Monthly Archives: مايو 2015

“العلمانية المتشددة” والعلمانية

في العلمانية نجد أن هناك من يتشدد وهناك من يميل إلى “الحياد”، فقد تبلورت العلمانية في سياقين طبع كلٌّ منها العلمانية بطابع “خاص”، وهو الانقسام الذي ولّد علمانية متشددة وأخرى “مرنة” (أو تقوم على الحياد). والفارق يتمثل في أن الشكل الأول يقوم ليس على فصل الدين عن السياسة فقط بل يتدخل في أشكال ظهور الدين في المجتمع، ويميل إلى منع المظاهر الدينية من الحيّز العام، بينما تميل العلمانية الأخرى لرعاية الدين، والسماح بالتعبير عن المظاهر الدينية عموماً. في الشكل الأول نجد فرنسا (وكذلك تركيا أتاتورك)، وفي الثانية ألمانيا وبريطانيا وأميركا.
وإذا درسنا الصيرورة التاريخية لانتصار العلمنة في كل من هذه البلدان نلمس السبب الذي أنشأ كل منهما، فالأمر لم يكن مصادفة أو نتيجة نزوح “تحرري” زائد لدى الفرنسيين، بل أن الشكل الذي تبلورت العلمانية فيه في كل هذه البلدان نشأ بالضبط عن رد فعل المؤسسة الدينية على ظهور الأفكار الحديثة، والسعي لتأسيس دولة جديدة، تحكمها فئات نشأت خارج السيطرة الدينية. بمعنى أن الصراع بين تأسيس الدولة الحديثة والكنيسة هو الذي فرض نشوء العلمانية المتشددة، التي سعت الدولة عبرها إلى تقليص دور الكنيسة، والحد من سلطاتها، والضغط من أجل أن يعود الدين شأناً شخصياً. وهذا أمر هو نتاج تاريخ العلاقة بين الكنيسة الكاثوليكية والنظام الإقطاعي الذي حكم فرنسا خصوصاً (ودول أخرى طبعاً)، حيث كانت الكنيسة هي “الدرع الأيديولوجي” لذاك النظام، وكانت تسعى لـ “تأبيده”. وبالتالي ظلت أمينة لتاريخ البابوية التي عملت خلال القرون الوسطى لاستعادة الامبراطورية الرومانية عبر فرض توحيد أوروبا، وكانت حريصة على أن تبقى “الجهاز الأيديولوجي” لامبراطورية ماتت منذ زمن بعيد. وربما كان آخر تمظهرها الواقعي هو ارتباطها بالنظام الإقطاعي في فرنسا، ولهذا سعت لأن يبقى، وحين انهار سعت لأن تدعم الإقطاعيين الذين قاتلوا من أجل عودة “النظام القديم”، والذين نجحوا في ذلك سنة 1814 بعد هزيمة نابليون، وبالتالي أعادوا إحياء الملكية على جثة الجمهورية المنهارة. وفي ذلك ظهر أن البرجوازية الصاعدة تقاتل ليس فقط الإقطاع بل كذلك الكنيسة الكاثوليكية التي تتمسك باستمرار النظام القديم، وبدعمه والدفاع عنه. ولهذا قاتلت ضد كل مظاهر الحداثة، من التعليم إلى الفكر، إلى الطقوس، والمؤسسات، ورفضت التعليم المدني، والدولة المدنية.
كل ذلك كان يجعل الصراع الأيديولوجي ضد الكنيسة عالي النبرة، ويدفع إلى التشدد في المواجهة، ويفرض نشوء تيارات إلحادية. وبالتالي يعطي للعلمنة الفرنسية “نكهة” خاصة، تتسم بالتشدد، لأن الدولة باتت معنية ليس بفصل الدين عنها بل باتت معنية بكبح تمرّد الكنيسة، وميلها لإعادة فرض وجودها، وتدخلها في الحياة العامة. وإذا كانت العلمنة قد طرحت منذ عصر النهضة، وحاولت الحكومات التي نشأت عن انتصار الثورة الفرنسية سنة 1789 أن تفرضها كجزء من بناء الدولة، فإن تحققها كجزء من دستور الدولة الفرنسية تم سنة 1905 فقط. وبالتالي فإن السنوات منذ سنة 1814 (عودة الملكية) وسنة 1905 هي سنوات هذا الصراع الرهيب من أجل تحرير الحيّز العام من سلطة الكنيسة، وتحرير الوعي المجتمعي من سلطة الأيديولوجية “الدينية” وإقرار الدين كحق شخصي. لهذا ظلت الدولة حذرة تجاه الكنيسة، وتميل إلى التشدد في التعامل معها، وكذلك متشددة في “قمع” المظاهر الدينية التي تنشأ في الحيّز العام.
وتأسيساً على ذلك نشأت تيارات فكرية تعتمد على “تنظير” العلمانية، وبالتالي تحوّلها من “إجراء سياسي” يتعلق بشكل الدولة إلى أيديولوجية بالكامل. وهي بهذا باتت تقارب الإلحاد. لكن تشدد الدولة جعلها تتدخل أحياناً في “الشأن الشخصي”، وتميل إلى حصار دور الكنيسة في نشر التعاليم الدينية، وتمنعها من إقامة المدارس.
في الطرف الآخر نجد أن هذا الصراع لم ينشا في ألمانيا أو بريطانيا أو أميركا، البلدان التي أصبحت علمانية دون صراع مع الكنيسة. وهنا انتشرت الكنيسة البروتستانتية التي جرى اعتبار أنها حققت “الإصلاح الديني” وهيأت لنشوء الرأسمالية (حسب ماكس فيبر)، ولا أظن أنها حققت إصلاحاً في الدين، أو كانت في أساس نشوء الرأسمالية، لأن نشوء الرأسمالية ارتبط باكتشاف الصناعة أصلاً، وإذا كان ذلك قد تحقق في بريطانيا البروتستانتية فقد تبعتها فرنسا الكاثوليكية وليس ألمانيا البروتستانتية. لكن ما يلاحظ هو أن الدين قد انسحب من المجال العام، تاركاً السياسة للساسة، واكتفى بأن يعبَّر عنه من خلال قيم أخلاقية. وبالتالي تشكلت الأحزاب الديمقراطية المسيحية بفعل ذلك، فهي ذاتها تشكلت من أفراد يميلون للتدين لكنهم قبلوا بأن يكون الحزب ليس مرتبطاً بالدين، وهو الأمر الذي جعله يضم فئات محافظة، وتميل نحو اليمين في سياساتها، لكنها لا تخلط الدين بالسياسة. ولا بد من ملاحظة مركزية الكنيسة الكاثوليكية و”لا مركزية” الكنيسة البروتستانتية، ولكن يجب أن نلمس أنها لم تتشكل في الصراع مع الدولة، حيث كانت ألمانيا مفككة أصلاً، وأميركا كانت دولة تنشأ من أشتات قادمة من مختلف البلدان الأوروبية، وبالتالي كان التوافق على بناء الدولة يجعل الدين عنصراً مساعداً بدل أن يكون في مواجهتها، وما تحقق له هو النص على دين رئيس الدولة فقط.
ربما هنا، في هذه البلدان، باتت الدولة علمانية بالمعنى الدقيق، حيث أنها فصلت الدين عن الدولة وعن السياسة، لكنها ظلت ترى المعتقد الديني، وتسمح بشيوع المظاهر الدينية. ظل هناك “إلفة” بين الدين والدولة رغم الفصل المتحقق. بينما نجد استمرار الحساسية والحذر في فرنسا، ومن التخوّف من كل مظهر ديني.
ما انطلقت منه هنا، في تحديد طابع العلمنة، أي هل هي متشددة أو “مرنة”؟ يتعلق بدور المؤسسة الدينية (الكنيسة) أساساً، فهذا الدور هو الفاصل بين الشكلين اللذين تمظهرت فيهما العلمنة. وهو أمر يفسّر طبيعة العلمنة التركية التي نشأت متشددة، حيث كانت تقرر القطيعة مع دولة كان الدين الإسلامي هو شرعيتها، وهو الأيديولوجية التي تدافع عنها بكل عنف. فهذا ما واجه حركة الإصلاح التركية، وقبل ذلك حركة النهضة الفكرية التي بدأت منذ نهاية القرن الثامن عشر وكل القرن التاسع عشر. لقد كان الدين الإسلامي هو عماد الخلافة، وهو شرعيتها، والأيديولوجية التي دافعت عنها، وعممتها في مواجهة الحداثة الزاحفة من أوروبا. وبالتالي أدت الهزيمة في الحرب الأولى إلى أن يتسلّم “حداثيين” الدولة الجديدة بعد أن ضاعت الخلافة وسيطرت الدول الإستعمارية على تركتها. لهذا كان التشدد في العلمنة، وفي منع سلطة الدين، وفرض “الحداثة الأوروبية” بكل شدة. هنا كان المثال الفرنسي هو الحاضر، والذي قدّم المبرر الأيديولوجي لهذه العلمنة، وليس الشكل الألماني البريطاني الأميركي. لقد كان مطلوباً في سياق فرض الحداثة الإنهاء الكامل لمؤسسة كانت الرديف للسلطة في السلطنة، وكانت أداتها الأيديولوجية العنيفة، ولم يكن ممكناً إبقاء هذا الدور الذي حظيت به تلك المؤسسة. كانت يجب أن تتدمر الأيديولوجية التي غطت السلطنة وكرّست تخلفها لكي ينفتح أفق الحداثة وفق المثال الأوروبي، هكذا فكّر أتاتورك. خصوصاً وأن هذه المؤسسة كانت تتغلغل في بنية المجتمع، من التعليم إلى فرض القيم والتدخل في السلوك، إلى الدفاع الشرس عن السلطنة بكل واقعها المزري.
هل أن هذا الشكل المتشدد هو “أمر سليم”؟
ليس بالضبط، لكنه نتاج واقع، ونتاج صراع على السيطرة، وبالتالي يجري التشدد في فرض قيود وضغوط من أجل إنهاء ميل هيمني لدى المؤسسة الدينية باسم الدين. ولهذا يصبح هناك تخوّف من بروز مظاهر الدين، أو مظاهر التديّن، الأمر الذي يدفع إلى منعها. وهذه حالة تستثار كلما برزت ميول للهيمنة الدينية، ونشأ شعور بأن الدين يعود لممارسة دور سياسي، كما يحدث في أوروبا، خصوصاً في فرنسا، في مواجهة الأصولية الإسلامية التي استثارت “إسلامفوبيا” مرعبة. في المقابل كما يجري في تركيا من “تشذيب” للعلمنة المتشددة التي فرضها أتاتورك، والتراجع عن منع المظاهر الدينية، وإعطاء حرية أكبر للدين.

