نفخ داعش

باتت داعش الخطر الرئيسي الذي يجب حشد “تحالف دولي” ضده. منذ لحظة الخلاف مع تنظيم القاعدة، ظهر أن هناك دوراً يُحضَّر لداعش، ويبدو أن أطرافاً عديدة، كان كل منها يريد هدفاً خاصاً به من ذلك. فقد خدم التنظيم النظام السوري في إيجاد فوضى وقتل واعتقال، في المناطق التي سمّيت “محررة”، وفرض على الشعب والكتائب المسلحة الصراع معه، وبالتالي، القتال على جبهتين في وضعٍ، لم يكن يمتلك السلاح، كما كلٌّ منهما. وكانت احتكاكات تنظيم داعش بالسلطة محدودة. وأحياناً كثيرة، كانت هجماته متناسقة مع هجوم السلطة على الثورة.

وفي العراق أيضاً، أربك التنظيم الحراك الشعبي، وبات وجوده المدخل لاستخدام نوري المالكي العنف ضد الاعتصامات، وصرّح وزراء من قائمة المالكي أنه هو من أطلق سراح عناصر داعش من سجن أبو غريب، وأرسلهم إلى سورية، كما جرت الإشارة إلى تمويل إيراني، وكانت تصريحات قادة في التنظيم توحي بذلك كذلك. وفي الحراك الأخير ضد المالكي، لعبت داعش أخطر الأدوار في إجهاضه، وتحويل الصراع إلى وجهة أخرى، هي التي فتحت على الوضع الجديد.

كان تقدم داعش ضد الأكراد الذين دعموا الحراك الشعبي ضد المالكي المدخل لتدخل أميركي، بعد أن كان كل الحراك الذي جرى في العراق للسيطرة على السلطة قد وُضع في جعبة داعش، في تناسق إعلامي لافت، شمل كل الأطراف المتناقضة، فظهر قوة خارقةً، تسيطر على نصف سورية ونصف العراق، بعدد عناصر بلغ عشرة آلاف، زيد، أخيراً، لتبرير التدخل الأميركي إلى ثلاثين ألفاً حسب التصريحات الأميركية.
وربما تُظهر السياسة الأميركية الجديدة السبب الذي جعل كل وسائل الإعلام ومسؤولي العالم، المتناقضين في محاور “متعادية”، يتوحدون في تضخيم قوة داعش وخطرها الذي لم يسبق أن وُجد مثله، كما كرر الخطاب الأميركي. حيث كانت إيران تريد “توريط” أميركا في الصراع الذي انفتح في العراق ضد سلطة المالكي، وهي تعمل على إعادة تكريسه حاكماً بعد الانتخابات الأخيرة، والسلطة السورية تريد “تحالفاً” مع أميركا، وكانت ترى أن اللعب بمسألة الإرهاب مفيد في ذلك، من أجل سحق الثورة. لكن، ظهر أن أميركا تريد أن تغيّر التوازنات في العراق، وربما في سورية. وسيبدو أن النظامين، الإيراني والسوري، قد خرجا خاسرين من لعبةٍ اعتقدا أنهما ممسكان بها، وهي لعبة داعش المخترقة لهما، لكن المسيطر عليها أميركياً. فقد خدمتهما في الصراع مع الشعوب وضد الثورات، لكن، حين تريد أميركا تعديل موازين القوى السياسية تصبح هذه أداتها، و”عدوها اللدود” الذي يكون المدخل لكي تغيّر في “مكان آخر”، هو بالتحديد توازنات السلطة في العراق وفي سورية، وبالتالي، لكي تكون الغطاء لتحقيق هذا التغيير.

لهذا، كان يجب نفخ داعش، وكان يجب أن يشرّد المسيحيون في الموصل، ويقتل الإيزيديون، وأن “يذبح” صحفيان يحملان الجنسية الأميركية في مشهد لفيلم هوليوودي (كل مشاهد داعش كانت بإخراج هوليوودي بامتياز). فهذه هي “عدة الشغل” التي تستخدمها السياسة الأميركية لتبرير التدخل، للشعب الأميركي، وتبريره عالمياً. وإذا كانت لا تريد التدخل البري، لأنه لم يعد في مقدورها ذلك نتيجة السياسة التي تقررت بعد الأزمة المالية، والتي حصرت التدخل في هذه المنطقة باستخدام الطيران فقط، فإن ما تريده إعادة سيطرتها على العراق، وإنْ بالتفاهم والتقاسم مع إيران، بحيث يجري تقاسم السلطة بين أطراف “العملية السياسية” فعلياً، وليس شكلاً، كما كان في مرحلة المالكي. هذا واضح فيما جرى في العراق بعد إبعاد المالكي، ومحاولة تشكيل حكومة “متضامنة”. لكن، هل يكون التدخل في سورية مدخلاً لتحقيق ما هو مشابه؟ أي إبعاد الأسد، وتشكيل حكومة انتقالية وفق مبادئ جنيف1 أو على غرارها؟

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s