Monthly Archives: يناير 2015

ردٌّ ونقاش: عن أولوية الواقع أو أولوية الأفكار

رد الصديق علي العبدالله على مقال لي في “العربي الجديد”، يتعلق بأهداف الثورة بعد سيطرة الأسلمة، في مقال له، نشر في 6 يناير/كانون الثاني الجاري، معتبراً فيه أنني أنطلق من الأفكار المسبقة، وليس من الواقع. لهذا، يختم رده بتوضيح تعقيدات وضع الثورة السورية، والغريب أن إشاراته حول ذلك تتوافق تماماً، بل تكرّر، أحياناً، ما ورد في مقالي المذكور، على الرغم من أنه يعتبر أن توضيحه هذا يكشف المسبقات النظرية التي حكمت تحليلي. فقد أشرت إلى وضع الثورة، ولم أحصرها في المجموعات الأصولية، بل تحدثت عن الشباب والكتائب المسلحة، وأيضاً، عن تعقيدات الوضع والتدخل الإقليمي والدولي فيها. وذلك كله كنت قد شرحته مكرراً في عشرات المقالات سابقاً، وأوردته ملخصاً في المقال ذاك.
إذن، ينقد ماذا؟ من سياق الرد لمست أن الأمر يتعلق بمسألة هل نقبل بما يجري، أم يجب أن نتناول بالنقد والتفكيك هذا الواقع، ومن ثم أن يتوجه فعلنا إلى تحديد مسارات التغيير، وأهدافه، واستراتيجياته. وبالتالي، أن تحاول بقدراتنا على تعميم ذلك، وعلى التأثير الفعلي بالقدر المستطاع؟ يقول الصديق علي، هذا هو الواقع، وقلت إن هذا هو الواقع، لكنني نقدت وفكّكت من أجل أن أحاول الدفع باتجاه مسار يخدم تطور الثورة. هذا ليس مسبقات إلا للذين يكرسون العفوية، ويرون أن الواقع يجري بما هو، وليس علينا سوى الوصف. من هذا المنطلق، هو يستحضر زياد رحباني ومسألة الحزب، وما “كتبه مفكرو اليسار في القرن الماضي عن الثورة، وشروط انفجارها”، مع العلم أنني كنت من الذين فككوا خطاب “شروط الثورة” في مقالات وكتب عن الثورة السورية، بينما الأمر، هنا، يتعلق بثورة انفجرت، تستوجب تحديد دور “النخب” و”الساسة”، وليس التوصيف فقط. لهذا، فإن “الدارس الموضوعي ملزم بتناول الواقعة بظروفها وشروطها وتحديد طبيعتها الخاصة”. لكن، ليس من أجل أن “يحكم إن كانت قد نجحت في منطلقاتها، وانسجمت مع ذاتها في ممارستها، وحققت، أو لم تحقق، أهدافها”، بل من أجل أن يعرف ميكانزماتها، ويعمل على التأثير فيها، بما يجعلها تتقدم بشكل أفضل، وإلا يكون خارجياً عنها، مهمته أن يدرس تحقيق ذلك كتقييم لها. أي أن الباحث الحيادي هو الذي يفعل ذلك، وليس المنخرط في الثورة، معتبراً أنه جزء منها. وأنه بـ “وعيه”، يمكن أن يفيد في توضيح مسارها وتطويره، لهذا، يمارس النقد، ويضع البدائل في مسارها. توضح هذه الجملة أن الصديق علي هو الذي “ينطلق من مسبقات نمطية، وفق مسطرة خاصة”. بالضبط، لأن منظوره هو منظور “مراقب”.

“لا شك في أن الثورة فتحت نحو تجاوز هذا الانكماش (وهذا ملاحظ في مصر وتونس وغيرها، حيث يميل الشباب الذي كان متديناً إلى اليسار، أو العلمنة، ولا يعني ذلك أن يترك الدين)”

