النخب في مواجهة الواقع

الفصام بين النخب والواقع قديم، لأن هذه بمجرّد أن تنظر إلى ذاتها نخباً تعتقد أنها تعالت على الواقع، وباتت غير معنية بـ”الرعاع”. هذا الأمر يجعلها تنظر “من فوق”، وتركّز على “فوق”، أي على الدولة والأحزاب والنخب ذاتها و”الوضع العالمي”. هذا الموقع يجعلها تتعامل من منطلق أنها “مراقب” أو “معلّق”، ترفض أو تؤيد، تقبل أو ترفض. بالتالي، لا يعود بإمكانها أن تلمس سوى “ما حدث”، ما حدث فقط. لتكون مهمتها التعليق على الحدث.

أما ما يمكن أن يحدث، وإلى أين يمكن أن تسير الأمور (أي توقّع صيرورة الواقع) فلا يجد مساحةً في الذهن، أو موقعاً في التفكير، أو تحديداً يستلزم تحليلاً عميقاً للواقع.

لهذا، تجد ظاهرة كتنظيم القاعدة، أو جبهة النصرة أو داعش، فتؤيده، ثم تكتشف دوره الفعلي فترفضه، وهي، في هذه العملية، تفرض عليها هامشيتها التضخيم في الحالين، لأنها لم تفهم ماهية الظاهرة، ولا تكوينها وسياساتها، ليخضع الموقف لرغبوية مفرطة. في هذه الحالات، هي تتوهم، وفق أهوائها، قبل أن تكتشف الحقيقة، لكنها حينها تضخم من الشتم والرفض، وتهوّل من القوة. فهي، أساساً، لا تعرف عما تتحدث. هذا ما جعلهم يرسمون أحلاماً هائلة على الثورات، وأمام أوّل صدمة ينقلبون عليها، ويصدّقون كل ما يضخّه الإعلام.

هذا دور مراقب ينطلق من غرائزه، ولا يعرف كيف يمكن أن يفهم ويحلل ويدقق، فالغريزة لا تسمح بذلك، وتفرض الميل إلى حديّةٍ تقوم على: إما/ أو، أو مع/ ضد، أو خير/ شر. إذن، هي نخب أقرب إلى الغريزة منها إلى النخب التي يمكنها التفكير. وفي هذه الحالة، يكون موقع المراقب أو المعلّق محتماً، فلا إمكانية للفهم لكي يتوضّح المسار، ويفهم ما النقص، وما المطلوب، وبالتالي، ما موقع النخب ذاتها؟

نستطيع أن نحدد موقفاً من كل ما حولنا. لكن، يجب أن نفهم، أولاً، ما الواقع؟
طبعاً ربما هناك من يحدِّد لذاته موقع المراقب، أو المعلّق. لكن، حين يتعلق الأمر بأحزابٍ ونخب تنشط في “الشأن العام”، يكون الأمر مأساوياً. فهذه تتحدد بدورها الفعلي في الواقع، وبالتالي، ترتبط مواقفها وتعليقاتها بدور عملي (براكسيس)، حيث يجب أن يفهم الواقع من أجل تحديد الدور العملي، وبالتالي، يكون الفهم أساس الفعل، وهو، هنا، يتجاوز التعليق والمراقبة، أو القبول والرفض، لأنه يتعلق بتحديد ما يجب أن يفرضه الواقع، لكي يتطور بما نعتقد أنه ضروري.

هذا هو “المثقف الهامشي” أو “السياسي الهامشي”، الذي لا ينخرط في الصراع، ويبقى منعزلاً على الرغم من علو الصوت الذي يمتاز به. المطلوب أن يكون فهم الواقع المدخل لتحديد الدور الفعلي، وبالتالي، تحوّل هؤلاء إلى قوة فعلية، ولا يتحقق ذلك إلا بتعبيرها عن الطبقات التي تقول إنها تدافع عنها، ونضالها معها، وتقديم ما تفتقده هذه الطبقات، أي الوعي والتنظيم.

لا يكفي “شتم” القوى الأصولية، أو الخوف منها، ولا استغراب سيطرة القوى الليبرالية، أو لماذا تلك القوى هي التي تلعب الدور الأكبر في الثورات؟ ومن ثم إصدار أحكام قاطعة ضد الثورات، أو بانحراف الثورات، أو حتى بفشلها، هذا موقف المتفرج، أو المراقب والمعلّق، لا بد من تحديد الدور الفعلي في الثورات، وكيف يمكن الانخراط في الصراع، بما يجعل الشعب يلتفّ حول الفعل الذي تقوم به.

إذن، قبل الندب والشتم والخوف، السؤال هو ما هو الدور الفعلي الذي يجب أن يمارس؟ وإذا لم يكن هنا خبرة يمكن دراسة التجارب، والتعمُّق في فهم الواقع.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s