الثورة في الماركسية

الثورة في الماركسية
(ملاحظات حول منظور لينين عن الثورة)
“من وجهة نظر الماركسية” يجري تحديد معنى الثورة بشروط تتعلق بوجود الحزب الماركسي وقيادته لها، والسعي للقطع مع النمط القائم. ولقد كان هذا الفهم مدخلاً لنقاش طويل ومتعدد ومتشابك، لكن مربك، فيما يتعلق بما جرى في البلدان العربية، هل هي ثورات أم انتفاضات، (ولا نقول مؤامرات لأننا هنا لسنا بصدد البحث في ذلك، رغم أن نفي حدوث الثورات كان يوصل إلى القول بحدوث مؤامرات)؟
يقول لينين ” وبالفعل، ما هي الثورة من وجهة النظر الماركسية؟ إنها هدم بالعنف لبناء فوقي سياسي قديم ولى عهده، وأدى تناقضه مع علاقات الإنتاج الجديدة، في لحظة معينة، إلى إفلاسه” (ص206). هذه الفكرة التي أتت في كتاب “خطتا الاشتراكية الديمقراطية في الثورة الديمقراطية”، تكمل وفق ما يُفهم من منظور لينين بأن تحقيق هذا “الهدم” يفترض وجود حزب بروليتاري. ومن ثم يجري تأسيس “قانون” خاص يتعلق بـ”تقدير الوضع”، وتحديد هل أن ما يجري هو ثورة أم لا؟ فـ “القانون الماركسي” يقول بأن الثورة تعني القطع مع النمط الاقتصادي الاجتماعي القائم، وتأسيس نمط جديد، ولكي يكون ذلك ممكناً لا بدَّ من وجود حزب بروليتاري (أو حزب على العموم). وانطلاقاً من ذلك يجري قياس ما يحدث في الواقع حين يتحرك الشعب، حين يتمرَّد، يريد التغيير. فيُطرح السؤال: هل أن “هدف” هذا الحراك هو القطع مع النمط الاقتصادي؟ وهل أن هذا الحراك هو تحت قيادة حزب ماركسي (أو شيوعي، أو يساري)؟
هذين السؤالين جعلا كل ما جرى، ويجري في البلدان العربية، ليس ثورة. حيث ليس واضحاً أن الشعب يطرح مسألة تغيير النمط الاقتصادي، وما جرى بعد إبعاد الرئيس هو استمرار هذا النمط. ثم أن ما يجري لا يُقاد من قبل حزب ماركسي. لهذا، استخدم البعض مصطلح انتفاضة، على أساس أن الانتفاضة هي “أصغر” من الثورة، هي هبّة جماهيرية، تمرُّد شعبي.
ما يلفت هنا هو كيف يمكن أن يجري اجتزاء فكرة وتحويلها إلى قانون. هذا خطأ منهجي فادح. فلم يعتبر لينين هذه الفكرة قانون، ولسوف نرى تالياً ماذا قصد، وكيف عالج الأمر. هذا الشكل من التعامل مع ما كتب ماركس وإنجلز ولينين وآخرين، هو الذي أنتج “ماركسية” هي في الواقع لا ماركسية، بالضبط لأنها عبر اجتزاء انتقائي تؤسس “منهجية” ترتدّ بالماركسية إلى الخلف، منهجية تُسقط منهجية الماركسية، التي هي الجدل المادي، لمصلحة تحويل بعض النصوص إلى قوانين والى “عقيدة”. ومن ثم هنا سنلمس كيف تجري الإعادة إلى المنطق الصوري، حيث يصبح هذا “القانون” مقياساً للواقع. فالمنطق الصوري ينطلق من “محدِّدات منهجية أولية” يقاس الواقع بها. تصبح هي محدِّد الواقع. وبالتالي يعني ذلك سيادة المثالية من جديد، لأن الفكرة باتت هي التي تحكم الواقع. هنا يجري تأسيس “عقيدة” تُفرض على الواقع، أو تقاس الوقائع بها بشكل ميكانيكي. تصبح الإجابة على أساسها هي نعم أو لا. ويكون الموقف هو مع أو ضد. هذا هو منطق المنطق الصوري، الذي هو “العقل” الرائج، المتوارث، والذي لا زال يستحكم الوعي البشري، خصوصاً في الأطراف. وهو مع تعمم مع “الماركسية السوفيتية” حتى في أوروبا “المتحضرة”.
هل أن معنى الثورة هو كذلك حسب لينين؟ هل قصد لينين ذلك؟
سوف نتناول النص المشار إليه ضمن سياق الكتاب الذي ورد فيه، بالضبط لكي نفهم ما قصد لينين من هذا النص الذي بات “قانوناً” مطلقاً، يجب الالتزام به، والحكم على الواقع الثوري عِبْره.