ثم إنني لم أتحدث عن “انزياح الثورة السورية” من مطلب الحرية إلى إقامة الدولة الإسلامية، بل قلت إن ما “بات يظهر أن القوى التي تقاتل السلطة هي تلك القوى الأصولية”، وكلمة ما بات يظهر تعني الإشارة في الشكل الذي تظهر فيه، إلى ما يبدو للآخرين، لكن، في المقال توضيح واف عن القوى التي تصارع السلطة والقوى الأصولية معاً. وبالتالي، لم أحصر الصراع في ثنائية سلطة وكتائب إسلامية، حيث تناولت الشعب. ثم إنني لا أعتبر أن القوى الأصولية، من داعش إلى جيش الإسلام، مروراً بالنصرة وأحرار الشام وغيرها من قوى الثورة. والهدف المركزي من مقالي السابق كان توضيح ذلك تحديداً، حيث إن برنامج “الدولة الإسلامية”، بما يتضمن، كما شرحت، هو ضد الثورة كما قلت. ولهذا، لا بد من مواجهة ليس السلطة فقط، بل هذه القوى أيضاً، على الرغم من صعوبة ذلك وتعقيداته. بالتالي، أتحدث عن الثورة الممثلة بكل ما أشار إليه الصديق علي، والتي أشرت إليها بتوسع أكبر في مقالي.
بالتأكيد، هنا جزء من المشكلة مع علي كما أظن، لهذا يصل، في الأخير، إلى أنني أتجاهل “موقع الإسلام في وعي وثقافة السوريين، ودوره في تكوين شخصيتهم وتوجهاتهم العامة”. وهو هنا يسقط مسبقاته، أولاً، ثم إنه يوصّف حالة راهنة من دون تحديد ظروفها، بل يكتفي باعتبار أن الأمر الطبيعي أن يميل الشباب إلى الكتائب الإسلامية. يا صديقي، لو رجعت إلى سنوات الأربعينيات والخمسينيات إلى السبعينيات، ستجد الوضع مختلفاً، على الرغم من أن الشعب كان يعيش في حالة تخلف أسوأ، حيث كان الفكر التحرري هو المسيطر (من دون أن يمسّ ذلك تدين قطاع مهم من المجتمع)، ومن ثم بعد الثمانينات، جرت عملية تدين. ألا يستحق ذلك السؤال عن السبب الذي جعل الشعب نفسه يعيش الحالين؟ أليس هنا سبب أعمق من التدين، لكي يجعل هؤلاء يميلون هنا أو هناك؟ هنا، لا بد من البحث في الواقع، وليس الانطلاق من الأفكار، فالأمر يتعلق بواقع الناس المادي، أي مقدرتهم على العيش، فهذا هو الذي جعلهم يدعمون قوى تحررية (ولو حتى بدا أنها وهم) حينها، وأن ينكمشوا نحو التدين بعد الانهيار الذي حدث، والأزمة المعيشية التي باتوا يعيشونها، وانسداد الأفق أمام الشباب خصوصاً. ولا شك في أن الثورة فتحت نحو تجاوز هذا الانكماش (وهذا ملاحظ في مصر وتونس وغيرها، حيث يميل الشباب الذي كان متديناً إلى اليسار، أو العلمنة، ولا يعني ذلك أن يترك الدين).
طبعاً، ما يجعل الصديق علي يقول إنني أنطلق من مسبقات نظرية، أو نمطية، هو تأكيدي على أن الحرية ليست المطلب الوحيد، هي كذلك لنخبة فقط، لكن الشعب يريد تحسين وضعه الاقتصادي، فهذا تحليل ماركسي نمطي. لكن وضع سورية كان كذلك، وإذا لم يتابع الصديق علي وضع الشعب، يكفي أن أذكر له رقمين فقط، الأول أن نسبة البطالة كانت بين 30و33% من القوى العاملة، خصوصاً بين الشباب، وأن الحد الأدنى للمعيشة كان يجب أن يكون 31 ألف ليرة، حسب دراسة أُعدت للدولة، بينما كان الحد الأدنى هو ستة آلاف، ومتوسط الأجور هو 11 ألفاً. هذا يعني أن ما يقارب الـ 80% كانوا تحت خط الفقر.
أخيراً، بخصوص مسألة إسقاط النظام، لم أنفِ ضرورة الشعار، فهو خلاصة ثورة تريد إسقاط النظام. لكن، لا بد من أن يكون هناك برنامج واضح للبديل الذي يجب أن يستلم السلطة بعد الإسقاط، وإلا ظللنا في العفوية، ووصلنا إلى الفوضى. وهو مرحلة أولى، لكنها غير كافية، لأن الأحزاب يجب أن تطرح ما يجب أن يتحقق على ضوء إسقاط النظام، وإلا تركنا الأمر فراغاً، ليستغلّ من السلطة والقوى الأصولية معاً. وهذا ما دعاني إلى نقد حصر الأمر في الحرية وإسقاط السلطة، حيث يجب التعبير عن كل مطالب الشعب، المطالب التي تريدها كل طبقة ثائرة، وكل فئة مشاركة.

Syria needs more than just a new regime

The rise of extremism and sectarianism means that the fall of Assad is now not enough to build a better Syria – revolutionaries need to reject hateful ideologies to realise their original goals of freedom and democracy.
The people who started the Syrian revolution no longer control it. The regime targeted the coordination committees established by activists to ensure they lost educated members with vision and organisation. Many were arrested or killed, and many others fled Syria.

Those who remained decided to take up arms against the regime’s barbarity, setting in motion a spiral of violence. The regime began destroying areas of active opposition, resulting in the decline of the peaceful demonstration movement and the rise of the armed opposition.

With the increased militarisation of the revolution, armed factions began to seek weapons and money from regional states to confront a professional force. Assad’s regional enemies gladly contributed to further their own policies.

At this time, former prisoners of the Syrian regime, many of whom believed in violent jihad, flocked to groups such as Ahrar al-Sham, Suqour al-Sham, Jaish al-Islam, the Nusra Front and later the Islamic State group.

Foreign funding strengthened these groups as the ostensibly secular forces of the Free Syrian Army were in decline, pushing some Syrians into the arms of the better equipped jihadist groups.

A fate worse than Assad: read the first part of Salameh Kaileh’s series on the Syrian revolution

The youth had originally responded to regime accusations that the Muslim Brotherhood and Salafis ran the revolution by chanting: “no Salafis or Brotherhood, the revolution is by the youth”. But as foreign money began to influence the opposition, that chant was consigned to history.

One can also not ignore the role played by the media, with western outlets focusing on the sectarian nature of the conflict – a Shia Iranian-backed Alawite Assad suppressing a Sunni-majority revolution. The regime itself depicted the revolution as Salafi.

This portrayal facilitated the infiltration of extremist groups in the revolution who were not in Syria to topple the regime, but to establish an Islamic state. That goal would destroy the original demands of the revolution.

Not all revolutionaries have sided with the Salafis, however. Large segments of the population became refugees and many activists left the country. It is these people who need to rebuild the revolution and turn it away from the sectarianism that has derailed it.

The original revolutionaries were united by grievances over poverty, lack of democracy and oppression. The revolution should be about more than toppling Assad – it should seek to improve the economy, representation and freedom.

This requires an ideological battle against fundamentalism. We have to expose how the visions of fundamentalists contradict the demands of the population and the interests of impoverished segments of society.

 
The original revolutionaries were united by grievances over poverty, lack of democracy and oppression.

We have to demonstrate the error of joining groups that work against the aspirations and demands of their Syrian members and against the interests of the areas in which they have taken refuge.

Here we should clearly distinguish between religion and the ideology of these fundamentalists groups, and demonstrate how these groups use religion as a tool to further their interests, which stand opposed to the interests of the people.

We also have to expose the vision of liberalism that wants to limit the revolution’s goals to political freedom, ignoring the fact the economic liberalism – the belief that the “market” is king – causes its own problems of inequality and misery.

The struggle against the regime is for an alternative that meets the demands of the population. The regime needs to be replaced with a system that resolves the problems of unemployment, poverty and marginalisation as well as other social problems.

المعارضة السورية في متاهة الحلول

حرّك الحديث عن حل سياسي في سوريا -خصوصا بعد “النشاط” الروسي- كل مكونات المعارضة السورية، حيث يبدو أن “الخطوة الجديدة” لا تستند إلى تمثيل الائتلاف الوطني السوري كما جرى في مؤتمر جنيف2. ولهذا نشطت كل أطراف المعارضة، وبات البعض يدعو إلى مؤتمر في القاهرة.

في مؤتمر جنيف2 كان التوافق الأميركي الروسي -المستند إلى المبادئ التي جرى الاتفاق عليها في 30/6/2012- يقتضي أن يسمّي الروس وفد السلطة ويسمي الأميركيون وفد المعارضة. ولهذا اختارت روسيا وفدا أرسله بشار الأسد لا يوافق أصلاً على مبادئ جنيف1، بينما قررت الولايات المتحدة حصر التمثيل في الائتلاف الوطني الذي وافق حينها على المبادئ والتزم تطبيقها، ومن ثم زار روسيا لكي يؤكد لها أنه ملتزم بكل الاتفاقات التي جرى توقيعها مع السلطة السورية.

لكن وفد السلطة أفشل المؤتمر دون أن يحرّك الروس ساكنا، ومن ثم دخلوا في متاهة الأزمة الأوكرانية التي جعلتهم لا يقوون على لعب أي دور على الصعيد السوري، طبعا نتيجة للأولوية الشديدة التي يعطونها لأوكرانيا.

الغياب الروسي ترافق مع ميل أميركي جديد يهدف إلى العودة إلى العراق بعد الانسحاب الذي جرى نهاية سنة 2011 حسب الاتفاق المبرم، وبعد أن رفضت حكومة المالكي ضمان عدم ملاحقة الجنود الأميركيين. وهو الأمر الذي جعلها تتمدد إلى سوريا بحجة “الحرب ضد داعش”، وبالتالي تفرض ذاتها قوة مقررة بعد أن مارست الدعم لروسيا من بعيد، كما مارست دعم الفوضى المصدَّرة من دول إقليمية من بعد كذلك.

هذا ما دفع الروس إلى “أخذ زمام المبادرة” عبر “النشاط المحموم” من أجل العودة إلى التفاوض بين السلطة السورية والمعارضة. وقد باتت روسيا تهيئ لعقد مؤتمر موسكو1 بدل جنيف3.

هذا الوضع أعاد طرح مسألة تمثيل المعارضة، حيث إن روسيا لم ترتح للائتلاف حتى بعد التأكيد على ضمان المصالح الروسية. وربما كان معها بعض الحق لأن الائتلاف كتل هلامية يبحث الجزء الأكبر منها عن مصالح ضيقة، كما ليس من الممكن تجاهل المعارضة التي تشكلت في هيئة التنسيق وتضم أحزابا لها تاريخ في سوريا. وأيضا لا يبدو أن الروس قبلوا بألا تكون جبهة التحرير والتغيير جزءاً من المعارضة.

“يظهر أن كلا من روسيا وإيران لا تستطيع أن ترى الوضع السوري ومصالحها في سوريا بمعزل عن وجود بشار الأسد. ربما لأنه هو الذي أعطى لكل منهما المقدرة على السيطرة والتأثير وأغدق المصالح، ومن ثم يظهر الخوف الشديد من أن رحيله ربما يفضي إلى فقدان كل ذلك”

لهذا وجدنا أن الأمور تسير في مسارين، الأول يتمثل في بلورة الصيغة التي يمكن أن تؤدي إلى تحقيق الحل السياسي.؛ وقد تسرب عدد من الصيغ، بعضها ينطلق من بقاء بشار الأسد (كما تروّج لذلك القوى والصحف الداعمة للسلطة)، وبعضها ينطلق من حتمية إزاحته. وفي هذه الوضعية يبدو أن الروس لم يتوصلوا إلى ما يجعل الحل ممكنا، حيث ما زالوا يصرّون على بقاء بشار الأسد حتى وإن بشكل “صوري”، وكذلك يفعل الإيرانيون.

ويظهر أن كلا من روسيا وإيران لا تستطيع أن ترى الوضع السوري ومصالحها في سوريا بمعزل عن وجود بشار الأسد. ربما لأنه هو الذي أعطى لكل منهما المقدرة على السيطرة والتأثير وأغدق المصالح، ومن ثم يظهر الخوف الشديد من أن رحيله ربما يفضي إلى فقدان كل ذلك، بغض النظر عن طبيعة السلطة الجديدة التي ستكون راجحة بالضرورة لعناصر من السلطة الحالية وفق الترتيب الذي يجري.

طبعا، إن التمسك ببشار الأسد لن يقود إلى حل حتى وإن وافقت كل أطراف المعارضة، لأن ما جرى يحتاج إلى “كبش فداء”، وهو أكبر كثيرا مما جرى في تونس ومصر واليمن، وهي البلدان التي أطيح بالرئيس فيها لكي يقال إن الثورة قد حققت هدفها. فكيف في بلد مارست سلطته أقصى الوحشية، وأصابت كل المجتمع سواء بالتدمير أو القتل، ومارس شبيحتها كل العنف حتى في المناطق التي تسمى “مؤيدة”؟ ليبدو الرحيل هو أقلّ ما يمكن أن يتحقق، رغم أن الممارسات تفرض تحويل قيادات السلطة الأساسية إلى محكمة الجنايات الدولية بجرائم ربما تكون أضخم من كل ما ارتكِب في التاريخ الحديث.

لهذا فإن الخطوة الأولى تتمثل في موافقة الروس والإيرانيين العلنية على رحيل الأسد و”الطغمة” التي حكم عبرها. وهذا هو الخطوة الأولى في نجاح الحل. وهو الأمر الذي بات يَجمع معظم أطراف المعارضة (هيئة التنسيق، وتيار بناء الدولة، والائتلاف، ومعاذ الخطيب)، والذي لا بد من أن يكون في رأس الحل.

هل سيعلن الروس والإيرانيون ذلك؟ ربما سيبقى الصراع قائما إلى أن يصل كل منهما إلى هذه النتيجة، خصوصا أنهما باتا يعيشان أزمات الحصار “الغربي”، ولا يبدو أن أمامهما غير التوافق على كثير من القضايا مع أميركا، ومنها سوريا.

المسار الثاني يتعلق بالمعارضة ذاتها، حيث هناك هيئة التنسيق وتيار بناء الدولة في الداخل السوري (يضاف إليهما من قبل الروس جبهة التحرير والتغيير)، وهناك الائتلاف المنقسم على ذاته، والذي بات يخضع لتناقضات الدول الإقليمية والوضع الدولي.