المصدر: السوري الجديد

الإعلانات

كيله: حزب الله استهلك معنوياً ومادياً والحل السياسي سيفجر الاحتقان ضده في لبنان

إبراهيم قبيلات

جزء مهم من الشباب حملة السلاح في سوريا استمروا لاشهر يتظاهرون سلميا

الثورة السورية تواجه أعداء متعددين وليس النظام فقط

إيران تمسك بالقرار في دمشق وروسيا الحامي الأساسي للأسد دوليا

توافق إقليمي بين كل من السعودية وقطر وتركيا لتوحيد نشاط الكتائب المسلحة باستثناء داعش لتغيير ميزان القوى

داعش فزاعة أمريكية ينحكم في الأخير لسياسات واشنطن

الدول العربية تريد تدمير الثورة

أطراف معارضة الخارج وبعض معارضة الداخل توهمت أن هناك دولاً تدعم الثورة

الحدث اليمني الراهن هو نتاج توهم إيران أنها باتت قادرة على التوسع أكثر في المنطقة العربية

إيران أرادت توسيع سيطرتها في المنطقة العربية مستغلة شعار “الموت لإسرائيل” و”الموت لأميركا”،

أميركا لا تريد إيران متوسعة لا تريدها في باب المندب ولا في سورية

السعودية نجحت في تحجيم الحوثيين وإنهاء قوة علي عبدالله صالح

حزب الله ينفّذ سياسة إيران لخضوعه لولاية الفقيه فقاتل نيابة عنها أو معها من أجل تحقيق مصالحها.

حزب الله استهلك معنوياً ومادياً وسيقود الحل السياسي في سورية وخروج إيران إلى تفجر الاحتقان ضده في لبنان

لا يعرف سوريا من لا يعرف الماركسي العربي والمفكر الفلسطيني سلامة كيله. كيلة الذي سجن ثماني سنوات في السجون السورية وخرج قبل سنوات قليلة.

في (نكبة) يسارية وقومية كبرى رفض كيلة الانضواء تحت عباءة الأسد ضد الثورة السورية. كيلة الذي يعرف جيدا من هو نظام الأسد. ما زال غصة في حلق يسار وقوميين وضعوا كل قوتهم في سلة الأسد ضد الشعب السوري.

صحيفة نيسان التقت سلامة كيله وكان لها معه هذا الحوار:

صحيفة نيسان: ها قد دخلنا العام الخامس للثورة السورية… والثورة تتعمق ازمتها ويزداد تفتيت ما تبقى من فهم فيما يجري.. ماذا يجري في هذه اللحظات في سوريا وحولها؟

لا شك في أن الوضع السوري بات معقداً بشكل يلقي ضبابية شديدة على ما يجري، لم يكن ذلك مصادفة، ولا كان نتيجة وضع داخلي فقط، بل نتج عن تداخل عوامل عديدة، وتدخل دول وقوى متعددة، وكل هذه التداخلات والتدخلات كانت تصبّ في إفشال الثورة وتحويل الصراع إلى صراع طائفي أو صراع مع قوى إرهابية، أو تناحر داخلي. وربما تحقق كل ذلك، لكنه لم يلغ أن في سورية ثورة قائمة في مئات آلاف المعتقلين (الذين هم ليسوا لا أصوليين ولا جهاديين بل مناضلين مدنيين)، وهناك جزء مهم ممن يحمل السلاح الآن، وهم الشباب الذي استمر يتظاهر سلمياً لأشهر لكن وحشية السلطة دفعته إلى حمل السلاح. وهناك الناشطين في الإغاثة والإعلام، وهم كثر. وأيضاً دون أن ننسى الشعب الذي تشرّد سواء داخل سورية او خارجه، والشعب الذي لازال مستمراً في رفض الوضع القائم.

لكن الثورة باتت تواجه أعداء متعددين، وليس النظام فقط، النظام الذي بات يعتمد في استمرار وجوده على الدعم العسكري والمالي والسياسي من إيران، التي باتت تمسك بالقرار في دمشق، ومن روسيا الحامي الأساسي للنظام على الصعيد الدولي. فالشعب يواجه داعش، والكتائب المسلحة قاتلت هذا التنظيم وطردته من الشمال السوري، وهي لا زالت تقاتله في كل أماكن تواجده، في الشمال والشرق، وفي القلمون وريف دمشق والجولان. وكذلك هناك جبهة النصرة التي قاتلت الكتائب المسلحة وعملت على فرض سلطتها و”شرعها” في العديد من المناطق، ورغم أنها تشارك الآن في الصراع ضد النظام في الشمال والقلمون إلا أنها تربك نشاط الكتائب المسلحة في الجنوب، وخرج الشعب ضدها وطردها من بعض مناطق جنوب دمشق. وأيضاً هناك جيش الإسلام الذي فرض سلطته في ريف دمشق وقاتل الكتائب المسلحة، رغم انه يشارك الآن في الصراع ضد السلطة.

