“إسرائيل” منقذاً في سورية!

ينشط المعارض السوري، كمال اللبواني، منذ فترة، في تسويق فكرة أن تكون الدولة الصهيونية المنقذ للوضع السوري، بعد أن وصل إلى استعصاء شديد، وشهد حالة فظيعة من القتل والتدمير والحصار، تمارسها السلطة بكل وحشية. طبعاً من دون سؤال عن الأسباب التي فرضت حالة الاستعصاء القائم، ودور المعارضة فيها، خصوصاً ما يتعلق بخطابها ورهاناتها، منذ بدء الثورة، حيث بنت كل استراتيجيتها على “منقذ”، سواء كان “الغرب” أم الأصولية.

كان اللبواني ممن راهنوا على أميركا والتدخل الغربي. ولما يئس من ذلك، وبعد توسع دور تفرعات تنظيم القاعدة، من جبهة النصرة إلى “داعش” وجيش الإسلام وأحرار الشام، أخذ يراهن على هؤلاء، وبات ينظّر لـ”عقيدة الأمة” و”ثقافتها”. ثم وصل إلى المراهنة الجديدة: الدولة الصهيونية. وهو ينشط بهمةٍ عاليةٍ من أجل ذلك، ويقدم مبرراتٍ تُظهر تهافتاً لا مثيل له. ويشير إلى هزلية مريعة، لا تستحقها الثورة، وربما كانت معكوس بطولة الشباب الذي يقاتل بكل قوة. هزلية تكشف مدى انحطاط “المعارض الطارئ”.

آخر ما توصل إليه أنه بدل دعم “إسرائيل” الأقليات، يمكن أن تقيم “الأغلبية” (السنة) علاقة علنية مباشرة معها، مقابل أن تحكم هي بديلاً عن الأقليات. بالتأكيد، هذا يوضح أن دعمه جماعات القاعدة لم يكن من غير أساس، فهو ينطلق من منظور طائفي، يميّز على أساس الدين والطائفة، كما نلاحظ. حيث يبدو أنه نسي أن “إسرائيل” دعمت، وكانت مدعومة من “الأغلبية” وفق هذا المنظور، سواء تعلق الأمر بنظام حسني مبارك، أو ببن علي والمغرب، والسعودية والخليج. وأنها كانت، مع أميركا، تعمل لتأسيس “تحالف سني” في مواجهة “التحالف الشيعي”. ولهذا، دعمت بقاء السلطة في سورية، ليس لأنها علوية، بل لأن حافظ الأسد، وبعده بشار، حافظا على استقرار طويل وثابت لحدود الجولان، ولم يزعجاها بالمطالبة باسترجاع الجولان. وأنها سلطة كانت تعرف حدود اللعبة، وتحافظ عليها جيداً، حسب ما يقول “خبراء” الاستراتيجيا في الدولة الصهيونية. ليس “سوء الفهم” هذا طارئاً لدى كمال اللبواني، فقد راهن منذ “ربيع دمشق” على أميركا، وذهب إلى السجن نتيجة مراهنته هذه. ومع بدء الثورة، استمر بذلك، وظل نحو سنتين غارقاً في هذه المراهنة، إلى أن “اكتشف” أن أميركا ليست في وارد التدخل في سورية، وتناور وتراوغ مع المعارضة. لهذا، أخذ يراهن على تنظيم القاعدة بمختلف مسمياته، ويدافع باستماتة عنه، وعن دوره، وتعبيره عن “عقيدة الأمة”. إلى أن ظهر دور هذه القوى، وانكشف أنها ضد الثورة، وباتت تتقاتل كجزء من صراعٍ ليس سورياً على الإطلاق. شخص أخطأ في التحليل أولاً، وثانياً، كيف يمكن أن يكون محقاً فيه؟ ثالثاً، لماذا أخطأ في التحليل؟ شخص يعتبر نفسه “زعيماً” في المعارضة السورية، سجن و”ناضل” من أجل التغيير، كيف يمكن له أن يمارس ثلاث سنوات سياسة خاطئة؟ ألا يدلّ ذلك على قصور وعي وضعف خبرة؟ بالتالي، كيف يمكن أن يقدّم، من دون أن يعيد النظر في ممارسته السابقة، ويفهم أسباب إخفاقه، خياراً جديداً؟