1)
ورد النص في كتاب مهم كتبه لينين سنة 1905، أي مع بدء ثورة سنة 1905 في روسيا. وربما يشير عنوان الكتاب إلى ما نحن بصدد نقاشه هنا. عنوان الكتاب “خطتا الاشتراكية الديمقراطية في الثورة الديمقراطية”، يناقش فيه الاختلاف الجذري بين البلاشفة والمناشفة في التعاطي مع ثورة سنة 1905. يشير إلى خطة البلاشفة لتعميق الثورة وتجذيرها لكي تقطع مع القيصرية، والى خطة المناشفة التي تريد من الثورة الإصلاح فقط، والقبول بحل لا ينهي الملكية.
هنا لينين يتحدث عن خطة، بالتالي عن مسار يجب أن يلعبه الحزب لتحقيق ذلك القطع. لهذا يجب أن نضع الأمر في سياق رؤية لينين، حيث أنه يتحدث عن “الثورة الديمقراطية”، عن خطة الحزب في الثورة الديمقراطية. ماذا تعني الثورة هنا؟ لينين هنا يتحدث عن مرحلة كاملة، يحددها نظرياً باسم الثورة الديمقراطية (مقابل الثورة الاشتراكية). هو هنا يشير إلى مرحلة كاملة يفرضها الواقع، وتهدف إلى التغيير الاقتصادي الاجتماعي السياسي، بالتالي هدم البناء الفوقي وعلاقات الانتاج. مرحلة تتضمن مهمات، اسماها “المهمات الديمقراطية”، التي تتعلق بإنهاء القيصرية وتطوير المجتمع. هنا معنى الثورة نظري، أي أنه يرتبط بتحليل الواقع والاستنتاج بأن التغيير يجب أن يساوي الثورة، التي تعني القطع مع النمط الاقتصادي الاجتماعي القائم. والذي لن يتحقق إلا بأن تضطلع البروليتاريا بالدور القيادي (ص199). وهو نظري لأنه تصوّر مصاغ من “وجهة نظر ماركسية” بعد دراسة الواقع الروسي، وتحديد المشكلات المجتمعية، والطبقات، ودور كل منها، وما هو مطلوب لتحقيق التطور للوصول إلى الاشتراكية، ومَنْ الطبقات يمكن ويجب أن يحققها. بالتالي هو تجريد الواقع في صيرورته الممكنة من اجل التغيير، ودور الماركسية فيه، وبالتالي خطتها من أجل أن تحقق المهمات الديمقراطية، والانتقال إلى الاشتراكية.
هذه هي وجهة نظر الماركسية في الثورة الديمقراطية، هذا تصور الماركسية لهذه الثورة بالتحديد. وهذا تصور نظري، يتعلق بالإرادة، أي بفاعلية واعية تتحقق من خلال الحزب البروليتاري. ولا شك في أن كل هدف الكتاب هو شرح كيف تكون هذه الفاعلية الواعية لكي تنتصر الثورة. لينين هنا يشير إلى “خطة”، إلى تصور نظري لثورة يجب أن تقطع مع النمط الاقتصادي، لكنه يلمس ان ذلك يفترض وجود تصور للحزب البروليتاري لكيفية تطوير الثورة. ليصل إلى أن على البروليتاريا أن تقودها لكي تحقق مهماتها الجذرية، رغم أنه كان لا يستبعد انتصار الفلاحين (أي البرجوازية)، فهذا خيار كان يشير إليه. ولهذا كان يرى أن انتصار البرجوازية أيضاً ممكن عبر الفلاحين بالتحديد، وهو مفيد، حيث تستطيع البروليتاريا النشاط بشكل افضل من أجل تحقيق الاشتراكية. لكنه يعمل على ربط الفلاحين بالبروليتاريا من أجل أن تنجز الثورة الديمقراطية. كل هذا تصوّر نظري، وبالتالي فإن معنى الثورة هنا نظري، ويتعلق بـ “وجهة النظر الماركسية”، وليس بالثورة التي كانت حينها تجري في الواقع، وكان يطلق عليها: ثورة. رغم أنها دون حزب ولا تطرح القطع.
بالتالي لا يمكن اعتبار هذا المفهوم للثورة، مفهوماً لمعنى الثورة بشكل عام، بل لمعنى الثورة التي يجب أن تحققها البروليتاريا. هذا تصور نظري، كلمة الثورة تعني فيه ما تريده النظرية لها، ما يجب أن تحققه البروليتاريا، لكي تتحقق الثورة بمعنى القطع مع النظام القائم. من ثم لا يجوز أن تعتبر “خطة لينين” هذه نظرية للثورة بشكل عام، أو محدِّدة لمعنى الثورة.
