اليسار السوري والثورة

من حيث التكرار الإعلامي هناك يسار سوري، حيث توجد أحزاب وقوى تتسمى بذلك، لكن في الواقع ليس من يسار. هذه هي المعادلة القائمة في سورية كما في البلدان العربية عموماً. وهي معادلة إشكالية نتيجة أن الثورات امتدت من تونس إلى سورية، دون أن تجد حزباً يستطيع أن يضع استراتيجيا ثورية تفضي إلى انتصار الثورة، الأمر الذي جعلها مجال تلاعب بين قوى في السلطة، ومجال عجز عن تغيير النمط الاقتصادي وإسقاط الطبقة المسيطرة. وفي سورية جعل الثورة تسير في متاهات صعبة، وتستمر ثلاث سنوات دون أن يظهر أفق للانتصار، بل أن ما يظهر هو تحقيق حل ربما يوقف الفوضى والدموية، ويزيح رأس السلطة، لكنه لا يغيّر أكثر من ذلك، وبالتالي يبقي مطالب الثورة قائمة. بعد دمار هائل وخسارة مئات آلاف الشهداء نتيجة وحشية السلطة، والتدخلات الإقليمية والدولية المضادة للثورة.

أولاً، لا بد من التنويه إلى أن مصطلح يسار مضلل لأنه غائم، حيث أنه مصطلح سياسي عام لا يحدد طبقة ولا أيديولوجيا، بل ربما يشمل طبقات وأيديولوجيات، في وضع يفرض تحديد دور الطبقات والأيديولوجيات. فهو يتعلق بكل من يسعى إلى تحقيق التطور لتجاوز البنى القائمة. ولهذا فإن مضمونه متحوّل وفق واقع الطبقات وموقعها في الصراع الطبقي. ورغم أن مصطلح اليسار بات يتحدد في التيار الماركسي عموماً سوف يكون القصد هنا تناول وضع الأحزاب التي تعتبر أنها “تعتنق” الماركسية. رغم أن بعض التيارات القومية يمكن أن توضع تحت هذا المصطلح.

وإذا كانت سورية قد شهدت وجود حزب شيوعي منذ سنة ١٩٢٤، ونشأت أحزاب ماركسية أخرى فيما بعد، كما تشقق الحزب الشيوعي إلى أحزاب، فقد كان واضحاً بأنها كلها باتت “على الهامش”. بعضها في السلطة شريكاً لحزب البعث، وبالتالي مسؤولاً عن سياسات السلطة رغم أنه ليس مقرراً فيها، بل هي كحزب البعث واجهة لسلطة “طبقة” تبلورت مع بداية القرن الجديد كمافيا مهيمنة بعد أن كانت قد نمت في حضن سلطة فريدة شمولية، فأصبحت جزءاً من بيروقراطية السلطة. وبعضها الآخر تلبرل، خصوصاً بعد انهيار المنظومة الاشتراكية، وبات “يعشق الغرب”، وأصبح يرى في الديمقراطية مطلبه الأساس، الذي يفرض اللبرلة الاقتصادية كضرورة حتمية. لكنه أيضاً كان ينحصر في كادرات قديمة في الغالب، ولم يستطع أن يبدو كبديل لا للطبقات الشعبية ولا لشباب الفئات الوسطى.

في هذا الوضع أصبح هناك “شيوعيون” يشاركون في السلطة، ويبررون ذلك برفع نغمة “الخطاب الوطني”، و”المقاومة والممانعة”، دون النظر الجدي إلى طابع السلطة الشمولي الاستبدادي (إلا بشكل خجول)، وبدفاع خجول كذلك عن وضع الطبقات الشعبية التي أنهكها نهب الطبقة المسيطرة. لقد ظل “الصراع مع الامبريالية” هو الهاجس الذي يحكمهم في تجاهل كامل لما يجري في الاقتصاد، وكيف يتم النهب وتسيطر “طبقة جديدة” هي مافياوية الطابع، ومتشابكة مع رأسمال خليجي ودولي (مع تركيا قبل الثورة، ومع روسيا بعد ذلك). وبالتالي كان يظهر هنا هزال الفهم الماركسي، حيث لم يجرِ فهم العلاقة بين تعميم اللبرلة والعلاقة مع الامبريالية عبر تحقيق فصل قسري بين الوطني والطبقي. وتغليب “الوطني” على الطبقي، رغم انحكام الوطني للطبقي بالضرورة، ورغم أنه كان يجب تفسير سبب “الخلاف” مع الإمبريالية تأسيساً على أن الطبقة المسيطرة هي طبقة “رجال أعمال جدد” ذو طابع مافياوي، وتميل للتكيف مع النمط الرأسمالي العالمي وليس التناقض معه.

