أميركا.. بين القدرة والإرادة في سوريا

أصبح التدخل الأميركي في سوريا أمرا واقعا بعد الغارات التي طالت تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” في الأراضي السورية كما يصرح المسؤولون الأميركيون. ولكن هل يتعلق الأمر بـ”داعش” فقط؟

معلوم أن الإدارة الأميركية تستفيد من التدخل في العراق لتغيير موازين القوى في “العملية السياسية”، بحيث تضعف التأثير الإيراني الذي هيمن بشكل كامل في سنوات حكم نوري المالكي، وهي بذلك “تحاصر” إيران في مرحلة التفاوض حول برنامجها النووي، وربما دورها الإقليمي، بحيث تستطيع عبر ذلك الوصول إلى تفاهم تسعى الولايات المتحدة إليه في ظل رؤيتها لوضع الخليج في المرحلة القادمة، ولموقع إيران في هذه الرؤية، وبالتالي حدود التوافق الممكن لدورها هناك.

وقد كان واضحا أن تدخلها لم يكن بهدف “تدمير داعش” بالضبط، ولا حماية الأكراد بعدما زحفت داعش للسيطرة على أربيل، فهذه كلها تكتيكات مفهومة لكي تتدخل.

“تستفيد الإدارة الأميركية من التدخل في العراق لتغيير موازين القوى بهدف إضعاف التأثير الإيراني الذي هيمن بشكل كامل في سنوات حكم المالكي، وهي بذلك “تحاصر” إيران في مرحلة التفاوض حول برنامجها النووي”

وإذا كان الأمر واضحا في العراق، فما المغزى من التدخل في سوريا، وماذا تريد أميركا بالضبط، خصوصا بعد أن أهملت الملف السوري طيلة السنوات التالية لاندلاع الثورة؟

كانت الإدارة الأميركية تعالج الوضع في تونس ومصر، وتدفع دول الخليج لمعالجة وضع اليمن والبحرين، وفرنسا لتولي ملف ليبيا، حين اندلعت الثورة في سوريا، وقد عمدت إلى الدفع لتحقيق تغيير سريع في تونس ومصر قبل أن تتجذر الثورة ولا يعود بالإمكان ضبطها والالتفاف عليها، وبدا لها أنها نجحت. لكن انفلات وضع الثورات بالشكل الذي ظهرت فيه في الأشهر الأولى، والذي أذهل العالم، جعلها تبدو “غير معنية” بما يجري في سوريا.

ورغم أن تصريحات أوباما حول الوضع السوري لم تشر في المراحل الأولى من الثورة إلى ضرورة رحيل بشار الأسد كما فعل في تونس ومصر، وأن دور الأميركي حينها بدا وكأنه يتمثل في لجم اندفاع فرنسا وتركيا إلى “فعل شيء”، وكان يعني ذلك التدخل العسكري. ورغم كل الكلام عن “المؤامرة الأميركية” كان الموقف الأميركي يبدو غير مبال على الإطلاق، فأميركا لن تتدخل عسكريا، ولن تدعم أيا من الأطراف، وهي تقدم كلاما عاما في تصريحاتها.

حينها كانت أميركا منخرطة في إعادة بناء رؤيتها بعد أن توصلت بعد سنتين من الأزمة المالية التي وقعت في سبتمبر/أيلول 2008، إلى أنه لا أمل في تجاوز الأزمة، ومن ثم يجب التكيف معها، والعمل على “إدارتها”.

وقد توصلت إلى إستراتيجية أعلنها باراك أوباما في 6 يناير/كانون الثاني سنة 2012، تنطلق من نقل الأولوية إلى منطقة آسيا والمحيط الهادئ، وبالتالي تقليص القدرات العسكرية وضبط إمكانيات التدخل، اعتمادا فقط على الطيران في منطقة “الشرق الأوسط”، وارتأت أيضا أن عليها إعادة موضعة تحالفاتها وتقليص مطامحها.

