روسيا والحل الروسي وقاسيون

يعجبني “الرفاق” في حزب الإرادة الشعبية، حيث أنهم مواظبون على الرد عليّ كلما لمست طرف روسيا، رغم أنني هذه المرة “تناولت” الزعيم قدري جميل. أمر جميل أن يكون “الرفاق” على هذه المواظبة، وربما أمر مسلٍّ لي أن أجد من يستمر في الدفاع عن موقف وكل الوقائع تتكشف عن أوضاع جديدة تظهر مدى “خفة” هذا الموقف.

وفي أحيان يكون تناول ردود وانفعالات هو من باب الاستفادة من ضعف الرد، ومن وقائع تكشف هذا الضعف.

هذه المرة يجري فقط الإشارة إلى حديثي عن أن أميركا وروسيا إمبرياليتين، وإن بتهكم. كما تجري الإشارة إلى مواقف قوى متناقضة من حزب الإرادة وقدري جميل، منها من هو يدافع عن السلطة، ومنها من هو من “مدعي اليسار”، ومن “الجهادي السلفي” والقومي العربي. لإظهار “الخلطة العجيبة”، وبالتالي يشار إلى موقفي “لدرجة التطابق في الشكل على الأقل”، خصوصاً مع الشعار الذي يقول “لا أوباما ولا بوتين”. معتبراً أن سبب ذلك هو “مشهد تلك الوجوه الممتقعة مع اقتراب انطلاق الحل السياسي … الأمر الذي يلغي دور أية طفيليات تعتاش على الأزمة، في حقول الاقتصاد والسياسة والفكر، تارة من بوابة التباكي على السيادة الوطنية، وتارة ندباً وعويلاً على (الثورة المغدورة)”.
طبعاً المشكلة أنني لا في هذه ولا في تلك، فكيف وضعني السيد عصام حوج (سلامة كيلة ومعزوفة.. “لا أوباما ولا بوتين” http://www.kassioun.org/index.php/reports-and-opinions/item/4141-2013-11-17-10-01-25) بين كل هؤلاء الذين باتوا يخوضون حرباً ضروساً ضد “حكمة” حزب الإرادة والرفيق قدري؟

لست ممن يعتبر بأن الثورة مغدورة، وطبعاً لست ممن يتحدث عن السيادة، التي انتهكتها إيران وحزب الله وروسيا والسعودية وقطر وتركيا وفرنسا وأميركا. وما يعتبره مفصل كل هذا الصراع ضد “الرفيق” قدري جميل، أي “الحل السياسي”، واضح لي منذ زمن طويل، أي منذ أن كان “الرفاق” يتحدثون عن “المؤامرة الإمبريالية”، فمن يراجع موقفي يلمس ثلاث مسائل، الأولى أنني أعرف أن ما يمكن أن تحققه الثورة هو ضعضعة السلطة وكسر تماسكها لكي يقبل طرف فيها “الحل السياسة”، وهذا ما كتبته بعد أشهر قليلة من بدء الثورة، وشرحت لماذا. والثانية أن الحل روسي، وهو الأمر الذي أشرت إليه منذ بداية سنة 2012، وظللت أكرره في “صيغة نمطية”، والثالثة أن أميركا تبيع سورية لروسيا، وانها تعمل على إنجاح “الحل الروسي”، وهذا ما أكتشفه “الرفاق” متأخرين. وبعد التوافق الأميركي الروسي على “مبادئ جينيف” في 30/6 سنة 2012 أصبح واضحاً أن جينيف هو الحل.

وبالتالي واضح لي بأن الحل الممكن الآن هو جينيف. هل يجب الموافقة عليه؟ ليس بالضرورة، خصوصاً أنه يأتي لمصلحة سيطرة روسية، اقتصادية وسياسية، على النظام الجديد، وتُخضع سورية لعملية نهب من قبل الشركات الروسية. ويمكن هنا العودة لكل الاتفاقات الاقتصادية التي وقعها “الرفيق” قدري جميل نائب رئيس الوزراء للشئون الاقتصادية مع الجانب الروسي، والتي تخص النفط والغاز والمشاريع الاقتصادية في مختلف المجالات، والتي تشابه كل الاتفاقات التي وقعها عبدالله الدردري مع تركيا وقطر وغيرها، وما كان يوقع مع الدول الإمبريالية القديمة. ثم أن “الحكومة العتيدة” لن تختلف عن آل الأسد، وسوف تستمر في السياسات الاقتصادية ذاتها، وحتى في السياسة الخارجية لن تخرج عن الرؤية الروسية، بما في ذلك التفاوض مع الدولة الصهيونية.

رغم ذلك، أقول بأن الحل هو سياق موضوعي، وهو مفيد إذا أدى إلى إزاحة بشار الأسد ومجموعة المافيا العائلية التي تحيط به، وأفضى إلى إنهاء العنف الوحشي الذي تمارسه السلطة ضد الشعب، وسمح بالانتقال إلى شكل ديمقراطي يسمح بالصراع السياسي وبتعدد الأحزاب وحرية الصحافة والنقابات والإضرابات. وبالتالي قدّم متنفساً للشعب لكي يلتقط أنفاسه ويعيد ترتيب وجوده، ويسمح بإعادة بناء السياسة في المجتمع.

