أميركا وروسيا في أوكرانيا

ظهر أَن العلاقة الأميركية ـ الروسية تعرّضت للاهتزاز، بعد أحداث أوكرانيا، وباتت هناك عقوبات تفرض على روسيا، بعدما ضمّت القرم. وحيث جرى “إبعاد” روسيا عن مجموعة الثماني، والأمور لا تزال معقدة بينهما، وبين أوروبا وروسيا التي تريد أن “تضم” أوكرانيا إلى سيطرتها. وبالتالي، يظهر أن “الحرب الباردة” باتت مسألة “حتمية”.

هل الوضع الرأسمالي يحتمل تفاقم هذا الصراع؟ ربما يطمح بعضهم إلى ذلك، على أمل أن تتصاعد مواجهة روسيا للسياسة الأميركية. لكن، لا روسيا ولا أميركا في وارد تصعيد الصراع بينهما. لا شك في أن روسيا “تتمرّد”، وتحاول أن تقضم مناطق جديدة لكي تضمّها إلى “إمبراطوريتها”، في سياق سعيها إلى توسيع دورها العالمي، بعدما أَعلنت أَنها تريد إقامة قواعد بحرية في بقاع عديدة في العالم، من البحر المتوسط إلى الهند الصينية إلى أميركا اللاتينية. وبالتالي، هي تنشط كدولة إمبريالية تدافع عن مصالحها بقوة. وضمّت القرم، وأظن أن الأمر بات منتهياً، وستعترف به أميركا وأوروبا.

لا بد من أن نفهم وضع أميركا جيداً، وبالتالي أن نتلمّس الوضع العالمي الذي يتشكّل، والذي سيكون مختلفاً عما كان طوال العقود التي تلت الحرب العالمية الثانية. فمنذ سنة 2012، قررت أميركا أن تتراجع عن “أحاديتها”، بالضبط، لأنها لم تعد قادرة عليه، بعدما باتت تعاني من أزمة اقتصادية عميقة لا حلّ لها، وبالتالي ليس من خيار سوى إدارتها، ومن ثم إعادة موضعة دورها العالمي، انطلاقاً من أولوية اهتمامها التي تركزت على منطقة آسيا والمحيط الهادي. وباتت الصين “المشكلة” التي تؤرق الإدارة الأميركية، وتهدد الاقتصاد الأميركي. لهذا، باتت تعتبر أن التقارب مع روسيا، وربما التحالف معها، مسألة ضرورية، لتموضعها العالمي الجديد.

روسيا، إذن، باتت حاجة أميركية. لهذا، أعطتها ما أرادت في سوريا، وهي لن تطوّر من الصراع حول أوكرانيا. لهذا، سوف تميل إلى قبول قضم روسيا للقرم، ومحاولة ترتيب وضع أوكرانيا، بحيث لا تكون ضد روسيا، على العكس ربما تكون “واسطة الربط” بين أوروبا وروسيا. وهنا، لا بد من أن نشير إلى أن ألمانيا، كذلك، حريصة على علاقات جيدة مع روسيا، وهي تقيم ما يشبه التحالف معها. بالتالي، لا تريد أن يتطور الصراع حول أوكرانيا إلى حالة من العداء أو القطيعة مع روسيا. لهذا، فإن ما يمكن أن يجري هو السعي إلى التوصل إلى تفاهم حول طبيعة وضع أوكرانيا، بعدما خسرت شبه جزيرة القرم، عبر ترتيب وضع السلطة، ربما، من خلال تحقيق تقاسم لها بين طرفي الصراع، الحزب القريب من روسيا والأحزاب التي تدعو إلى اللحاق بأوروبا.

في هذا الوضع، الخاسر الوحيد هو الشعب الأوكراني الذي يجد أن مقدرته على التخلّص من الهيمنة الروسية، عبر اللحاق بأوروبا، محاصرة بوضع عالمي يكبحها لمصلحة حلّ لا يحقق مطامحها ولا يحمل حلاً لمشكلاتها الاقتصادية، وبالتالي ليس من أفق أمامه سوى تصاعد حراك الشعوب، وامتداد الثورات إلى روسيا وأوروبا.

طبعاً، هذه ممارسة طبيعية لدولة إمبريالية، مثل أميركا وألمانيا، خصوصاً أنها تركض من أجل تحقيق تحالف مع روسيا، وهو ما يجعل روسيا تتوهم أنها قادرة على أن تصبح قوة عظمى مسيطرة.

المصدر: العربي الجديد

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s