النكبة مجدداً

النكبة خلقت حافزاً لتغيير كبير في كل الوطن العربي، رغم أن الظروف الاقتصادية والاجتماعية كانت تفجّر الصراع حينها، لكن الهزيمة ونشوء الدولة الصهيونية كان صدمة أسهمت في تحولات طالت المنطقة، كانت فلسطين عنوانها. لهذا ارتبطت كل التغيرات التي حدثت بعدئذ باسم فلسطين رغم امتلاكها جذور مجتمعية عميقة. فالثورات التي حدثت كانت تلامس قضية فلسطين رغم أنها أحدثت تغيرات مجتمعية عميقة، ورغم أن الجيوش التي بنتها كانت بهدف “الإعداد لمعركة التحرير”.

لكن فلسطين لم تُحرّر إلى الآن، على العكس فقد فقدنا الجزء المتبقي منها سنة 1967، فيما سُمي بهزيمة حزيران. ومن ثم فقدنا النظم التي أنهضت وهي ترفع شعار “تحرير فلسطين”.

وأصبح القبول بالأمر الواقع هو السياسة “العقلانية”. وسيطر المنطق الذي يقول القبول بالدولة الصهيونية والتعايش معها، وحتى التحالف معها. بهذا ظهر أن فلسطين ضاعت، وأن الحلم بتحريرها قد تلاشى، وأن الواقع العربي الذي جرى ترتيبه بهدوء منذ سنة 1970، سنة موت جمال عبد الناصر، سار في مسار التكيّف مع الوجود الصهيوني في ظل السيطرة الإمبريالية الأميركية. ليبدو أن النكبة قد اكتملت. فقد انهارت المحاولة التي كانت النكبة جزءاً من نشوئها، وكان هدف الرد على النكبة جزءاً من طموحها.

حين العودة إلى لحظة النكبة نلمس بأنها كانت نتاج “واقع موضوعي”، لكنه في ذات الوقت واقع مفروض بقوة الدول الإمبريالية التي استعمرت المنطقة بعد الحرب العالمية الأولى، وقسّمتها إلى دول مستعمَرة، وفرضت تشكّل بنيتها الاقتصادية وتكوينها السياسي، وواجهت كل القوى والطبقات، التي ناضلت من أجل الاستقلال والتحرر ومواجهة المشروع الإمبريالي بحديه: التقسيم وإقامة كيان “يهودي” في فلسطين.


النكبة هي نتاج أزمة المشروع النهضوي التحرري العربي وفشل أحزابه

وكانت إقامة الدولة الصهيونية هي “العنصر الأخير” في تشكيل المنطقة لضمان السيطرة عليها، حين تقدمت أميركا لتقود الدول الإمبريالية وتكرّس وجود هذه الدولة. بالتالي كانت هذه الخطوة هي قمة السيطرة على الوطن العربي لضمان بقائه مفككاً ومتخلفاً، ومجال نهبٍ واستغلال، حتى بعد أن انتهى الاستعمار.

لا شك في أن المجتمع كان متخلفاً، ورغم محاولة محمد علي باشا تحقيق تطور حداثي بالتعاون مع فرنسا، وتطوير الصناعة وبناء جيش حديث، إلا أن بريطانيا قررت منع المحاولة بالقوة لأنها تنظر إلى هذه المنطقة من منظور استراتيجي كطريق إلى الهند، وكسوق لسلع باتت تنتجها مصانعها، وكذلك نتيجة الحاجة إلى القطن والقمع (كل ذلك قبل النفط). وحينها قررت أنه يجب “حصار مصر” لمنع تمددها، وبالتالي ضمان فشلها في تحقيق التطور.

وكان المشروع الذي يدعو لإقامة “كيان يهودي” في فلسطين هو ما طرحته منذ سنة 1840، أي قبل أن يطرح أيٍّ من اليهود هذه الفكرة. ومن ثم احتلت مصر سنة 1882، ومن ثم قررت مع فرنسا اتفاق سايكس/ بيكو سنة 1916 ثم أصدرت وعد بلفور سنة 1917.

لينتقل التكريس العملي لكل ذلك بعد الحرب الأولى، حيث فُرض اتفاق سايكس/ بيكو وتقاسمت كل من بريطانيا وفرنسا السيطرة على المشرق العربي، وعملتا على ترتيب الوضع (إضافة إلى النهب الداخلي فيها) بما يحقق الفكرة المرجوة، أي إقامة “دولة يهودية” في فلسطين، فصدر قرار التقسيم سنة 1947، ثم سلمت بريطانيا فلسطين للعصابات الصهيونية.

لقد كانت النكبة هي نتيجة كل ذلك، هي من فعل كل هؤلاء. وبالتالي فهي خاتمة النكبة التي بدأت بالسيطرة الاستعمارية، وهي نتاجها، رغم كل الحديث الممكن عن التخلف الذي يلفّ البنى المجتمعية والوعي والأحزاب وغير ذلك. حيث لا يمكن فهم هذا التخلف بـ “ذاته”، أو نتيجة المجتمع فقط، فقد حاول المجتمع تحقيق التطور والحداثة لكن أسبقية الرأسمالية والتفوق الذي باتت تتمتع به أفشل المحاولة، وأعاد إنتاج التخلف، وهنا بات التخلف التاريخي الذي كان نتيجة أسبقية تطور أوروبا تخليفاً بفعل القوة الإمبريالية.