هذا ما سيظهر واضحاً حين تناول كل كتاب لينين.
2)
لينين في الكتاب يتناول ثورة قائمة، ثورة نهضت سنة 1905 في روسيا، والحزب ضعيف، والبروليتاريا ضعيفة، وكان الفلاحون هم أساس الثورة. وهي عفوية، وشعبية، بالتالي. هو يسمي ما حدث في روسيا سنة 1905 ثورة، ويدعو إلى انتفاضة مسلحة فيها، أي تحويلها إلى انتفاضة مسلحة.
هنا نلمس كيف أن كل “شروط لينين” التي تحوّلت إلى “قانون” ليست موجودة على الإطلاق، عدا حزب ضعيف وبروليتاريا ضعيفة، وحزب بلا خطة في الثورة، فرضت أن يعقد المؤتمر بعد بدء الثورة لتحديد الخطة التي يجب أن يعمل الحزب وفقها.
لينين يميّز جيداً بين الموضوعي والذاتي، لهذا يرى أن ثورة قد نشبت، عفوية، شعبية، لكنها ثورة. لهذا يسعى لأن يبلور “الخطة” التي يجب أن يعمل الحزب وفقها لكي تتطور، فالاشتراكية الديمقراطية تريد “تطوير نضال البروليتاريا الطبقي حتى قيامها بالدور القيادي في الثورة الروسية الشعبية الشاملة، أي السير بهذه الثورة إلى دكتاتورية البروليتاريا والفلاحين الديمقراطية” (ص199). لهذا يظهر واضحاً أنه لم يشترط قيادة الحزب منذ البدء، بل ربط ذلك بفاعلية الحزب ذاته، وبخطته، بدوره العملي وليس بادعاء مسبق.
إذن، يعتبر لينين أن الحراك العفوي الشعبي ضد القيصرية ثورة، هي ثورة ضد القيصر. والشعب لم يطرح برنامجاً، وبل طالب بمطالب نتيجة الوضع الذي يعيشه. الفلاحون يريدون الأرض، والعمال يريدون الأجر، والفئات الوسطى تريد مطالب متعددة، والمجتمع يريد إسقاط القيصر. شيء شبيه بوضع الثورات العربية، فهذه هي الثورات العفوية، او الثورات. فقط ثورة اكتوبر قطعت مع النظام القديم، بينما الثورة الفرنسية لم تفعل، وعادت الملكية فيما بعد، والثورة الفرنسية الثانية سنة 1830 كذلك لم تقطع، ربما أدت ثورة 1848 إلى ذلك بعد سيطرة لويس بونابرت مدعوماً بالفلاحين. والثورة الروسية الأولى سنة 1905 فشلت، وثورة شباط/ فبراير سنة 1917 أنهت الملكية لكنها لم تغيّر النمط الاقتصادي.
ولينين ينطلق من أن ما يجري هو ثورة عفوية شعبية، ولم يقل أنها “انتفاضة”، رغم أنه دعا إلى أن تتحوّل إلى انتفاضة مسلحة. ولم يقل أنها ليست ثورة لأنها تفتقد الرؤية التي تسعى إلى القطع مع النمط الاقتصادي، ونتيجة غياب الحزب الذي يقودها. بل قال أن على الحزب أن يعمل جاهداً لقيادتها، وأن يدفعها لكي تقطع مع النمط القائم. هذا خلافه مع المناشفة أصلاً، المناشفة الذين أرادوا الإفادة من الثورة بتحقيق الإصلاح فقط، بينما دفع هو لكي تنتصر سواء من خلال انتصار الفلاحين واستلامهم السلطة، أو قيادة البروليتاريا لها. يقول لينين ” إن البرجوازية عاجزة عن المضي بالثورة الديمقراطية إلى النهاية، في حين أن الفلاحين قادرون على المضي بالثورة إلى النهاية، فينبغي لنا أن نساعدهم في ذلك بكل قوانا” (157/ 158). هنا لينين يعمل “من داخل الثورة” لكي يصل إلى انتصارها، لهذا يحاول أن يدرس الممكنات، وأن يضع التكتيك الضروري لذلك. يقول، وهو يواجه خطاب المناشفة الذي لا يريد للبرجوازية ان تتخلى عن الثورة، “إن نهوض الثورة الروسية الحقيقي لن يبدأ حقاً، و(لـ) إن الثورة لن تبلغ حقاً أوسع مدى ممكن في عهد الانقلاب الديمقراطي البرجوازي إلا حين تنصرف البرجوازية، وحين يضطلع جمهور الفلاحين بدور ثوري نشط، جنباً إلى جنب مع البروليتاريا. ولكي تمضي ثورتنا الديمقراطية إلى النهاية بدأب وانسجام، ينبغي لها أن تعتمد على قوى قادرة أن تشل تذبذب البرجوازية المحتوم (أي قادرة بالضبط “أن تجبرها على الانصراف” – وهذا ما يخشاه أنصار “اليسكرا” القفقاسيون لسؤ تفكيرهم).
