الحل السوري في جنيف

78cbc111-e9ea-460b-acc7-57045f3ba60e

حتى وإن تأخر فقد بات عقد مؤتمر جنيف2 محسوما بعد أن نص عليه في القرار رقم 2118 المتعلق بالأسلحة الكيميائية السورية.

هذا الأمر فرض تصعيدا “على الأرض” متعدد الأغراض، حيث بدأت داعش (الدولة الإسلامية في العراق والشام) سياسة السيطرة على المناطق التي هي خارج سيطرة السلطة في الشمال والشرق، والسيطرة على المراكز الحدودية مع تركيا، وفرض قوانينها على الشعب، وبالتالي الاشتباك مع الكتائب المسلحة والعمل على إخضاعها، وهي تقيم “دولة الخلافة”.

لماذا هذه السياسة؟ هل هي نتاج “المنظور الأيديولوجي” الذي يحكمها فقط، حيث تسعى إلى ملء الفراغ كما حدث في العراق مع “تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين” (الذي هو داعش بالتمام والكمال)؟ أم إن الهدف هو تصفية الكتائب المسلحة، وإرهاق الشعب لكي تصبح عودة السلطة ضرورة؟

كل المؤشرات تقود إلى علاقة ما بين داعش والسلطة السورية، سواء نتيجة التاريخ السابق أو نتيجة الممارسات على الأرض التي أظهرت في أكثر من مكان التنسيق العملي بينهما (منها حماية أنابيب النفط، وتسلم بعض المواقع العسكرية).

وبهذا تكون خطوات داعش متناسقة مع خطة السلطة لفرض السيطرة على المناطق التي اضطرت للانسحاب منها.

هذا هو الأمر الثاني الذي ارتبط بالتحضير لمؤتمر جنيف2، والذي كان يبرز كلما جرى الحديث عن تحديد موعده، وهو أن السلطة تريد الذهاب إلى جنيف وهي منجزة “انتصارات كبيرة” على الأرض، لهذا منذ معركة القصير وسياستها تقوم على استرجاع المناطق التي انسحبت منها.

فبدأت معركة حمص وريف دمشق، وحاولت في دير الزور والشمال، لكنها فشلت في كل هذه المناطق، الأمر الذي دفعها إلى استخدام الأسلحة الكيميائية قبيل الموعد الذي كان يجري التحضير له بين خبراء روس وأميركيين في سبتمبر/أيلول الماضي (الكيميائي استخدم يوم 21/8/2013).

والسلطة تحاول الآن السيطرة على جنوب دمشق، وتمطر حمص ودرعا بالصواريخ، في سياق محاولتها تحقيق “انتصار” قبل أن يتحدد موعد المؤتمر. وبهذا فهي تعمل على مستويين، مباشر عبر قواتها، وعبر داعش لإنهاك الكتائب المسلحة، والتحضير لإعادة السيطرة.

في المقابل استثارت موافقة الائتلاف الوطني السوري على الذهاب إلى جنيف أطرافا سياسية وعسكرية متعددة.

فقد كان واضحا موقف المجلس الوطني الذي أبعد عن الهيمنة على الائتلاف في سياق التحضير لمشاركة الائتلاف في جنيف2، ولهذا رفض جنيف وهدد بالانسحاب من الائتلاف.

وأيضا هناك آخرون يمكن أن يسيروا في هذا المسار، لكن كل ذلك لن يؤثر على الوضع لأن داعمي المجلس أصبحوا قليلي التأثير في سياق الحدث السوري.

لكن التهديد الأهم أتى من كتائب مسلحة أصولية، سحبت تأييدها للائتلاف، وشكلت تحالفات لإقامة “الدولة الإسلامية”، وربما تنزع كلها (بما فيها جبهة النصرة وأحرار الشام) لتشكيل تحالف أصولي يرفض التفاوض ويصر على إسقاط السلطة بالقوة.

وهذه القوى خاضعة لجهات تمويل خارجية (السعودية خصوصا)، وربما يرتبط تكتيكها بالموقف السعودي في نهاية الأمر، بالتالي يمكن أن يكون الهدف من كل ما جرى هو “تحسين شروط” كما تفعل السلطة، ودعم السعودية للائتلاف ربما يؤشر إلى هذا الاحتمال، أو إذا قرر هؤلاء السير إلى النهاية فإن مشكلة ستحدث إذا ما توصل مؤتمر جنيف إلى حل.