وبهذا نجد أن الثورة تواجه أطرافا متعددين، رغم مشاركة بعض هذه الأطراف أحياناً في قتال النظام. ويبدو الآن ان هناك توافقاً إقليمياً بين كل من السعودية وقطر وتركيا على توحيد نشاط هذه المجموعات مع الكتائب المسلحة (فيما عدا داعش) من أجل تغيير ميزان القوى على الأرض، لهذا باتت النصرة “حليفاً”، واصبح هدف جيش الإسلام الصراع مع النظام.

وربما يؤشر كل ذلك على الاختلاط القائم، ويؤسس للتشوش في فهم ما يجري، لكن هدف هذا “التوحيد” هو إضعاف النظام إلى الحد الذي يفرض الانتقال إلى الحل السياسي، فالدول الإقليمية لا تريد إسقاط النظام بل فرض حل سياسي ربما على أساس مبادئ جنيف1، ومن ثم زيادة تأثيرها في السلطة الجديدة التي من المفترض أن تتشكل من طرف من السلطة الحالية وطرف يمثل المعارضة، التي ستعمل الدول الإقليمية هذه على زيادة دور القوى الأصولية في الطرف المعارض الذي سيشارك في الحل.

وهنا يظهر أن الدور الإقليمي الدولي بات يؤثر بشكل كبير في مسار الصراع في سورية، وانه من سيفرض الحل السياسي وفق توازن مصالح الدول ذاتها.

صحيفة نيسان: داعش يعيد على الدوام خلط الاوراق .. الثورة ما عادت حرية وحسب .. هناك داعش ايضا وهناك القوى المسلحة ذات المصالح المعقدة داخليا وخارجيا .. ما هي سيناريوهات (داعش) هل سنشهد تعزيزا لدولتها وتسليما دوليا بهذه الدولة مستقبلا؟

وفق ما أعتقد أن داعش هو تنظيم ينحكم في الأخير لسياسات أميركا، فهي من أسس بنية “الجهاديين” ومن ثم تنظيم القاعدة، وصولاً إلى داعش، رغم مشاركة كثير من “السلفيين” من البلدان العربية والإسلامية، الذين يوضعون عادة في مسار يخدم سياسات أخرى. وهو تنظيم، كما القاعدة والنصرة كذلك مخترق لدول متعددة أيضاً.

النظام السوري لعب ورقة الأصوليين بعد أن اخرجهم من السجن بعد الثورة بأشهر (وبعضهم بعد عام من الثورة)، وإيران ونوري المالكي لعبا الورقة ذاتها، والسعودية وقطر وتركيا لعبت بهذه الورقة، لكن ظل القرار الأخير هو بيد أميركا التي قررت تحجيم دور إيران وهي تسعى للتحالف معها، لهذا استخدمت داعش في العراق من اجل التدخل العسكري وفرض شروطها بما يؤدي إلى تغيير بنية السلطة لمصلحة سيطرتها هي وليس إيران. ومدت تدخلها إلى سورية أيضاً من اجل الضغط على إيران.

لهذا لا أجد داعش سوى “الفزاعة” التي تستخدم لكي تحقق أميركا سياساتها، بعد ذلك ستتلاشى كما حدث مع تنظيم القاعدة في أفغانستان بعد احتلالها، وفي العراق مع تنظيم دولة العراق بعد تخريب المقاومة العراقية وفتح الصراع الطائفي. بالتالي يجب النظر إلى المساومات السياسية والنتائج التي ستوصل إليها وليس توقع استمرار دولة داعش التي هي افتراضية رغم سيطرتها على مناطق واسعة في العراق وسورية، والاعتراف بها. لداعش هدف سياسي أميركي، كما كان لها دور “سوري/ إيراني”.

صحيفة نيسان: ماذا تريد الدول العربية من سوريا الثورة وماذا تريد الثورة من الانظمة العربية؟

الدول العربية تريد تدمير الثورة، ولقد كان انفجارها في سورية مناسبة لتحويلها إلى مجزرة بتدخل متعدد، وبأشكال متعددة، داعمة للنظام (الامارات، الكويت، والجزائر وغيرها)، او “داعمة” للثورة، لكنه دعم شكلي كان يخفي الشغل على تشويه الثورة وتخريبها، عبر أسلمتها وتسليح القوى الأصولية فيها، وتفكيك بنيتها الداخلية تحت ستار الدعم. لقد عملت دول عربية عديدة على كبح الثورة والشغل على أسلمتها وشراء الكتائب المسلحة لإخضاعها لسياساتها التي لم تكن تهدف إلى إسقاط النظام بل شل قدرة الثورة. لهذا دعمت جيش الإسلام والنصرة واسلمت كتائب اخرى، وتحكمت بتسليحها وتمويلها بما يخضعها إلى ما تريد هي، وما أرادته هو عدم انتصار الثورة، وعدم هزيمتها، أي استمرار الصراع الدموي وتحويله إلى صراع في إطار الثورة ذاتها كما فعلت النصرة وفعل جيش الإسلام.

اما ما تريده الثورة من الدول العربية، فلا أظن أنه من الصحيح طرح هذا السؤال، رغم أن أطراف معارضة الخارج، وحتى بعض أطراف معارضة الداخل توهمت أن هناك دولاً تدعم الثورة، وبعضها ارتبط بهذه الدول (قطر والسعودية على الخصوص)، فالثورة هي ليس ضد النظام السوري فقط بل انها ضد كل النظم، وهي استمرار للثورات التي انفجرت في البلدان العربية الأخرى. لا شك في أن هناك اوهاما لدى البعض بدور دول عربية، مثل السعودية وقطر، وحتى تركيا، ولهذا سعت لدفعها للتدخل من أجل إسقاط النظام، وهي لا زالت تراهن على ذلك، ولم تلمس بعد انها تحولت إلى الأصولية وأسهمت في توسع دور القوى الأصولية، وأن أملها بالتدخل ليس في محله.

لقد باتت الثورة السورية ثورة ضد النظام وإيران وروسيا، والنظم العربية الأخرى، رغم بعض الأوهام القائمة والتحليلات المشوشة.

صحيفة نيسان: هل الحالة اليمنية زلزال ارتدادي للأزمة في سوريا أم أنها أزمة أصيلة؟ .. من فتح الصندوق اليمني؟

الحدث اليمني الراهن هو نتاج توهم إيران أنها باتت قادرة على التوسع أكثر في المنطقة العربية، لهذا اندفع الحوثيون إلى السيطرة على السلطة بالتحالف مع علي عبدالله صالح، وأطلق عديد من القادة الإيرانيين تصريحات تؤكد أنهم باتوا يسيطرون على أربع عواصم عربية، وأنهم من منع سقوط دمشق وبغداد، وأصبح وجودهم العسكري واضحاً في دمشق وبغداد.

وإذا كانت سيطرة الحوثيين/ صالح تعبّر عن انقلاب على الثورة، وفرض عودة النظام القديم متحالفاً مع الحوثيين، وهو ما رفضته كل الأحزاب اليمنية، ورفضه جزء كبير من الشعب، فإن الأمر يعنى اختلال الوضع الإقليمي ضد السعودية التي كانت تتخوف من التحالف الأميركي الإيراني الذي يبزغ في الأفق، لهذا قررت التدخل لمنع سيطرة الحوثيين/ صالح على السلطة في صنعاء. لكنها بالضرورة سوف تفرض سلطة “قريبة منها”، وأيضاً لن تحقق مطالب الشعب في التغيير، الذي كانت هي العائق الأساسي في حدوثه حينما فرضت حلاً شكلياً أبقى سيطرة صالح على الجيش والأمن (وهما اللذان يقاتلان الآن ضد الشعب تحت قيادة الحوثيين). بالتالي فهي تريد ضمان يمن تابع لها.

