ثورة لم تنته

سلامة كيلة

لم تكن مشكلة سورية هي في وجود حافظ الأسد، أو توريث بشار الأسد، ولا يتعلق الأمر بأشخاص، بل يتعلق في السلطة ذاتها. السلطة التي عبر استبدادها الملازم لها نهبت الشعب وأسست لمجتمع يعيش معظمه في حالة فقر أو فقر شديد أو بطالة. ولم يستفد منها سوى أقلية تشابكت مع “العائلة الحاكمة”، أو استفادت من النشاط الاقتصادي الذي أوجدته في قطاعات هامشية ريعية.

لهذا لم تقصد ثورة الشعب التي بدأت في 15 آذار أشخاص بل قصدت بنية اقتصادية سياسية. قصدت إنهاء الاستبداد الطويل والسيطرة الشاملة على المجتمع. وقصدت الفئة التي تنهب وتحتكر الاقتصاد وتفقر كل الطبقات الشعبية. وبالتالي قصدت بناء بديل ديمقراطي، ويحقق مطالب الأغلبية المفقرة من خلال تحويل بنية الاقتصاد وإلغاء احتكاره، وتأسيس اقتصاد منتج يستطيع أن يكون قادراً على امتصاص البطالة وزيادة الأجور، وأساس تحقيق التطوير المجتمعي، بما في ذلك التعليم والصحة والبنية التحتية.

الشعب طالب بإسقاط النظام ولم يقصد الأشخاص فقط بل البنية التي كان هؤلاء الأشخاص واجهتها ومحتكريها. بالتالي كان يريد حلاً اقتصادياً ودولة مدنية، وهذا يفترض انتصار قوى لديها الحلول لذلك. المعارضة لم تكن تحمل حلاً، وخطابها تركز على الندب في مواجهة الاستبداد، وتبلورت في الغالب في إطار طرح “حل ممكن” يتعلق بتغيير شكل السلطة لكي تصبح “ديمقراطية”، مع التزام اللبرلة التي أفضت إلى التفارق الطبقي القائم، وحالة الإفقار الشديد التي طالت الشعب.

الآن، وبعد أن تحولت الثورة إلى السلاح بفعل وحشية السلطة، و”إغواء” بعض قوى الخارج ودوله، وبات المال هو الذي يحدد “قوة الأيديولوجية”، أو مواجهة الموت التي تدفع إلى التدين. بعد كل ذلك، وبتضخم حجم القوى الأصولية في الثورة، التي البعض منها مدعوم من السلطة، ونشأ بـ “معرفتها”، والبعض عبر الدعم المالي السعودي الخليجي، والتي أصبحت تتكتل وتحاول السيطرة على المناطق التي باتت خارج سيطرة السلطة، وتدفع نحو إنهاء كل الكتائب الأخرى، سواء بالحصار ومنع الدعم أو بتركها لعنف السلطة يسحقها.

الآن، يظهر وكأن الحل يتمثل في “الدولة الإسلامية”، وأن البديل عن السلطة المافياوية هو مافيا إسلامية أو “دولة إسلامية”. تفارق كبير يظهر إذن بين مطامح الثوريين الذين بدأوا الثورة وبين ما نحن فيه الآن. بالطبع يجب أن نعمل مراجعة شاملة لتحديد الظروف والأسباب التي أفضت إلى ذلك، لكن لا بد من أن نشير إلى أن “الحل الإسلامي” مطروح في شكلين، الأول هو ما تطرحه أخوات تنظيم القاعدة (داعش والنصرة) والذي يؤسس لإمارة تعيش على كفاف القرون الوسطى (أي بعد انهيار الدولة العربية الإسلامية)، وبتخلف وعيها، وضيق فهمها، وبالتالي لا تفعل سوى تدمير الوجود الذي نشأ، والتطور الذي حصل، هي هنا عنصر تدمير، ولا تستطيع بناء سلطة في الأخير لأن الشعب يطردها. والشكل الثاني هو الوصول إلى السلطة وإقامة “حكم إسلامي”، يركز على الأسلمة، أي الطقوس الدينية، وعلى القيم “الأخلاقية”، ولا يعرف شيئاً في مشكلات الشعب لا في الاقتصاد ولا في المجتمع، وليس معنياً أصلاً بحلها لأن أولويته هي “أخلاقية دعاوية”.

ولا شك في أن “إسلاميين” حكموا في أفغانستان فأعادوا المجتمع قروناً عشرة إلى الوراء. و”إسلاميين” حكموا السودان فانهارت الدولة وتفكك البلد، ونهب الشعب عبر مافيا “إسلامية”، وعاش سيطرة شمولية استبدادية. ولقد حكم الإخوان مصر لسنة ونصف لم يستطيعوا حل مشكلات الشعب الذي ثار من أجل تحقيق مطالبه في العيش والحرية والعدالة الاجتماعية، على العكس استمرت السياسة الاقتصادية (وكل السياسة) كما كانت زمن مبارك، والتي هي ما أفضى إلى الثورة، الأمر الذي دفع الشعب للثورة ضدهم.

فهل أن وضع “الإسلاميين” في سورية “غير”؟ ربما هم أسوأ لأنهم ليسوا الإخوان المسلمين، وهم على تواصل مع الوهابية التي تأتي بسلطة ريعية قروسطية ليس أكثر، وهم أقرب إلى تنظيم القاعدة في طبيعة رؤيتهم للسلطة والحكم. وبالتالي يبدون كقوة قهر جديدة تشيع الخوف بقطاع كبير من الشعب الذي يريد بديلاً يحقق مطالبه.

لهذا يبدو الشعب السوري الآن في مواجهة متعددة، مع السلطة التي أظهرت أقصى وحشية، ومع القوى الأصولية التي تريد فرض سلطتها في المناطق المسماة “محررة”، لكنه كذلك بات يتخوّف من بديل أسوأ، هو هذه القوى الأصولية.

المصدر: صدى الشام

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s