بالتالي فإن مؤتمر جنيف يعاني مسبقا من تعقيدات جوهرية، لكن لا شك في أن الوضع بات مرهقا ليس للسوريين فهذا أمر لا يلتفت إليه أحد من القوى الدولية والإقليمية، بل ربما للروس الذين يستعدون لمد نفوذهم إلى “الشرق الأوسط”، وللدول المحاذية لسوريا التي باتت مرهقة باللاجئين، ومتخوفة من انعكاس الوضع السوري عليها (وهنا لبنان خصوصا، وحتى الأردن، وتركيا والعراق).

وأيضا ربما لم تعد هناك حاجة لاستمرار الصراع بالنسبة للإمبريالية الأميركية (وحتى للدولة الصهيونية) بعد أن جرى تدمير قوى سوريا الاقتصادية والحضارية والعسكرية، وبعد البدء بتنفيذ تدمير الأسلحة الكيميائية التي باتت التهديد الأخطر على الدولة الصهيونية.

ونتيجة كل ذلك ربما يجري تسريع العمل على تحقيق الحل، من خلال عقد المؤتمر (أواسط شهر نوفمبر/تشرين الثاني).

والمؤتمر هو ليس للحوار بين وفد من السلطة ووفد يمثل المعارضة بمختلف أطيافها، فمبادئ جنيف التي أقرتها مجموعة العمل حول سوريا في 30 يونيو/حزيران 2012 تتضمن الحل بكل أسسه.

وأساسها تشكيل حكومة انتقالية كاملة الصلاحيات من طرف في السلطة ومن المعارضة تشرف على مرحلة انتقالية، ومن ثم يجري التحضير لكتابة دستور جديد وإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية.

وبالتالي فمن أجل إقرار الموافقة وتشكيل الحكومة (التي ربما يجري في الكواليس الآن ترتيب عناصرها)، والانتقال لتنفيذها على الأرض بوقف إطلاق النار، وإطلاق سراح المعتقلين وإعادة المهجرين، وإعادة آليات الدولة.

ما يعترض هذا الحل -إذا افترضنا بأن القوى الراعية باتت حاسمة في تنفيذه- مشكلتان: الأولى تتعلق برفض بشار الأسد، أو السلطة الفعلية التي واجهها بشار الأسد، وهنا آل مخلوف وماهر الأسد خصوصا، حيث كان واضحا لها منذ البدء أن أي تنازل يقدم للشعب الثائر سيكون على حسابها هي بالتحديد، لهذا قررت “القتال إلى النهاية” كما أعلن رامي مخلوف منذ البدء.

وما زالت متمسكة بذلك رغم “الليونة” التي تبديها تجاه جنيف، والآتية نتيجة الضغط الروسي في الغالب، أو لترك المعارضة ترفض المؤتمر، وهي تعمل كل ما يمكن أن يخرب إمكانية عقد المؤتمر (حتى في التصعيد العسكري، أو بتحريك داعش).

لهذا يمكن التساؤل بشأن كيفية تجاوز هذه “العقبة”؟ الروس منذ بداية الحديث عن جنيف، وبعد إقرار المبادئ أصروا على إخراج بشار الأسد من كل حديث، حيث أكدوا أن المبادئ لا تنص على رحيله، لكنهم سيكونون أغبياء بالفعل في حال صدقوا أنه يمكن تحقيق الحل بوجود بشار الأسد (خصوصا بعد أن التزم تسليم الأسلحة الكيميائية)، فمهما وصلت بشاعة الوضع لن يهدأ الوضع، ويجري القبول بالحل في ظل بشار الأسد.

ربما تجري المناورة الآن، مع أميركا، لتمديد التفاوض (الذي هو ليس تفاوضا كما أشرنا) إلى نهاية حكم بشار الأسد في يوليو/تموز 2014، ومن ثم يخرج من السلطة.