من فتح الصندوق اليمني إذن هي إيران، التي كانت تستعرض قوتها وهي تتحاور مع أميركا من أجل الحصول على “حصة أكبر”. لكن انقلب الأمر لمصلحة السعودية.

صحيفة نيسان:  ما الحل بإيران.. وماذا تريد إيران… وهل لن يكف حزب الله عن التوريط حتى تعود لبنان مجددا الى السبعينات؟

إيران أرادت توسيع سيطرتها في المنطقة العربية مستغلة شعار “الموت لإسرائيل” و”الموت لأميركا”، وبالتالي دعمها لحزب الله. ولقد استغلت ضعف النظام السوري في حربه ضد الثورة، وتفكك بنيته العسكرية بداية سنة 2013 لكي تفرض سيطرتها عليه، ولتصبح هي المقررة في دمشق. لكن كان واضحاً في العام الأخير، وخصوصاً بعد فرض عقوبات أميركية على البنك المركزي الإيراني، وبالتالي عجزها عن التحصل على المردود النفطي، انها مضطرة للتفاهم مع أميركا. لهذا عملت على التوسع أكثر لتعزيز تفاوضها، وهي الآن تسير لكي تصبح “الحليف الأساسي” لأميركا في المنطقة. فأميركا، ومنذ أن باتت أولويتها تتمركز في آسيا والمحيط الهادي انطلاقاً من تخوفها من دور الصين المستقبلي، باتت معنية بحماية الخليج من أي تفكير صيني بالتوسع غرباً. وهو الأمر الذي جعل لإيران أهمية تفوق أي دولة اخرى في المنطقة عدا دول الخليج. ولهذا تسير الأمور نحو التقاهم والتحالف بعد الاتفاق على البرنامج النووي الإيراني.

لكن أميركا لا تريد إيران متوسعة، لا تريدها في باب المندب، ولا في سورية (لمصلحة الدولة الصهيونية)، وتريد أن تعدّل من طبيعة السلطة في العراق لكي تعود هي المسيطرة وليس إيران. وهذا ما يحدث الان. وستقبل هي بذلك. لهذا ستقبل بحل سياسي في اليمن وفي سورية. بالتالي ستقبل بتحجيم الحوثيين ورحيل بشار الأسد. وبتراجع سيطرتها في العراق.

أما حزب الله فقد نفّذ سياسة إيران كونه يخضع لولاية الفقيه، وقاتل نيابة عنها أو معها من أجل تحقيق مصالحها. ولا شك في أنه استهلك، معنوياً ومادياً. وسيقود الحل السياسي في سورية بخروج إيران إلى تفجر الاحتقان ضده في لبنان مع “قطع” علاقته بسورية.

صحيفة نيسان: هل ستنجح السعودية في اليمن؟

أظن نجحت بتحجيم الحوثيين وإنهاء قوة علي عبدالله صالح، ربما يحتاج الأمر إلى وقت آخر لتدمير ما بقي من قوتهما، لكن أظن ان الأمر حسم. الآن سيأتي دور ترتيب النظام الجديد بتأثير سعودي كبير. خصوصاً بعد أن تصالحت مع جماعة الإخوان المسلمين.

المصدر: صحيفة نيسان

A message to Iran: ‘The revolution is coming’

A while ago, I wrote a short post on my Facebook page calling for a revolution in Iran.

The call was not just to express hope, but was after a close and careful analysis about the situation in Iran.

I am not saying that what is happening in Iran has reached the stage of revolution, but a protest movement has begun to evolve in some areas of Iran.

Dawn of revolt

A while ago, demonstrations began in Arabistan. Protesters were met with arrests – and, reportedly, even executions.

It did not stop the activists, and the protests continue.

Now, Mahabad is erupting in protest, following the suicide of a Kurdish girl who was allegedly escaping a rape attempt by an Iranian intelligence officer.

Teachers across Iran have called a strike. There are likely many protests taking place that are not being covered by Iran’s tightly controlled media.

The situation is further escalating and could lead to a full-blown uprising.

Khamenei has already started invoking a conspiracy against the regime – a cover-up of the real situation.

This is the usual rhetoric of all regimes threatened by revolutions, even those that are subservient to US imperialism.

Indeed, this is a “defensive” discourse aimed at obfuscating and obscuring all the problems Iran is undergoing, many of which are fundamental.

Whatever form they take, they all portend to make Iran a country which will undergo a revolution.

Iran’s accumulated problems are many, and they are growing worse as the regime grows weaker and its internal contradictions increase.

This is in tandem with its foreign adventures and quest to build empire.

There is also an ethnic question in multi-ethnic Iran, involving Arabs, Kurds, Azeris, Baloch, and others.

Nationalist and ethnic rights’ movements have evolved in the Arabistan, Kurdistan, Baluchistan regions, with the authorities moving to marginalise and undermine such groups.

These communities have moved to demand a fair resolution to the ethnic question, though secession is not on the table – yet.

There is also the question of the religious character of the regime, which imposes a narrow fundamentalist interpretation of Islam on Iran’s population.

Despite the fact that the Shia faith is dominant, a branch of Shia that adopts the idea of vilayet-e-faqih [“clerical rule”], was imposed on the people by the regime.

It has imposed a dress code and religious laws, holds people accountable on the basis of Sharia, and imposes a broad ideological structure based on a specific interpretation of its religion.

This regime ruled tyrannically in the name of religion, imposing values that incompatible with people, especially the modern middle classes.

In effect, it is these classes that backed the Green Revolution in 2009 and worked to put the reformists in power. Furthermore, not everyone here is Shia – Sunni Muslims also live in Iran.

However, over the past few decades the authorities have been able to control the situation as oil revenues used to provide a degree of “economic prosperity”.

It recent years, however, things have changed as oil prices have plummeted.

The regime is in essence capitalist, due to its subscription to a free market economy.

The regime is in essence capitalist, due to its subscription to a free market economy.

Wealth became centred in the hands of a minority within the regime, along with the Revolutionary Guards who monopolised much of the economy and built an economic empire.

This has led to the formation of a wealthy elite that controls power in the country. This is the case with all regimes that follow a neo-liberal course, even if they hide behind a religious facade.

Motives for revolution

This situation has resulted in the impoverishment of society and increased the marginalisation of the poorest Iranians. In turn, social discontent has risen.

Unemployment in Iran has reached more than 20 percent and poverty rates are above 60 percent.

It is a similar situation that the Arab states were experiencing when revolutions broke out four years ago.

Iran’s economic woes were exacerbated by the sanctions imposed on the country by US imperialism, which meant that it could no longer sell its oil – and if it did, it was not able to get its true value for it.

Therefore, Iranian oil exports declined by more than half, while being subject to the whims of importers.

Due to the sanctions, Iran has lost its most important revenue streams – and, in the past few years, has been forced to use its foreign currency reserves, resulting in the decrease of the value of the Iranian rial and mass inflation.

Another similarity between Iran and the Arab region is that 60 percent of the Iranian population is under the age of 30.

This means that young people face higher unemployment rates than previous generations.

Furthermore, 750,000 young people enter the job market every year, which compounds the problem of unemployment – as the economy is not able to absorb these numbers.

All of these factors are a recipe for increased anger and discontent that pushes the low and middle classes towards rebellion.

This has materialised in the protests in Arabistan and Mahabad.

Are current events in Iran the harbinger of revolution? Perhaps.

What is certain, however, is that the revolution will be the result of factors mentioned above.

The poorest members of society will want to change their living standards and Iran’s ethnic groups will also seek to improve their situation.

Even the middle classes will seek to destroy the authoritarian system that imposes its “god-bestowed” authority on the people.

