الانتخابات التونسية

عن الانتخابات التونسية ومآلاتها في المستقبل وعن المسار الانتقالي من 2011 إلى 2014 ، التحديات والنتائج ، وعن المشهد السياسي العام في تونس وفي دول الربيع العربي مابعد الثورات ، كان لـ «المغرب» حديث مع المفكر الفلسطيني سلامة كيلة.

ماهي قراءتكم للمشهد العام في تونس مابعد 2011 ؟
لاشك في أن هذا السياق الديمقراطي كان «لافتاً» وأظهر إمكانية أن يتطور الوضع بشكل سلس في اتجاه ديمقراطي حقيقي. خصوصاً بعد إقرار الدستور الذي تنازلت فيه حركة النهضة بما أبقاه مدنياً.

لكن السؤال الجوهري في هذا المجال يتمثل في هل أن الثورة طالبت فقط بالديمقراطية، أو أن الديمقراطية كان مطلبها الوحيد؟ يطرح هذا السؤال نتيجة أن أي تغيير لم يطل النمط الاقتصادي، وأن جل المشكلات التي فجرت الثورة لم يجرِ لمسها، بل استمرت وتصاعدت. فقد استمرت السياسة الاقتصادية منذ عهد بن علي، وأتت الحكومة الأخيرة لتكرس شروط صندوق النقد الدولي التي هي في كل الأحوال ضد الطبقات المفقرة. وبالتالي فإن مطلب «العمل استحقاق» الذي رفع منذ اللحظة الأولى للثورة لا زال دون إجابة، وكذلك الأجر، والتهميش، وكل المشكلات المجتمعية التي فرضت نشوب الثورة.

وهذا المسار الذي سارت مصر فيه هو الذي فرض نشوب ثورة جديدة، هذا بالتحديد وليس الديمقراطية، حيث جرت انتخابات برلمانية وانتخابات رئاسية، وظلت المساحة التي فرضتها الثورة في مجال الحريات قائمة. لكن لم تحل مشكلات البطالة والأجور والتهميش، لهذا اندفع الشعب في ثورة ثانية، بغض النظر عن المآل الذي اتخذته والذي هو نتاج غياب الأحزاب التي تعبّر عن الطبقات المفقرة.ولا شك في ان الإضرابات وحركات الاحتجاج بقيت مستمرة منذ ما بعد 14 جانفي، وباتت تأخذ طابعاً طبقياً واضحاً، وبدت أنها تسير في مسار مختلف عن «المسار الديمقراطي»، وتدفع الفئات الشعبية الى عدم المراهنة على الانتخابات، وخصوصاً الشباب المفقر والمعطل، بالضبط كما حدث في مصر حيث كانت نسبة مقاطعة الشباب عالية جداً، وكانت المسافة تبدو واضحة بين «المسار الديمقراطي» والمسار الاحتجاجي الشعبي (الثّوري). أظنّ أنّ ذلك يحدث في تونس، وهذا ما ظهر من تراجع نسبة المسجلين في قوائم الانتخابات، وستظهر في نسبة المشاركين في الانتخابات.

ما أشير إليه هنا هو أن الأحزاب القائمة بكل تلاوينها يتمحور تركيزها على «المسار الديمقراطي» لأنها لا تطرح سياسات تهدف الى تغيير النمط الاقتصادي كضرورة لحل مشكلات البطالة والفقر والتهميش، بل تعتقد أن المطلوب هو تشكيل «نظام ديمقراطي»، وبالتالي فإن الفارق في هذا المجال لن يكون كبيراً، خصوصاً أن بيروقراطية الدولة القديمة لا زالت تمسك في بنية السلطة، وتتحكم من ثم في مسار الانتخابات، وتستطيع التأثير في من سيصبح هو القوة المسيطرة في المرحلة القادمة. بينما يتمحور تركيز المفقرين، والذين هم النسبة الغالبة من الشعب، على كيفية تحقيق مطالبهم. وهذا ما يدفعهم للسير في مسار آخر يقوم على الاحتجاج وربما يؤدي الى الثورة من جديد. أظن أن هذا أمر حتمي في وضع تريد الطبقة المسيطرة استمرار النمط الاقتصادي الذي يحقق مصالحها رغم أنه يسحق الشعب. وليظهر أن كل نتائج الانتخابات لن تغيّر شيئاً في وضعها. وأظن أن كل الأحزاب التي ستهيمن على البرلمان الجديد أو تختار الرئيس ليست في وارد حل مشكلات الشعب، بل في وارد تجديد سلطة الطبقة المسيطرة، ومن ثم استمرار النهب والفساد والإفقار والبطالة والتهميش.

كيف ترون انتخابات سنة 2014؟
على ضوء ما أشرت إليه فإنني ارى أنها لن تؤدي إلى استقرار، لأنها لا تحمل حلولاً للمشكلات المجتمعية. ولهذا فإن الأزمة المجتمعية لن تتراجع، بل سنشهد اشتدادها بعدئذ. كما أن المشاركة في التصويت ستكون ضعيفة كما أظن، نتيجة ما أشرت إليه للتو، ولهذا سيظل الوضع يراوح بين صراعات بين الأحزاب في البرلمان نتيجة العجز عن حل المشكلات، وصراع مجتمعي ضد كل العملية السياسية، والسلطة عموماً من أجل التغيير الجذري الذي يطال، ويجب أن يطال بالضرورة، النمط الاقتصادي. وبالتالي ربما تحدث ثورة ثانية.

ما الذي تغير في تونس مابعد الثورة ؟
ما تغيّر هو أن الرئيس لم يعد بن علي، لكن النظام القديم لا زال مستمراً، ويحاول أن يجد الشكل السياسي الذي يضمن استمراره واقعياً مع غطاء شكلي يوحي بأنه نظام جديد نشأ بفعل الثورة. لا شك في ان هناك حريات أوسع، وحراكا سياسيا كبيرا، وأيضاً حراكا شعبيا مستمرا، وضوضاء حول الخيارات والبدائل، وطموحا من أجل التغيير يقابله طموح من أجل الحفاظ على ما هو قائم

 

المصدر: جريدة المغرب

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s