إيران الإمبراطورية

حين سيطر الخميني على السلطة، بعد انتصار الثورة الإيرانية، نشطت الدولة الجديدة لتصدير الثورة الإسلامية، وتحرشت بالعراق، وقام حزب الدعوة بعمليات عسكرية ضد مسؤولين في النظام العراقي حينها. وكان واضحاً الميل الإيراني إلى السيطرة على المنطقة، عبر المنظور الأيديولوجي “الشيعي”، الذي بات الممهد لمحاولة التمدد. ثم نشبت الحرب العراقية الإيرانية، ولم تستطع إيران الانتصار فيها، على الرغم من سعي الخميني إلى ذلك، على أمل فرض “الثورة الإسلامية”.
مع تعقّد الصراع مع العراق، دخل النظام الإيراني على خط تشكيل القوى الشيعية في لبنان التي مالت، في البدء، لتصفية اليسار، والشيوعيين خصوصاً في البيئة الشيعية (قتل حسين مروة ومهدي عامل). لكن، وجدت أن ذلك يستحيل من دون كسب ورقة مقاومة الاحتلال الصهيوني الذي حدث سنة 1982 لجنوب لبنان، ووجه بتأسيس جبهة المقاومة الوطنية التي لعبت دوراً في تراجع احتلاله من حدود بيروت إلى الجنوب. بهذا، باتت إيران تدعم “خيار المقاومة”، وتدرب وتمد حزب الله بكل الخبرات والسلاح. وتعالى موقفها ضد الدولة الصهيونية (وحتى ضد اليهود)، حيث صارت تمارس كطرف في الصراع، خصوصاً أن حزب الله نشأ كتنظيم يخضع لولاية الفقيه، ويلتزم تعليماته.
بعد الاحتلال الأميركي للعراق دخلت بقوة، تحت أعين الإدارة الأميركية، وبغض نظر أو حتى تنسيق معها. ومارست كل أشكال القتل للخبرات العراقية (العلماء والطيارون، والقادة العسكريون)، وحرصت على تشكيل مجموعات “شيعية” تتبع الحرس الثوري والمخابرات الإيرانية، وتنطلق من أيديولوجية تعصبية متطرفة (فيلق بدر وعصائب أهل الحق، وحزب الله العراق، وغيرها)، واستفادت من اللعبة الأميركية لتصعيد الصراع الطائفي، بعد استقدام أبو مصعب الزرقاوي (تحت الحماية الإيرانية)، بتعزيز مجموعاتها الطائفية وتمكينها. وبالتالي، إذا كانت تطرح مقاومة الدولة الصهيونية فقد عملت في العراق ما أرادته تلك الدولة، من خلال مساعدة الاحتلال الأميركي على تدمير العراق، ومسخه. وهي تعرف أنه من دون ذلك لن تستطيع السيطرة عليه.
مع انفجار الثورات، فقد دخلت بقوة لسحق الحراك في العراق، ثم دخلت سورية بعد ضعف السلطة نتيجة توسع الثورة، وأصبحت تدافع عن السلطة ليس عبر مستشارين، أو دعم مالي، أو معدات عسكرية، بل عبر حشد “الشيعة” للدفاع عن الأماكن المقدسة في سورية (الست زينب). وأصبحت هي قوة حماية السلطة، والمقاتل المباشر ضد الشعب، وهذا ما أظهرته، أخيراً، بشكل علني ورسمي. كذلك دعمت تقوية الحوثيين، بعد الثورة اليمنية التي أجهضها التدخل الخليجي، ومسخ الحل إلى تغيير شكلي. ولهذا، باتت القيادات الإيرانية تعلن أنها تسيطر على أربع عواصم عربية، بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء. اختلف الخطاب الإيراني من دعم المقاومة إلى السيطرة على العواصم. بمعنى أنه، على الرغم من أن التحشيد يقوم على أساس طائفي، ويستجلب المقاتلين من أفغانستان وباكستان وطاجاكستان، وإيران، والعراق ولبنان، فقد أصبح الحديث عن السيطرة، وعن التحكم.
ربما هذه النقلة هي التي مهدت لخطاب “جديد”، يتحدث عن الإمبراطورية. يقول مستشار روحاني للشؤون الدينية والأقليات، علي يونسي، إن “إيران عادت إلى وضع الإمبراطورية، كما كانت طوال تاريخها”. وعاصمتها هي بغداد التي هي “مركز حضارتنا وثقافتنا وهويتنا اليوم كما في الماضي”. هنا ننتقل من صراع علي ومعاوية إلى صراع فرس وعرب، وربما يكشف هذا الأمر كل مجريات الدور الإيراني السابق، وكيف أنه حتى الخطاب الطائفي الشيعي يستخدم من أجل امبراطورية دثرتها الدولة العربية الإسلامية.
أظن أن الأمر “طبيعي”، حيث كان للشاه دور في السيطرة على الخليج وحمايته، ولم يختلف النظام الذي نشأ بعده عن هذا الميل، بل ربما أصبح أكثر حيويةً، اعتماداً على وهم أيديولوجي، يمكن أن يستخدم للتضليل، والذي يقوم على استخدام الشيعة في سياسةٍ تهدف إلى السيطرة والهيمنة.
إيران تقاتل، وتفاوض من أجل سيطرة إقليمية، ودور إقليمي، هذا هو الوضع باختصار.
Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s