ينبغي على البروليتاريا أن تقوم بالانقلاب الديمقراطي إلى النهاية، بأن تضم إليها جماهير الفلاحين، لسحق مقاومة الأوتوقراطية بالقوة، وشل تذبذب البرجوازية. وينبغي على البروليتاريا أن تقوم بالانقلاب الاشتراكي بأن تضم إليها جماهير العناصر نصف البروليتارية من السكان، لسحق مقاومة البرجوازية بالقوة وشل تذبذب الفلاحين والبرجوازية الصغيرة” (ص 158/ 159).
لينين إذن يتعامل مع “ثورة واقعية”، قائمة موضوعياً، ويدرس كيف يمكن أن يؤثر الحزب فيها. هذا هو هدف “خطة” البلاشفة. لقد عملوا لكي يصبح الحزب البلشفي هو قائد الثورة، ودفعوا من أجل أن تقطع مع النظام القديم.
فموضوعياً ما يجري هو ثورة حسب لينين، لهذا يجب على الحزب أن يضع الخطة ويعمل لكي تدفع إلى مداها الأقصى، أي أن تحقق القطع مع النظام القديم، الذي يتحقق عبر “دكتاتورية البروليتاريا والفلاحين الديمقراطية”. هنا يترابط الموضوعي (الثورة الشعبية) مع الذاتي (خطة الحزب وفاعليته). بالتالي تترابط الثورة العفوية الشعبية مع التصور الثوري، وتنتظم العفوية. وهو الأمر الذي يوصل إلى الانتصار. ولأن كل ذلك لم يتوفر في ثورة سنة 1905 فقد فشلت. حتى لم ينتصر الفلاحون.
لهذا فإن منظور لينين لمعنى الثورة لا يتربط بـ “الشروط” تلك، بل أنها شروط من أجل أن تنتصر الثورة. والفارق كبير بين أن تسمى ثورة لوجود قطع مع النظام القائم وبقيادة حزب، وبين أن يكون هذين “الشرطين” اساسيين لنجاح الثورة. وهي مسافة مهمة لفهم أن ما طرحته الماركسية يتعلق بانتصار الثورة وليس بنشوبها.
3)
في هذا المسار يمكن أن نجد تحديدات أخرى لمعنى الثورة في كتابات لينين.
نعود هنا إلى ثورة سنة 1905، حيث قام لينين سنة 1917 بتقديم تقييم لها في ذكرى انفجارها يوم “الأحد الدامي” قبل إثني عشرة سنة (وهذا قبيل ثورة شباط بقليل) حيث “آلاف من العمال، مع العلم أنهم ليسوا اشتراكيين – ديمقراطيين، بل مؤمنون، من توابع القيصر الأمناء، يتدفقون، بقيادة الكاهن غابون، من جميع أنحاء المدينة” إلى قصر الشتاء لتقديم عريضة للقيصرن فأطلق الرصاص عليهم (تقرير عن ثورة 1905، في المختارات في ثلاثة مجلدات، م1 ج2، ص453). ليشير إلى “أن العمال الروس غير المتعلمين في روسيا ما قبل الثورة قد أثبتوا بأفعالهم أنهم أناس مستقيمون استيقظوا للمرة الأولى على الوعي السياسي”، “وفي هذه اليقظة على وجه الضبط، يقظة الجماهير الشعبية الغفيرة على الوعي السياسي والنضال الثوري، تقوم الأهمية التاريخية للثاني والعشرين من كانون الثاني 1905″، في وضع كان التصوّر ينطلق من أنه “ليس في روسيا حتى الآن شعب ثوري” وفق زعيم الإصلاحيين البرجوازيين بيوتر ستروفة، معتقداً أنه ليس “في مستطاع بلد من الفلاحين الأميين أن تلد شعباً ثورياً” (ص455).