هذا المخاض الذي عاشته أميركا طيلة سنة 2011 جعلها تبدو غير مبالية بالوضع السوري، وحتى لمسارات التحول في تونس ومصر بعد أن ركنت لإستراتيجية وضعتها تهدف إلى إشراك الإسلاميين في السلطة، وتركت أمور اليمن وليبيا لـ”حلفائها”.

بداية سنة 2012 أعلن باراك أوباما أن على روسيا أن ترعى مرحلة انتقالية في سوريا كما حدث في اليمن، وبعد الارتباك الروسي في التعامل مع الوضع السوري، توصل الطرفان ضمن مجموعة العمل الخاصة بسوريا إلى مبادئ جنيف1 في 30 يونيو/حزيران 2012.

“تظن أميركا أنها من خلال الغارات الجوية على “داعش”، ومحاولة فرض سيطرة قطاعات من “الجيش الحر” على مناطقها تستطيع أن تستميل طرفا في السلطة يقبل بـ”الحل السياسي””

ومع ذلك ظل الدور الأميركي “باردا” متكئا على الفيتو الروسي الصيني، في ظل الحديث حول خلاف في تفسير مبادئ جنيف فيما يتعلق بوضع بشار الأسد الذي بدا أنه حُسم في أبريل/نيسان 2013 لمصلحة أن تكون الهيئة الانتقالية التي يجب تشكيلها كاملة الصلاحية بما في ذلك صلاحيات الرئيس، وهذا ما حرك الدور الأميركي المباشر، حيث عملت أميركا على ترتيب وضع المعارضة بما يجعلها تقبل بمبادئ جنيف1 وبالرعاية الروسية، وكذلك الأمر بالنسبة للدول الإقليمية التي كانت لديها مطامح في سوريا.

هدد باراك أوباما بتوجيه ضربة عسكرية بعد استخدام السلطة لأسلحة كيميائية في 21 أغسطس/آب 2013 (رغم أنها لم تكن المرة الأولى). حُل الأمر بموافقة السلطة على تسليم أسلحتها الكيميائية، وبتضمين بيان مجلس الأمن الدعوة لعقد جنيف2 الذي عُقد في يناير/كانون الثاني 2014، دون أن يتوصل إلى نتائج، حيث ظهر واضحا أن السلطة لا توافق على مبادئ جنيف1 أصلا وأن روسيا لم ترتب وضع السلطة بما يجعلها قابلة بالحل المطروح، ومن ثم غرقت روسيا في أزمة أوكرانيا ولم تخرج منها بعد.

الآن -مستغلة وضع العراق- وجدنا أن أميركا تعود للتدخل في سوريا، ماذا تهدف من ذلك؟ هل يتعلق الأمر فعلا بداعش؟

أظن أن داعش هي “المشجب” كما في العراق، وأن الأمر يتعلق بوضع الدولة السورية، فبعد لا مبالاة طويلة بعد أن فشلت إدارة بوش في تغيير النظام بعد اغتيال رفيق الحريري، ومحاولة تطبيع بعد استلام أوباما الرئاسة، ثم دور “هامشي” كما أشرنا للتو، وتسليم بأحقية روسيا في سوريا، ها هي أميركا تستغل الفراغ الذي لم تستطع روسيا ملأه لكي تعمل على تغيير موازين القوى، ربما من خلال تحقيق التغيير في بنية السلطة (الأمر الذي فشل الروس في تحقيقه).

ربما تظن الإدارة الأميركية أنها من خلال الغارات الجوية على “داعش”، ومحاولة فرض سيطرة قطاعات من “الجيش الحر” على المناطق التي تحت سيطرة داعش، تستطيع أن تستميل طرفا في السلطة يقبل بـ “الحل السياسي” (ربما كذلك وفق مبادئ جنيف1). فالإدارة الأميركية لا تريد إنهاء الدولة، بل تعتقد بأنه يجب أن تبقى، لكن بدون بشار الأسد، ومن ثم يمكن أن يدمج “الجيش الحر” في بنيتها تحت عنوان “الحرب ضد داعش”.

