الأصولية ليست البديل في الثورة السورية

من تحمّس لتحريك الشارع السوري بعد ما حدث في تونس ومصر من ثورات همُ الشّبابُ المتطلع إلى الحرية والديمقراطية بالأساس، أي تلك النخب الشبابية من الفئات الوسطى التي كانت تريد التحرُّر من كابوس الاستبداد الطويل لكي تعبّر عن مكنوناتها، وتتلمس ذاتها. وهي الفئات التي شكلت التنسيقيات، وتشابكت مع الإعلام، ولعبت دور الموثق لكلِّ التظاهرات التي حدثت في الأشهر الستة الأولى من الثورة. وكانت المؤثر بشكلٍ ما في تحديد المطالب والشعارات، التي كانت تبدو كَرَدٍّ على طابع السلطة وشعاراتها.

انخرطت فئات شعبية كثيرة في الثورة، وتحرّكت المناطق الأكثر فقراً وتهميشاً. وكان هؤلاء هم الأكثر جرأة واندفاعاً في التظاهرات، رغم كل العنف الذي كان يواجهها، ويجعل المتصدرين مشاريع شهداء بالضرورة. وحين أصبح عنف السلطة أكبر من أن يبقي السلمية ممكنة، كان هؤلاء هم من انتقل إلى التسلح، والى مقاومة الأجهزة الأمنية والشبّيحة، وأعوان السلطة.

وهذه هي العملية التي استمرّت عاماً كاملاً قادت إلى توسُّع الثورة إلى كل سوريا تقريباً. وكانت التظاهرات هي العنصر الأساس فيها رغم عنف السلطة، وبالتالي كان السلاح هو الرديف فقط. وهذه الحالة هي التي فرضت على السلطة سحب الجيش من مناطق واسعة في الشمال والشرق، خصوصاً أن معظم الجيش بات يشكل خطراً على السلطة ذاتها نتيجة الاحتقان الذي بات يعانيه، والذي فرض زيادة الفرار والانشقاق في الجيش. وهو الأمر الذي فرض أن “يحجز” في معسكرات خشية الانشقاق أو التحرُّك المباشر ضد السلطة.

لهذا باتت القوة التي تستخدمها السلطة من قطاعات الجيش محدودة، وكانت قد استهلكت قبلئذ لأنها كانت القوة التي تواجه بها الشعب منذ البدء (الحرس الجمهوري والفرقة الرابعة، وقطاعات قليلة أخرى). لهذا بات عليها أن تقلّص سيطرتها، وتمركز قواها في المدن، والطرق والمواقع الاستراتيجية.

هذا الأمر أوجد مناطق واسعة دون سلطة، ولم يستطع الشعب بناء سلطته عليها نتيجة العفوية المفرطة التي كانت تلفّ الثورة بغياب الأحزاب السياسية الواعية لدورها الثوري. وأصبح همّ المُسلّحين حماية مناطقهم فقط من السلطة دون اكتراث لما يجري بعد من ذلك.

هذا الوضع هُيِّئ لتكونَ هذه المناطق مفتوحة لـ “الجهاديين”، حيث يصدّرون للمناطق الخالية من كلِّ سلطة.

ولقد عملت جهات متعددة على إرسال هؤلاء، منها السعودية، والمالكي، لكن الأهم هو أن إطلاق سراح معتقلي القاعدة في السجون السورية حدث قبل ذلك، وبعضه قبل ذلك بقليل (نيسان 2012، حيث أطلق أبو مصعب السوري وعدد من كادرات التنظيم)، ليكونوا هم نواة جبهة النصرة.

المأساة أن بساطة الكتائب المسلحة والمقاتلين ضد السلطة ظنوا بأن هذا الحشد أتى لكي يساعدهم على إسقاط السلطة. وهو الأمر الذي هَيّأ “بيئة حاضنة”. وإذا كانت أزمة الشعب الناتجة عن وحشية السلطة تسمح بهذه “المقامرة”، فإن المعارضة التي من المفترض أنها تعرف السياسة كان عليها أن تتنبه لما يجري، سواء ممّا تمارسه السلطة أو من فهم وضع هؤلاء “الجهاديين” الذي أدى وجودهم في العراق إلى إفشال المقاومة، بالضبط لأنهم أسسوا لصراع طائفي من جهة، ولأنهم فرضوا سلطة على الشعب أفضت به إلى التشتت بين مقاومة الاحتلال الأميركي ومواجهتهم. لكن المعارضة رحبت بجبهة النصرة بعد أو وضعتها الإدارة الأميركية على لائحة الإرهاب (نكاية بأميركا التي كان يطمحون لأن تتدخل عسكرياً وخذلتهم). ومن ثم لم تلتفت إلى دور داعش (الدولة الإسلامية في العراق والشام)، على أساس أنها ضد السلطة.

الآن انفجرت الأوضاع وظهر أن داعش تلعب دوراً لمصلحة السلطة، وأنها مخترقة للسلطة (ولإيران وربما روسيا). وأيضاً سيظهر في الفترة القادمة دور النصرة والجبهة الإسلامية. حيث أن الأصولية تكون سهلة الاختراق لمن أراد، لهذا فهي مخترقة للولايات المتحدة والسعودية والمالكي وإيران والسلطة السورية، وأجهزة أمنية عديدة، بالضبط لأن الشباب الذي ينخرط في “الجهاد” من السطحية والسذاجة ومن التأزم، والهامشية ما يجعله سهل السيطرة من كلِّ تلك الأجهزة.

وإذا كانت السلطة قد تحدّثت عن “خطة بندر” منذ بداية الثورة، فقد نفذتها بجدارة بالتنسيق مع بندر.

وبهذا ظهر وكأن البديل عن السلطة هو الأصولية، رغم أنهما واحد.

المصدر: صدى الشام

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s