ربما لا يستطيع “الرفيق” فهم ما قلت، لأنه يريد الجواب البسيط: مع أو ضد، وموقفي هو ضد ومع. ضد الحل ونتائجة، ومع ما يمكن أن يحقق فعلياً، لأنني بالضرورة ضد السلطة الجديدة التي تمثل الطابع الطبقي ذاته، والتي تأتي بفئات لها مصالحها الخاصة كما الفئات المسيطرة الآن. ومع لأن واقع الثورة فوضوي إلى أبعد مدى، ولقد أفضت وحشية السلطة وتكتيكاتها إلى تصاعد دور القوى الأصولية، وبالتالي غياب أفق الثورة الآن. ثم لأن واقع الشعب بات صعباً إلى حدود لا توصف، ووصل الاختناق إلى حد سيء جداً، وبالتالي ربما يكون مفيداً تحقيق هذا المتنفس. وهذا الأمر لا يجعلني أخوض صراعاً ضد جينيف2، ولا أن أعتبر بأن هدفي هو إفشاله، ولا التحالف مع القوى الرافضة له، من السلطة (حيث ترفضه مافيا السلطة، وبشار الأسد) ولا من المعارضة، فأنا اعرف أنها ترفضه لأنها تخسر.

طبعاً ما أقوله هو صيغة طرح “اليسار المتفزلك”، أي الذي لا ينطلق من مبدأ: مع أو ضد، ويحاول أن يقدّم صورة متكاملة عن الوضع قبل أن يتخذ موقفاً، والذي يمكن أن يتخذ موقفاً مضاداً لأكثر من طرف، أو يقبل ويرفض في الوقت ذاته. فهذا هو المنظور الديالكتيكي الماركسي.

لكن عصام أصرّ على أن يعلمنا “الفهم المادي الجدلي للتاريخ”، حيث لا يجب النظر إلى التاريخ “في حالته السكونية”. هذا “الفهم المادي الجدلي” يفرض أن نرى روسيا، التي هي رأسمالية كما يقول، “في سياق تناقض مصالحها مع العربدة الأميركية، وفي ظل الحضيض الاقتصادي والأخلاقي الذي وصلت إليه الإمبريالية الأميركية”، فنجد أنها “أمام خيارين”، الأول “تجذير المعركة باتجاه بنية اقتصادية – اجتماعية جديدة”، والمؤشر لذلك هو أن ستالين اختير كأهم شخصية روسية في استطلاعات الرأي، وينطوي ذلك “دلالات كبرى لدى كل من له علاقة بـ (نظرية المعرفة)، ناهيك عن الفهم المادي الجدلي”. والثاني “تقاسم العالم” وهو الأمر الذي “لا ترضاه الإمبريالية الأخرى – الأميركية-“. في هذا التحديد جملة سقطات لا يقع فيها من يعرف الماركسية، فأولاً إذا كان الشعب الروسي عاد يعتبر ستالين هو الشخصية الأهم فإن السلطة هي ليست سلطة الشعب بل سلطة المافيا، التي _ حتى وإنْ أرادت الاستفادة من التاريخ – لا تفعل سوى البحث عن مصالحها. وأنا لا أشك بأن الشعب الروسي يحنّ إلى مرحلة الاشتراكية، وأيضاً أنه سينفجر في ثورة ضد النظام الرأسمالي الحالي. ولهذا فإن صور ستالين التي تدغدغ عواطف بعض الشيوعيين لا تتعلق بالسلطة الراهنة بل بميول لدى قطاع من الشعب، الذي لا يحكم، وربما يمكن أن نراهن على أنه سوف يسقط السلطة القائمة. وثانياً يؤكد عصام بأن روسيا دولة رأسمالية، وبالتالي فإن صراعها مع أميركا هو تنافس بين رأسماليات (ولن نقول إمبرياليات لكي لا يستثار، رغم أن الرأسمالية في المراكز باتت إمبريالية منذ تشكلت في طورها “الأعلى” أو الأحدث كما أشار لينين)، فهل يجب أن نقف مع رأسمالية ضد أخرى، أو نقبل “التعلق” بالرأسمالية الروسية رفضاً للرأسمالية الأميركية؟ هذا يؤشر على عدم رفض الرأسمالية بل رفض “هيمنتها” وغطرستها فقط. وثالثاً يوافقني عصام على وجود أزمة مستعصية في الرأسمالية ولهذا فمن “الطبيعي أن يتراجع الدور والمكانة التي تبوأتها الإمبريالية الأميركية”، لكنه يتناسى ذلك بعد أسطر ليعود إلى الحديث عن محاولاتها “الاستفراد بالهيمنة” لأنها باتت “رأسمالية (شايلوكية) ربوية”. طيب ما هي في أزمة وتنسحب لهذا تشير يا “رفيق” إلى ملئ الفراغ من قبل الروس، فكيف توحي بأنها لن تقبل التنازل وترفض “تقاسم العالم”؟

طبعاً من الواضح أن لا أساس لهذا “الفهم المادي الجدلي للتاريخ”، فهو يتأسس على “الحدس”، و”النوايا”. فهو يحدس بأن روسيا ستذهب “يساراً”، لأن استطلاعات الرأي أظهرت بأن الرفيق ستالين هو الشخصية الأولى، ولديه نوايا أن يرى روسيا في مكان آخر غير أنها إمبريالية وفي صدام مع الإمبريالية الأميركية. ولا شك في أن “نظرية المعرفة” تتأسس على الحدس والنوايا، و”عدم النظر إلى التاريخ في حالته السكونية” يصعّد التخيّل والأوهام.

