“العلمانية المتشددة” والعلمانية

في العلمانية نجد أن هناك من يتشدد وهناك من يميل إلى “الحياد”، فقد تبلورت العلمانية في سياقين طبع كلٌّ منها العلمانية بطابع “خاص”، وهو الانقسام الذي ولّد علمانية متشددة وأخرى “مرنة” (أو تقوم على الحياد). والفارق يتمثل في أن الشكل الأول يقوم ليس على فصل الدين عن السياسة فقط بل يتدخل في أشكال ظهور الدين في المجتمع، ويميل إلى منع المظاهر الدينية من الحيّز العام، بينما تميل العلمانية الأخرى لرعاية الدين، والسماح بالتعبير عن المظاهر الدينية عموماً. في الشكل الأول نجد فرنسا (وكذلك تركيا أتاتورك)، وفي الثانية ألمانيا وبريطانيا وأميركا.
وإذا درسنا الصيرورة التاريخية لانتصار العلمنة في كل من هذه البلدان نلمس السبب الذي أنشأ كل منهما، فالأمر لم يكن مصادفة أو نتيجة نزوح “تحرري” زائد لدى الفرنسيين، بل أن الشكل الذي تبلورت العلمانية فيه في كل هذه البلدان نشأ بالضبط عن رد فعل المؤسسة الدينية على ظهور الأفكار الحديثة، والسعي لتأسيس دولة جديدة، تحكمها فئات نشأت خارج السيطرة الدينية. بمعنى أن الصراع بين تأسيس الدولة الحديثة والكنيسة هو الذي فرض نشوء العلمانية المتشددة، التي سعت الدولة عبرها إلى تقليص دور الكنيسة، والحد من سلطاتها، والضغط من أجل أن يعود الدين شأناً شخصياً. وهذا أمر هو نتاج تاريخ العلاقة بين الكنيسة الكاثوليكية والنظام الإقطاعي الذي حكم فرنسا خصوصاً (ودول أخرى طبعاً)، حيث كانت الكنيسة هي “الدرع الأيديولوجي” لذاك النظام، وكانت تسعى لـ “تأبيده”. وبالتالي ظلت أمينة لتاريخ البابوية التي عملت خلال القرون الوسطى لاستعادة الامبراطورية الرومانية عبر فرض توحيد أوروبا، وكانت حريصة على أن تبقى “الجهاز الأيديولوجي” لامبراطورية ماتت منذ زمن بعيد. وربما كان آخر تمظهرها الواقعي هو ارتباطها بالنظام الإقطاعي في فرنسا، ولهذا سعت لأن يبقى، وحين انهار سعت لأن تدعم الإقطاعيين الذين قاتلوا من أجل عودة “النظام القديم”، والذين نجحوا في ذلك سنة 1814 بعد هزيمة نابليون، وبالتالي أعادوا إحياء الملكية على جثة الجمهورية المنهارة. وفي ذلك ظهر أن البرجوازية الصاعدة تقاتل ليس فقط الإقطاع بل كذلك الكنيسة الكاثوليكية التي تتمسك باستمرار النظام القديم، وبدعمه والدفاع عنه. ولهذا قاتلت ضد كل مظاهر الحداثة، من التعليم إلى الفكر، إلى الطقوس، والمؤسسات، ورفضت التعليم المدني، والدولة المدنية.
كل ذلك كان يجعل الصراع الأيديولوجي ضد الكنيسة عالي النبرة، ويدفع إلى التشدد في المواجهة، ويفرض نشوء تيارات إلحادية. وبالتالي يعطي للعلمنة الفرنسية “نكهة” خاصة، تتسم بالتشدد، لأن الدولة باتت معنية ليس بفصل الدين عنها بل باتت معنية بكبح تمرّد الكنيسة، وميلها لإعادة فرض وجودها، وتدخلها في الحياة العامة. وإذا كانت العلمنة قد طرحت منذ عصر النهضة، وحاولت الحكومات التي نشأت عن انتصار الثورة الفرنسية سنة 1789 أن تفرضها كجزء من بناء الدولة، فإن تحققها كجزء من دستور الدولة الفرنسية تم سنة 1905 فقط. وبالتالي فإن السنوات منذ سنة 1814 (عودة الملكية) وسنة 1905 هي سنوات هذا الصراع الرهيب من أجل تحرير الحيّز العام من سلطة الكنيسة، وتحرير الوعي المجتمعي من سلطة الأيديولوجية “الدينية” وإقرار الدين كحق شخصي. لهذا ظلت الدولة حذرة تجاه الكنيسة، وتميل إلى التشدد في التعامل معها، وكذلك متشددة في “قمع” المظاهر الدينية التي تنشأ في الحيّز العام.
وتأسيساً على ذلك نشأت تيارات فكرية تعتمد على “تنظير” العلمانية، وبالتالي تحوّلها من “إجراء سياسي” يتعلق بشكل الدولة إلى أيديولوجية بالكامل. وهي بهذا باتت تقارب الإلحاد. لكن تشدد الدولة جعلها تتدخل أحياناً في “الشأن الشخصي”، وتميل إلى حصار دور الكنيسة في نشر التعاليم الدينية، وتمنعها من إقامة المدارس.