وإذا كان الائتلاف قد مثّل المعارضة في مؤتمر جنيف2 مبعِدا كل الأطراف الأخرى (وكما أشرنا بقرار أميركي)، فإن ما يجري يشير إلى أن الأمور قد خرجت من هذا السياق، ولم يعد الائتلاف مطروحا كممثل، بل ربما كطرف من جملة الأطراف التي تمثل المعارضة، إذ ربما يجري إشراك بعض أطرافه فقط. وإضافة إلى ذلك، هناك الكتلة التي يمثلها معاذ الخطيب الذي يبدو أنه سيكون أساسيا في صيغة الحل المطروح.

وفي الائتلاف سوف نلاحظ التنازع بين “ذوي المصالح” الذين يمكن أن يشاركوا في أي حل يضمن لهم دورا، وهؤلاء كثر وكل منهم ينتظر معرفة إلى أين تسير الأمور لكي يقفز سريعا إلى الوجهة التي تسير فيها. وهناك من هو “مستثنى” أو يريد حصة أكبر مما يحصل عليها في حل كهذا، ولهذا يريد اللعب والتشويش و”إعلاء الصوت” بضرورة “إسقاط النظام”.

“إذا كان الائتلاف قد مثّل المعارضة في مؤتمر جنيف2 مبعِداً كل الأطراف الأخرى (وكما أشرنا بقرار أميركي)، فإن ما يجري يشير إلى أن الأمور قد خرجت من هذا السياق، ولم يعد الائتلاف مطروحاً كممثل، بل ربما يجري إشراك بعض أطرافه فقط”

ولا شك في أن الصراعات الإقليمية باتت تنعكس مباشرة على القوى التي تشكل الائتلاف، حيث نجد أن ميل تركيا لدفع الأمور إلى حدّ فرض منطقة حظر جوي وإنشاء منطقة آمنة وحتى التدخل لإسقاط النظام، جعل الإخوان المسلمين وبعض “المفلسين” يدفعون للسيطرة على مسار الائتلاف، وتجييره بما يجعله واجهة لتدخل تركي. فقد توهمت حكومة أردوغان أن أميركا سـ”تضطر” لأن تتحالف معها ضد داعش لاحتياجها إلى قوات برية تهزم هذه الأخيرة، وبالتالي سعت إلى “فرض شروطها” المتمثلة في إسقاط النظام وليس الحرب ضد داعش فقط.

ولهذا حاولت ترتيب الائتلاف بما يجعل الإخوان المسلمين هم القوة المسيطرة (بتحالف مع بعض “الليبراليين” مثل برهان غليون وميشيل كيلو)، وهو ما ظهر في فرض إعادة أحمد طعمة رئيسا لحكومة افتراضية، وتشكيل “مجلس قيادة الثورة” من فصائل مسلحة نشطت تحت اسم مبادرة “واعتصموا”.

وبهذا بات الحراك السياسي يتمحور حول تحالفات واصطفافات داخل المعارضة في سياق النشاط الروسي للوصول إلى حل. وبالطبع إذا لم يكن التوافق شاملاً ترحيل بشار الأسد فإن صوت الإخوان وحلفائهم سيعلو في حال وافقت أطراف المعارضة على ذلك. لكن لا بد من التشديد على أن الحل يبدأ من ترحيل بشار الأسد، وبعد ذلك يمكن البحث في كل المسائل الأخرى، لأن هذا هو الذي سوف يفضي إلى أن يصبح تطبيق الحل ممكناً.

فرغم صعوبة الظروف التي يعيشها السوريون، سواء اللاجئون والذين ما زالوا يعيشون الصراع، ومع انهيار الوضع الاقتصادي والانفلات الأمني، فإن حلا لا يقوم على ترحيل الأسد لن يلقى الموافقة، وسيفشل بالضرورة حتى وإن وافقت عليه كل قوى المعارضة، لأن المتضرر هو الشعب، وهو الذي ثار ويريد أن يحصد بعد كل هذه الوحشية انتصارا ولو كان صغيرا، وهو ذاك المتعلق بترحيل الرئيس.

إذا كان الشعب السوري قد تعب، وتعب كثيراً، فربما تكون القوى الدولية الداعمة للسلطة قد تعبت لكي تقبل -بعد أن باتت هي المتحكم في السلطة بسوريا- برحيل الأسد وتحقيق حل مقبول، بعد أن دخل الوضع في حالة استعصاء طويل، ولم يعد ممكنا انتصار أحد، خصوصا بعد تدخلات القوى الإقليمية والدولية التي لا تريد للثورة أن تنتصر، وبالتالي يكون استمرار الوضع القائم هو إيغالا في الاهتراء والتدمير والقتل والتهجير.

المصدر : الجزيرة

A fate worse than Assad

The original Syrian revolutionaries wanted freedom and an end to grinding poverty. Four years later, groups such as the IS, who rule with a warped religious ideology, are the only apparent alternative to Assad.

The only constant through four years of war in Syria is the call for the toppling of Bashar al-Assad’s regime.

But in that time, the moderate Syrian rebels who fought for the end of Assad’s rule have been sidelined by the extremists of the Islamic State group and the al-Qaeda-affiliated Nusra Front.

These armed groups, who support the establishment of an Islamic state based on fundamentalist Sunni values, would be the apparent masters of Syria should Assad fall.

It has become as the regime falsely claimed from the outset of the uprising. So how has regime propaganda become reality?

At the beginning of the revolution protestors chanted: ‘Only God, Syria and freedom.’

On freedom

One of the first ideas protesters embraced was “freedom”. At the beginning of the revolution they chanted “only God, Syria and freedom”, a variation on the regime’s slogan “only God, Syria and Bashar”.

The poorer sections of society joined the uprising demanding not only democracy but improvements to living conditions, healthcare, employment, housing and education.

However, the selfishness of opposition parties and the middle classes soon became evident. They tried to monopolise the revolution’s goals and limit them to embracing freedom and overthrowing the regime, without proposing an alternative system that reflected the demands of the poor.

Those demands were soon silenced as protests turned to violence, and violence turned to all-out war between opposition and government forces.