ما يمكن قوله هو أنه مادامت روسيا رأسمالية (هذا التوصيف الذي لا أستحق براءة اختراع على اكتشاف العجلة ونحن في أوائل القرن الحادي والعشرين)، فمن الطبيعي أن تسعى إلى “ملئ الفراغ الناشئ”. وهي تسعى لتحقيق مصالحها، لكن ماذا يفيدنا ذلك؟ هل السيطرة الروسية أفضل من السيطرة الأميركية؟ وهل لا تعني النهب وإخضاع البلد لسياساتها ومصالحها؟ ثم ما دامت أزمة الإمبريالية الأميركية مستعصية وفرضت تراجعها ومكانتها، كيف يمكنها أن تبقى متشبثة بـ “إستراتيجيتها خلال العقدين الأخيرين” والتي “كانت تنحصر في محاولات الاستفراد بالهيمنة، بما يخالف منطق التاريخ”؟ هذه الإستراتيجية بنيت لتجاوز أزمتها وفشلت، وهو الأمر الذي فرض تراجعها، بالتالي لم تعد قادرة على رفض “تقاسم العالم”، لكن سنلمس هنا كيف تعود ثنائية أميركا – روسيا التي تحكم اليسار الممانع. الثنائية التي باتت مقياس كل مسائل العالم رغم أن الواقع تجاوزها، بالضبط لأن روسيا باتت رأسمالية، ولأن أميركا لم تعد قادرة على لعب دورها السابق لأنها تعيش أزمة مستعصية. ولقد باتت أولويتها هي منطقة آسيا والمحيط الهادي وليس “الشرق الأوسط” حسب ما تظهر إستراتيجيتها المقررة بداية سنة 2012. وهي تعترف بأنها لم تعد قادرة على “حكم العالم”، وكل الإعلام بات يتحدث عن “ضعف أميركا”. وهذا الأمر هو الذي دفع روسيا إلى ملئ الفراغ. بالتالي لماذا العودة إلى إستراتيجيتها “التي كانت” خلال العقدين الأخيرين؟ لقد سقطت في امتحان أزمة سنة 2008، وفي فشل محاولات تجاوزها، ومن ثم الإقرار بضرورة “إدارة الأزمة” وليس حلها. وهو الأمر الذي فرض رسم غستراتيجية جديدة لإعادة تموضعها العالمي تركز على منطقة آسيا والمحيط الهادي، وتترك “الشرق الأوسط” (فيما عدا الخليج) فراغاً أخذ روسيا كإمبريالية تستغله لكي تفرض هيمنتها.

التشبث بهذه الثنائية يفرض على عصام الانحكام للحدس والثقة بالنوايا، والسقوط في مستنقع المثالية بشكل مكشوف. فهو يشير إلى ما يغيب عن ذهني من وقائع وقرائن، طبعاً تؤكد ما يجعلنا نصدق بأن روسيا الدولة معنا ضد الإمبريالية الأميركية.

أول هذه القرائن والوقائع هي “البنية السياسية والثقافية التي تشكل الوعي الجمعي للشعوب الروسية”. هنا يعود الحديث عن الشعوب وليس عن “الدولة الرأسمالية”، رغم أن الأمر ليس كذلك، ربما كان “الشرق يجمعنا”، لكن هذا كلام لا علاقة له بالفهم المادي الجدلي حين النظر إلى الصراعات الدولية وسياسات الدول ومصالح الطبقات المسيطرة. فالرأسمالية الروسية ككل رأسمالية يتاح لها الظرف لكي تتوسع تسعى للهيمنة وفرض مصالحها. وهي تستغل الصورة التي يشير إليها عصام، والعلاقات السابقة، وموقف الاتحاد السوفيتي لكي تمرر سيطرتها وتفرض مصالحها. ويمكن ان تستعين بصور ليس فقط ستالين بل لينين وماركس من أجل ذلك.

وثاني هذه القرائن والوقائع هي “سيكولوجيا المواطن المنتمي إلى دولة عظمى ورد فعله على محاولة تغييب دورها عن المشهد السياسي العالمي، وتأثير كل ذلك على النخبة صانعة القرار في الكرملين”. هنا ننتقل إلى التأثير، فلاش ك في أن الانحدار الذي عاشته روسيا سوف يؤسس لرد قوي ضد من أراد سحقها، ولا شك كذلك أن الإمبريالية الأميركية حاولت وهي تتوسع عالمياً ان تنهي روسيا وتمنع تبلورها كدولة رأسمالية، لكن هذا الأمر فشل مع أزمة أميركا وتراجعها، وهو الأمر الذي جعلها تنسق مع روسيا حول “تقاسم العالم”. بالتالي كانت مشكلة روسيا الدولة مع أميركا الإمبريالية هي أن هذه الأخيرة لا تريدها أن تصبح إمبريالية، بينما كانت الرأسمالية الحاكمة تعمل من أجل التوسع الخارجي، وهذا ما أصبح واضحاً في الفترة الأخيرة، وأولاً في الملف السوري، ثم الإيراني.

