بوتين والأسد


يعود الروس للعب دور في الملف السوري، بعد أن أفشلوا مؤتمر “جنيف2″، حينما أتوا بوفد يمثّل الطرف الذي مارس كل الوحشية ضد الشعب، والذي أتى، وهو يرفض، أصلاً، مبادئ “جنيف1″، وبعد أن تورطت موسكو في أوكرانيا، فتعاملت بما يجعلها تخسر هذا البلد الحيوي لمصالحها، انطلاقاً من “نظرية المؤامرة”، على الرغم من أن الأمر يتعلق بشعب أسقط سلطةً أفقرته، كما سابقتها التي كانت ترتبط بأوروبا. وبالتالي، ضاع الروس في تفاصيل الوضع الأوكراني، ما جعلهم لا يلتفتون إلى الوضع السوري.

في هذه اللحظة، وضعت أميركا استراتيجية العودة إلى العراق والتحالف مع إيران، ومن ثم، الضغط، عبر سورية، للوصول إلى ذلك، تحت عنوان “الحرب ضد داعش”، وهذه أداة تبرير التدخل تحديداً. دفع هذا الأمر روسيا إلى العودة إلى الملف السوري الذي هو ضرورة بالنسبة لها كذلك، لكن في معادلة جديدة، بعد أن أصبحت أميركا طرفاً مباشراً، بعد أن كانت تدعم حلاً روسياً، منذ بداية 2012. جعل هذا الأمر روسيا تبدأ في حوار مع أطراف في المعارضة، ومع السلطة، من أجل ترتيب العودة إلى المفاوضات، في جنيف كما يتسرّب، وعلى أساس مبادئ “جنيف1”. لكن، عادت روسيا إلى التأكيد على أن أمر بشار الأسد غير مطروح للنقاش، وأن الأمر يتعلق بترتيب وضع جديد بوجوده، من أجل محاربة الإرهاب.

لا أعرف ما إذا كان بوتين يعرف أن “الحرب ضد داعش” التي طرحتها أميركا فيلم هوليودي، للضغط على إيران لتحقيق تحالف معها، وترتيب وضع العراق، بما يجعل السيطرة الأميركية على الحكومة هي الأساس، من دون تجاهل دور إيران. وبالتالي، أن كل الحديث عن الحرب ضد الإرهاب ليس سوى تغطية على الثورات القائمة من جهة، ومن أجل تغيير في الوضع الجغرافي السياسي، من جهة أخرى. وأن كل سياسة السلطة السورية قامت، منذ البدء، على مبدأ تحويل الثورة إلى “إرهاب”، من خلال “زرع” التنظيمات “الجهادية التي كانت في سجونها، وترتيب نشاطها، من أجل جلب أميركا إلى دعمها، وهو ما ترى أنه ممكن، الآن، أكثر من الانتصار على الثورة، لأنه هو كما تعتقد سوف ينهي الثورة.

بالتالي، استغلال روسيا ذلك لتمرير تشكيل يقبل ببقاء بشار الأسد وحاشيته، يُظهر كم هي “غبية” في التعامل مع ما يجري، حيث تحاول استغلال بعبع لا يخفى على الشعوب أنه كذلك، وأنه يأتي ضمن لعبة أميركية، من أجل مصالح أميركا، وهو لعبة كذلك لتحويل الأنظار عن الثورة، وعن مطالب الشعب التي أولها إسقاط النظام، وإزاحة بشار الأسد. لهذا، لن يكون جنيف3 أو 4 أو 5 ممكناً نجاحها من دون ذلك، مهما جرت المناورة بالإرهاب، والذي هو هو إرهاب السلطة أولاً، المحمية روسياً، وإرهاب “السلفية الجهادية” ثانياً، وأن الصراع هو من الطرفين معاً، على الرغم من صعوبة ذلك، لأنه ليس ممكناً تجاهل طرف، والتركيز على آخر، فالواقع نفسه يفرض الصراعين، على الرغم من كل صعوبات الثورة والتدخلات الإقليمية والدولية التي تصبّ في ضعفها وتشويهها.

لهذا، يجب أن يبدأ “جنيف 2 أو 3” من إقرار روسي بحتمية إزاحة الأسد، وبوفد من السلطة لا يمثله، بل يمثّل طرفاً يقبل مبادئ “جنيف1” التي تنص على تشكيل هيئة (وليس حكومة) حكم انتقالي، لتحقيق الانتقال إلى سورية جديدة. هذا الإقرار ضرورة من أجل التفاعل مع أي مبادرة روسية، وإلا يجب أن يكون واضحاً أنه لا تفاوض معها، ولا حاجة لحوار ونقاش كثيرين. فالأمر واضح، الحل في سورية يجب أن يقوم على سلطة جديدة بدون الأسد، وهذا شرط كل تفاوض مع الروس، أو رفض كل حوار معهم.

يكفي مراوغة، ويكفي استغباء من دولة إمبريالية أظهرت غباءً مفرطاً.

المصدر : العربي الجديد

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s