بطبيعة الحال سيعتمد تحقق هذا الأمر على مدى تأثير الضربات الجوية على بنية السلطة، ما دامت هذه الضربات لن تطال “جيش السلطة”، ولا حتى مطاراته التي تنطلق منها الطائرات التي ترمي البراميل المتفجرة، أو مدى مقدرة الإدارة على إقناع طرف في السلطة بضرورة التخلص من بشار الأسد وتسهيل أمر تحقيق مرحلة انتقالية.

في هذه الحالة تكون أميركا قد كسبت سوريا بعد أن فقدت الأمل بذلك منذ فشل محاولة التغيير (2005/ 2006) وبعد أن باتت في طريقها إلى “مغادرة الحلبة الشرق أوسطية” على ضوء أزمتها وتموضعها العالمي الجديد. لكن ما أهمية ذلك وسوريا باتت مدمرة؟ وخصوصا أن القدرة على التأثير المستمر على الوضع لن يكون متاحا لها نتيجة تراجع تأثيرها بفعل التموضع المشار إليه من قبل؟

“الآن تحاول أميركا استعادة موقعها في المنطقة بعد أن ظهر أنه يضعف نتيجة تركيزها على منطقة آسيا والمحيط الهادئ، لكنها لحظة لا تمتلك فيها القدرة على التدخل الفعلي نتيجة حصر مجهودها في تلك المنطقة”

لا شك في أن تغيير وضع النظام في دمشق بتأثير أميركي يعني “قلب المعادلة” في لبنان، ومن ثم محاصرة حزب الله، خصوصا بعد أن أرهق بأعداد القتلى، وتصاعد التوترات ضده، لكنه يعني كذلك تقليص وجود إيران وحصرها ضمن حدودها بعد أن تمددت إلى البحر المتوسط، ويصب ذلك في سياق السياسة ذاتها التي اتبعتها الإدارة الأميركية في العراق، وربما أيضا ترتيب الوضع مع الدولة الصهيونية، التي تعيش إرباكات تقلبات الوضع في المنطقة وفي الاقتصاد العالمي. لكن السؤال الأساسي هنا يتعلق بقدرة أميركا على ذلك دون استخدام قواتها البرية؟ أو هل سيقود بالتالي تدخلها إلى إطالة أمد الصراع في سوريا؟

ربما يعتمد ذلك على إمكانية خروج فئة من داخل السلطة لكي تكسر البنية التي خاضت الحرب ضد الشعب “إلى النهاية” كما صرح رامي مخلوف منذ بدء الثورة، وتقبل “الحل السياسي”، حيث ليس من الممكن تغيير السلطة دون أن يأتي من داخلها ما دام الأمر يتعلق بضربات جوية.

نحن الآن في لحظة محاولة أميركا استعادة موقعها في المنطقة بعد أن ظهر أنه يضعف نتيجة تركيزها على منطقة آسيا والمحيط الهادئ، لكن في لحظة لا تمتلك فيها القدرة على التدخل الفعلي نتيجة حصر مجهودها في تلك المنطقة التي باتت تحظى بالأولوية كما أشرنا، الأمر الذي منعها من تحريك قوات برية ليس بالإمكان كسب الحرب دونها.

ويبدو أنها تراهن أولا على وهن وضع المنطقة ذاتها، خاصة في سوريا والعراق وحتى إيران وحزب الله، ومن ثم يكون هذا المستوى من التدخل قادرا على تحقيق هدف سياسي “كبير”، كما أشرنا إلى ذلك من قبل. وثانيا على فشل الروس في ترتيب الوضع وتبيان ضعف مقدرتهم، ومن ثم غرقهم في “المستنقع الأوكراني”، في وضع ربما بات يظهر أنه في حاجة إلى حل.

وتبقى الولايات المتحدة الأميركية في بحثها عن حل جديد تائهة بين القدرة والإرادة، بين الحلول السياسية والخيارات العسكرية. فهل تتمكن أخيرا من تحقيق “الحل السياسي” الذي ما زالت تؤكد أنه الخيار في سوريا؟

المصدر : الجزيرة نت

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s