وثالث هذه القرائن والوقائع هي “العلاقات التاريخية بين روسيا وشعوب الشرق عموماً والتي تكونت خلال قرون طويلة بعيداً عن المواجهات العسكرية المباشرة”. شكراً للتاريخ والفهم التاريخي، ربما هذا الأمر يسهّل قبول روسيا، لكن أي روسيا؟ ويمكن أن يكون الغطاء الأيديولوجي لتحقيق مصالح الرأسمالية الروسية، عبر إيهامنا بأن روسيا الحالية هي الاتحاد السوفيتي. وهذا ما يقع فيه “اليسار الممانع”، وما تريد الرأسمالية الروسية تعميمه لكي نقبل سيطرتها.

إذن الأمر الذي غاب عن ذهني هو بنية سياسية وثقافية ووعي وسيكولوجيا وعلاقات. شكراً، لم يغب عن ذهني كل ذلك، لكنني لا أنطلق في تحليلي المادي الجدلي من “البنية الفوقية” بل من الأساس الذي يؤسسها، أي من الاقتصاد والمصالح الطبقية كما تقول الماركسية. وروسيا الآن دولة رأسمالية تريد أن توسّع سوقها مستغلة ضعف أميركا، وتراجع قدرتها على المواجهة. هذا هو الأمر بكل بساطة. وأيضاً أنطلق من التمييز بين الشعب والسلطة التي تحكم، بين العلاقة بين الشعوب وسياسات الدول، وبالتأكيد لدي إرث من “حب الاتحاد السوفيتي” رغم اختلافي مع الحكم فيه حينها، ومن التعلق بلينين مثل التعلق بماركس وإنجلز، ومن تقييم لتجربة ستالين لا تشيطنه، ومن توقع بأن الثورة ستصل إلى روسيا وستسقط الرأسمالية من جديد. وبالتالي أن الاشتراكية ستعود إلى “الكرملين”. كل ذلك ليس في وقت بعيد بل مع الأزمة الطاحنة التي يعيشها كل النمط الرأسمالي، بإمبريالياته القديمة والجديدة.

ورغم أن عصام حاول أن يهرب من الثنائية الشهيرة، وحاول “تسخيف” ما أسميته “الصيغة النمطية”، دون أن ينجح، فقد عاد يضع الأمور في إطار هذه “الصيغة النمطية”، وأظن أنه من غير الممكن ليسار ممانع، ولشيوعية تقليدية أن يخرج منها، فهي كل الزاد الفكري لديهما. وباستخدام تعبير “بعيداً عن المفاضلة بين رأسماليتين” يدخلنا في المفاضلة بين رأسماليتين، روسيا “التي تسعى إلى الحفاظ على وحدة أراضيها لمواجهة سعي الأولى إلى ابتلاع العالم، بما فيها روسيا”، وأميركا التي “لها مشروع معلن وواضح وصريح بإعادة رسم خريطة المنطقة والعالم بما يتوافق مع أمنها القومي”. طبعاً وفق هذا التوصيف روسيا أفضل، لكن يبدو أنه نسي ما قال قبلاً عن الأزمة المستعصية لأميركا والفراغ الذي تركته، فعاد يكرر “الصيغة النمطية”. أميركا تجاوزت مشروعها المعلن منذ انهيار الاتحاد السوفيتي، بالضبط لن اقتصادها لم يعد يحمله، ولأن اقتصادها يغرق في كارثة لا أفق لتجاوزها، باتت تفرض على الإدارة الأميركية التراجع عن كل مشروعاتها السابقة ووضع رؤية جديدة أشرت إليها قبلاً. بالتالي أميركا تتراجع ونحن نتلقى “الزحف الروسي”، الذي أشار عصام إلى أنه يتقدم لملئ الفراغ. فروسيا لا تحمي حدودها فقط هي تسعى للهيمنة ككل إمبريالية، وإلا ماذا تعني الاتفاقات الاقتصادية التي وقعها “الرفيق” قدري جميل؟ أليست اتفاقات هيمنة واحتكار السوق، والسيطرة الاقتصادية؟ فما كان لشركات أميركية في مجال النفط ذهب إلى الشركات الروسية، وما كان يجري التصارع عليه من حقول الغاز بين أميركا وفرنسا ذهب لشركات روسية، والعقود التي كانت موقعة مع شركات تركية ذهبت لشركات روسية، وإعادة الإعمار الذي يشهد “خناقة” بين شركات عالمية ذهب إلى الصين. ماذا نسمي كل ذلك؟ صداقة سورية سوفيتية؟؟؟

**********

هذه، ربما، المرة الثالثة التي يرد فيها “رفيق” من حزب الإرادة الشعبية على ما أكتب عن روسيا خصوصاً، في كل الأحوال شكراَ للاهتمام، وآمل أن تفضي المناقشة إلى “تفاهم”. سأوضح هنا أن الرد الأول اتسم بأنه أيديولوجي “نظري”، ركّز على الانتهازية اليسارية عندي، وعلى توضيح اقتصادي بأن روسيا ليست إمبريالية. ثم اتسم الرد الثاني بأنه “إستراتيجي”، ركّز على رفض أن روسيا إمبريالية. والآن ها هو الرد الثالث يتسم بأنه تكتيكي يقوم على المفاضلة بين رأسماليتين. في كل الأحوال شكراً على هذا الجَلَد في المتابعة.