فالسيطرة الاستعمارية كانت تعيد إنتاج التخلف، وتعمّق فيه، و”تُطوِّر” ما يناسب سيطرتها فقط. ولقد انتهى الاستعمار بحصول الدول العربية على الاستقلال قبيل النكبة بقليل (سورية ولبنان) أو بعد ذلك (مصر، العراق، فقط مع إزالة النظم الملكية).

هذا هو المسار التاريخي للنكبة الفلسطينية، وهو المسار الذي كان يوضّح تفوق الإمبريالية وتمتين سيطرتها، وفرض وقائع تفرض استمرار هذه السيطرة.


الأحزاب كانت تخرج من إطار الصراع الحقيقي نحو ما هو تجريدي

لكن من زاوية أخرى، كانت النكبة هي نتاج أزمة المشروع النهضوي التحرري العربي، الذي فشلت أحزابه في مقاومة جدية للاستعمار عبر استراتيجية تؤدي إلى التحرير، وبالتالي لم تستطع منع النكبة. فقد كانت القوى البرجوازية منها تراوح في مواقفها بين مقاومة الاستعمار والتفاوض معه، حيث كانت الطبقة التي تعبّر عنها هذه القوى تتكيف مع الشبكة التي تؤسسها الرأسمالية الإمبريالية، وتنحو إلى التشبيك معها، بدل أن تواجهها من أجل الاستحواذ على السوق القومي وتطوير الصناعة المحلية، فالمنافسة في سوق مفتوح كانت صعبة نتيجة تفوق الرأسمالية مالياً وتقنياً ومقدرة، لهذا مالت إلى النشاط فيما لا يؤدي إلى التنافس، فعملت في التجارة والخدمات والبنوك.

وهو الأمر الذي كان يجعلها تتخلي عن كل ميل لتحقيق الاستقلال والتطور الصناعي والحداثة، والقبول بالشروط التي تطرحها الرأسمالية. وكانت هذه القوى هي زعامة الحركة الوطنية، لهذا ظلت تميل إلى التفاوض من أجل الاستقلال السياسي مع تلاشي مشروع النهضة التي طرحته بداية، أو كان مطروحاً للتعبير عنها قبلاً.

إصلاحية جعلت “المخطط الاستعماري” ينجح، وأن تبقى الحركات المناهضة للاستعمار “شعبية” بقدرات محدودة، وبدون تصورات واضحة، وبالتالي سهلة المواجهة من قبل الدول الاستعمارية. وإذا كان الشيوعيون حينها هم من قاد الثورات في الصين والهند الصينية وانتصروا، فإن الشيوعيين العرب، الذين حاولوا ذلك في السنوات الأولى من نشوء الأحزاب الشيوعية تحقيق ذلك، ووفق المنظور ذاته، قد تحوّلوا بفعل التأثير السوفيتي إلى المراهنة على “إرتقاء التاريخ” في مسار يفرض انتصار البرجوازية.

فنشطوا، منذ سنة 1937، في إطار سياسة تقوم على التحالف مع البرجوازية ودعم انتصارها، مما جعلهم من جهة يحصرون نشاطهم فيما هو نقابي مطلبي، ومن جهة أخرى فيما هو “ديمقراطي”، مبتعدين عن تحويل أزمة العمال والفلاحين الفقراء إلى صراع طبقي حقيقي، وسائرين من أجل انتصارهم. وبهذا لم يتقدموا لكي يحملوا إرث النهضة والتطور والحداثة تاركين الصراع الطبقي في أزمة في اللحظة التي كان يتفاقم فيها نتيجة اتساع الفقر والتهميش، وعلى ضوء بدء انسحاب الاستعمار مما كان يُظهر هشاشة النظم.

ولقد ظهر أن سياستها كانت قد خضعت للسياسة السوفيتية، وبالتالي انقلبت من مواجهة المشروع الصهيوني وإقامة دولة ديمقراطية علمانية إلى الاعتراف بالدولة الصهيونية الوليدة مباشرة بعد قبول الاتحاد السوفيتي بقرار تقسيم فلسطين، الذي تلاه اعترافه بالدولة الصهيونية. وبهذا كانت تكرس النكبة وتقرّ بنتائجها متخلية عن 80% من فلسطين تحت عنوان: الأمر الواقع، لكن في الواقع تحت تأثير الاتحاد السوفيتي الذي كان في اتفاق يالطا قد وافق على تقسيم العالم بعد الحرب العالمية الثانية، وبضمن ذلك الموافقة على حصة بريطانيا وفرنسا في المشرق العربي وعلى الدولة الصهيونية.

على ضوء ذلك كانت هذه الأحزاب تخرج من إطار الصراع الحقيقي مركزة على ما هو “مجرّد” (صراع إمبريالية/ اشتراكية، وصراع إمبريالية/ حركات تحرر)، أو على قضايا مطلبية و”نضال ديمقراطي”، وكذلك من أجل “السلام”.

النكبة بالتالي هي نتاج تصور إمبريالي جرى فرضه بقوة السيطرة الإمبريالية، لكن مع إصلاحية و”سلمية” وتشوش أحزاب كان عليها تغيير نظمها ومواجهة السيطرة الإمبريالية الصهيونية. والنكبة تكرّست مع فشل محاولة التطور التي تبعتها، حيث استطاعت الإمبريالية الأميركية “ترتيب” النظم تحت سيطرتها.

لكن ذلك كان يؤسس لثورات جديدة، هي ما شهدناه منذ نهاية سنة 2010، ولا زال مستمراً.

المصدر: العربي الجديد

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s