ويكمل أنه “كان الحزب الثوري في روسيا يضم حفنة صغيرة من الناس….. بضع مئات من المنظمين الثوريين، بضعة آلاف من أعضاء منظمات محلية، نصف دزينة من المنشورات الثورية التي تصدر مرة واحدة في الشهر على الأكثر تطبع في الخارج” (ص455/456). ويوضّح بأن “الجماهير الغفيرة كانت لا تزال ساذجة جداً، وديعة جداً، ساكنة جداً، مسيحية جداً. وكانت تلتهب بسهولة نسبية، فإن ظلامة ما، وفظاظة صارخة جداً من جانب الضباط,,,,, كان في وسعها أن تثير تمرداً” (ص464). “غدت الحركة شعبية. ولأول مرة في تاريخ روسيا شملت أغلبية المستثمَرين. أما ما نقصها، فهو، من جهة، صلابة الجماهير، عزم الجماهير المصابة كثيراً جداً بمرض سرعة التصديق، ومن جهة أخرى، تنظيم للعمال الاشتراكيين – الديمقراطيين الثوريين باللباس العسكري: فكانت تنقصهم معرفة قيادة الحركة، والسير على رأس الجيش الثوري، وشن الهجوم على السلطة الحكومية” (ص465)
هنا لينين يوصّف واقع ثورة سنة 1905، التي كان الحزب فيها ضعيفاً، والبروليتاريا كذلك، ووضع فلاحي متخلف. وفي تصاعد عفوي لحراك شعبي كبير. وهو الواقع الذي اختلف البلاشفة والمناشفة حول الخطة الضرورية لتطويرة لكي تنتصر البروليتاريا.
في كتابات أخرى يبدا لينين بالإشارة إلى أن انفجار الثورة هو ليس من فعل حزب، بل نتاج ظرف موضوعي، يؤسس لتراكم يقود إلى الثورة. يقول “تتحقق الثورات في لحظات تفجر جميع الطاقات البشرية وتوترها لدرجة كبيرة، وهي تتحقق بوعي وإرادة وعواطف وتخيلات عشرات الملايين المدفوعة بأحدّ نضال بين الطبقات” (مرض “اليسارية” الطفولي في الشيوعية” طبعة دار التقدم ص107). ويقول “نتحدث عن ذلك الباعث الذي سيوقظ الجماهير البروليتارية التي لا تزال راقدة الآن، ويدفعها للحركة ويسوقها مباشرة نحو الثورة”، ويكمل “كان يكفي أن يقوم باعث –مفاجئ – و-طفيف-، هو واحد من ألوف الألوف من المكائد الدنيئة التي تصنعها الطغمة العسكرية الرجعية …… ليضع الشعب على شفير حرب أهلية” (ص 109/ 110، والنص يتناول فرنسا نهاية القرن التاسع عشر، ويشير إلى قضية درايفوس).
هو هنا يتحدث عن الانفجار العفوي تماماً، ومن قبل الملايين بالضبط. هذه هي الثورة.
لينين يشرح ذلك في مكان آخر. مثلاً في كراس “افلاس الأممية الثانية”.
يقول “إن الماركسي لا يشك في أن الثورة مستحيلة دون وضع ثوري، ولكن ليس كل وضع ثوري يؤدي إلى الثورة. فما هي بعامة دلائل الوضع الثوري؟ يقيناً أننا لن نخطئ إذا أشرنا إلى الدلائل الرئيسية الثلاث التالية: 1- أن يستحيل على الطبقات السائدة الاحتفاظ بسيادتها دون أي تغيير، أن تنشب هذه الأزمة أو تلك في “القمة”، أي أن تنشب أزمة في سياسة الطبقة السائدة، تسفر عن تصدع يتدفق منه استياء الطبقات المضطهَدة وغضبها. فلكي تتفجر الثورة، لا يكفي عادة “ألا تريد القاعدة بعد الآن” أن تعيش كما في السابق، بل ينبغي أيضاً “ألا تستطيع القمة ذلك”. 2- أن يتفاقم بؤس الطبقات المضطهَدة ويشتد شقاؤها أكثر من المألوف. 3- أن يتعاظم كثيراً، للأسباب المشار إليها آنفاً، نشاط الجماهير التي تستسلم للنهب بهدوء في زمن “السلم”، ولكن التي تدفعها، في زمن العاصفة، سواء أجواء الأزمة كلها أم “القمة” نفسها إلى القيام بنشاط تاريخي مستقل” (ص 13- 14).