المصدر: الحوار المتمدن

يعجبني “الرفاق” في حزب الإرادة الشعبية، حيث أنهم مواظبون على الرد عليّ كلما لمست طرف روسيا، رغم أنني هذه المرة “تناولت” الزعيم قدري جميل. أمر جميل أن يكون “الرفاق” على هذه المواظبة، وربما أمر مسلٍّ لي أن أجد من يستمر في الدفاع عن موقف وكل الوقائع تتكشف عن أوضاع جديدة تظهر مدى “خفة” هذا الموقف. وفي أحيان يكون تناول ردود وانفعالات هو من باب الاستفادة من ضعف الرد، ومن وقائع تكشف هذا الضعف.
هذه المرة يجري فقط الإشارة إلى حديثي عن أن أميركا وروسيا إمبرياليتين، وإن بتهكم. كما تجري الإشارة إلى مواقف قوى متناقضة من حزب الإرادة وقدري جميل، منها من هو يدافع عن السلطة، ومنها من هو من “مدعي اليسار”، ومن “الجهادي السلفي” والقومي العربي. لإظهار “الخلطة العجيبة”، وبالتالي يشار إلى موقفي “لدرجة التطابق في الشكل على الأقل”، خصوصاً مع الشعار الذي يقول “لا أوباما ولا بوتين”. معتبراً أن سبب ذلك هو “مشهد تلك الوجوه الممتقعة مع اقتراب انطلاق الحل السياسي … الأمر الذي يلغي دور أية طفيليات تعتاش على الأزمة، في حقول الاقتصاد والسياسة والفكر، تارة من بوابة التباكي على السيادة الوطنية، وتارة ندباً وعويلاً على (الثورة المغدورة)”.
طبعاً المشكلة أنني لا في هذه ولا في تلك، فكيف وضعني السيد عصام حوج (سلامة كيلة ومعزوفة.. “لا أوباما ولا بوتين” http://www.kassioun.org/index.php/reports-and-opinions/item/4141-2013-11-17-10-01-25) بين كل هؤلاء الذين باتوا يخوضون حرباً ضروساً ضد “حكمة” حزب الإرادة والرفيق قدري؟
لست ممن يعتبر بأن الثورة مغدورة، وطبعاً لست ممن يتحدث عن السيادة، التي انتهكتها إيران وحزب الله وروسيا والسعودية وقطر وتركيا وفرنسا وأميركا. وما يعتبره مفصل كل هذا الصراع ضد “الرفيق” قدري جميل، أي “الحل السياسي”، واضح لي منذ زمن طويل، أي منذ أن كان “الرفاق” يتحدثون عن “المؤامرة الإمبريالية”، فمن يراجع موقفي يلمس ثلاث مسائل، الأولى أنني أعرف أن ما يمكن أن تحققه الثورة هو ضعضعة السلطة وكسر تماسكها لكي يقبل طرف فيها “الحل السياسة”، وهذا ما كتبته بعد أشهر قليلة من بدء الثورة، وشرحت لماذا. والثانية أن الحل روسي، وهو الأمر الذي أشرت إليه منذ بداية سنة 2012، وظللت أكرره في “صيغة نمطية”، والثالثة أن أميركا تبيع سورية لروسيا، وانها تعمل على إنجاح “الحل الروسي”، وهذا ما أكتشفه “الرفاق” متأخرين. وبعد التوافق الأميركي الروسي على “مبادئ جينيف” في 30/6 سنة 2012 أصبح واضحاً أن جينيف هو الحل.
وبالتالي واضح لي بأن الحل الممكن الآن هو جينيف. هل يجب الموافقة عليه؟ ليس بالضرورة، خصوصاً أنه يأتي لمصلحة سيطرة روسية، اقتصادية وسياسية، على النظام الجديد، وتُخضع سورية لعملية نهب من قبل الشركات الروسية. ويمكن هنا العودة لكل الاتفاقات الاقتصادية التي وقعها “الرفيق” قدري جميل نائب رئيس الوزراء للشئون الاقتصادية مع الجانب الروسي، والتي تخص النفط والغاز والمشاريع الاقتصادية في مختلف المجالات، والتي تشابه كل الاتفاقات التي وقعها عبدالله الدردري مع تركيا وقطر وغيرها، وما كان يوقع مع الدول الإمبريالية القديمة. ثم أن “الحكومة العتيدة” لن تختلف عن آل الأسد، وسوف تستمر في السياسات الاقتصادية ذاتها، وحتى في السياسة الخارجية لن تخرج عن الرؤية الروسية، بما في ذلك التفاوض مع الدولة الصهيونية.
رغم ذلك، أقول بأن الحل هو سياق موضوعي، وهو مفيد إذا أدى إلى إزاحة بشار الأسد ومجموعة المافيا العائلية التي تحيط به، وأفضى إلى إنهاء العنف الوحشي الذي تمارسه السلطة ضد الشعب، وسمح بالانتقال إلى شكل ديمقراطي يسمح بالصراع السياسي وبتعدد الأحزاب وحرية الصحافة والنقابات والإضرابات. وبالتالي قدّم متنفساً للشعب لكي يلتقط أنفاسه ويعيد ترتيب وجوده، ويسمح بإعادة بناء السياسة في المجتمع.