This could be delayed by the outcome of the negotiations with the US, and whether or not sanctions are lifted as part of the nuclear deal.

Perhaps this explains Iran’s rush to achieve the nuclear deal – to prevent a revolution within its borders.

But things appear to have gone too far already, with a crisis deep in Iranian society. Iran will witness a revolution – that much is for sure.

Source: al-Araby al-Jadeed

مشاورات دي ميستورا والحل السوري

بدأت مشاورات ستيفان دي ميستورا في جنيف، وهي طويلة، ومتشابكة، ومختلطة، وتبدو كأنها تهدف إلى الوصول إلى بلورة صيغة للحل، على ضوء التعرُّف على آراء الأطراف المختلفة. وهذا يشير إلى شكل ما من تجاهل مبادئ جنيف1، وهو ما جعل بعضهم يقول إن الهدف من المشاورات تجاوز جنيف1، والاستمرار بما بدأه الروس، والذي يتعلق بتجميع “معارضة” تقبل الحل في ظل استمرار وجود الأسد. ويجري هنا استغلال أن المبادئ لا تنص مباشرة على رحيل بشار الأسد للقول بأنه لا يشمل ذلك، ومن ثم جرى توسيع “القوى المعارضة” إلى حدِّ أنها باتت تشمل أعداد كبيرة من الذين يقبلون هذا “التعديل” في مبادئ جنيف1، أو الذين هم أصلاً جزء من النظام. ولهذا، تبدو المشاورات كأنها “تضييع للوقت”، جزء منه يهدف إلى “ترويض” أطراف معارضة، لكي تقبل باستمرار بشار الأسد.
وبغض النظر عن الوضع المستجد، والذي يشير إلى تحوّل كبير على الأرض، تجدر الإشارة إلى مبادئ جنيف1، خصوصاً بند تشكيل “هيئة حكم انتقالية كاملة الصلاحيات التنفيذية”، والذي يُقال إنه لا ينص على رحيل بشار الأسد. المعنى الدقيق لهذا النص أنه يعتبر الوضع القائم منتهياً، ويحتاج إلى مرحلة انتقالية، تحكم فيها “هيئة حكم”. ومعنى ذلك أن الهيئة منوط بها كل ما يتعلق بالحكم، من دون وجود أي مؤسسة من مؤسسات السلطة الحالية، لا الرئاسة ولا الحكومة ولا مجلس الشعب ولا مجلس القضاء الأعلى، وأن الهيئة الجديدة هي المعنية بذلك كله. بالتالي، يجب أن يتركز أي بحث يتركز على كيفية تطبيق ذلك، للوصول إلى تشكيل هيئة الحكم هذه، أي ممن تتشكل؟ أو ما هي نسبة النظام الحالي ونسبة المعارضة ونسبة “الكفاءات”؟ وكيف يمكن أن يتحقق فعلياً؟
وهذا يعني الشغل على الأطراف المشاركة، فقد تشملت مفاوضات جنيف 2 وفداً أرسله بشار الأسد، وآخر للمعارضة انحصر في الائتلاف الوطني السوري. وبالتالي، كانت المفاوضات تعاني من اختلالين، الأول أن السلطة القائمة، والتي ترفض الحوار أصلاً، ولا تعترف بمبادئ جنيف1، هي التي تمثلت في جنيف2، فكان الفشل محدَّداً منذ البدء، لأن السلطة أرسلت من يفشل المفاوضات، وليس من ينجحها. والثاني أن الائتلاف وحده من مثّل المعارضة، فجرى تجاهل الأطراف الأخرى.
إذن، إذا كان الشغل يجري للوصول إلى حل سياسي، فإن المطلوب ليس المشاورات ولا الحوارات حول مبادئ الحل الواضحة في مبادئ جنيف1، بل الشغل على ترتيب الأطراف التي تقبل هذا الحل وتنفيذه. هنا، يطرح السؤال بشأن صيغة المعارضة التي يمكن أن تشارك، ويمكن أن تمثّل صيغة تُقبل من الكتائب المسلحة على الأرض، وتضم معظم أطياف المعارضة المشتتة، والتي تنطلق من التمسك برحيل الأسد مدخلاً ضرورياً وحاسماً للحل. ويبدو أن قوى إقليمية هي التي تنشط من أجل “ترتيب” الوفد الذي سيشارك حين يحين الأمر. ويبدو أن التوجه بات واضحاً، بعد التوافق السعودي القطري التركي.
ويُطرح الأمر نفسه على وفد السلطة، حيث من الواضح أن إيكال الأمر لبشار الأسد يعني الفشل، لأنه يرفض الحل الذي يقوم على إبعاده عن السلطة، ولهذا يفرض مبادئ جنيف1. لهذا، يفترض هذا الأمر الواقع إبعاد بشار الأسد عن السلطة سابقاً على الحل السياسي، إذا كانت الإرادة تتمثل في إنجاحه. ووفق الوضع القائم الآن، فإن هذه الخطوة مرتبطة بما يجري بين أميركا وإيران، وأميركا وروسيا، حيث أن إزاحة بشار الأسد تفترض الموافقة الروسية الإيرانية، فهما من يمكن أن يرتب الكيفية التي سيخرج عبرها، أي “الإقناع” أو الترحيل الإجباري أو القتل (كما يجري في الفترة الأخيرة). حينها، سيكون “تطبيق” جنيف1 سهلاً، ومتوافق عليه مسبقاً. هذه هي الخطوة الحاسمة من أجل الوصول إلى حل سياسي.
إذن، دي ميستورا يتسلى ليس أكثر.

المصدر: العربي الجديد

عن الثورة في إيران

كتبت، قبل مدة، “بوست” قصيراً على صفحتي في “فيسبوك” أدعو إلى ثورة في إيران. لم تكن الدعوة أملاً، بل كانت نتاج تحليل واقع إيران. على الرغم من ذلك، لا أقول إن ما يحدث الآن في إيران وصل إلى مرحلة الثورة، بل إن حراكاً احتجاجياً بدأ في بعض المناطق في إيران.

منذ وقت، حدثت تحركات في عربستان، وهي مستمرة، وواجهتها اعتقالات وإعدامات. والآن، تتظاهر مهاباد في ضوء حادث مقتل فتاة كردية، نتيجة تعرضها لمحاولة اغتصاب. ونشهد كذلك إضراباً للمعلمين والتربويين في معظم المدن الإيرانية. ولا شك في أن احتجاجات كثيرة أخرى تجري من دون أن يلتقطها الإعلام، أو يجري الاهتمام بها. والوضع يسير نحو تصاعد للحراك، وحتى انفجار ثورة. وإذا كان خامنئي قد بدأ يتحدث عن مؤامرة على النظام، فلأنه يريد التغطية على الوضع الحقيقي كما يحدث عادة، وهو ما فعلته كل النظم التي شملتها الثورات، حتى تلك التي كانت تابعة للإمبريالية الأميركية. هذا خطاب “دفاعي”، يهدف إلى الخلط، والتغطية على كل المشكلات التي تعيشها إيران التي تعرف أكثر من مشكلة جوهرية، بعضها له طابع تاريخي وبعضها مستحدث، لكنها كلها تهيئ لأن تكون إيران من الدول التي ستدخل “زمن الثورة”، فالمشكلات المتراكمة كبيرة، وهي تتزايد مع ترهل السلطة واتساع تناقضاتها الداخلية، وتزايد تدخلها الخارجي وسعيها إلى تأسيس “إمبراطوريتها”.