وبات هناك “يسار” يعتبر بأن الديمقراطية هي المطلب الجوهري، وأن الصراع هو من أجل الانتقال إلى نظام ديمقراطي، بعضه انسياقاً مع الخطاب العولمي الذي أعلى من نغمة خطاب الحرية والديمقراطية لكي يفكك “النظم الاستبدادية”، لكن في المستوى الاقتصادي عبر فرض التحرير الكامل للاقتصاد. هنا أصبحت الديمقراطية هي كل المسألة، وبات “النضال” من أجلها هو الهدف الأساس. وإذا كان قد سقط الخطاب “الوطني” هنا، وبات قطاع كبير من هؤلاء ينظر بـ “عشق” للدول الامبريالية (الغرب)، ويقبل ما يعتقد بأن السلطة ترفضه، فقد تجاهل كلياً وضع الاقتصاد والظروف التي تعيشها الطبقات الشعبية، في مرحلة كانت تشهد تحولاً كبيراً فرض إعادة صياغة الاقتصاد وتوسيع الفارق الطبقي عبر تمركز الثروة بيد أقلية.

إذن، لقد كان واضحاً بأن ما يسمى اليسار لم يكن يساراً بل ربما عبّر في وجه منه عن بيروقراطية سلطة، وفي وجه آخر عن فئات وسطى مأزومة تسعى لأن تجد مساحة لها في التكوين السياسي القائم فقط. ولهذا كان وضع الطبقات الشعبية مهمشاً، أو حتى غائباً، وباتت السلطة هي محور “الوعي”، سواء تعلق الأمر بقبول الدفاع عنها، أو رفض طابعها الاستبدادي وشموليتها. وهذا ما انعكس في الموقف من الثورة، سواء لجهة رفضها كونها “مؤامرة إمبريالية”، أو كونها تهدف إلى تحقيق الحرية والديمقراطية فقط. كما انعكس في الدور العملي لمجمل الأحزاب التي تتسمى يسارية، والتي لم تعرف ما الدور الذي يجب أن تلعبه في الثورة ذاتها، وما هي مهماتها فيها. ولهذا نشطت في أماكن بعيدة عن الفعل الثوري.

الثورة قامت نتيجة التحوّل الكبير في الاقتصاد، رغم كل المطالب الأخرى، التي كانت مطالب فئات وسطى في الغالب. ولهذا لم تكن متوقعة من مختلف الأطراف نتيجة تركيز المتابعة في المستوى السياسي فقط. ومن ثم باتت مجال “تحميل مواقف”، حيث دافع “اليسار الممانع” عن السلطة معتبراً أن ما يجري هو مؤامرة، معيداً تكرار “الخطاب الوطني”. ونشط “اليسار الليبرالي” من أجل تحميلها أوهامه الديمقراطية.

لقد ظهر أن الثورة تتقدم بفعل “فاعلين جدد”، هم من الطبقات الشعبية الذين لم ينخرطوا سابقاً في السياسة. حيث اندفعت قطاعات من هذه الطبقات لكي تسقط النظام. وهؤلاء هم الأساس في الثورة. لكن سنلمس بأن كادرات وشباب ممن كانوا ينتمون لأحزاب “يسارية” قد انخرطوا في الثورة. وإذا كان بعضهم يحمل تصوراً ليبرالياً، حيث توافق مع “اليسار الليبرالي” في طموحه الديمقراطي، فإن آخرين قرروا العمل على تفعيل دور يساري حقيقي في الثورة. وفي هذا الإطار تشكلت مجموعات يسارية (أو ماركسية) متعددة.