هذا التقلب “أمر طبيعي” لدى نمط من النخب، منها اللبواني. لكن الأمر يتعلق بأمر أكثر “طبيعية”، حيث أن وضوح خطأ المراهنات السابقة نتاج عدم فهم الوضع العالمي، ووضع النظام السوري، هذا باختصار شديد. ألم يكن واضحاً منذ بدء الثورة أن أميركا لن تتدخل في سورية؟ كان واضحاً، وأشرت إليه منذ ذاك. فأميركا مأزومة، وتعاني، ولم يعد بإمكانها التدخل (حسب قرارات مؤسساتها، التي حاسبت أوباما لتدخله المحدود في ليبيا). وأميركا “باعت” سورية لروسيا منذ بداية سنة 2012، حين صرّح أوباما إنه يطلب من روسيا أن ترعى مرحلة انتقالية في سورية، كما حدث في اليمن. وألم يكن واضحاً أن إطلاق السلطة “الجهاديين” وتأسيس جبهة النصرة، ثم العمل على تصدير “أطنان” منهم من دول “تدعم الثورة”، ومن ثم نشوء جيش الإسلام، وقبله أحرار الشام، بالتالي، قدوم “داعش”، كان بهدف تخريب الثورة؟ ألم تجر دراسة دور تنظيم القاعدة في تخريب المقاومة العراقية؟ وألم يُفهم منطقه الأساس الذي يقوم على فرض “دولة الإسلام”، وفق منظوره، وليس قتال النظم؟ وهذا أشرت إليه في حينه. وكان واضحاً جداً أن انسحاب السلطة من الشمال، ثم الشرق، كان يستدعي استقدام “الجهاديين”، فتبرعت السلطة بما لديها في السجون، وتبرع آخرون بإرسال ما يستطيعون. فالثورة كان يجب أن تتحوّل إلى صراع طائفي ومجزرة، لكي تفشل. وإلى ذلك الوقت، كانت في تصاعد وقوة فرضا على السلطة الانسحاب (وليست قوة العمل المسلح ما فرض ذلك، حيث لم يكن بعد عام من الثورة قد توسّع).

أشخاص تتعامل مع الثورة والشعب السوريين بهذه الخفة، هل تستطيع أن تقدّم بديلاً؟
“البديل الإسرائيلي” يأتي في السياق نفسه، فهل يعرف كمال اللبواني سياسة الدولة الصهيونية، واختياراتها؟ هل يعرف أنها تتمسك ببشار الأسد، وتعرف أن المعارضة أهزل من أن تحقق لها ما حققه هو؟ وهل يعرف أنها تراقب فقط، ولا تريد التدخل، فما يهمها ألا ينعكس الصراع عليها. وربما تفرح لتدمير سورية الذي تمارسه السلطة، وعلى ضعف قدرتها العسكرية، لكنها لا تميل إلى تحقيق تغيير في السلطة التي حافظت لها على الحدود، أكثر مما حافظت اتفاقات كامب ديفيد.

يبدو أنه يجب “إعادة الدرس” بشأن طبيعة الدولة الصهيونية، وأسباب إقامتها في فلسطين تحديداً، وما هو منظور الرأسمالية لدورها. ولماذا موّلتها بمليارات الدولارات، ولازالت؟ ربما الغرق في التوهم ينسي البديهيات، لهذا، لا بد من تكرارها. وربما الطموح الأشد للوصول إلى السلطة يؤدي إلى قبول أي دور، والتنقل من “سياسة” إلى “سياسة”. لا أريد الرد هنا على “المبررات” التي يسوقها كمال اللبواني، لأنها أهزل من أن تبدو جدية، وأكثر سذاجةً من أن يُنظر إليها بعين نقدية. ما يحتاج توضيحاً أن كل المنظور الذي طرحه (وتطرحه أطراف عديدة في المعارضة الخارجية وبعض الداخلية) ينطلق من الاعتماد على دور “خارجي” لتحقيق التغيير. والميل لطلب قوى “خارجية” لكي تزيل السلطة وتسلّمها له (ولهؤلاء). لم يأت هذا الأمر نتيجة الاستعصاء الراهن، وكل الوحشية التي تمارسها السلطة، بل كان منذ البداية والثورة في تصاعد، والسلطة تتراجع إلى أن اضطرت للانسحاب من مناطق عديدة في الشمال والشرق. وهو ما يوضح أن كل “السياسة” التي يمارسها تقوم على دور “خارجي” يأتي به “زعيماً”.

هذا هو هزل بعض المعارضة السورية، وهزالها، والتي من عمق رعبها من السلطة قررت الاعتماد على القوى الإمبريالية، لتغيير السلطة، حتى بعد أن نهض الشعب بكل قوة، لكي يسقط النظام.

المصدر: العربي الجديد

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s