الأصوليات هي ذاتها

ما الذي يجعل تنظيم القاعدة وفروعه وداعش تنظيمات أصولية متعصبة وإرهابية؟ هي كذلك بالتأكيد، لكن الانطلاق من هذه البديهية، من دون تحديد ماهيتها، يجعل المنظور متحيزاً، أو أحادياً، أو أيضاً مضللاً.
أشير إلى ذلك، لأن المنطق المتداول يقيم مسافة طويلة بين تنظيمات مثل النصرة وداعش والقاعدة عموماً، وتنظيمات مثل فيلق بدر أو عصائب أهل الحق أو حزب الله العراق، أو حتى حزب الله نفسه. حيث يحكم “المنظور السياسي” النظر، ويصبح التكتيك هو الذي يجعل من التنظيمات الأولى شراً، والأخيرة خيراً، أو حتى العكس. فقد كان فيلق بدر وحزب الدعوة والمجلس الأعلى، ثم عصائب أهل الحق، تنظيمات طائفية متعصبة بعيد احتلال العراق، وجرى تحميلها (بدعم إيراني) عمليات قتل كثيرة للكفاءات العراقية (علماء وطيارين ودكاترة جامعة وأطباء)، وعمليات الفرز الطائفي، وكانت تعتبر جزءاً من الاستراتيجية الأميركية لتفكيك العراق. كلها كانت تنظيمات طائفية متعصبة، وأداة للنظام في إيران للسيطرة على العراق وتدميره. هكذا كان منطق “الممانعين” الآن، وكل داعمي المقاومة (تُختصر بحزب الله)، وكانوا يطالبون حزب الله بأن يتخذ موقفاً ضدها، ومع المقاومة العراقية التي كان بادياً طابعها “السني” (في ما عدا مشاركة التيار الصدري في مرحلة فيها).
كان الموقف من الاحتلال أساس التحديد، وليس بنية هذه التنظيمات وماهيتها. على العكس من ذلك، كان تنظيم القاعدة عموماً، وتنظيم قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين، تنظيماً “مقاوماً” وفق المنظور ذاك، وجرى اعتبار أنه يقاتل الاحتلال، على الرغم من أن أولويته التي أعلنها هي الحرب ضد “الروافض”.
الآن، ينقلب الأمر على ضوء انفجار الثورة السورية، فقد بات تنظيم القاعدة وفروعه، ثم داعش، تنظيمات طائفية إرهابية، بينما يجري غض النظر عن عصائب أهل الحل وفيلق بدر وحزب الله العراق، ومسميات كثيرة تقوم على أساس طائفي. يصبح من حق حزب الله، وعصائب أهل الحق وغيرها قتل الشعب السوري، الذي جَرُؤ على التمرُّد على النظام، النظام “الممانع”، والذي “يدعم المقاومة”! بالتالي، انقلب الأمر، وظهر أن التكتيك السياسي هو الذي يحدد ماهية تلك التنظيمات، وليس المنظور الفكري البنيوي الطبقي. ولهذا، يظهر التقلب الشديد في المواقف منها، أي الانقلاب من ضفة إلى أخرى، ويصبح الشرّ خيراً والخير شراً، ما يؤشر إلى غياب المنطق العلمي، وسيادة المنظور الذاتي.
هذا منطق هزلي، لأنه يتقلب بشكل بهلواني، ويحوّل موقفه من ضد إلى ضد. لكن لا يختلف من يتعصّب طائفياً سواء كان “سنياً” أو “شيعياً”، مسيحياً أو مسلماً. التعصب الطائفي هو التمسك بمنطق “طائفة”، ورفض الطوائف الأخرى، واعتبار الصراع الواقعي صراعاً معها. قام فيلق بدر وعصائب أهل الحق بالتطهير الطائفي سنوات 2006 /2007 وبعد ذلك، وما زالت تمارس ذلك، وباسم الحسين وزينب. ولقد أتت إلى سورية للدفاع عن السلطة، تحت عنوان طائفي، هو الدفاع عن “الست زينب”. ويجري تحشيد “شيعة” باكستان وأفغانستان وزيدية اليمن، وغيرها للدفاع عن السلطة السورية، حماية لمصالح السلطة في إيران التي تخضع لولاية الفقيه. بمعنى أنها تحشد من أجل إقامة “دولة الخلافة الشيعية”.
هذا مطابق لمنطق تنظيم القاعدة، والنصرة، وخصوصاً داعش التي أعلنت “دولة الخلافة السنية”. ولن نجد فروقاً كبيرة بين ممارسات داعش والنصرة وفيلق بدر وعصائب أهل الحق، وحتى حزب الله. وخصوصاً أنها كلها تقول إنها تقاتل “الطاغوت” الأميركي.
التركيز على طرف وتجاهل آخر، نتيجة موقف سياسي، يعبّر عن سطحية مفرطة، وسذاجة لا شك فيها. فهذه كلها تريد إعادة الواقع إلى الماضي. وبالتالي، فرض منطق القرون الوسطى على الشعب الآن، وهو الأمر الذي يعني القمع المفرط والتدمير، وسدّ أفق محاولات التطور.
الأصولية أصولية، ومن يميّز يكون مختلاً في منطقه.
Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s