أهداف الثورة السورية بعد سيطرة الأسلمة (1-2)

ما بقي من شعارات الثورة السورية وأهدافها هو شعار إسقاط النظام، وكأن تمرُّد الشعب، وكل قوة الثورة وعنف السلطة، كان من أجل السلطة فقط. بالتالي، ليكون كل هذا الدم والدمار هو فقط من أجل إسقاط نظام بشار الأسد. هل قامت الثورة من أجل ذلك فعلاً؟
ما يطرح السؤال أن “الطابع العام” للكتائب المسلحة التي تقاتل النظام باتت تتبنّى إقامة “الدولة الإسلامية”، من منظور أصولي “سنّي”. بمعنى أن البديل، الذي بات مطروحاً، لنظام بشار الأسد هو البديل الأصولي الإسلامي. بالضبط، كما قال خطاب السلطة منذ اليوم الأول للثورة. ولا شك في أن موضوع محورة المسألة في إسقاط النظام فقط هو ما سمح بالوصول إلى ذلك، لأن هذه القوى “تقاتل من أجل إسقاط النظام”. وهذا يفرض أن يعاد النظر في كل مسار الثورة. لكن، لا بدّ من تحديد الأهداف والشعارات التي فرضها المتظاهرون، منذ البدء، لفهم هذا المسار.
عن مسألة الحرية
ربما كان الشعار الأول الذي طُرح في أول تظاهرة هو: حرية، أو ما طرح ردّاً على شعار السلطة: “الله، سورية، بشار وبس”، شعار: “الله، سورية، حرية وبس”. وكان هذا الشعار يلخّص مسار عقود من نضالٍ خيض من أجل الحرية، بعد استحكام سلطة حافظ الأسد، حيث تشكّلت سلطة دكتاتورية شمولية، كان محورها الرئيس وأداته أجهزة الأمن، وعبر السيطرة على المجتمع المدني والتعليم، والذي تبلور في سنة 1980 بشعار: النظام الوطني الديمقراطي، وفي “ربيع دمشق” بـ: الانتقال من الاستبداد إلى الديمقراطية.

“كما أحزاب المعارضة، كانت تعتقد أن الحرية مرتبطة بالليبرالية من دون انفصام، أو إمكانية للانفصام. وبالتالي، كان بديلها الاقتصادي اللبرلة

نشأ هذا الهدف عن رفض الطابع الاستبدادي الشمولي للسلطة، وعن السعي إلى تحقيق الدولة الديمقراطية، والذي عبّر عن طموح أحزاب المعارضة اليسارية، خصوصاً، التي وجه أعضاؤها بالاعتقال الطويل سنوات الثمانينيات والتسعينيات. لكنه بات هدف فئات شبابية، هي من الفئات الوسطى المتعلّمة، والتي كان بعضها يواجه مأزق غياب فرص العمل. وهي الفئات التي كانت الدينامو الذي أخذ ينشط، منذ ثورة مصر، لتفعيل الثورة في سورية، وقاد تظاهراتها الأولى، وأسّس التنسيقيات التي لعبت دوراً مهماً في تنظيم الحراك الثوري. وهي الفئات التي كانت على تواصل مع “ربيع دمشق”، إلى حدّ ما، بأفقه المفتوح ومطالبته بالحرية والديمقراطية، كما كانت على تواصل مع العالم عبر الإنترنت الذي سمح لها بالتواصل مع عالم آخر، تحرري وديمقراطي، يقوم على “فردية”، لا تلغي الترابط المجتمعي، وحريات تسمح بالتعبير عن الذات، وبالنقد والتفكيك، وكشف المشكلات. ولهذا، كانت الحرية الهدف المركزي في نشاطها، والذي يتضمّن ذلك كله. لكنها، كما أحزاب المعارضة، كانت تعتقد أن الحرية مرتبطة بالليبرالية من دون انفصام، أو إمكانية للانفصام. وبالتالي، كان بديلها الاقتصادي اللبرلة (الذي كانت تقوم السلطة به فعلياً، ولكن، في ظل تحكم استبدادي).
لكن، هذا مستوى شمل، كما أشرنا، أحزاب المعارضة وفئات وسطى. وربما لم يكن في أهداف الأغلبية التي قامت الثورة على أكتافها، حيث كان “نزع السياسة”، والتجهيل الثقافي الذي مارسته “دولة البعث” يمنع على الطبقات المفقرة المهمشة أن تعرف معنى الحرية، والذي هو مفهوم سياسي بامتياز. لكن، كانت لكل هذه الطبقات مطالب بالتأكيد، وعلى الرغم من أنها كرّرت شعار الحرية الذي بات يلخّص جوهر الثورة، فقد كانت تنتفض نتيجة الوضع الذي يعيشه، ومن أجل تغيير هذا الوضع. كانت أولويتها تجاوز الفقر والتهميش والمقدرة على العيش، حيث كانت النسبة الغالبة إما تعيش حالة بطالة (30-33%)، أو تعيش حالة الفقر والفقر الشديد، وبالتالي، عدم القدرة على العيش أو على العلاج أو على إيجاد مسكن، أو على التعليم الجامعي.

“كان جوهر الثورة يتمثّل ليس فقط في تغيير الشكل السياسي للسلطة، من سلطة استبدادية إلى أخرى ديمقراطية، بل في تحقيق وضع اقتصادي، يتضمن حل مشكلات البطالة

هذه المشكلات هي التي كانت تراكم الاحتقان لدى كل هؤلاء، والذي كان الخوف من استبداد السلطة يكبته. لكن بدء الحراك، سواء بفعل أثر أدخلته ثورات تونس ومصر وليبيا واليمن والبحرين، أو بفعل “الحادث الصغير” الذي جرى في درعا نتيجة ظلم تاريخي، واعتقال أطفال (وانهيار زراعي في منطقة زراعية)، أدّى إلى تتالي الانخراط في الثورة، خصوصاً من الفئات المفقرة، والتي باتت أساس كل التظاهرات الكبيرة والضخمة. وبهذا، عبّر هؤلاء المفقرون عن أزمتهم، ومن ثم عن “حلمهم” في أن يستطيعوا تجاوزها بعد إسقاط النظام، الأمر الذي كان يجعل الحاجة إلى العمل والأجر المناسب والتعليم والصحة والسكن المطالب المضمرة لكل هؤلاء.
ولقد ظهرت أنانية المعارضة والفئات الوسطى منذ بدء الثورة، حيث حاول هؤلاء احتكار الهدف منها بحصره في الحرية، أو في الانتقال من الاستبداد إلى الديمقراطية، في عملية تجاهل كاملة لأزمة هؤلاء المفقرين، وهم أغلبية المجتمع، وقامت الثورة على أكتافهم، والذين كانوا الأكثر جرأة وتضحية وبطولة. وربما هذه الأنانية هي التي فتحت الباب لأن لا يبدو أن للثورة مطالب، ومن ثم أن تصبح “الدولة الإسلامية” البديل. فقد أدّى التركيز على الحرية، هدفاً وحيداً، إلى حصر الأمر في إسقاط النظام، من دون بلورة نظام بديل، يأخذ في الاعتبار مطالب الشعب الذي يخوض الثورة. وكأن صراعاً غريزياً كان يحكم علاقتها بالنظام، جعلها تحوّل إسقاطه إلى النقطة المحورية، من دون بديل سوى الكلمة العامة: الحرية. وهي التي كان يمكن أن تنقلب إلى “الدولة الإسلامية”، من أجل التخلص من النظام.

المصدر: العربي الجديد

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s