ربما لا يستطيع “الرفيق” فهم ما قلت، لأنه يريد الجواب البسيط: مع أو ضد، وموقفي هو ضد ومع. ضد الحل ونتائجة، ومع ما يمكن أن يحقق فعلياً، لأنني بالضرورة ضد السلطة الجديدة التي تمثل الطابع الطبقي ذاته، والتي تأتي بفئات لها مصالحها الخاصة كما الفئات المسيطرة الآن. ومع لأن واقع الثورة فوضوي إلى أبعد مدى، ولقد أفضت وحشية السلطة وتكتيكاتها إلى تصاعد دور القوى الأصولية، وبالتالي غياب أفق الثورة الآن. ثم لأن واقع الشعب بات صعباً إلى حدود لا توصف، ووصل الاختناق إلى حد سيء جداً، وبالتالي ربما يكون مفيداً تحقيق هذا المتنفس. وهذا الأمر لا يجعلني أخوض صراعاً ضد جينيف2، ولا أن أعتبر بأن هدفي هو إفشاله، ولا التحالف مع القوى الرافضة له، من السلطة (حيث ترفضه مافيا السلطة، وبشار الأسد) ولا من المعارضة، فأنا اعرف أنها ترفضه لأنها تخسر.
طبعاً ما أقوله هو صيغة طرح “اليسار المتفزلك”، أي الذي لا ينطلق من مبدأ: مع أو ضد، ويحاول أن يقدّم صورة متكاملة عن الوضع قبل أن يتخذ موقفاً، والذي يمكن أن يتخذ موقفاً مضاداً لأكثر من طرف، أو يقبل ويرفض في الوقت ذاته. فهذا هو المنظور الديالكتيكي الماركسي.
لكن عصام أصرّ على أن يعلمنا “الفهم المادي الجدلي للتاريخ”، حيث لا يجب النظر إلى التاريخ “في حالته السكونية”. هذا “الفهم المادي الجدلي” يفرض أن نرى روسيا، التي هي رأسمالية كما يقول، “في سياق تناقض مصالحها مع العربدة الأميركية، وفي ظل الحضيض الاقتصادي والأخلاقي الذي وصلت إليه الإمبريالية الأميركية”، فنجد أنها “أمام خيارين”، الأول “تجذير المعركة باتجاه بنية اقتصادية – اجتماعية جديدة”، والمؤشر لذلك هو أن ستالين اختير كأهم شخصية روسية في استطلاعات الرأي، وينطوي ذلك “دلالات كبرى لدى كل من له علاقة بـ (نظرية المعرفة)، ناهيك عن الفهم المادي الجدلي”. والثاني “تقاسم العالم” وهو الأمر الذي “لا ترضاه الإمبريالية الأخرى – الأميركية-“. في هذا التحديد جملة سقطات لا يقع فيها من يعرف الماركسية، فأولاً إذا كان الشعب الروسي عاد يعتبر ستالين هو الشخصية الأهم فإن السلطة هي ليست سلطة الشعب بل سلطة المافيا، التي _ حتى وإنْ أرادت الاستفادة من التاريخ – لا تفعل سوى البحث عن مصالحها. وأنا لا أشك بأن الشعب الروسي يحنّ إلى مرحلة الاشتراكية، وأيضاً أنه سينفجر في ثورة ضد النظام الرأسمالي الحالي. ولهذا فإن صور ستالين التي تدغدغ عواطف بعض الشيوعيين لا تتعلق بالسلطة الراهنة بل بميول لدى قطاع من الشعب، الذي لا يحكم، وربما يمكن أن نراهن على أنه سوف يسقط السلطة القائمة. وثانياً يؤكد عصام بأن روسيا دولة رأسمالية، وبالتالي فإن صراعها مع أميركا هو تنافس بين رأسماليات (ولن نقول إمبرياليات لكي لا يستثار، رغم أن الرأسمالية في المراكز باتت إمبريالية منذ تشكلت في طورها “الأعلى” أو الأحدث كما أشار لينين)، فهل يجب أن نقف مع رأسمالية ضد أخرى، أو نقبل “التعلق” بالرأسمالية الروسية رفضاً للرأسمالية الأميركية؟ هذا يؤشر على عدم رفض الرأسمالية بل رفض “هيمنتها” وغطرستها فقط. وثالثاً يوافقني عصام على وجود أزمة مستعصية في الرأسمالية ولهذا فمن “الطبيعي أن يتراجع الدور والمكانة التي تبوأتها الإمبريالية الأميركية”، لكنه يتناسى ذلك بعد أسطر ليعود إلى الحديث عن محاولاتها “الاستفراد بالهيمنة” لأنها باتت “رأسمالية (شايلوكية) ربوية”. طيب ما هي في أزمة وتنسحب لهذا تشير يا “رفيق” إلى ملئ الفراغ من قبل الروس، فكيف توحي بأنها لن تقبل التنازل وترفض “تقاسم العالم”؟
طبعاً من الواضح أن لا أساس لهذا “الفهم المادي الجدلي للتاريخ”، فهو يتأسس على “الحدس”، و”النوايا”. فهو يحدس بأن روسيا ستذهب “يساراً”، لأن استطلاعات الرأي أظهرت بأن الرفيق ستالين هو الشخصية الأولى، ولديه نوايا أن يرى روسيا في مكان آخر غير أنها إمبريالية وفي صدام مع الإمبريالية الأميركية. ولا شك في أن “نظرية المعرفة” تتأسس على الحدس والنوايا، و”عدم النظر إلى التاريخ في حالته السكونية” يصعّد التخيّل والأوهام.