هناك مسألة قومية في إيران، حيث الدولة تتشكل من قوميات عديدة، وليست القومية الفارسية الأكثرية. سواء تعلق الأمر بالعرب أو الكرد أو الأذريين أو البلوش وغيرهم. ولقد نشأت تحركات في عربستان وكردستان وبلوشستان في فترات سابقة، وهي تتخذ طابعاً “قومياً” مع محاولة السلطة تدمير الطابع القومي لهذه القوميات، وتهميشها. وهي قوميات تتحرك من أجل إيجاد حل عادل للمسألة القومية، على الرغم من أن الميل إلى الانفصال ليس مطروحاً بعد.

وهناك مسألة الطابع “الديني” للسلطة، حيث تفرض السلطة منظوراً أصولياً ضيقاً، وعلى الرغم من سيادة المذهب الشيعي (أو فرع منه، وهو الفرع الذي يتبنى مبدأ ولاية الفقيه، الفرع الأضعف في إطار المذهب الشيعي، وفُرض بقوة السلطة في إيران فقط)، كما يحري فرض الشكل و”التزام الدين”، والمحاسبة على أساس “الشريعة”، وفرض بنية إيديولوجية سميكة، تقوم على أساس تفسير محدَّد للدين. هذا النظام كان يستبد بالشعب باسم الدين، ويفرض قيماً لا تتناسب مع وضع الشعب، خصوصاً في المدن التي تضم فئات وسطى حداثية، هي التي دعمت “الثورة الخضراء” سنة 2009، وسعت إلى انتصار “إصلاحيين” لحكم إيران. وأيضاً لأن جزءاً من الشعوب التي يحكمها ليست “شيعية” بل “سنية”.

لكن، كانت السلطة في العقود الماضية قادرة على ضبط الأمر، حيث كانت مداخيل النفط قادرة على إيجاد حالة من “الرخاء الاقتصادي”. في السنوات الأخيرة، تغير الوضع نتيجة “المسار الطبيعي” لنظمٍ هي، في جوهرها، رأسمالية، نتيجة اعتمادها الاقتصاد الحر، حيث أخذت الثروة تتمركز لدى فئة من أفراد السلطة، ومن خلال الحرس الثوري خصوصاً، الذي كان يحتكر المداخيل، ويؤسس لإمبراطورية اقتصادية، الأمر الذي فرض نشوء طبقة من محتكري الثروة تتحكم بالسلطة، ككل النظم التي سارت في المسار الليبرالي، وإنْ كانت هنا تتغطى بغطاء “ديني”.

“ستسعى الفئات الوسطى، وحتى مجمل الطبقات الشعبية إلى تدمير هذا الشكل السلطوي القائم على فرض سلطةٍ، يستمدها من “الله”، وتظهر في شكل “ديني””

أفضى هذا الأمر إلى تعميم حالة الإفقار في المجتمع، وتزايد حالة التهميش، ومن ثم تصاعد الاحتقان الاجتماعي. فقد بلغت نسبة البطالة فوق الـ 20%، ونسبة الفقر فوق الـ 60%. وهو وضع شبيه بالوضع في المنطقة العربية التي شهدت انفجار الثورات منذ أربع سنوات. وزاد من الأزمة الحصار الذي فرضته الإمبريالية الأميركية، خصوصاً على البنك المركزي، الأمر الذي عنى عدم المقدرة على بيع النفط، أو في حال بيعه عدم المقدرة على الحصول على قيمته التي تدفع حصراً بالدولار (حسب ما فرضته أميركا على أوبك أصلاً). فقد تراجع تصدير النفط إلى أكثر من النصف، والمصدر يخضع للمقايضة في الغالب. بهذا، فقدت إيران مدخولها الريعي، ولقد استهلكت، في السنوات الأخيرة، احتياطيها النقدي، وهو ما فرض تراجع قيمة العملة، وبالتالي، ارتفاع الأسعار بشكل كبير.

وما يعطي شبهاً على الوضع في المنطقة العربية أن 60% من السكان هم دون الـ 30 سنة، أي أنهم من الشباب الذي يعاني من البطالة بنسبة أكبر من الأجيال الأسبق. وأن هناك 750 ألف شاب يدخلون سوق العمل سنوياً، ما يراكم في زيادة نسبة البطالة، نتيجة عجز الاقتصاد عن استيعاب ذلك. وبالتالي، بات الاقتصاد منهكاً، والأسعار في ارتفاع مستمر، والبطالة والفقر في تزايد. هذا وضع يؤسس لتراكم الاحتقان بالضرورة، ويزيد من ميل الطبقات الشعبية، وحتى الفئات الوسطى، إلى التمرّد. وهو ما بات يتوضّح، في الفترة الأخيرة، وظهر في عربستان (الأحواز) في أوقات سابقة، ويظهر الآن في مهاباد، حيث تؤدي حادثة إلى تفجّر الاحتقان، وانفجار الشعب.

هل يكون ما يجري هو مفتتح ذلك؟ ربما، لكن ما هو واضح أن الثورة ستأتي بالضرورة نتيجة كل ما أشرت إليه، حيث ستسعى الطبقات الشعبية إلى تغيير واقعها، وعبر ذلك، ستسعى الشعوب إلى التعبير عن واقعها القومي، كما ستسعى الفئات الوسطى، وحتى مجمل الطبقات الشعبية إلى تدمير هذا الشكل السلطوي القائم على فرض سلطةٍ، يستمدها من “الله”، وتظهر في شكل “ديني”.

ما يمكن أن يؤخر ذلك هو ما ستنجم عنه المفاوضات مع أميركا، ومتى، بالتالي، سيرفع الحظر عن البنك المركزي الإيراني، ويفك الحصار الاقتصادي الذي تطلب السلطة الإيرانية رفعه كلياً مع توقيع الاتفاق النووي. وبالتالي، ربما نكتشف أن “المؤامرة الإمبريالية” التي تحدّث عنها خامنئي يمكن أن تكون من أجل منع انفجار الثورة. وربما، هنا، يمكن أن نضع نتائج التوافق الأميركي الإيراني الذي يسارع من أجل إنهاء العقوبات الاقتصادية عن النظام الإيراني. وربما تكون الأمور قد تجاوزت ذلك، نتيجة عمق الأزمة التي باتت تحكم المجتمع الإيراني.

إيران ستشهد ثورة، هذا حقيقي.