كانت الخطوة الضرورية مع بدء الثورة هي تنظيم نشاط تلك الكادرات من أجل تفعيل دور اليسار في الثورة، ومحاولة التأثير في صيرورتها عبر محاولة التأثير في الشعارات وتوضيح المطالب العامة، والتأشير إلى سياق توسعها لكي تنتصر. وفي هذا المجال التركيز على أساسها الاقتصادي المطلبي دون تجاهل الحاجة لتأسيس الدولة العلمانية الديمقراطية، وبالتالي تكريس ميلها “المدني” والديمقراطي على الضد من الميل الأصولي الذي كانت بعض قوى المعارضة (والمحيط الإقليمي) تعمل على فرضه عليها. ومن ثم محاولة تنشيط كل القوى الشعبية لكي تتشكل قيادة فعلية لها من الممارسين الثوريين، بعيداً عن تأثير الأحزاب والقوى المعارضة التي كان واضحاً أن لها مصالح أخرى غير تلك التي تطرحها الطبقات الشعبية، فبعضها يريد تغيير شكل السلطة فقط دون لمس الواقع الاقتصادي، وبالتالي حل مشكلات البطالة والفقر والتهميش وانهيار التعليم والصحة، وبعضها يريد الانتقام من السلطة القائمة لكي يصبح هو بديلها دون إحداث أي تغيير، حتى وإن كان شكلياً. كما أن هناك أطراف عملت على تخويف الشعب عبر المطالبة بالتدخل الامبريالي، وبتعميم خطاب طائفي. وهو الأمر الذي أربك توسع الثورة نتيجة تشوّش الهدف الذي تسعى إلى تحقيقه، أكثر من هدف الحرية والديمقراطية الذي جرى تلخيص مطالب الثورة به. أكثر من ذلك كان يجري تعميم الخطاب الأصولي وليس الخطاب الذي يطرح مطالب الشعب المعيشية، الحياتية، التي كانت في أساس تحركه.

لقد كان لا بد للنشاط من أن يتمحور حول عدة مستويات، منها بلورة البرنامج والرؤية والخطاب، ومنها تطوير صراع الشعب ضد السلطة ومن أجل إسقاطها، ومنها كذلك خوض صراع ضد المعارضة التي كانت تريد سحب الثورة إلى مجالات تدمرها، وتربطها بدور القوى الإمبريالية. وهي مهمات كبيرة على أفراد ومجموعات لم تكن قد تبلورت، بل كان هذا النشاط هو الذي سيسهم في تبلورها من أجل تأسيس حزب ثوري منخرط في الثورة، ومؤسس من كادرات شعبية، ويحظى بثقة الطبقات الشعبية. وظهر أن كثير من الكادرات اليسارية التي انخرطت في الثورة ظلت تحمل “وعيها” السابق، وأمراض الأحزاب اليسارية. ومنها من مال إلى التحلل من العمل اليساري وانخرط في الثورة دون شعور بضرورة الفعل اليساري. وأيضاً ظلت “عقد” الماضي مستحكمة، وكذلك الخضوع لـ”التحيّز الأيديولوجي المسبق” (الحلقية). وظهر من ثم بأن الوعي الرائج هو الذي لازال يستحكم في الكثير من هذه الكادرات، التي لم تستطع إعادة النظر في وعيها السابق، وإعادة بناء مفاهيمها على ضوء ما فرضه الواقع. لهذا تشكلت مجموعات صغيرة ولم يتحقق توحيد الكادر اليساري في حزب أو ائتلاف أو حتى تحالف. وبالتالي وصلنا العام الثالث للثورة دون أن يتبلور منظور ماركسي مشترك للثورة، ولا جرى انتاج خطاب واضح يعبّر عن مطالبها وأهدافها، وظلت مواجهة “اليسار الممانع” دون المطلوب.

كل ذلك أبقى اليسار الذي يريد التغيير الحقيقي دون فاعلية، مشتت وغير متوافق، ومتأثر بالتيارات الماركسية التي نشأت قبل قرن تقريباً. في الوقت الذي لم يتشكل يسار جديد من الشباب الذي يخوض الثورة بعد، ربما لأنها انجرفت إلى دموية فرضت وضعاً صعباً، لكن أيضاً لأن نشوء الجديد يحتاج إلى وقت أطول. وهذا ما يفرض أن يكون هناك استخلاص لتجربة ثلاث سنوات، ومحاولة وضع أسس لعمل حقيقي في الفترة المقبلة ينطلق من فهم الواقع.

