عن مقابلة الجولاني

أن يخرج أبو محمد الجولاني على شاشة “الجزيرة”، في هذا الوقت، أمر لافت، بل أظن أنه مربك ومقصود، فالكتائب المتوحدة في جيش الفتح تحقق تقدماً ملحوظاً في الشمال والغرب من سورية، وظهر أن جبهة النصرة باتت تخضع لمنظور مختلف عمّا كانت تطرح، خصوصاً بعد أن تسرب أنها قد تنفصل عن تنظيم القاعدة، وتصبح “جزءاً من الثورة”.
لكن، أعاد الجولاني تكرار المعروف عن الجبهة، وعن هدفها بفرض الخلافة، وعن التعامل وفق “منظور ديني”، ينطلق من الوهابية يكفّر الأقليات والأديان، ويريد تطبيق “الشريعة”، كما تبلورت في شكلها الوهابي القائم على شكلية مفرطة في الفهم، حيث تؤخذ النصوص مجتزأة، وتطبق من دون تفكير، استمراراً لما أكده الإمام الغزالي أنْ “خذوا الحقائق من الألفاظ”. والتكفير هو أولويته وأساس رؤيته، والقتل هو الآلية التي تتبع ذلك. بالتالي، لماذا يخرج الجولاني لقول ذلك؟ وماذا تريد قناة الجزيرة القول؟
ربما كان الهدف هنا هو فعل ما فعلته داعش، حين “توافقت” مع قوى عراقية ضد النظام في العراق، وسارعت سيطرة تلك القوى على مناطق واسعة غرب العراق لأن تعلن الخلافة، وتشرّد المسيحيين وتعتقل اليزيديين، وتمارس كل أشكال القتل. ليجهض الحراك ويصبّ في ما تريد السياسة الأميركية. فما قاله الجولاني يعني أن على “الأقليات” السورية أن تخاف، وأن تعيد ارتباطها بالنظام، بعد أن ظهر التفكك في الفترة الماضية، خصوصاً هنا الدروز، وأيضاً العلويين، وخصوصاً أيضاً أن “النصرة” باتت على حواف جبال العلويين، وهددت بالوصول إلى القرداحة.
وإذا لاحظنا كيف أن التقدم في الشمال الغربي توقف عند حدود السيطرة على منطقة إدلب يمكن أن نتوقع أن الحدود التي سُمح فيها من الدول المتحكمة أن يتوقف “التحرير” هنا، ومن ثم أن يجري شدّ العلويين خلف السلطة. ربما نربط ذلك بسماح السلطة لداعش لكي تسيطر على تدمر، وسعيها إلى التقدم غرباً، سواء نحو حوران أو ريف دمشق، وتقدمها في حلب. ومحاولة شلّ الجبهة الجنوبية كذلك. حيث كان المطلوب من التقدم العسكري خلخلة ميزان القوى، وليس أكثر.
وإذا كان وجود جبهة النصرة يربك الصراع منذ البدء، ويراد أن يربك التقدم بحيث يبقيه “تحت السيطرة”، فإن وضع جبهة النصرة أصلاً محل رفض في مناطق سورية كثيرة، حيث اعتبرت الكتائب المسلحة في منطقة درعا الجبهة تنظيماً متطرفاً تكفيرياً، ورفضت كل علاقة معه، كما دعت العناصر المنخرطة في التنظيم إلى تركه، والانضمام إلى صفوف الثورة. كما حدثت تظاهرات عديدة ضده، أدت إلى طرده من مناطق في جنوب دمشق (ببيلا وغيرها)، وأيضاً تظاهرات ضدها في مناطق عديدة في الشمال. وهي تسيطر في الشمال بفعل قوتها العسكرية، وليس بفعل قبول الشعب لها. لهذا، فإنها مرفوضة شعبياً، ويؤدي تكبير دورها إلى تخويف ليس الأقليات فقط، بل كل الشعب السوري من المصير الأسود الذي تسعى إلى فرضه.
لكن، من الواضح أن قوى عديدة تلعب خلف الجبهة، منها جماعة الإخوان المسلمين الذين يبدو أنهم قد دفعوا إلى انخراط عناصر منهم فيها، وأصبحوا يميلون إلى أن يعتبروها جزءاً من حراكهم. ومنها دول تريد أن تلعب بهذه الورقة، سواء لتخريب ترتيبات لا تريدها، أو للحصول على مكاسب خلال البحث عن تسويات في سورية. وربما أن هناك دولاً تريد أن تصل الجبهة إلى السلطة، لأنها تريد في سورية سلطة أصولية قروسطية وهابية.
مهما فعلت جبهة النصرة في مواجهة النظام، فهي قوة كبح وتفكيك، وهي تطمح إلى فرض سلطتها الأصولية على أي منطقة تسيطر عليها، وأصوليتها المغرقة في التخلف تجعلها في تضاد مع الشعب، وتفرض عليه صراعاً مضافاً، مع صراعه ضد النظام.
لكن، ماذا تريد قناة الجزيرة بإبراز الجولاني للمرة الثانية؟ تعميم الأصولية، كما فعلت منذ بدء الثورة؟

المصدر: العربي الجديد

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s