في الطرف الآخر نجد أن هذا الصراع لم ينشا في ألمانيا أو بريطانيا أو أميركا، البلدان التي أصبحت علمانية دون صراع مع الكنيسة. وهنا انتشرت الكنيسة البروتستانتية التي جرى اعتبار أنها حققت “الإصلاح الديني” وهيأت لنشوء الرأسمالية (حسب ماكس فيبر)، ولا أظن أنها حققت إصلاحاً في الدين، أو كانت في أساس نشوء الرأسمالية، لأن نشوء الرأسمالية ارتبط باكتشاف الصناعة أصلاً، وإذا كان ذلك قد تحقق في بريطانيا البروتستانتية فقد تبعتها فرنسا الكاثوليكية وليس ألمانيا البروتستانتية. لكن ما يلاحظ هو أن الدين قد انسحب من المجال العام، تاركاً السياسة للساسة، واكتفى بأن يعبَّر عنه من خلال قيم أخلاقية. وبالتالي تشكلت الأحزاب الديمقراطية المسيحية بفعل ذلك، فهي ذاتها تشكلت من أفراد يميلون للتدين لكنهم قبلوا بأن يكون الحزب ليس مرتبطاً بالدين، وهو الأمر الذي جعله يضم فئات محافظة، وتميل نحو اليمين في سياساتها، لكنها لا تخلط الدين بالسياسة. ولا بد من ملاحظة مركزية الكنيسة الكاثوليكية و”لا مركزية” الكنيسة البروتستانتية، ولكن يجب أن نلمس أنها لم تتشكل في الصراع مع الدولة، حيث كانت ألمانيا مفككة أصلاً، وأميركا كانت دولة تنشأ من أشتات قادمة من مختلف البلدان الأوروبية، وبالتالي كان التوافق على بناء الدولة يجعل الدين عنصراً مساعداً بدل أن يكون في مواجهتها، وما تحقق له هو النص على دين رئيس الدولة فقط.
ربما هنا، في هذه البلدان، باتت الدولة علمانية بالمعنى الدقيق، حيث أنها فصلت الدين عن الدولة وعن السياسة، لكنها ظلت ترى المعتقد الديني، وتسمح بشيوع المظاهر الدينية. ظل هناك “إلفة” بين الدين والدولة رغم الفصل المتحقق. بينما نجد استمرار الحساسية والحذر في فرنسا، ومن التخوّف من كل مظهر ديني.
ما انطلقت منه هنا، في تحديد طابع العلمنة، أي هل هي متشددة أو “مرنة”؟ يتعلق بدور المؤسسة الدينية (الكنيسة) أساساً، فهذا الدور هو الفاصل بين الشكلين اللذين تمظهرت فيهما العلمنة. وهو أمر يفسّر طبيعة العلمنة التركية التي نشأت متشددة، حيث كانت تقرر القطيعة مع دولة كان الدين الإسلامي هو شرعيتها، وهو الأيديولوجية التي تدافع عنها بكل عنف. فهذا ما واجه حركة الإصلاح التركية، وقبل ذلك حركة النهضة الفكرية التي بدأت منذ نهاية القرن الثامن عشر وكل القرن التاسع عشر. لقد كان الدين الإسلامي هو عماد الخلافة، وهو شرعيتها، والأيديولوجية التي دافعت عنها، وعممتها في مواجهة الحداثة الزاحفة من أوروبا. وبالتالي أدت الهزيمة في الحرب الأولى إلى أن يتسلّم “حداثيين” الدولة الجديدة بعد أن ضاعت الخلافة وسيطرت الدول الإستعمارية على تركتها. لهذا كان التشدد في العلمنة، وفي منع سلطة الدين، وفرض “الحداثة الأوروبية” بكل شدة. هنا كان المثال الفرنسي هو الحاضر، والذي قدّم المبرر الأيديولوجي لهذه العلمنة، وليس الشكل الألماني البريطاني الأميركي. لقد كان مطلوباً في سياق فرض الحداثة الإنهاء الكامل لمؤسسة كانت الرديف للسلطة في السلطنة، وكانت أداتها الأيديولوجية العنيفة، ولم يكن ممكناً إبقاء هذا الدور الذي حظيت به تلك المؤسسة. كانت يجب أن تتدمر الأيديولوجية التي غطت السلطنة وكرّست تخلفها لكي ينفتح أفق الحداثة وفق المثال الأوروبي، هكذا فكّر أتاتورك. خصوصاً وأن هذه المؤسسة كانت تتغلغل في بنية المجتمع، من التعليم إلى فرض القيم والتدخل في السلوك، إلى الدفاع الشرس عن السلطنة بكل واقعها المزري.
هل أن هذا الشكل المتشدد هو “أمر سليم”؟
ليس بالضبط، لكنه نتاج واقع، ونتاج صراع على السيطرة، وبالتالي يجري التشدد في فرض قيود وضغوط من أجل إنهاء ميل هيمني لدى المؤسسة الدينية باسم الدين. ولهذا يصبح هناك تخوّف من بروز مظاهر الدين، أو مظاهر التديّن، الأمر الذي يدفع إلى منعها. وهذه حالة تستثار كلما برزت ميول للهيمنة الدينية، ونشأ شعور بأن الدين يعود لممارسة دور سياسي، كما يحدث في أوروبا، خصوصاً في فرنسا، في مواجهة الأصولية الإسلامية التي استثارت “إسلامفوبيا” مرعبة. في المقابل كما يجري في تركيا من “تشذيب” للعلمنة المتشددة التي فرضها أتاتورك، والتراجع عن منع المظاهر الدينية، وإعطاء حرية أكبر للدين.

المصدر: السوري الجديد

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s