أن تستمر الثورة

باتت الأمور مختلطة، وكما أشرنا كثيراً أن الثورة في فوضى، ولا شك في أنها زادت في الفترة الأخيرة، وظهرت تشققات مؤذية، سببها محاولة فرض منظور خاص على مسارها، هو منظور أيديولوجي أصولي تناقض مع مطالبها الأولى، ومع حاجاتها، وكذلك مع إمكانية استمرارها وتطورها، لأنه يفضي إلى تردد وتفكك وتراخٍ لدى كل الذين يرون خطراً، وحرفاً للثورة عن هدفها الأساس، الذي هو إسقاط النظام. ويعتبرون أن فرض هذا الشكل من النظم هو أسوأ مما هو قائم، لأنه يعمم الاستبداد ويدخله حتى بما هو شخصي، بدل الهدف الأول الذي قامت على أساسه الثورة، وهو: الحرية، التي هي التجاوز للاستبداد الذي فرضته سلطة مافياوية عائلية.

لم يقاتل الشعب من أجل استبداد أشدّ، ودولة تعيش القرون الوسطى لأن من يحكمها لا يعرف بالاقتصاد والسياسة والمجتمع، وليس لديه زاد سوى “الأحكام الفقهية”، التي هي في غالبها تتعلق بـ “الأخلاق” (وخصوصاً بالجنس). وبالتالي لا تفعل سوى تدمير الاقتصاد كاملاً بدل إنهاضه، وتخريب الزراعة وما بقي من الصناعة، لتكريس “اقتصاد” بدائي لا إنتاج فيه، ولا عمل، ربما سوى الحشيش (كما في أفغانستان)، وتهريب النفط، والخوة.

المنظور الفقهي الذي يحكم القوى التي باتت تريد الاستحواذ بالسلطة (وهي تفعل ذلك في المناطق التي باتت خارج سلطة الدولة) يقوّض الاقتصاد، وبالتالي المجتمع، وينشئ سلطة شمولية استبدادية، لكن هذه المرة باسم الله. وهي سلطة قروسطية، بدائية (حيث أنها تقليد لما يوجد في كتب الفقه، المصاغ بالتحديد في القرون الوسطى، أي القرون التي تلت انهيار الإمبراطورية العربية الإسلامية). لتكون الخلافة هي الإعادة إلى الخلف قروناً بدل التقدم إلى الأمام.

هذا صراع بات مفروضاً على الثورة، من أجل أن تتقدم. لكنه لا يعني التخلي عن الصراع ضد السلطة، بل يعني أننا بتنا في صراعين، في الآن ذاته. وهذا يعقد الأمور لكن لا مفر منه؛ فهذه القوى هي التي فرضت الصراع، وأي تنازل أمامها يعني سيطرتها وفرضها لسطوتها. لهذا سيكون عبئاً أن يخوض الشعب صراعين قاسيين في الآن ذاته، لكن قوانين الثورات لا يمكن التحكم فيها، وانفجار التناقضات أمر ينتج عن ميول قوى إلى أن تسيطر، وأن تفرض منطقها قبل أن يتحقق الهدف العام الذي طرحته الثورة: إسقاط النظام. فما أن وجدت بعض هذه القوى فراغاً سارعت لكي تفرض سلطتها، وهي عادة تنتظر الفراغ لكي تحقق “حلمها” بإقامة “دولة الخلافة”. هذا الحلم الذي بات أقرب إلى الهوس، والذي يحكم فئات سلفية تعتقد بأن الواقع يحتمل العودة قروناً إلى الوراء باسم الله. وهي في ذلك تلعب دور المخرّب كما فعلت في العراق حين أسهمت في تدمير المقاومة ضد الاحتلال الأميركي.

لكن هناك قوى قاتلت السلطة، وتعزز وجودها نتيجة الدعم المالي السعودي الخليجي، وربما أمام مأزق الثورة (وفشل الدعم الخارجي/ الإمبريالي) سارت نحو الوهم الكبير بإقامة “الدولة الإسلامية”، وهي هنا لا تفعل سوى تفكيك الثورة، وتخويف قطاعات مجتمعية مع الثورة، ومشاركة فيها، من مآل الثورة، وتعزيز الدعم الدولي للسلطة. وأساساً تدعيم تماسك السلطة عبر تخويف الأقليات التي تستند السلطة إلى عناصر منها في صراعها مع الشعب.

اليأس سوف يولّد الحلول الخاطئة، ومن راهن على تدخل إمبريالي لا يقود الثورة إلى الدمار، بل يجب أن يتنحى جانباً. الشعب سوف يكمل مسار الثورة من أجل سورية العلمانية الديمقراطية، التي ستنهض من جديد بقوة هذا الشعب. الشعب لم ييئس رغم كل الفظائع التي تعرّض لها، وكل القتل والتدمير والتشريد الذي طاله. ورغم كل الضيق الذي يعيشه، والصعوبات الهائلة والخوف، وانسداد الأفق (الذي نتج عن تخبيص المعارضة والواهمين). لهذا فإن الصراع ضد السلطة يجب أن يستمر، والصراع ضد القوى الظلامية يجب أن يتصاعد، وكذلك يجب أن نخوض الصراع ضد انسداد الأفق واليأس، وقصر النظر، لكي نفتح أفقاً واسعاً لانتصار الثورة.

هذا الأمر يفرض إعادة بناء الثورة: الهدف والرؤية والإستراتيجية والفعل السياسي، والعمل العسكري. وسواء تحقق انعقاد مؤتمر جينيف2 وقاد إلى حل، أو لم يحصل ذلك، لا بد من تفكير جدي في الثورة من أجل إعادة بنائها لكي تنتصر.

المصدر: صدى الشام

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s