لكن أظن أن الأمور يمكن أن تسير إلى شكل ما من انهيار السلطة قبل ذلك، نتيجة الضعف الذي باتت تعانيه، والعجز عن استمرار تدفق “المقاتلين” من العراق وإيران ومن حزب الله.

ومهما فعلت داعش لن يكون الأمر سوى تعميم الفوضى، وهذا ما لا يساعد السلطة على التماسك. طبعا صرت معتقدا بأن الروس أغبياء، إلا إذا دفعتهم أميركا إلى التعجيل في تحقيق الحل، بعد أن هددت بضربة عسكرية.

لهذا لن ينجح جنيف2 إلا إذا تضمن رحيل بشار الأسد، أو قاد التوافق بين أطراف في المعارضة وأطراف في السلطة إلى “تطييره” بشكل ما، إذ لا يتصور أن يهدأ الوضع، ويقبل الشعب، وكثير من المسلحين بأقل من “رأس” بشار الأسد.

فهذا ما يمكن أن يشعر الشعب الذي تعرض لكل الوحشية والتدمير بأن ثورته قد حققت شيئاً ما مشابها لما حصل في تونس ومصر، رغم أن هذا الحل لا يحقق المطالب الجوهرية للشعب التي يبدو أنها صارت في المؤخرة بعد أن باتت مسألة إعادة الإعمار تحظى بأولوية، وتحددت مطالب المعارضة في شكل ديمقراطي “بسيط”، وهذا ما سيفتح على استمرار الصراع، وإن بأشكال أخرى (ربما تكون أفضل وأهم، وتفتح على أفق التغيير الحقيقي).

المشكلة الأخرى التي تعترض هذا الحل هي مشكلة “المجموعات الأصولية” التي أعلنت رفضها الحل وليس في منظورها سوى إسقاط النظام بالقوة، معتقدة بأن ذلك أمر ممكن رغم غياب الدعم والتسليح، والبرنامج الذي تطرحه يدفع فئات أكبر من الشعب لتقبل حل جنيف، وهي بالتالي تضيّق على ذاتها في دعوتها لقيام “دولة إسلامية”.

ولا شك أن السلطة بوضعها الحالي عاجزة عن المواجهة، لأنها ما زالت تواجه الشعب، لكن في حال نجاح مؤتمر جنيف2 والتوصل إلى حل يرضي القطاعات الشعبية (أو أغلبها) وإن على مضض (نتيجة كل الوضع السيئ الذي أوجدته السلطة وساعدت به طبيعة الصراع)، فكيف يمكن أن يكون الوضع؟ هل ستقاتل هذه القوى ضد الحل؟

أظن أن الوضع سيكون أسوأ بالنسبة لها، لأنها ستفقد القاعدة الشعبية التي تؤازرها أو تقبل بها على مضض، وسوف يتأسس تحالف جديد يكون قادرا على تحريك قوى عسكرية أكبر من قدرة السلطة الحالية، وهو معظم قطاعات الجيش التي هي محيدة الآن نتيجة الاحتقان الذي تعانيه، وأيضا قوى من الشعب تعتقد أنه يجب إنهاء وهم “الخلافة” والعصور الوسطى.

إذن، إذا نجح الحل فسيتأسس تحالف جديد، ليس بين بعض أطراف السلطة وبعض المعارضة، فهذا ليس هو المهم، لكنه سيفتح على إعادة فاعلية الجيش المحيد الآن، وبالتالي ستقع تلك القوى بين قاعدة شعبية رافضة وقوى عسكرية مختلفة النوعية، وربما يؤدي ذلك أيضا لقطع الدعم الخارجي.

بالتالي فإن حل المعضلة الأولى (رحيل بشار) هي وحدها التي تسمح بحل المعضلة الثانية، وتقود إلى تغير في طبيعة الصراع الذي لن ينتهي كما أشرنا لمصلحة الصراع السياسي الشعبي، إذا ما قاد الحل إلى تأسيس دولة “ديمقراطية” (أي ديمقراطية ذات دور منخفض ككل الديمقراطيات العربية).

هنا يمكن أن نقول إن الأمر بات يتعلق بـ”الإرادة” الدولية (الروسية الأميركية تحديدا) من جهة، وبالحل الذي يؤدي إلى رحيل الطاغية.

المصدر: الجزيرة

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s