A fate worse than Assad

Fast-forward four years, and one must ask whether the ascendant Salafi forces have the capacity to solve the original demands of the people.

These forces would seriously limit freedom as they impose their religious ideology. Their authoritarianism is not only manifested in the political sphere but in all social spheres.

They oppose political, intellectual and cultural activities that do not conform to their narrow interpretation of religion.

Under their control, women and religious, sectarian and ethnic minorities are banished from public life, and society is governed by medieval rulings and an ignorant, narrow-minded and literalist culture.

One must ask whether the ascendant Salafi forces have the capacity to solve the original demands of the people.

Assad’s current regime is more desirable than the one proposed by those whose ideology is rooted in the Middle Ages.

In addition, cutting poverty means changing the economic model but these forces lack the vision to do so. Their focus is on implementing sharia and collecting religious taxes.

The only hope for a new, better Syria, are the groups who have been marginalised by the Salafis. But they suffer from a lack of funding and are constantly under attack. At the same time, the youths that started the revolution are either displaced, dead or in prison.

This makes the slogan of toppling the regime frightening –  because the only alternative at the moment is even worse.

This article is an edited translation from our Arabic edition

Source: al Arabi al Jadeed

عن “المبادرة” الروسيّة

الأسماء المسرّبة للمدعوين إلى موسكو تُظهر أن روسيا تريد ترتيب “معارضة” سورية تقبل بسلطة بشار الأسد، وليس التوصل إلى حل سياسي. أي أنها تريد تجاوز مبادئ جنيف1 التي أُجريت على أساسها مباحثات جنيف2.
يشتغل الروس، الآن، بـ”المقلوب”، فبدل أن يجري الشغل على ترتيب وفد السلطة غير الذي شارك في جنيف2، وأفشله، لأنه يمثل سلطة الأسد التي لا تريد الوصول إلى حل سياسي، وقررت، منذ البدء، إخضاع المجتمع، بات يعمل على تسهيل إخضاع المجتمع عبر فبركة “معارضة” على مقاس السلطة، تقبل استمرار حكم الأسد، وتشكّل “حكومة وحدة وطنية” معه.
ربما لن تعارض أميركا ذلك، ولا حتى دول إقليمية، مثل السعودية وتركيا. لكنه لن يوصل إلى حل، حيث سيبقى الاحتقان المجتمعي، وستظل القوى المقاتلة على الأرض رافضة ما جرى، وسيعطي ذلك مبرراً لداعش والنصرة وكل القوى الأصولية باستمرار الصراع، مستفيدة من رفض جزء كبير من الشعب هذا الحل. الأمر الذي سينهي القوى التي تمثّل الشعب لمصلحة تلك القوى الأصولية، لكن التي ستكون مدعومة شعبيّاً. ولن يفيد، هنا، كل النشاط لـ”محاربة الإرهاب”، لأن الأمر سيتحوّل إلى محاربة الثورة باسم الإرهاب، بعد أن تكون القوى الأصولية قد أصبحت “ممثل الثورة”، أي القوى التي تدّعي تمثيل المجتمع ضد السلطة وضد “الغرب”، وهذا يفتح متاهة جديدة، أسوأ من القائمة.
وهو وضع سيخدم أميركا، أكثر ممّا يحقق مصالح روسيا، فاستمرار الصراع، وبواجهة أصولية، سوف يجعل التدخل الأميركي أكبر، وسوف يفضي، بالضرورة، إلى أن تقرر أميركا، في الأخير، صيغة الحل الذي سيخرج روسيا نهائيّاً من المعادلة، لكنه سيوجد سلطة تابعة ومفككة في دمشق. الموافقة الأميركية، الآن، على صيغة الحل الروسي المطروحة، أو غض النظر عنها، هي للتوريط. فأميركا ستعود بقوات لها في العراق قريباً (أرسلت قوات تحت شعار الحرب ضد داعش)، لكي تكمل ما لم تستطعه سنة 2011، حيث طلبت حصانة عشرة إلى خمسة عشر جندياً، ولم تفلح بالموافقة، نتيجة الرفض الإيراني. وهي، الآن، تستطيع ذلك، وستكون قادرة على التأثير أكثر في الوضع السوري.
وإذا كان الروس يعتقدون أنهم قادرون، فإن وضعهم يسير إلى الأسوأ، بعد التدخل في أوكرانيا، وبعد العقوبات الأميركية والأوروبية المفروضة عليهم، ومن ثم بعد تراجع أسعار النفط في لعبة دولية، هدفها إضعافهم. وسيكون وضعهم أسوأ في المرحلة المقبلة، لأنهم يخوضون صراعات خاطئة، ويتبعون سياساتٍ لا تخدم حتى مصالحهم. وهذا يوضح أنهم دولة ريعية، أكثر من أنهم دولة رأسمالية، وسلطة مافيا، وليست سلطة برجوازية حقيقية. بالتالي، ستكون مشاركة أي طرف من المعارضة، بهذه الصيغة، مضرة، وسيخسر كما ستخسر السلطة. لهذا، لا بد من تحديد المطلوب، وأن يرفض كل لقاء يحدد الروس أطرافه، حيث يجب أن يكون واضحاً أن المعارضة محدَّدة بقوى موجودة، هي هيئة التنسيق والائتلاف وتيار بناء الدولة والمنبر الديمقراطي ومجموعة سورية الوطن برئاسة معاذ الخطيب. وعلى هؤلاء أن يتوافقوا على أن يشكلوا وفداً موحداً، وعلى صيغة واضحة.
ويجب أن تنطلق صيغة الحوار من أن على الوفد الذي يمثل السلطة أن يعلن الموافقة على تطبيق مبادئ جنيف1، خصوصاً تشكيل هيئة انتقالية كاملة الصلاحيات، وأن الحوار سوف يكون على ذلك، لكي تتسلم السلطة وتكمل تطبيق مبادئ جنيف1. وأن يعلن الروس، قبل الحوار، أن لا دور لبشار الأسد في الحل، وأن الحوار يجري على ترتيب السلطة الجديدة بدونه، هو ومجموعته. ولهذا، يجب أن تمثّل السلطة بوفد يقرّ ذلك مسبقاً. وأن ترفض المعارضة كل نقاش حول بقاء الأسد، وأن تنطلق من أن المطلوب ترتيب البديل، وإلا سوف تتوه في نقاشات عقيمة، كما جرى في جنيف2.