وعن السؤال حول هل يؤدي الوضع إلى الثورة؟
“إننا نجهل هذا الأمر، وما من أحد يستطيع أن يعرفه. ولن يبينه غير تجربة تطور الأمزجة الثورية وانتقال الطبقة الطليعية، أي البروليتاريا، إلى الأعمال الثورية. فلا مجال هنا لأية “أوهام” بوجه عام، ولا لدحضها، لأنه ما من اشتراكي ضمن في أي مكان من العالم وفي أي فترة من الزمان بأن الثورة تنشأ على وجه الضبط من الحرب الحالية (لا من الحرب المقبلة) ، وعلى وجه الضبط من الوضع الثوري الحالي (لا من الوضع المقبل). والكلام هنا يدور حول واجب الاشتراكيين، الثابت تماماً، والأساسي كلياً، إلا وهو واجب أن يبينوا للجماهير وجود وضع ثوري، ويوضحوا مداه وعمقه، ويوقظوا وعي البروليتاريا الثوري وعزيمتها الثورية. ويساعدوها على الانتقال إلى الأعمال الثورية، وينشئوا منظمات تتلاءم والوضع الثوري من أجل العمل في هذا السبيل”. ….. “ولذا فإن عدم قيام الأحزاب الحالية بواجبها هذا إنما يعني خيانتها، وموتها السياسي، وتنازلها عن دورها، وانتقالها إلى جانب البرجوازية” (ص17- 18).
ويستند إلى كاوتسكي في دحضه، حيث يقول:
“ففي 1909 اعترف كاوتسكي في كراسه “طريق السلطة” بتفاقم تناقضات الرأسمالية واقتراب مرحلة من الحروب والثورات، “مرحلة ثورية” جديدة، الأمر الذي لم يفنده أحد ولا يمكن تفنيده. وقد قال أنه لا يمكن أن تقع ثورة “سابقة لأوانها” ووصم “بالخيانة المباشرة لقضيتنا” رفض حسبان الحساب لإمكان الانتصار في الثورة، رغم أنه لا يمكن، قبل شن النضال، إنكار إمكان الهزيمة أيضاً” (ص41). “بيد أن خصوم كاوتسكي اليساريين يعلمون تمام العلم أنه لا يمكن “صنع” الثورة، وأن الثورات تنشأ من الأزمات والانعطافات التاريخية التي نضجت موضوعياً (بصرف النظر عن إرادة الأحزاب والطبقات)، وأن الجماهير، بدون منظمة، تكون محرومة من وحدة الإرادة، وأن النضال ضد المنظمة العسكرية والإرهابية القوية للدولة الممركزة، أمر صعب وطويل النفس” (ص54).
“وإذا ما اشتد الغضب واليأس في الجماهير، إذا نشأ وضع ثوري، فاستعدّ لتأسيس منظمات جديدة ولاستعمال أجهزة الموت والدمار (التي تملكها الدولة، س) هذه الجزيلة الفائدة ضد حكومتك وبرجوازيتك” (ص74).
“ليس بوسعنا أن نعرف ما إذا كانت ستقوم حركة ثورية جبارة بعد هذه الحرب (الحرب الأولى)، أم خلالها، ألخ…، إلا أن العمل الذي يجري في هذا السبيل إنما هو، على كل حال، العمل الوحيد الذي يستحق أن يدعى بالعمل الاشتراكي (أي العمل من أجل تحويل الحرب إلى ثورة). والشعار الذي يعمم هذا العمل ويوجهه، ويساعد في توحيد وشدّ لحمة الذين يريدون مساعدة نضال البروليتاريا الثوري ضد حكومتها وبرجوازيتها، إنما هو شعار الحرب الأهلية” (ص80).
هنا يربط بين الوضع الثوري الذي يمكن ألا يؤدي إلى ثورة، ومهمات الماركسية التي عليها أن تعمل من اجل “تحريك” الشعب. عليها الشغل من أجل الثورة. وإذا قامت الثورة في لحظة ما فإن على الماركسيين أن ينظموا نضالهم فيها من اجل أن تفضي إلى الانتصار.
4)
إذن، لينين يسمي كل تمرّد عفوي شعبي ضد النظام ثورة. لكنه لا يكتفي بذلك بل يعتبر أن على الحزب الماركسي الثوري أن ينخرط فيها وأن يسعى لبناء “التحالفات”، وتحديد التكتيكات، وأن يطوّر فاعليته لكي يقودها، وفق “الخطة” التي طرحت حينها الوصول إلى “دكتاتورية العمال والفلاحين”، لأن ذلك هو ضمانة القطع مع النظام القديم. لم يتشوش لينين في تسمية ما حدث سنة 1905 ثورة، ولم يقف مناكفاً، هل هي ثورة ام انتفاضة، ام “مؤامرة” من القوى الإمبريالية؟ وهو يعرف، ولقد حدَّد بدقة الوضع الذي يقود إلى الثورة، ومن ثم حدَّد “الخطة” الضرورية لكي تتطور الثورة، وعلى أمل أن تنتصر. لكن وضع البروليتاريا الضعيف، وضعف الحزب (وانشقاقه)، وغلبة الفلاحين الذين لم يكونوا يمتلكون قيادة (حتى حزب الفلاحين، أي الاشتراكيين الثوريين، لم يكن قوة تستطيع لعب دور القيادة كما يشير لينين ذاته)، كل ذلك أفضى إلى فشل الثورة. بالتالي، إن غياب الحزب هو الذي أدى بالثورة إلى الفشل، هذا صحيح، لكنها كانت ثورة. أي ثورة بلا هدف (مصاغ في برنامج) يشير إلى القطع مع النظام القديم (القيصري)، وبلا حزب ماركسي بروليتاري ثوري يقود.