المصدر: العربي الجديد

اليمن .. الثورة والصراع الإقليمي

دخل اليمن الثورة بعد يوم من سقوط حسني مبارك، عبر حشد شعبي كبير، سيطر على العاصمة، يحرّكه الشباب من كل الأطياف. استمرّ أشهراً، مستمسكاً بالسلمية، على الرغم من انحياز فرق من الجيش للشعب، ومن وجود السلاح بكثرة في المجتمع. وعلى الرغم من مشاركة شباب الأحزاب كافة، وأيضاً الحراك الجنوبي الذي طرح قضية استقلال الجنوب، وكانوا مصممين على “إسقاط النظام”، وتشكيل مجلس رئاسي يعيد بناء الدولة، ويحقق مطالب المجتمع، على الرغم من ذلك، تحقق تغيير شكلي، وربما يكون الأكثر شكلية، بعد ثورتي تونس ومصر. لعبت أحزاب المعارضة على الثورة، وقبلت التفاوض، خصوصاً بعد أن طُرحت “المبادرة الخليجية” التي أشارت إلى تنحية علي عبدالله صالح من دون أن تدعو إلى تغيير جدي في بنية الدولة، على الرغم من أن شباب الثورة شكلوا مجلساً انتقالياً كبديل، لكن صالح ظل يناور أشهراً، حتى بعد أن وقّع على المبادرة قبل التنحي، ثم أزيح بعد تلكؤ، وحصل على شروط تمنع محاكمته، ولا تنهي سيطرته على الجيش والأمن، ليبقى المتحكم بهما. لهذا، ظلت الدولة مشلولة، ولم تستطع الحكومة الانتقالية أن تفعل شيئاً، كذلك الرئيس، عبد ربه منصور هادي، الذي ظل يحكم شكلياً. بينما تشقق شباب الثورة إلى تيارات حسب الانتماء الحزبي، ووفق مصالح كل حزب. وتصاعد دور الحراك الجنوبي من أجل إعادة “جمهورية اليمن الديمقراطية”، وانكفأ الآخرون، بما في ذلك شباب الحزب الاشتراكي، يراقبون الوضع. وحدهم الحوثيون من كانوا يخططون للاستفادة من الشلل، وكان واضحاً أنهم الوحيدون من “قوى الثورة” من يعرف ماذا يريد، وكيف يصل إلى ذلك. وإذا كان صالح قد خاض معارك عديدة ضد الحوثيين، فقد بدا له أن الوضع الجديد يفرض إعادة بناء التحالفات، من أجل العودة إلى السلطة (له أو لنجله). واعتقد الحوثيون أن التحالف مع صالح مفيد، ليفرضوا سيطرتهم على الدولة، نتيجة تحكمه بأجهزة الدولة، الجيش والأمن. هذا ما شكّل الوضع القائم، حيث بات الحوثيون، أعداء الماضي، حلفاء صالح في الصراع من أجل السلطة. وأصبحوا قادرين بذلك على السيطرة على الدولة، حيث لا قوى عسكرية تقاومهم، بعد انحياز جيش صالح إلى جانبهم، إضافة إلى دعم إيراني أخذ يتدفق. ومثّل ذلك انقلاباً في موقف الحوثيين الذين كانوا مع الثورة، ومثّلوا فئات مهمشة، حيث أصبحوا حلفاء “النظام القديم” ضد الشعب الذي صنع الثورة. وكان التفوق لتحالف الحوثيين/ صالح نتيجة سيطرة الأخير على الجيش. بهذا تفككت القوى التي خاضت الصراع ضد صالح، حيث فرض طموح الحوثيين بالسيطرة التحالف مع صالح عدو الأمس، وممثل النظام الذي ثار الشعب ضده. صالح الذي وجد فيهم مدخلاً للعودة إلى السلطة، وانتقاماً من الثورة، فزجّ جيشه خلف الحوثيين. بهذا، فقدت الدولة القدرة على المواجهة فانهارت، وظهر أن الحوثيين يسيطرون ويفرضون سياساتهم وقوانينهم، ويعملون على ذلك كله على الأحزاب. وبينما رفض الحراك الجنوبي والإصلاح والناصريون والقبائل سيطرة الحوثيين، وقف الحزب الاشتراكي “خارج الاصطفافات”، على الرغم من وقوف شبابه ضد الحوثيين. لكن، لم يكن بمقدور كل هؤلاء تغيير الوضع، وظهر أن الحراك الشبابي ليس في وضع يسمح بالمواجهة. وهو ما كان يُظهر أن إيران تسيطر على اليمن، وهو ما أعلنه قادة إيرانيون. وهذا ما برر تدخل السعودية التي قررت تغيير الوضع، بما يسمح لها أن تكون جزءاً من الحل الإقليمي، وتدخلت من أجل ذلك بالضبط، حيث يبدو أن الصراع يجري لترتيب الوضع الإقليمي. لكن، يمكن أن نلمس أن هذا الصراع الذي نشب أفضى إلى تدمير القوة التي منع صالح بها انتصار الثورة، وظلّ يتحكم في الوضع اليمني، وكان يريد العودة إلى السلطة عبرها. هذا ما يمكن أن يفيد في تطور الصراع الشعبي في المرحلة المقبلة، والذي يمكن أن تشكّل المقاومة الشعبية ضد سيطرة الحوثيين بداية فيه.

المصدر: العربي الجديد

إيران تتقهقر

بعد تمدد النظام الإيراني في المنطقة وإظهاره لذلك، من بحر العرب إلى البحر المتوسط، ومن بيروت إلى صنعاء مرورا بدمشق وبغداد، يبدو الآن في حالة تقهقر. لقد تمدد أكثر مما يجب، ولذا كان يجب أن يتقهقر.

لقد سيطرت إيران على العراق بعد خروج القوات الأميركية سنة 2011، بعد أن كانت توافقت مع أميركا على “تقاسم النفوذ والسيطرة”، وعملت على تحكيم قوى طائفية بالسلطة، وتعزيز وجودها على شكل مليشيات، وأسهمت في القتل والتدمير وفرض الانقسام الطائفي.

وكانت عبر حزب الله تؤكد وجودها في لبنان، وهو الحزب الذي بات بلا دور بعد أن اندحرت قوات الاحتلال الصهيوني، وأتت حرب سنة 2006 لتدفعه للموافقة على القرار 1701 الذي ينهي الصراع على الحدود الجنوبية للبنان ويفرض سحب قوات حزب الله ثلاثين كيلومترا شمالا. دخل الحزب إثر ذلك الصراع اللبناني خصوصا بعد انسحاب القوات السورية، وليفرض هيمنته على لبنان بديلا عن الهيمنة السورية التي انتهت بانسحاب هذه القوات.

“التصريحات الإيرانية المتعلقة بالسيطرة على عواصم عربية، لا تنم عن عنجهية، بل “فرش أوراق” في سياق الحوار مع أميركا، حيث كان الأمر يتعلق بالتوافق على الدور الإقليمي لطهران في إطار منظور يقوم على “التحالف” بين الطرفين”

وإذا كانت إيران في “تحالف وثيق” مع النظام السوري منذ استلام الخميني السلطة، مع محافظة حافظ الأسد على توازن عبر التحالف مع السعودية، فقد أدى قتل الحريري وانكشاف سعي أميركا للإطاحة بالنظام، إلى توقيع “اتفاق إستراتيجي” بين البلدين، وازنه النظام السوري بتوقيع “اتفاق إستراتيجي” مع تركيا، الدولة التي باتت مرتكزه (مع قطر) في مواجهة الحصار الأميركي الذي فُرض عليه.

كسرت هذه الموازنة بعد أشهر من بدء الثورة، حيث تحول الموقف التركي من الضغط على النظام لدفعه لإصلاح ذاته وبناء “دولة تعددية”، إلى التحضير لتغييره واستباق الآخرين الذين كان يعتقد الأتراك بمسارعتهم لتغيير النظام، ونقصد هنا خصوصا أميركا التي كان الأتراك قد كسروا حصارها للنظام وأصبحوا ملجأه لتجاوز السعي لإسقاطه (أعلن داود أوغلو في تصريح سابق أن تركيا هي من ثبت حكم بشار الأسد سنة 2005).

وعلى ضوء ذلك، أصبح النظام بحاجة شديدة إلى إيران (وانفتح على روسيا لحمايته في مجلس الأمن ودوليا)، وتصاعدت هذه الحاجة بعد أن تهشمت قواته التي قاتل بها (البنية الصلبة) حيث بات يعتمد بشكل متصاعد على قوات ترسلها إيران من حزب الله والمليشيا الطائفية العراقية والحرس الثوري، وأشتات من العالم. لتصبح إيران بعد تصاعد وجودها هي المسيطرة على القرار في دمشق كذلك.

من ثم تحرك الحوثيون للسيطرة على اليمن بعد الشلل السياسي الذي أصاب النظام نتيجة أن الجيش والأجهزة الأمنية ظلت تحت سيطرة علي عبد الله صالح، وقد تحالف الحوثيون مع علي صالح لتحقيق سيطرتهم، وقاتلوا بقواته تحت إشراف قواهم.