المفكر الماركسي يقرأ في أفق العقد المقبل سلامة كيلة: كم رددت لأصدقائي الشعب السوري سيثور ولم يصدقوا

المفكر الماركسي يقرأ في أفق العقد المقبل سلامة كيلة: كم رددت لأصدقائي الشعب السوري سيثور ولم يصدقوا

1/7/2015 12:41:52 PM

حوار- وفاء نديم
سلامة كيلة المفكر العربي الماركسي يعتبر أن روسيا دولة غبية، فالقيادة الروسية لم تعرف كيف تتعامل مع مصالحها لهذا خسرت وستخسر، ويعتقد أن ممارسة النظام السوري للعنف والوحشية لا يلغي الحديث عن دور المعارضة في  وصول الثورة إلى هذا الحد، نتيجة تكتيكاتها الخاطئة التي أضرت بالثورة .
التقت صحيفة “صدى الشام” المفكر الفلسطيني السوري سلامة كيلة، للوقوف على رأيه في تطورات الثورة السورية ومآلاتها.
– هل ثمة متغيرات دفعت الروس لتنشيط الملف السوري و هل ثمة جدية، وما هي خطوط الروس الحمراء؟
-لا أعرف إن كان هناك جدية لدى الروس، وأعتقد أن هذا ما كتبته مراراً، أن روسيا دولة غبية، القيادة الروسية لم تعرف كيف تتعامل مع مصالحها لهذا خسرت وستخسر .
روسيا نشطت الآن وما نراه من مبادرات واتصالات ودعوات لبعض أطراف المعارضة للإتيان إلى موسكو على أساس أنها مفوضة بالحل، لكن روسيا لم تفهم مسألة بسيطة هو أنه دون سقوط بشار الأسد مهما فعلت لن يكون هناك إمكانية للحل، ولن تستفيد من كل هذه اللقاءات  حتى ولو رتبت معارضة قابلة ببقاء بشار الأسد . الأمر في النهاية يخضع لوضع الناس، والقوى المسلحة المسيطرة على الأرض، وفي النهاية لن يتوقف الصراع ما لم يتحقق هذا الشرط وهو إزاحة بشار الأسد، وحتى الطائفة العلوية باتت متخوفة من بقاء الأسد لأنه يمثل عصابات مسلحة ونظام مافيوي وحشي . فالقاعدة التي كان يعول عليها لم تعد تقبل به، من هذا المنظور إذا لم تقدم روسيا على إعلان واضح أنهم مع تنحيه لن يكون هناك حل جدي .
– ” داعش جزء من التكتيك الأميركي للتدخل في المنطقة بعد أن ظهر في السنتين الأخيرتين أنها تخضع لسياسات النظامين في إيران وسورية ” وأنا هنا أنقل منك، ما هي المحركات الإستراتيجية لهذا التدخل ، لماذا الآن ؟
-هذه مسالة بحاجة إلى تدقيق، لأن الإطار السياسي في بلادنا يأخذ بالأشكال ولا يدققها، تشكيل المجاهدين العرب الذين قاتلو السوفييت كان بدعم مخابراتي عربي أميركي باكستاني ، هذا أسس قوى ممسوكة من الأمريكان، قوى مؤدلجة كما يريد الأمريكان ، وحتى ولو لم تكن ممسوكة .” الوهابية ” عممت علينا، أين وضعت هؤلاء؟ سيقومون بدور يخدم أميركا والنظم،
وأولوية هذه النظم فرض سلطة دينية من القرون الوسطى، وبالتالي في أي مكان وضعتهم سيقومون بدور يخدم المنظور العام الأميركي والنظم، وهذا ما استفاد منه النظام السوري وإيران، كما استفاد منه نوري المالكي في مرحلة ما ، وأكثر من ذلك أن هذا التكوين، الذي يبدو من فئات بسيطة لديها إشكالات وأوهام تريد إلهاب وتحقيق الإسلام بالمعنى المجرد، وتداخل معها فئة الأجهزة الأمنية مما جعل لديها هذه القدرة الحالية .حين نرى الأفلام والصور تظهر أنها تصوير هوليودي، و لا إمكانية لشخص قادم من منطقة وبيئة متخلفة أن يقوم بها، والسؤال  من صنع ذلك ؟ هنا لا أساوي بالتأكيد بين طرفين . النظام هو الأساس ، نظام مستبد نهب البلد وأدى إلى إفقار شديد ، وحينما قامت الثورة مارس العنف والوحشية هذا يجب ألا يجري تجاهله ولكن ما أقوله : أن وصول الثورة إلى هذا الحد نتج أيضا عن تكتيكات خاطئة كانت تضر الثورة من المعارضة لهذا يجب أن تحاسب وتحاكم لأنها كانت في صلب ما وصلت إليه .
بالتأكيد المعارضة المتشكلة وبعض الأنظمة التي كانت تسمى يسارية تتشابه في الفكر والمنطق، الفارق أن هناك طرف سبق الآخر يعني الأحزاب القومية متشابهة في المنظور مع الأحزاب الشيوعية، وبالتالي الوعي السياسي العام لديها لم يكن يختلف.
هذا إشكال تاريخي، الأحزاب أصبحت معارضة لم تستطع أن تطور وعيها ورؤاها وبالتالي ظلت في واقعها شبيهة بالأنظمة، اسًتبدادية كما الأنظمة لأنها لم تؤسس وعياً مدنياً لديها، فكانت سطحية وشكلية أيضاً. ربما أصبحت النظم عملية أكثر لأنها تريد أن تحكم، بالتالي حاولت أن تفهم المجتمع أكثر بينما الأحزاب ظلت تطفو على السطح تنظر إلى الأشكال ولا تفهم الواقع .
– ما هي توجهاتك الجديدة فيما يتعلق بالأبحاث والدراسات لديك ؟
ليس لدي توجه جديد، أنا متهم أني دوغمائي وأيضاً أني من القرون الوسطى، وحينما انهارت النظم الماركسية كثيرون تحولوا عن الماركسية إلا أنني بقيت ماركسياً، وأدافع عنها، ولا زلت متبحراً بالصراع الطبقي، ومعني بفهم الواقع وهذا ما أبحث فيه، والآن الثورات العربية هي مجال حقيقي للفهم والدراسة. لماذا حدثت وكيف وصلت إلى ما وصلت إليه وتطورت؟.
 كل هذا يحتاج إلى دراسة الواقع العربي والعالمي معاً وتأثير هذا العالم علينا، وما أقوم به يأتي في هذا السياق . وحالياً أبحث في الثورة السورية وفي كثير من الكتب عن الثورات بمصر ووضع الاقتصاد العالمي وآفاقه واحتمالات انفجار الثورات في العالم على ضوء أزمة الرأسمالية . وقد أصبحنا في وضع ثوري سيؤدي إلى تغيير حقيقي في مجتمعاتنا .
هل ما يحصل اليوم من فوضى الثورات هو ثمن لحرية الشعوب، وهل يعتبر سلامة كيلة تجربة السجن أحد تلك الأثمان التي دفعها، وهل يخاف تكرار التجربة؟
دفعت الشعوب ثمناً بسيطاً وطبيعياً بين نظم مستبدة نهّابة، وبين فئات اجتماعية تريد أن تغير هذه النظم، ولا أخاف من أن أذهب إلى السجن ولو أني تجرعته وقد ذهبت إليه بنفسي ولم يأخذوني من منزلي، بعد أن قلت لهم تفضلوا اعتقلوني واعتقدوا أني أمازحهم .
تغيير المجتمع ليس أمراً سهلا لا يتحقق بالأحلام والأمنيات ويستلزم صراعاً وصداماً مع النظم وبدورها هي ميالة إلى القمع، لهذا السجن أمر طبيعي ولا أراه غريباً بل الغرابة في أن لا أدخله.
في ظل هذه المأساوية التي تغطي المشهد السوري والعربي، هل يحمل سلامة كيلة نظرة تفاؤلية ؟
نعم قد يبدو أن هناك شكلاً مأساويا وسأصدر قريبا كتابا أسميته ” التراجيديا السورية ” لكني لا أرى اللحظة وإنما أعمق من اللحظة، وأنظر في العمق الذي انطلقت منه الثورات .وأرى احتمالات صيرورتها، رغم أني لا أجد استقرارا لسورية في الوقت القريب كما في المنطقة العربية أيضاً، بدون تغيير حقيقي في السلطة وفي النمط الاقتصادي، وهذا مرتبط في الأزمة العالمية واحتمال انفجار أزمات مالية اقتصادية عالمية وحراك شعبي في مناطق أخرى من العالم، وهذا الأفق من هنا إلى عشر سنوات سيكون أفقا مفتوحا لإعادة بناء واقع ثورات تم تطويرها، وارتباط العالم الذي يسير نحو ثورات ولهذا أنا متفائل دائما ليس لأني أحب التفاؤل بل لأني أرى . فما دام الشعب تحرك لن يسحق . هناك تضحيات نعم وتدخلات كبيرة لكن كل ذلك سيتفكك في المرحلة القادمة، وقد أثبتت الشعوب أنها قادرة.
كيف تصف شعورك وأنت تشاهد الشعب السوري يثور ؟
لم أتفاجئ أبدا وكنت أردد دائما لأصدقائي المعارضين وكانوا يضحكون كثيراً : ستجدون الشعب السوري يملأ الشوارع . وقد ثبت أني لم أكن أتوهم.
– ما هي نظرتك النقدية للإعلام العربي في ظل الثورات ؟
-الإعلام العربي كله معادي للثورات وللشعوب، وللأسف الفضائيات العربية اشتغلت على الأسلمة وخصوصاً الخليجية منها و”بي بي سي” و”فرانس 24″ ولعبت دورا كجزء من منظومة عالمية، كانت تريد أسلمتها وتحويلها إلى مجزرة خصوصا في سوريا لهذا كان دورها سلبيا بالمطلق ولم تقل الحقيقة .
ومن وقت قريب جدا كنت أشاهد التلفزيون في مصر حينما ذكر أن هناك مظاهرة في ميدان طلعت حرب وأنا  أقطن تلك المنطقة وطلعت حرب لا يبعد سوى 200 متر عني فلا من مظاهرة ولا شي . وإنما افتعال واختراع ومحاولة لتمرير أيدلوجيا ما . الإعلام العربي هزيل ووسيلة لتدمير مطامح الشعوب .
 – كيف تجد نفسك اليوم ؟
-شخص منخرط في الثورات، يرى تغييراً في المنطقة، أعيش لحظات أشعر أنها لحظات ثورية حقيقية لم أعشها في الماضي، وأنا من جيل عاش مرحلة الانهيار وهزيمة حزيران وكنت أعتقد أني سأموت ولن أرى أملاً . على الأقل أرى بداية حقيقة لتغير كبير وضروري .