هذه المسافة بين الموضوعي (نضج الثورة وانفجارها) والذاتي (الحزب الماركسي) هي التي عمل لينين والحزب البلشفي على جسرها طيلة سنوات 1907 (أي سنة فشل الثورة) وسنة 1917، حيث قادت التكتيكات الثورية التي عمل الحزب على أساسها إلى أن يصبح قوة قادرة على القيادة، وأن يكسب البروليتاريا والفلاحين. هنا من حوّل الثورة من ثورة عفوية شعبية، والحزب من حزب ضعيف، هو ما أسماه لينين “الخطة”، أي التصوّر الذي طرحه البلاشفة في الثورة، وبعد الثورة (في مرحلة الجزر الرجعي)، ومن ثم في مرحلة النهوض الجديد خلال وبعد الحرب العالمية الأولى. هذه السياسة الفعلية الممارسة مع البروليتاريا والفلاحين الفقراء، هي التي أفضت أن “تتحقق الشروط” التي يريد “ماركسيينا العظام” أن نعتبر أنها قانون على ضوئه علينا أن نحدِّد أن ما حدث ثورة أو انتفاضة. ولهذا بدل الفهم المادي الجدلي للواقع وآليات تحويله، وبدل الخوض في معمعان الثورة للتأثير في مسارها، يتعاملون ميكانيكياً مع أفكار حوّلوها إلى قوانين، وطبقوها في غير موضعها.
لقد أخذ هؤلاء “الماركسيين العظام” “شروط لينين” لـ “الثورة”، وطبقوها ميكانيكياً على واقع الثورات العربية، فبانت انها ليست ثورات. لكن حتى وإن طبقوها على ثورة سنة 1905 في روسيا فسيصلون إلى استنتاج أنها ليست ثورة. وإن طبقوها على الثورة الفرنسية لن تكون ثورة، حيث لم تقطع مع النظام القديم الذي عاد بعد سنوات قليلة. فقط ثورة اكتوبر ستكون ثورةن هي الثورة الوحيدة. وسنشير إلى أن سبب ذلك هو أن الثورة بالنسبة لهم هو ما تحقق في ثورة أكتوبر، أي وجود حزب بروليتاري سيطر على السلطة وألغى النظام القديم بكليته. ولأن المنظور الميكانيكي يتحكم في عقولهم لم يروا كل النحت الذي قام به الحزب البلشفي منذ نهاية القرن التاسع عشر، وفي ثورة سنة 1905، وبعدها، لكي يكون ممكناً تحقيق هذه الثورة البروليتارية. فإخذوا بـ “النتيجة” ونسوا كل التسلسل الذي عبّر عن فعل شاق، واقعي، من أجل أن تتحقق الثورة بهذا الشكل. وأصبحت النتيجة “قانوناً” يحكم كل ثورة، أو أنها لا ترقى إلى مستوى الثورةن او لا تكون ثورة.
هنا ما يفعله هؤلاء “العظام” هو أن يلغوا المسافة بين “شروط” تفجّر الثورة و”شروط” انتصارها، ويتجاهلون تماماً “فعل الذات”، أي البروليتاريا، والحزب البروليتاري، والماركسي الثوري، الذي هو وحده سيؤسس لأن تنتصر الثورة. وبدل ذلك، أي بدل رؤية المسافة بين الموضوعي (الثورة) والذاتي (الحزب الماركسي)، التي تفرض الممارسة (البراكسس حسب قول غرامشي) من أجل تشكّل المركب الذي يسمح بالانتصار (أي اندماج الحزب في الجماهير، وقيادتها عبر فعله العملي وسياسته الصحيحة)، بدل ذلك، وهو الأمر الذي يفرض “العمل الشاق”، يجري هؤلاء مطابقة بين الموضوعي والذاتي، عبرها يجري الحكم على الموضوعي بمنظور الذاتي. أي تصبح “الخطة” (أي الرؤية) هي التي يقاس الواقع بها، ليس من أجل الفعل والنحت بين الجماهير، بل من أجل الحكم على الواقع. ليصبح التصور هو (تصبح الرؤية هي) ما يحكم الواقع، حيث يجب ان يجري وفقه/ها.