هذا التمدد هو الذي جعل قادة إيرانيين يعلنون أنهم يسيطرون على أربع عواصم عربية، وأن وجودهم العسكري يمتد في كل المنطقة من بحر العرب إلى البحر المتوسط. وكانت تصريحاتهم لا تنم عن عنجهية بالتحديد، بل عن “فرش أوراق” في سياق الحوار مع أميركا تحت عنوان البرنامج النووي الإيراني. حيث كان الأمر يتعلق بالتوافق على الدور الإقليمي لإيران في إطار منظور يقوم على “التحالف” بين الطرفين كما أشرت في مقال سابق.

وكان يبدو واضحا الخلاف بين الطرفين حول الأمر، حيث تريد إيران أن يكون لها الدور الإقليمي المهيمن، وتريد أميركا أن تضمن عبر التحالف معها أمن الخليج العربي، وتشكيل سد أمام أخطار محتملة يمكن أن تكون قادمة من الصين. بهذا لم تكن ترى أن لإيران كل هذا الدور، بل يجب أن يحجم وفقا لما تراه هي.

“يبدو أن جبهة القلمون فُتحت بعد أن توحدت الكتائب المسلحة وربما تنفتح الأيام القادمة جبهة دمشق ليتحقق اختراق يفضي إلى اختلال كبير بميزان القوى. لقد بات واضحا أن قوى النظام تتهاوى، وأن دعم إيران بات ضعيفا نتيجة أزمتها المالية”

وكان الضغط الاقتصادي هو الذي يفرض على إيران تقديم التنازلات حول برنامجها النووي، حيث باتت عاجزة عن الحصول على أموال مبيعاتها النفطية التي هي المصدر الأساسي للدولة، بعد أن جرى فرض عقوبات على البنك المركزي الإيراني، خصوصا بعد أن استنزفت في الحروب والصراعات في سوريا ولبنان، لكنها حاولت أن تظهر مقدرتها على الهيمنة على المنطقة الممتدة من البحر المتوسط إلى اليمن لكي تكون قوية في التفاوض على حدود دورها الإقليمي.

في العراق، حاول نوري المالكي اللعب بداعش (تنظيم الدولة الإسلامية) لكي يفرض عودته رئيسا للوزراء بعد الانتخابات التي جرت العام الماضي، والتي لم يحصل فيها على أغلبية ولا على رضى حلفائه، لكن تبين أن لداعش امتدادا آخر، حيث كانت مدخل “العودة الأميركية” إلى العراق. وعبر “الحرب على داعش” كانت أميركا تعمل على فرض مسكها بالسلطة من جديد، وإعادة “توطين” آلاف الجنود كما كانت تخطط حين احتلال العراق.

ولهذا أصبح تكتيكها هو تدعيم دور “السنة” في العملية السياسية، وإخضاع رئيس الوزراء لسيطرتها، وأساسا تغيير معادلة القوى “على الأرض”، من خلال إضعاف دور المليشيا الطائفية الشيعية وتأسيس مليشيا مقابلة. ومن ثم إطالة أمد الصراع “ضد داعش” من أجل تحقيق ذلك. وإذا كان قد تحقق بعض “الانتصارات” في مناطق عديدة، فقد حاولت إيران أن تتجاوز التكتيك الأميركي عبر زيادة دور الحشد الشعبي، ودورها المباشر، لهذا خاضت الحرب في تكريت دون تشاور مع أميركا، ودون غطاء جوي أميركي.

لكن المعركة أفضت إلى عكس ما أرادت، حيث “علقت” في حرب هزت وضع الحشد الشعبي وأفقدته زخمه، ولم تحسم المعركة إلا بتدخل الطيران الأميركي بعد أن فرضت أميركا شروطها. وهذا ما جعلها تتقدم الآن من أجل تسليح العشائر في الأنبار، وبالتالي إعادة التوازن “على الأرض”. وأميركا تسارع الآن من أجل أن تحقق التغيير الضروري لمصالحها في العراق، وبالتالي أن تفرض تراجع سيطرة إيران، لكن دون أن تلغيها.

في اليمن، وبعد أن ظهر “انتصار” تحالف الحوثيين وصالح نتيجة انحياز الجيش لصالح والتحشيد المسلح للحوثيين المدعومين من إيران، فقد أفضى التدخل السعودي ضمن تحالف عاصفة الحزم إلى تدمير جزء مهم من قوة الحوثيين وصالح، ونهوض المقاومة الشعبية في العديد من مناطق اليمن، خصوصا في الجنوب. وأصبح واضحا أن هزيمة هؤلاء باتت قريبة، رغم محاولات إيران التهديد والتحرش. وبذلك يبدو واضحا خسارة إيران لوضعها اليمني.

تبقى سوريا، حيث أصبح واضحا أن توافقا قد تحقق بين كل من السعودية وقطر وتركيا انعكس بمسألتين، الأولى توحيد الكتائب المسلحة في الشمال السوري، وثانيا توحيد الدعم، وربما تقديم أسلحة. ولهذا توحدت القوى المتناقضة، والتي كان تفككها يشل الصراع ضد النظام طيلة سنتين (وكان بعضها ينشط أصلا ضد قوى الثورة)، وحققت تقدما مهما في الشمال. كما أن توحد الكتائب المسلحة في الجنوب منذ أشهر سابقة قد أفضى إلى تقدم مهم كذلك.

“مؤشرات كثيرة على أن تقدم إيران قد انكسر، وأن الأوراق التي أرادت اللعب بها في التفاوض مع واشنطن قد تلاشت: باتت تخسر في العراق واليمن وسوريا معا، وباتت في مفاوضاتها معنية بقبول الحدود التي تقررها أميركا”

ويبدو أن جبهة القلمون قد فُتحت بعد أن توحدت الكتائب المسلحة كذلك، وربما تنفتح في الأيام القادمة جبهة دمشق ليتحقق اختراق يفضي إلى اختلال كبير في ميزان القوى. لقد بات واضحا أن قوى النظام تتهاوى، وأن الدعم الإيراني بات ضعيفا وبقوى غير مدربة، وبات الدعم المالي محدودا نتيجة أزمة إيران المالية. بهذا يبدو النظام، وتبدو إيران، في أضعف حالاتهما. وسوف ينعكس ذلك على وضع حزب الله، الذي فقد كثيرا من قدراته العسكرية في سوريا، وفقد “بريقه” وربما يبدأ في فقدان قاعدته الاجتماعية.

كل ذلك يشير إلى أن التقدم الإيراني قد انكسر، وأن الأوراق التي أرادت إيران اللعب بها في التفاوض مع أميركا قد تلاشت. باتت تخسر في العراق واليمن وسوريا معا، وباتت في مفاوضاتها مع أميركا معنية بقبول الحدود التي تقررها أميركا.

وإذا كان توقيع الاتفاق النووي سيتم في 30 يونيو/ حزيران القادم، فربما يكون التوافق على “الوضع الإقليمي” هو ما يجري الآن، لكي يتحقق الاتفاق الشامل وترفع العقوبات عن إيران بعد أن بات وضعها الاقتصادي في حالة صعبة. وهنا يمكن القول إنه سيبقى لها دور في العراق، لكن تحت السيطرة الأميركية. وسيكون دور الحوثيين ثانويا في اليمن، وبالتالي لن يكون لها تأثير هناك. وفي سوريا ربما يكون السيناريو محددا في خروج إيران، بترتيب مع روسيا. وهو الأمر الذي سينعكس على وضع حزب الله في لبنان وعلى مجمل الوضع اللبناني بما يعيد التوازن فيه.

إيران تتقهقر، نعم. ولكن لمصلحة سيطرة جديدة لقوى لا تختلف كثيرا، وليس لما يخدم الثورات التي يبدو أن المطلوب هو تناسيها “لكي تموت بهدوء”، رغم أن ثورات الشعوب لا تموت. فقد نهضت ضدها كل هذه القوى، وبالتالي مهما جرى من تغيير في السيطرة فإن السعي لتحقيق التغيير سيبقى قائما.

المصدر: الجزيرة