قانون ضبط التظاهر يعيد الحراك الاجتماعي لشوارع مصر

حال صدور القانون الخاص بمسألة حركات الاحتجاج بدأ الاحتجاج عليه، حيث نزل الشباب إلى الشوارع اعتراضاً لأنه يضبط حركات الاحتجاج، ويقيد كل إمكانية جدية للاحتجاج أو الإضراب أو الاعتصام. وهو شبيه بالقانون الذي أصدره محمد مرسي، ربما إلى حدّ التطابق. ما حاجة السلطة الجديدة لقانون كهذا، رغم اعتراض العديد من الأحزاب، ومن الشباب الذين شاركوا في لجنة «الخمسين» الخاصة بكتابة الدستور، قبل إقراره وصدوره؟

قبل أيام كانت ذكرى المواجهة في شارع محمد محمود حيث قتل النظام حينها العديد من الشباب المحتج، وحينها وقفت حركة الإخوان المسلمين مع العسكر ضد الشعب. ولا شك في أن الاحتجاج الذي حدث قد شكّل فاصلاً بين مرحلة الاحتجاج الإخواني على عزل مرسي، وهو الاحتجاج الذي كان يخفت خلال الأسابيع السابقة، ومرحلة جديدة تتمثل في عودة الحراك المجتمعي، رغم أن العديد من الإضرابات قد حصلت خلال الفترة الماضية، ولازالت تحصل. وهي تحدث في مصانع وأماكن احتجت ضد مبارك، وضد المجلس العسكري، وأيضاً ضد مرسي، بالضبط لأن مطالبها لم تتحقق.

وبالتالي يمكن أن نلاحظ بأن المرحلة القادمة سوف تشهد تحولاً في طبيعة الاحتجاج، وانتقاله من طابعه الإخواني إلى طابعه الشعبي، أي ذلك الذي قام بثورة 25 يناير، والذي استمر بتفاوت بعد ذلك.

ومن الواضح أن إصدار القانون الخاص بالتظاهر جاء لكي يقطع الطريق على هذا التحوّل الشعبي لحركة الاحتجاج، ومن أجل «ضبط» الوضع لتحقيق «الاستقرار». وهذا الأخير بات مطلب العديد من قطاعات الشعب من الفئات الوسطى، التي يبدو أنها «تعبت»، وباتت تريد «الاستقرار»، حتى في شكل «سلطة قوية». لكن المشكلة تتمثل في أن هؤلاء ليسوا هم من صنع ثورة 25 يناير، ولا حتى ثورة 30 يونيو، وهم غير قادرين على التأثير في الحراك، الذي يبدو أنه أصلاً من فعل الشباب.

ومن الواضح كذلك بأن السلطة الجديدة تميل للضبط ولا تميل لتحقيق مطالب الطبقات الشعبية. وهي تميل للضبط لأنها تعرف بأن حركة الاحتجاج ستستمر نتيجة أوضاع الطبقات الشعبية، ولا يبدو أن لديها حل يحقق المطالب التي كانت أصلاً في أساس ثورة 25 يناير، أي العيش والحرية والعدالة الاجتماعية، والتي كانت تتحدد في الحدّ الأدنى للأجور، وإعادة الأرض للفلاحين (الأرض التي استرجعت منهم بقرار صدر سنة 1997، وأعيدت للإقطاعيين القدامى)، وحل مشكلة البطالة. والتي على هامشها طرحت عشرات المطالب المناطقية و»الفئوية». إضافة إلى مطلب الدولة المدنية وانتصار الحرية، وحق التظاهر والإضراب وتشكيل الأحزاب وحرية الصحافة. وهي كلها مطالب طرحت قبل 25 يناير، وتكررت طيلة الـ 18 يوم التي مثلتها الثورة في 25 يناير. وكل من يستعيد اليافطات التي رفعت أو الشعارات التي ترددت سوف يجدها تتمحور حول هذه المطالب.