هذا هو المنطق الصوري بالضبط، الذي يقوم على تحديد الأشياء بشكل سكوني وجامد، وأحادي، ومن ثم يصبح المطلوب هو الحكم انطلاقاً من هذا التحديد، الذي يصبح “قانوناً” يجري الاحتكام إليه، أي يجري “القياس عليه”. الصيرورة هنا غائبة بكل تناقضاتها وتفاعلاتها، ونقصها ومشكلاتها. ودور الذات بات محدَّداً في “اصدار الأحكام”، في الحكم وفق “مسطرة جاهزة” على الواقع. هذا منظور ذاتي بالتأكيد، ويعبّر عن سيادة المثالية الذاتية لدى قطاع كبير ممن يعتقدون انهم ماركسيين، فقط لأنهم يدعون ذلك، أو لأنهم يكررون كلمات وجملاً وأفكار ومصطلحات قالها ماركس أو إنجلز أو لينين أو تروتسكي.
لقد حلوا الأمر حين نشبت الثورات، وكان يجب أن يكونوا معها ويعملوا في خضمها بعد أن كرروا كلمة الثورة ملايين المرات، و”زاودوا” على كل الآخرين، حلو الأمر لفظياً، عبر “الثورية اللفظية” التي تبجّل الكلمات، لكنها تضع العراقيل أمام كل خطوة عملية. بالتالي حسموا الأمر بـ “قانون” يوصل إلى أن ما يجري ليس ثورة، وبالتالي لا تستحق المشاركة فيها، أو أخذها على محمل الجدّ. كل ذلك بدل الانخراط فيها، بدل النحت في الواقع، مع الجماهير الثائرة، خلال الثورة (وقبلها كذلك) من أجل أن تكون البروليتاريا (التي يتمسحون بها بفجاجة) هي القيادة الفعلية لها، وبالتالي أن يكون ممكناً تحقيق “الشرط” الثاني بتحقيق القطع مع النظام القديم، عبر انتصار الثورة.
نلمس بالتالي كيف أن اللفظية الثورية تحجب العمل، وتؤسس لسدٍّ عالٍ وسميك أمام كل فعل ثوري. عكس ما طرحه لينين والبلاشفة تماماً، حيث حددوا دورهم في الثورة، وكيف يمكن أن تقاد من قبل البروليتاريا وتنتصر. فالمسافة بين انفجار الثورة وانتصارها يتعلق بفعل الماركسيين الثوريين، ولا يتعلق بأن الثورة منذ البدء كان يجب أن تسير وفق مخطط نظري. فهذا المخطط يترجم عبر الفعل في الثورة من أجل أن تصبح البروليتاريا هي القيادة لكي تحققه. الممارسة، بالتالي، مفقودة لدى “ماركسيينا العظام”، البراكسيس غائب عن تفكيرهم. دورهم “نظري” أو “إعلامي”، يميل لأن يكون “قاضياً”، أو حكماً، أو يمارس الإجابة بنعم أو بلا من مقعده. بالتالي هم فئات برجوازية صغيرة تحب الثرثرة، لهذا تغالي في “التشدد النظري” لكي تخفي هروبها من الفعل الثوري. فلم تبنِ قبل الثورات ما يسمح لأن يكون هناك حزب ثوري يستطيع قيادة الثورة حين تحدث، وأصلاً لم يكونوا يثقون بأن الشعب يمكن أن يقوم بالثورة، حيث أن “تشددهم النظري” جعلهم يتعالون على الشعب، ويتلمسون تخلفه وجهله ولا مبالاته وركوده، دون أن يلمسوا أنه يعيش حالة سحق عنيفة، نتيجة الاستغلال والبطالة والفقر والتهميش، وأن هذه الوضعية سوف تدفعه للثورة بالضرورة (وأقول بالحتمية كما أشرت سنة 2007)، بالتالي لا بد من التأسيس النظري والعملي الذي يسمح بأن يلعب هؤلاء “الماركسيين العظام” الدور الذي يفرضه بناء حزب يحترم ذاته، ويعتبر أنه يناضل من أجل العمال والفلاحين الفقراء وكل المفقرين. دور المحرِّض والمنظم والمنتج للتصورات والأفكار التي تخدم تطور الصراع الطبقي، وتجعل العمال والفلاحون الفقراء قادرون على أن يقودوا الثورة وأن ينتصروا.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s