ما يمكن قوله هو أنه مادامت روسيا رأسمالية (هذا التوصيف الذي لا أستحق براءة اختراع على اكتشاف العجلة ونحن في أوائل القرن الحادي والعشرين)، فمن الطبيعي أن تسعى إلى “ملئ الفراغ الناشئ”. وهي تسعى لتحقيق مصالحها، لكن ماذا يفيدنا ذلك؟ هل السيطرة الروسية أفضل من السيطرة الأميركية؟ وهل لا تعني النهب وإخضاع البلد لسياساتها ومصالحها؟ ثم ما دامت أزمة الإمبريالية الأميركية مستعصية وفرضت تراجعها ومكانتها، كيف يمكنها أن تبقى متشبثة بـ “إستراتيجيتها خلال العقدين الأخيرين” والتي “كانت تنحصر في محاولات الاستفراد بالهيمنة، بما يخالف منطق التاريخ”؟ هذه الإستراتيجية بنيت لتجاوز أزمتها وفشلت، وهو الأمر الذي فرض تراجعها، بالتالي لم تعد قادرة على رفض “تقاسم العالم”، لكن سنلمس هنا كيف تعود ثنائية أميركا – روسيا التي تحكم اليسار الممانع. الثنائية التي باتت مقياس كل مسائل العالم رغم أن الواقع تجاوزها، بالضبط لأن روسيا باتت رأسمالية، ولأن أميركا لم تعد قادرة على لعب دورها السابق لأنها تعيش أزمة مستعصية. ولقد باتت أولويتها هي منطقة آسيا والمحيط الهادي وليس “الشرق الأوسط” حسب ما تظهر إستراتيجيتها المقررة بداية سنة 2012. وهي تعترف بأنها لم تعد قادرة على “حكم العالم”، وكل الإعلام بات يتحدث عن “ضعف أميركا”. وهذا الأمر هو الذي دفع روسيا إلى ملئ الفراغ. بالتالي لماذا العودة إلى إستراتيجيتها “التي كانت” خلال العقدين الأخيرين؟ لقد سقطت في امتحان أزمة سنة 2008، وفي فشل محاولات تجاوزها، ومن ثم الإقرار بضرورة “إدارة الأزمة” وليس حلها. وهو الأمر الذي فرض رسم غستراتيجية جديدة لإعادة تموضعها العالمي تركز على منطقة آسيا والمحيط الهادي، وتترك “الشرق الأوسط” (فيما عدا الخليج) فراغاً أخذ روسيا كإمبريالية تستغله لكي تفرض هيمنتها.
التشبث بهذه الثنائية يفرض على عصام الانحكام للحدس والثقة بالنوايا، والسقوط في مستنقع المثالية بشكل مكشوف. فهو يشير إلى ما يغيب عن ذهني من وقائع وقرائن، طبعاً تؤكد ما يجعلنا نصدق بأن روسيا الدولة معنا ضد الإمبريالية الأميركية.
أول هذه القرائن والوقائع هي “البنية السياسية والثقافية التي تشكل الوعي الجمعي للشعوب الروسية”. هنا يعود الحديث عن الشعوب وليس عن “الدولة الرأسمالية”، رغم أن الأمر ليس كذلك، ربما كان “الشرق يجمعنا”، لكن هذا كلام لا علاقة له بالفهم المادي الجدلي حين النظر إلى الصراعات الدولية وسياسات الدول ومصالح الطبقات المسيطرة. فالرأسمالية الروسية ككل رأسمالية يتاح لها الظرف لكي تتوسع تسعى للهيمنة وفرض مصالحها. وهي تستغل الصورة التي يشير إليها عصام، والعلاقات السابقة، وموقف الاتحاد السوفيتي لكي تمرر سيطرتها وتفرض مصالحها. ويمكن ان تستعين بصور ليس فقط ستالين بل لينين وماركس من أجل ذلك.
وثاني هذه القرائن والوقائع هي “سيكولوجيا المواطن المنتمي إلى دولة عظمى ورد فعله على محاولة تغييب دورها عن المشهد السياسي العالمي، وتأثير كل ذلك على النخبة صانعة القرار في الكرملين”. هنا ننتقل إلى التأثير، فلاش ك في أن الانحدار الذي عاشته روسيا سوف يؤسس لرد قوي ضد من أراد سحقها، ولا شك كذلك أن الإمبريالية الأميركية حاولت وهي تتوسع عالمياً ان تنهي روسيا وتمنع تبلورها كدولة رأسمالية، لكن هذا الأمر فشل مع أزمة أميركا وتراجعها، وهو الأمر الذي جعلها تنسق مع روسيا حول “تقاسم العالم”. بالتالي كانت مشكلة روسيا الدولة مع أميركا الإمبريالية هي أن هذه الأخيرة لا تريدها أن تصبح إمبريالية، بينما كانت الرأسمالية الحاكمة تعمل من أجل التوسع الخارجي، وهذا ما أصبح واضحاً في الفترة الأخيرة، وأولاً في الملف السوري، ثم الإيراني.