أهداف الثورة السورية بعد سيطرة الأسلمة (1-2)

ما بقي من شعارات الثورة السورية وأهدافها هو شعار إسقاط النظام، وكأن تمرُّد الشعب، وكل قوة الثورة وعنف السلطة، كان من أجل السلطة فقط. بالتالي، ليكون كل هذا الدم والدمار هو فقط من أجل إسقاط نظام بشار الأسد. هل قامت الثورة من أجل ذلك فعلاً؟
ما يطرح السؤال أن “الطابع العام” للكتائب المسلحة التي تقاتل النظام باتت تتبنّى إقامة “الدولة الإسلامية”، من منظور أصولي “سنّي”. بمعنى أن البديل، الذي بات مطروحاً، لنظام بشار الأسد هو البديل الأصولي الإسلامي. بالضبط، كما قال خطاب السلطة منذ اليوم الأول للثورة. ولا شك في أن موضوع محورة المسألة في إسقاط النظام فقط هو ما سمح بالوصول إلى ذلك، لأن هذه القوى “تقاتل من أجل إسقاط النظام”. وهذا يفرض أن يعاد النظر في كل مسار الثورة. لكن، لا بدّ من تحديد الأهداف والشعارات التي فرضها المتظاهرون، منذ البدء، لفهم هذا المسار.
عن مسألة الحرية
ربما كان الشعار الأول الذي طُرح في أول تظاهرة هو: حرية، أو ما طرح ردّاً على شعار السلطة: “الله، سورية، بشار وبس”، شعار: “الله، سورية، حرية وبس”. وكان هذا الشعار يلخّص مسار عقود من نضالٍ خيض من أجل الحرية، بعد استحكام سلطة حافظ الأسد، حيث تشكّلت سلطة دكتاتورية شمولية، كان محورها الرئيس وأداته أجهزة الأمن، وعبر السيطرة على المجتمع المدني والتعليم، والذي تبلور في سنة 1980 بشعار: النظام الوطني الديمقراطي، وفي “ربيع دمشق” بـ: الانتقال من الاستبداد إلى الديمقراطية.

