى الديون لتجاوز عجز الميزانية، لتتراكم وتصبح (دون احتساب ما جرى التنازل عنه نتيجة حرب الخليج الأولى) ما يقارب الـ 50 مليار دولار مديونية تسدد أقساطها سنوياً. وكانت قيمة القطاع العام قد تبخرت، حيث كان يباع بحجة تسديد فوائد الديون. ومن ثم كانت تجري الاستدانة من جديد.

إلى أين ذهبت قيمة القطاع العام؟ إلى “رجال الأعمال الجدد” من طرف، والمقرضين والشركات التي وظفت “في السليم” من جهة أخرى. هذا يعني أن الخصخصة لم تكن حلاً لمشكلة بل فاتحة لنهب، حقق الدائنون أرباحاً طائلة منه. هذه هي عملية النهب التي ترافقت مع “الليبرالية المتوحشة”.

بالتالي يجب النظر إلى الديون على أنها توظيف رأسمالي وليست مساعدة، وأنها تحقق أرباحاً طائلة إضافة إلى أنها تفرض تغيير البنية الاقتصادية لمصلحة خصخصة شاملة، وتحكّم الطغم المالية بالاقتصاد المحلي، وبالتالي نهب هذه الطغم عبر التوظيف في مجالات أخرى بعد التسهيلات التي تُفرض على الدولة، والتي بدورها تحقق أرباحاً طائلة كذلك.

من هذا المنظور لا بد من التعامل مع الديون على أنها وسيلة نهب، وأنها حققت أرباحا أعلى من قيمتها، وبالتالي لا يتعلق الأمر بسداد الديون، بل بإلغائها بعدما فرضت فتح الاقتصاد للنهب. الأمر هنا يتعلق بحق طبيعي بإلغاء الديون، وحق المطالبة بالتعويض عن الخسائر التي حدثت من جرّاء نهب طويل تحقق عبرها.

اليونان تعاني اليوم من أزمة المديونية، وتسير نحو الإفلاس أو تخضع لشروط صندوق النقد الدولي والمصارف الأوروبية، وضغوط الاتحاد الأوروبي. ولقد فُرضت عليها سياسة تقشف قاسية رفضها الشعب، ولم يبقَ سوى إلغاء الديون، وإعادة بناء الاقتصاد بعيداً عن سيطرة الطغم الإمبريالية.

إسبانيا تعيش الأزمة ذاتها، وكذلك إيطاليا، وبلدان شرق أوروبا. كما تعيشها البلدان العربية، وكانت من أسباب امتصاص الفائض وتصديره إلى المراكز، وبالتالي إفقار الشعب.
ما يجب أن يتصدّر الصراع ضد الرأسمالية هو مسألة إلغاء الديون، واعتبار ذلك الحل الوحيد لهذا التوظيف المالي، الذي حقق أرباحاً هائلة للطغم المالية.

المصدر:  العربي الجديد

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s