وإذا كانت صور جمال عبدالناصر قد ملأت الشوارع في 30 يونيو إلى 3 يوليو، لكي توحي بأن ما يجري هو استمرار لذلك القائد الكبير، فقد ظهر بأن الهدف هو استعادة الجيش لكي يلعب الدور المحوري في الثورة، وربما تحضيراً لـ «بكباشي» جديد. بينما جرى تجاهل السبب الحقيقي الذي جعل جمال عبد الناصر يحظى بكل ذاك التقدير، وأن يحقق كل تلك الشعبية دون انتخابات ولا برلمانات. فمصر في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية كانت تغلي بالصراع الطبقي، وبالحراك الاجتماعي. وكان واضحاً بأن الأمور تسير نحو الانفجار نتيجة الوضع السيء الذي يعيشه الشعب (والريف خصوصاً، الذي كان يمثل ما يقرب الـ 90 بالمئة من السكان).

ولهذا طرحت الثورة حينها «المبادئ الست»، لكن الأمر لم يبق عاماً بل أن القرار الأول كان تحقيق الإصلاح الزراعي بعد أقل من شهرين من عمر الثورة (وهذا القرار وما تبعه هو الذي حوّل الانقلاب إلى ثورة)، ومن ثم إقرار التعليم المجاني، وتأميم قناة السويس وبناء السد العالي، ثم التصنيع. وعبر ذلك جرى تحقيق مطالب الفلاحين بالحصول على الأرض، ومطالب الفلاحين والفئات الفقيرة في المدينة بالتعليم المجاني، ثم تجاوز البطالة عبر التوظيف في القطاعات الاقتصادية الجديدة وفي الدولة. هذا الأمر وحده هو الذي حقق الاستقرار وفرض نشوء «دولة قوية» (أو سلطة قوية، دكتاتورية)، حيث بات لها قاعدة اجتماعية واسعة.

الآن، ثورة يناير أوضحت المطالب دون لبس، وهي تلك التي أشرت إليها للتو، وهي مطالب ناضل العمال والفلاحون والفئات الوسطى سنوات قبل الثورة من أجل تحقيقها، وبالتالي باتت راسخة في الوعي، وأيضاً بات من غير الممكن توقّف الحراك من أجل تحقيقها بعد أن باتت الطبقات الشعبية المفقرة عاجزة عن الاستمرار في الوضع الذي تعيشه، وبعد أن كسر حاجز الخوف. ولم يظهر طيلة حكم المجلس العسكري أو الإخوان أي ميل لتحقيق كل هذه المطالب، لهذا شهدنا ثورة 30 يونيو.

كل هؤلاء قالوا بأن الاقتصاد لا يحتمل تحقيق كل تلك المطالب «الفئوية»، لكن الاقتصاد القائم هو الذي أوصل الشعب إلى الوضع المزري الذي هو فيه، وبالتالي لا بد من تغيير الاقتصاد.

هذا الأمر هو الذي يجعل إقرار قانون التظاهر أكثر أهمية من تنفيذ الحد الأدنى للأجور، ومن البحث عن حل حقيقي للبطالة، وللبنية التحتية المنهارة (السكك الحديدية مثلاً)، وللتعليم والصحة.

فالسلطة ليست لديها نية لتغيير الاقتصاد، وتعمل على الحفاظ على الوضع المختلّ بين أغلبية مفقرة وأقلية تتحكم بمجمل الاقتصاد. وهي من هذا المنظور تنظر للمشكلات، ولأن هذا الوضع هو الذي أنتجها فليس من حلّ من داخلها. بالتالي ليس غير العودة إلى «الضبط»، والمماطلة من أجل إنهاك الشعب، لكي يستسلم لـ «قدره».

لكن لم يعد الشعب قادراً على الاستسلام لقدره، ربما بعض الفئات الوسطى التي تنظر إلى شكل السلطة، خصوصاً فيما يتعلق بالحرية والديمقراطية، يمكن لها أن «تستسلم» فتعود إلى طلب الهدوء والاستقرار، بينما المفقرون ليس لديهم ترف الاستسلام والسكينة من جديد بعد أن كسر حاجز الخوف.

لهذا سنشهد عودة الحراك الشعبي رغم كل الاتهامات التي تلقى وستلقى عليه بأنه إخواني أو يخدم الإخوان.

باختصار، من يريد الاستقرار عليه تحقيق مطالب الشعب، هذا هو ملخص الأمر. وما هو واضح تماماً هو أن الشعب سيبقى متمرداً إلى أن يحقق مطالبه.

المصدر: العرب

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s