“كما أحزاب المعارضة، كانت تعتقد أن الحرية مرتبطة بالليبرالية من دون انفصام، أو إمكانية للانفصام. وبالتالي، كان بديلها الاقتصادي اللبرلة

نشأ هذا الهدف عن رفض الطابع الاستبدادي الشمولي للسلطة، وعن السعي إلى تحقيق الدولة الديمقراطية، والذي عبّر عن طموح أحزاب المعارضة اليسارية، خصوصاً، التي وجه أعضاؤها بالاعتقال الطويل سنوات الثمانينيات والتسعينيات. لكنه بات هدف فئات شبابية، هي من الفئات الوسطى المتعلّمة، والتي كان بعضها يواجه مأزق غياب فرص العمل. وهي الفئات التي كانت الدينامو الذي أخذ ينشط، منذ ثورة مصر، لتفعيل الثورة في سورية، وقاد تظاهراتها الأولى، وأسّس التنسيقيات التي لعبت دوراً مهماً في تنظيم الحراك الثوري. وهي الفئات التي كانت على تواصل مع “ربيع دمشق”، إلى حدّ ما، بأفقه المفتوح ومطالبته بالحرية والديمقراطية، كما كانت على تواصل مع العالم عبر الإنترنت الذي سمح لها بالتواصل مع عالم آخر، تحرري وديمقراطي، يقوم على “فردية”، لا تلغي الترابط المجتمعي، وحريات تسمح بالتعبير عن الذات، وبالنقد والتفكيك، وكشف المشكلات. ولهذا، كانت الحرية الهدف المركزي في نشاطها، والذي يتضمّن ذلك كله. لكنها، كما أحزاب المعارضة، كانت تعتقد أن الحرية مرتبطة بالليبرالية من دون انفصام، أو إمكانية للانفصام. وبالتالي، كان بديلها الاقتصادي اللبرلة (الذي كانت تقوم السلطة به فعلياً، ولكن، في ظل تحكم استبدادي).
لكن، هذا مستوى شمل، كما أشرنا، أحزاب المعارضة وفئات وسطى. وربما لم يكن في أهداف الأغلبية التي قامت الثورة على أكتافها، حيث كان “نزع السياسة”، والتجهيل الثقافي الذي مارسته “دولة البعث” يمنع على الطبقات المفقرة المهمشة أن تعرف معنى الحرية، والذي هو مفهوم سياسي بامتياز. لكن، كانت لكل هذه الطبقات مطالب بالتأكيد، وعلى الرغم من أنها كرّرت شعار الحرية الذي بات يلخّص جوهر الثورة، فقد كانت تنتفض نتيجة الوضع الذي يعيشه، ومن أجل تغيير هذا الوضع. كانت أولويتها تجاوز الفقر والتهميش والمقدرة على العيش، حيث كانت النسبة الغالبة إما تعيش حالة بطالة (30-33%)، أو تعيش حالة الفقر والفقر الشديد، وبالتالي، عدم القدرة على العيش أو على العلاج أو على إيجاد مسكن، أو على التعليم الجامعي.

“كان جوهر الثورة يتمثّل ليس فقط في تغيير الشكل السياسي للسلطة، من سلطة استبدادية إلى أخرى ديمقراطية، بل في تحقيق وضع اقتصادي، يتضمن حل مشكلات البطالة

هذه المشكلات هي التي كانت تراكم الاحتقان لدى كل هؤلاء، والذي كان الخوف من استبداد السلطة يكبته. لكن بدء الحراك، سواء بفعل أثر أدخلته ثورات تونس ومصر وليبيا واليمن والبحرين، أو بفعل “الحادث الصغير” الذي جرى في درعا نتيجة ظلم تاريخي، واعتقال أطفال (وانهيار زراعي في منطقة زراعية)، أدّى إلى تتالي الانخراط في الثورة، خصوصاً من الفئات المفقرة، والتي باتت أساس كل التظاهرات الكبيرة والضخمة. وبهذا، عبّر هؤلاء المفقرون عن أزمتهم، ومن ثم عن “حلمهم” في أن يستطيعوا تجاوزها بعد إسقاط النظام، الأمر الذي كان يجعل الحاجة إلى العمل والأجر المناسب والتعليم والصحة والسكن المطالب المضمرة لكل هؤلاء.
ولقد ظهرت أنانية المعارضة والفئات الوسطى منذ بدء الثورة، حيث حاول هؤلاء احتكار الهدف منها بحصره في الحرية، أو في الانتقال من الاستبداد إلى الديمقراطية، في عملية تجاهل كاملة لأزمة هؤلاء المفقرين، وهم أغلبية المجتمع، وقامت الثورة على أكتافهم، والذين كانوا الأكثر جرأة وتضحية وبطولة. وربما هذه الأنانية هي التي فتحت الباب لأن لا يبدو أن للثورة مطالب، ومن ثم أن تصبح “الدولة الإسلامية” البديل. فقد أدّى التركيز على الحرية، هدفاً وحيداً، إلى حصر الأمر في إسقاط النظام، من دون بلورة نظام بديل، يأخذ في الاعتبار مطالب الشعب الذي يخوض الثورة. وكأن صراعاً غريزياً كان يحكم علاقتها بالنظام، جعلها تحوّل إسقاطه إلى النقطة المحورية، من دون بديل سوى الكلمة العامة: الحرية. وهي التي كان يمكن أن تنقلب إلى “الدولة الإسلامية”، من أجل التخلص من النظام.

المصدر: العربي الجديد