أمريكا فى عالـم تغيــــر

الملاحظة المتكررة هى «ضعف أمريكا»، حيث يشار إلى تراجع الدور الأمريكى فى مواقع مختلفة من العالم. فى سورية، وفى الصراع العربى الصهيوني، ثم فى أوكرانيا، أى فى مجمل الأزمات الدولية.

وكانت زيارة باراك أوباما الرئيس الأمريكى إلى جنوب شرق آسيا مجالاً للتعليق على «انسحاب أمريكي» من «الشرق الأوسط»، وحتى من باقى العالم. ومن ميل للانكفاء الذاتي، يوصم بأنه «انعزالية جديدة».

ظهر فى السنوات الثلاث الأخيرة أن العالم لم يعد أمريكياً كما حدث بعيد انهيار النظم الاشتراكية، خصوصاً الاتحاد السوفيتي، حيث أصبحت أمريكا حينها هى القطب الأوحد الذى يريد السيطرة على كل العالم. لقد سعت حينها لأن تسيطر عبر توسيع تواجد جيوشها على كل مناطق النفط، وتفتح كل الأسواق لسلع شركاتها ورءوس أموال مستثمريها، وخاضت حربين كبيرتين فى أفغانستان والعراق، فارضة احتلالهما، وتثبيت قواعد عسكرية فيهما. وهو ما كان يوحى بأن العالم قد أصبح أمريكياً بالحتم، وأنه سيمرّ بمرحلة استقرار طويل تحت سيطرتها. وتكرر الكلام عن «الشرق الأوسط الموسّع»، وعن «الفوضى الخلاقة»، وعن التفكيك والتفتيت والنهب. وكأن الإرادة الأمريكية قد اصبحت لا رادَّ لها. الآن، نلمس بأن الأمور قد انقلبت، حيث باتت هناك روسيا، وكذلك الصين، ونشهد ضعفاً أمريكياً واضحاً، وقرارات بتقليص الجيش والميزانية العسكرية، وباختصار الدخول فى حروب. ومن ثم الكلام عن «ضعف أمريكا» الذى يُعزى أحياناً لـ «ضعف أوباما»، أو طبيعة الديمقراطيين. لكن لا شك فى أن العالم قد انقلب بعد الأزمة المالية التى حدثت فى 15 سبتمبر سنة 2008. فهى من فرض نجاح أوباما الذى كان متخلفاً فى استطلاعات الرأي، على أمل أن يحمل حلاً للمشكلة الاقتصادية. وإذا كان قد حاول الفصل بين الداخل، حيث حاول معالجة الوضع الاقتصادي، والخارج حيث استمرّ فى سياسة بوش الابن طيلة سنتين من حكمه، فقد توصل إلى أن الأزمة المالية لم تنتهِ، ولا يبدو من أفق لنهايتها، وبالتالى كان الخيار الوحيد الباقى هو «إدارة الأزمة».

هذا الأمر فرض أن تجرى إعادة توضع أمريكا عالمياً، فلم يعد ممكناً أن تستمر فى السياسة ذاتها التى كانت تمارسها، التى كانت تهدف لأن تكون القوة الرأسمالية القائدة، ثم القوة العالمية المسيطرة. فقد أصبح «الوضع المالي» لا يحتمل كل هذا الدور، إضافة إلى أن الاقتصاد الأمريكى يشهد حالة انهيارية لم تجد حلاً لها، وهو فى وضع يمكن أن يفضى إلى انهيارات مالية جديدة (وتقرير بنك التسويات الدولى الأخير يشير إلى إمكانية ذلك فى هذه السنة أو السنة القادمة). وبالتالى فإن طموح الزعامة بات مرهقاً إلى حدّ لا يطاق. وأكثر من ذلك، بات السعى للحفاظ على أمريكا كقوة عالمية فقط هو الأمر الذى تعمل من أجل تحقيقه إدارة أوباما. لقد أنتهى طموح الزعامة العالمية، وباتت أميركا معنية بأن تكون «قوة عالمية» بين قوى متعددة فى عالم أصبح يميل لأن يكون متعدد الأقطاب. وأن تستطيع حماية وضعها كقوة اقتصادية كبيرة وفاعلة، فى عالم بات يشهد نشوء قوى اقتصادية جديدة وكبيرة مثل الصين، وروسيا إلى حدّ معيّن، وإلى تفلت بعض الدول التى كانت خاضعة للسيطرة، ومحاولتها التحوّل إلى قوى عالمية، وهو ما يبرز واضحاً فى ميل كل من الهند والبرازيل وجنوب أفريقيا خصوصاً.

كل ذلك فرض وضع إستراتيجية جديدة أعلن أوباما عنها فى 6/1/ 2012، تنطلق من تحديد أولوية جديدة، هذه الأولوية هى منطقة آسيا والمحيط الهادى، المنطقة التى تشهد الاحتكاك بالصين، وهو ما اعتبرت انه الخطر الأول عليها فى المستقبل القريب. وعلى ضوء وضعها الاقتصادى المربك وأولويتها الجديدة، قررت الإدارة الأمريكية تخفيض عدد الجيش وميزانيته، وتركيز السفن الحربية فى تلك المنطقة (انسحاباً من منطقة الخليج العربى)، وأبقت قواعدها فى الخليج على ألا تستخدم سوى الطائرات عند الضرورة. ورأت بأنها لم تعد قادرة سوى على خوض حرب واحدة فى الآن ذاته.

وهى مازالت تخوض الحرب فى أفغانستان بعد أن انسحبت من العراق، وبالتالى ليس بإمكانها أن تدخل حرباً جديدة (ورغم مشاركتها فى حرب الأطلسى على ليبيا فقد حوسب أوباما من قبل الكونجرس على تدخله هذا). وفى التصور الاستراتيجى اعتبرت أن الصين هى «الخطر الرئيسى» لهذا قررت سياسة تقوم على حصاره لتحافظ على وضعها كقوة عالمية.

إذن، أمريكا ضعفت اقتصادياً وباتت بحاجة إلى ترتيب جديد تحلم بأن يؤدى إلى تجاوز أزمتها، أو على الأقل قد يسمح لها البقاء كقوة عالمية. لهذا لم تعد بذات الفاعلية التى كانتها على الصعيد العالمي. ولقد رسمت إستراتيجيتها على أساس ذلك، وهو الأمر الذى جعلها ليست معنية جدياً بمناطق عديدة فى العالم، أو أنها قابلة لأن تساوم عليها مع روسيا من أجل تحقيق تحالف تريده، وتعتبر أنه المنقذ لها، حيث تخشى تحقيق التحالف الروسى الصينى الذى يمكن ان يزيد من أزمتها، ويسرّع من انهيارها.

إن كل منظور يكرر التصور الذى ساد ما قبل الأزمة حول دور أمريكا العالمى سوف يوصل إلى مواقف خاطئة، وسياسات تجاوزها الزمن. فقد شكلت الأزمة المالية ـ تلك ـ مفصلاً حاسماً فى الوضع العالمى لا يمكن تجاهله أو الاعتقاد بأنه لم يدفع إلى تحقيق تغيير عميق فى الوضع العالمى.

المصدر: الأهرام

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s