بالتالي سنلمس بأن هناك مستويات متعددة تحكم النظر إلى وضع اليسار ودوره، أولاً، ما هي الرؤية العامة للوضع؟ وكيف يفهم الثورة من منظور أساس نشوئها وأهدافها وسياق تطورها، وما هو الهدف الجوهري لها؟ وثانياً، كيف تتبلور كادرات تحمل رؤية جديدة، وتكون منخرطة في الثورة ذاتها، لكي تكون أساس بنية جديد ليسار جديد؟ وثالثاً، ما هو الخطاب الضروري في الثورة؟ وكيف يمكن أن تطرح مطالب الطبقات الشعبية؟ ورابعاً كيف يمكن أن يتحقق التنظيم الذاتي لليسار، وفي الوقت ذاته تنظيم النشاط الثوري؟

ما كان معروفاً هو أن الثورات حدثت في ظل وجود حزب ماركسي عمل على وضع استراتيجيا لتطوير نضالات العمال، ولتنظيم قوتهم من أجل تحقيق انتصارهم. وبالتالي كانت هناك “نواة” متماسكة وتمتلك الرؤية والسياسة. وبهذا فقد تحقق تراكم كان يفضي إلى تحقيق التغيير الذي يحقق مصالح هؤلاء العمال، والطبقات الشعبية عموماً. لكن سنلمس بأننا في وضع لا نمتلك “النواة”، ولا الرؤية. هذا طبعاً حال كل الثورات التي حدثت في البلدان العربية، وربما سيكون وضع الثورات التي ستجري في بلدان كثيرة في العالم على ضوء الأزمة العميقة التي تعيشها الرأسمالية. خصوصاً وأن العقود السابقة، وبعد انهيار المنظومة الاشتراكية تحديداً، قد فرضت تلاشي “الشعور” بالحاجة إلى حزب، وتجاوز مفهوم الثورة، وحصر التفكير في المستوى السياسي عبر التركيز على الحريات، لدى قطاع كبير من “الماركسيين”. وأساساً نتيجة تفكك الماركسية إلى ماركسيات هي أقرب إلى “الطوائف”، تنحكم إلى التحيزات الأيديولوجيا المسبقة، الأمر الذي أفرغ الماركسية من جوهرها، ومرتكز وجودها، أي منهجيتها.

هذا الأمر يفترض البحث في مستويات متعددة، منها ماهية الماركسية التي يجب أن تحكم النظر بعد الفشل الذريع الذي عاشته الماركسية الرائجة، والتي تعممت عبر السوفيات أو عبر التأثر بهم؟ وهذا موضوع إشكالي كبير، لكن ليس من الممكن أن يتأسس يسار حقيقي دون التحديد الصحيح لماهية الماركسية التي يجب أن تصبح هي وعي الكادرات الجديدة. حيث أن هذه مسألة حاسمة لوعي الواقع، ومحاولة تلمس الاستراتيجيا الممكنة لتحقيق التغيير الذي يحمل حلاً للمشكلات المجتمعية التي كانت في أساس تفجر الثورات. ومنها ماهية الحزب؟ وهل هو “الطليعة” أو “الطبقة المنظمة” انطلاقاً من أن الصراع هو صراع طبقي وليس صراعاً سياسياً فقط؟ وكيف يمكن تطوير آليات الثورة لكي تحقق مطالب الطبقات الشعبية؟ ومن ثم ما هي الرؤية التي تؤسس لنمط اقتصادي بديل؟

وربما المسألة الأصعب هي، كيف يتبلور الحزب اليساري من شباب يخوض الثورة يومياً؟ وربما لا يمتلك الوقت الذي يسمح له بأن يطوّر وعيه، ويستخلص النتائج من التجربة اليومية التي يخوضها؟ الحزب يتبلور في الثورة، ومن الثوريين الذين يخوضون الصراع من أجل تحقيق مطالب الشعب، ولهذا كل شيء يجب أن يتبلور عبر الممارسة. لا زلنا في البداية، لكن الواقع والتجربة يفرزان وضعاً مختلفاً يمكن أن يفتح الأفق لبناء حزب حقيقي.

المصدر: المنشور

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s