عن الطائفية في سورية

في سورية، أصبح “كل” النقاش يدور حول الطائفية، فهناك من يتهم النظام بها، وبالتالي، يتهم الطائفة. وانطلاقاً من ذلك، يجري الردّ بمنطق طائفي مقابل. وهكذا، ما لا يجري على الأرض بات يجري على صفحات “فيسبوك” ومواقع التواصل الاجتماعي في شبكة الإنترنت، في معركة تبدو حامية “الوطيس”. والهدف إثبات طائفية النظام، وطائفية الطائفة. وذلك كله من أجل تبرير منطق طائفي.

الصراع في سورية ليس بين أغلبية (تصنف أنها سنية) وأقلية (هي العلوية)، لم يكن كذلك منذ البداية، ولم يصبح كذلك، ولن يكون كذلك. وبالتالي، مهما فعلت السلطة، ومهما كانت ردة فعل العلويين، يجب الانطلاق، في كل تحليل وموقف، من أن الصراع هو صراع الشعب (بكل تكوينه) ضد السلطة الناهبة والمستبدة. وأي موقف يتجاوز ذلك سيكون خروجاً عن الثورة، والتحوّل إلى استثارة الصراع الغريزي (الأعمى) ضد السلطة، بغض النظر عن نتائجه.

ليست السلطة طائفية، وهذا ليس تبريراً لها، لأنها أسوأ من ذلك، هي سلطة مافيا وحشية. ولا شك في أنها عملت على استثارة غريزة الطائفة، لكي تستغلها في دفاعها هي عن سلطتها، بعد أن كانت قد استغلت فقرها، واضطهادها التاريخي، لكي تحوّلها إلى أداة في بنية سلطتها. وبالتأكيد، استغلت “المشاعر الطائفية”.  لكن الهدف ليس الطائفة، بل حماية السلطة التي نهبت المجتمع، كل المجتمع، بما في ذلك الساحل.

السؤال هو: لماذا نجح ذلك؟ لأن هناك تعصّب طائفي؟ الأمر لا يتعلق بذلك، فلا شك في أن العلويين استفاد بعضهم من السلطة، ووجد أن العنف ضد المجتمع قد استخدم باسمه، لكن ذلك كله لم يؤسس لطائفية بالمعنى الدقيق لذلك. فالطائفية هي التمسك بأيديولوجية، هي موروث الطائفة، وتحويلها إلى مشروع سياسي. هذا ما حاوله جميل الأسد، عندما أنشأ جمعية المرتضى، والتي أغلقها النظام نفسه. وبالتالي، لا السلطة تتمسك بموروث الطائفة، ولا الطائفة تعرف موروثها أصلاً. السلطة تحالفت مع تجار دمشق وحلب، وما زالت، ولعبت على تعميم الطائفية ليس لدى العلويين، بل لدى “السنة”، فهي من رعى كل المؤسسات الدينية، والجمعيات، وقدّم تسهيلات كبيرة لـ “علماء الدين” (السنّة)، ووسّع بناء الجوامع. واحتضن “الجهاديين”، وحركتي الجهاد الإسلامي وحماس، وحركة التوحيد. وهذا لا يفعله “طائفي”، بل يفعله من يريد الحفاظ على السلطة، فيعمل على تفتيت المجتمع، باستثارة “مكوناته” (وهنا الدينية والطائفية والقبلية والقومية).

أما لماذا ظل العلويون متحلقين حول السلطة؟ فهذا أمر يجب أن يبحث فيه في كل ردود الأفعال التي نشأت، منذ بدء الثورة من قوى ودول، ووسائل إعلام، كانت تنطلق من منظور طائفي، وتريد “أسلمة” الثورة، وتبرز شخصيات معادية للأقليات، وتفتي في قتلها. وهذا ما كانت تلعب عليه السلطة منذ البداية، من أجل تخويف الأقليات (خصوصاً العلويين) من الثورة، ودفعها دفعاً، لكي تلتصق بالسلطة. وبالتالي كان المسارعون لاستغلال الثورة لكي يصلوا إلى السلطة (وينتقموا)، ينتجون خطاباً طائفياً محضاً، كان يخيف الأقليات الدينية والعلمانيين، وكثيرين من بسطاء الشعب. وهؤلاء مستمرون في اتهام العلويين بالطائفية، والذين يركزون على “طائفية السلطة”، فهم يحتاجون مبرراً لطائفيتهم. وبهذا، يؤدون الدور الذي تريده السلطة، بإخافة العلويين تحديداً.

المصدر: العربي الجديد

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s