وثالث هذه القرائن والوقائع هي “العلاقات التاريخية بين روسيا وشعوب الشرق عموماً والتي تكونت خلال قرون طويلة بعيداً عن المواجهات العسكرية المباشرة”. شكراً للتاريخ والفهم التاريخي، ربما هذا الأمر يسهّل قبول روسيا، لكن أي روسيا؟ ويمكن أن يكون الغطاء الأيديولوجي لتحقيق مصالح الرأسمالية الروسية، عبر إيهامنا بأن روسيا الحالية هي الاتحاد السوفيتي. وهذا ما يقع فيه “اليسار الممانع”، وما تريد الرأسمالية الروسية تعميمه لكي نقبل سيطرتها.
إذن الأمر الذي غاب عن ذهني هو بنية سياسية وثقافية ووعي وسيكولوجيا وعلاقات. شكراً، لم يغب عن ذهني كل ذلك، لكنني لا أنطلق في تحليلي المادي الجدلي من “البنية الفوقية” بل من الأساس الذي يؤسسها، أي من الاقتصاد والمصالح الطبقية كما تقول الماركسية. وروسيا الآن دولة رأسمالية تريد أن توسّع سوقها مستغلة ضعف أميركا، وتراجع قدرتها على المواجهة. هذا هو الأمر بكل بساطة. وأيضاً أنطلق من التمييز بين الشعب والسلطة التي تحكم، بين العلاقة بين الشعوب وسياسات الدول، وبالتأكيد لدي إرث من “حب الاتحاد السوفيتي” رغم اختلافي مع الحكم فيه حينها، ومن التعلق بلينين مثل التعلق بماركس وإنجلز، ومن تقييم لتجربة ستالين لا تشيطنه، ومن توقع بأن الثورة ستصل إلى روسيا وستسقط الرأسمالية من جديد. وبالتالي أن الاشتراكية ستعود إلى “الكرملين”. كل ذلك ليس في وقت بعيد بل مع الأزمة الطاحنة التي يعيشها كل النمط الرأسمالي، بإمبريالياته القديمة والجديدة.
ورغم أن عصام حاول أن يهرب من الثنائية الشهيرة، وحاول “تسخيف” ما أسميته “الصيغة النمطية”، دون أن ينجح، فقد عاد يضع الأمور في إطار هذه “الصيغة النمطية”، وأظن أنه من غير الممكن ليسار ممانع، ولشيوعية تقليدية أن يخرج منها، فهي كل الزاد الفكري لديهما. وباستخدام تعبير “بعيداً عن المفاضلة بين رأسماليتين” يدخلنا في المفاضلة بين رأسماليتين، روسيا “التي تسعى إلى الحفاظ على وحدة أراضيها لمواجهة سعي الأولى إلى ابتلاع العالم، بما فيها روسيا”، وأميركا التي “لها مشروع معلن وواضح وصريح بإعادة رسم خريطة المنطقة والعالم بما يتوافق مع أمنها القومي”. طبعاً وفق هذا التوصيف روسيا أفضل، لكن يبدو أنه نسي ما قال قبلاً عن الأزمة المستعصية لأميركا والفراغ الذي تركته، فعاد يكرر “الصيغة النمطية”. أميركا تجاوزت مشروعها المعلن منذ انهيار الاتحاد السوفيتي، بالضبط لن اقتصادها لم يعد يحمله، ولأن اقتصادها يغرق في كارثة لا أفق لتجاوزها، باتت تفرض على الإدارة الأميركية التراجع عن كل مشروعاتها السابقة ووضع رؤية جديدة أشرت إليها قبلاً. بالتالي أميركا تتراجع ونحن نتلقى “الزحف الروسي”، الذي أشار عصام إلى أنه يتقدم لملئ الفراغ. فروسيا لا تحمي حدودها فقط هي تسعى للهيمنة ككل إمبريالية، وإلا ماذا تعني الاتفاقات الاقتصادية التي وقعها “الرفيق” قدري جميل؟ أليست اتفاقات هيمنة واحتكار السوق، والسيطرة الاقتصادية؟ فما كان لشركات أميركية في مجال النفط ذهب إلى الشركات الروسية، وما كان يجري التصارع عليه من حقول الغاز بين أميركا وفرنسا ذهب لشركات روسية، والعقود التي كانت موقعة مع شركات تركية ذهبت لشركات روسية، وإعادة الإعمار الذي يشهد “خناقة” بين شركات عالمية ذهب إلى الصين. ماذا نسمي كل ذلك؟ صداقة سورية سوفيتية؟؟؟
**********
هذه، ربما، المرة الثالثة التي يرد فيها “رفيق” من حزب الإرادة الشعبية على ما أكتب عن روسيا خصوصاً، في كل الأحوال شكراَ للاهتمام، وآمل أن تفضي المناقشة إلى “تفاهم”. سأوضح هنا أن الرد الأول اتسم بأنه أيديولوجي “نظري”، ركّز على الانتهازية اليسارية عندي، وعلى توضيح اقتصادي بأن روسيا ليست إمبريالية. ثم اتسم الرد الثاني بأنه “إستراتيجي”، ركّز على رفض أن روسيا إمبريالية. والآن ها هو الرد الثالث يتسم بأنه تكتيكي يقوم على المفاضلة بين رأسماليتين. في كل الأحوال شكراً على هذا الجَلَد في المتابعة.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s