عالم أحادي القطب بزعامة داعش

كان العالم ينتظر نتيجة التصارع بين القوى الإمبريالية، لكي يعرف من هي القوة التي ستسيطر، وتفرض من جديد عالماً أحادي القطب، بعدما تراجع وضع أميركا، وباتت عاجزة عن القيام بهذا الدور. المفاجأة كانت في أن داعش باتت هذا القطب العالمي. سنجد كل الإعلام العربي، والغربي، يتحدث عن قوة داعش، وعن توسعها في سورية والعراق، وعن إقامة دولة “موحدة” بينهما، بعدما جرى الحديث عن “التقدم السريع” لها في العراق، ودحرها قوات نوري المالكي. وبعدما بات كل ما يجري في العراق هو من فعل داعش، التي ظهرت أخطبوطاً ممتداً، وباتت، كما يبدو، البديل عن تنظيم القاعدة في إظهار الرعب والإرهاب والأصولية. بالتالي انتهى تنظيم القاعدة وأصبحت داعش هي القوة العالمية التي ستمتد يميناً وشمالاً (كما يجري الحديث إلى الأردن ولبنان).

هذه هي الصورة التي يعممها الإعلام، بكل ألوانه، الممانع والإمبريالي، “اليساري” واليميني، من إيران وسورية وحزب الله إلى الخليج وأوروبا وأميركا، وروسيا طبعاً. كل هذا الخليط الذي يفترض أنه متناقض يتفق على أن داعش هي التي تسيطر، ويطرح ضرورة التحالف ضدها. لقد باتت “الخطر الرئيسي” الذي يستوجب التحالف. ربما لكل طرف أغراضه “الخاصة”. لكن، يبدو واضحاً أنها كلها لا تريد أن تفهم أن ما يجري هو تمرّد شعبٍ لأسباب مختلفة، منها المصلحة المباشرة، وهذا يشمل النظام في إيران وأتباعه، والنظام السوري وروسيا وكل الدول الإمبريالية، التي باتت ترتعب من الثورة. لكن، كيف يمكن أن يسقط “يساري” في هذا الهوّ؟ كيف يمكن الانجراف خلف الصورة التي يرسمها الإعلام قاصداً؟

السؤال المطروح هو ليس لماذا يعمم الإعلام، بمختلف تلاوينه، صورة أن داعش تسيطر وتحتل وتتوسع، فخلف ذلك تكمن مصالح تتقصد تشويه الثورات، بل السؤال الجوهري هو لماذا يقبل رهط كبير من النخب هذه الصورة؟ ولماذا يصدّقون أنها حقيقية بلا سؤال عن صحتها، أو التدقيق في واقعيتها؟ كيف تسقط الصورة على “دماغ” هؤلاء لتصبح حقيقة؟ حقيقة مطلقة؟ فتصبح أساس كل التحليلات والمواقف والسياسات، ما يجعل هؤلاء في تضاد مع الثورات ومع مطامح الشعوب.

إذا تجاوزنا المصالح و”الارتباطات”، يمكن تلمس “طريقة التفكير” من جهة، وواقع دور الحركات الأصولية المضخّم من جهة أخرى. فما يظهر هو سيادة السطحية والسذاجة المفرطة، فالتفكير شكلي صوري، ما يعني أن “العقل” يتناول ما هو متداول، من دون مقدرة على الغوص عميقاً، وأيضاً، من دون تاريخية تسمح بالربط بين “الحوادث”. لهذا، يصبح الموقف لحظياً، آنياً، بلا ماضٍ أو رؤية مستقبلية. لهذا، يجعله يتبع الحدث من دون أن يفهمه، ويحدد الموقف بناءً على منظور ذاتي هو غير متسق في أحيان كثيرة. هذا “العقل” هو الذي واجه الأصولية بمختلف ألوانها، فنشأت حالة رعب داخلي، هو الذي يحكم منظور هؤلاء، الأمر الذي يؤسس لتجاوز “العقل” نحو رد الفعل الغريزي، ويكون هنا ضد الأصولية بالتحديد. هذا الوضع يجعل الشخص خاضعاً لتأثير الإعلام والأخبار العابرة، ويصبح كل خبر حقيقة فقط، لأنه لمس هذا الأمر. لهذا، يجري الانسياق كالقطيع خلف موجة إعلامية مصنّعة.

الإعلام يخترع فقاقيع من أجل تشويه الثورات من جهة، وشلّ النخب من جهة أخرى، كي لا تنخرط في الثورة. ومع الأسف، نخبنا مريضة. وفي مرضها تضخم من دور داعش وأخواتها، وتربك الحراك الشعبي، بدل أن تؤسس في الواقع القوى التي تؤثر في مسار الثورات. بالتالي، فإن “الإسلاموفوبيا” باتت ماركة عالمية، وأصبحت النخب تعشق لبسها.

المصدر : جريدة العربي الجديد الالكترونية http://www.alaraby.co.uk/opinion/7bc8ffbc-7afb-465f-9529-2f632f05dd39

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: