الثورة السورية وآفاق صراع متعدد

الشعب يخوض صراعه مع السلطة وهو مستمر، وسيستمر. وهو يخوض الصراع ضد داعش والنصرة اللتين تحاولان فرض سلطة «سخيفة» بهزلها الاستبدادي وتمسكها بتصور قروسطي متخلف.

في مصر، وتونس اتخذ الصراع شكل التركيز على إسقاط النظام قبل أن تنفتح صراعات أخرى، حيث ظلّ الإخوان المسلمين «في الخلف»، وعقدوا الصفقات مع النظام المنهار عبر قيادات الجيش وبيروقراطية الدولة التي قررت التخلي عن الرئيس. ومن ثم وصلوا إلى السلطة بدعم هؤلاء، لينفتح الصراع الشعبي معهم (وكذلك مع حلفاء الأمس)، فسقطوا في مصر، وسيسقطون في تونس.

تصاعد «مثالي» للصراع لم نستطعه في سوريا، حيث تفجرت الصراعات في الآن ذاته مع قوى متعددة. لا يتعلق الأمر بدعم قوى إقليمية ودولية للسلطة، ولا بدور «أصدقاء سوريا» الذي ظهر كمكرس للسلطة عبر آليات متعددة لتخريب الثورة وتطييفها، بل أصبح يتعلق الآن بالصراع في الثورة ذاتها. فالنظام لم يسقط بعد، ولقد انسحب من مناطق كثيرة لأن قوته العسكرية تهلهلت، ليس بفعل العمل العسكري ضدها بل بفعل الثورة الشعبية بالتحديد، ولا ننسى بأنه انسحب بعد مرور عام على الثورة، وقبل أن يصبح العمل المسلح هو الفعل الأساسي، الذي بات كذلك بعدئذ، ولاشك في أن مناطق قد «تحررت» بقوة الكتائب المسلحة بعدئذ (دون أن نناقش هنا هل كانت السياسة العسكرية صحيحة أو لا).

لكن هذا الأمر أنشأ الفوضى في المناطق التي انسحب منها، بفعل التنافس على السيطرة بين الكتائب المسلحة، وظهور العصابات التي تعمل باسم الجيش الحر، ثم «القوى الأصولية» التي ظهرت فجأة في المناطق التي باتت خارج سيطرة السلطة. وهذه، منطقها لا يقوم على مبدأ إسقاط السلطة بل يقوم على مبدأ إقامة «الخلافة الإسلامية»، وهو الأمر الذي دفعها إلى محاولة فرض السيطرة وفرض «قوانينها» وأحكامها. فبات الشعب في صراع معها، بالضبط لأنها هي التي «تتحرش» به عبر محاولة جعله يخضع لمنطقها القروسطي (تطبيق قيم أخلاقية بالية). وخصوصاً أنها باتت تعتقل وتقتل بشكل مشابه لـ (وربما أسوأ من) ممارسات السلطة.

هنا بتنا في صراعين: ضد السلطة ومن أجل إسقاطها من جهة، وضد داعش والنصرة، وربما آخرين، من جهة أخرى.

لكن ظهر مؤخراً ما هو أعقد من ذلك، ويشير إلى انقسام عميق في الثورة ذاتها، حيث أعلنت فصائل مسلحة توحدها في «جيش الإسلام»، وسعيها لإقامة «الدولة الإسلامية». ومنابع قادتها هم من ذات المنبع الذي أنتج جبهة النصرة وداعش وأحرار الشام، أي هؤلاء الذين عملوا مع القاعدة كجهاديين، ويتبعون الاتجاه السلفي في تشابك علاقاته الخليجية.

هؤلاء هم كتائب مسلحة قاتلت ضد السلطة، وضمت كثيراً من الشباب المفقر الثوري الذي يريد تحقيق التغيير العميق، لكن القدرة المالية التي كانت بحوزة مجموعات سلفية جهادية دفعت بهم إلى الالتحاق بهذه الكتائب، وكثير منهم لم يكن متديناً، فبات يتأسلم (شكلاً أو فعلاً، والكثير شكلاً). ولاشك في أن دموية السلطة ووحشيتها كانت تعزز التدين بشكل طبيعي، في ظل غياب رؤى سياسية وفكرية حاكمة ومؤثرة. وكذلك استعصاء الصراع نتيجة ضعف قدرات الكتائب المسلحة التسليحية وضعف خبرتها العسكرية، مقابل الدعم القوي للسلطة من قبل روسيا وإيران وأتباعها، كان يخلق الإحساس بالأزمة، خصوصاً مع فشل المراهنات على تدخل «غربي» ظلت معارضة الخارج تلحّ عليه معتبرة أنه المخرج الوحيد، والإيهام بأنه قادم مما كان يربط نشاط الكتائب المسلحة بكل هذه «الإشاعات»، وهي تواجه عنف السلطة وانسداد الأفق أمامها. لهذا كان سهلاً، بعد صراع عامين ونصف بكل عنفه ودمويته، أن تجذب فئات مؤدلجة سلفياً إلى مسار كانت تريده من الأصل، مستغلة كل هذا الوضع، ومتأثرة به ومؤثرة فيه.

بهذا نشأ «جيش الإسلام» الذي يريد إقامة «الخلافة»، دولة الإسلام. وهذا يعني بأن طرفاً قد قرّر خوض الصراع ضد السلطة وحده، ولمصلحته، وبغرض تحقيق «أيديولوجيته» وهو الأمر الذي يفرض انقسام الثورة، والتأسيس لتصارع أطراف فيها. ليكون صراع الشعب متشعبا أكثر، ومشتتا. لكن الأخطر من ذلك هو أنْ ليس من إمكانية لقطاع كبير من الشعب أن يقبل الاختيار بين السلطة التي ثار عليها من أجل إسقاطها والحصول على الحرية والعدالة الاجتماعية، وبين سلطة بديلة أسوأ، بديل يعيد إلى القرون الوسطى، ويعمم الاستبداد لكي يطال «ما هو شخصي»، وإنساني، ويفرض تنميطاً هو من مخلفات قرون الانهيار والتخلف والجهالة. سواء في الأشكال أو الأفكار أو البنى المجتمعية والتكوين السياسي والحقوقي. هنا بتنا في صراع جديد من أجل نقاء الثورة، ومن أجل أن تسير في السياق الذي فرضها، ومن أجل الأهداف التي طرحتها. فالشعب لم يثر لأن النظام «علوي» أو «علماني» أو كافر، هذا آخر ما كان يفكر به، بل أن ظروفه الواقعية هي التي فرضت عليه الثورة، ظروف العيش حيث بات أغلبه إما عاطل عن العمل أو أن أجره لا يكفي عيشه. وفي ظل سلطة مستبدة شمولية تستغل هذا الشكل السلطوي لكي تزيد النهب والسيطرة على الثروة. لهذا أراد الخبز والحرية، بالضبط لكي يستطيع العيش ويدافع عن وجوده. ولهذا إذا قدّم هدف «الدولة الإسلامية» الآن وهماً لبعض القطاعات فإنه لا يقدم للكثير منها هذا الوهم بل يبقيها في إطار هدفها الأساس. كما أنه إذا قدّم حافزاً لهؤلاء المقاتلين فإنه يبعث الخوف لدى قطاعات كثيرة. ولهذا فهو يفتح على احتمالات صراعات متعددة، مع عديد من الأطراف التي ترفض الأيديولوجية التي يراد فرضها، كما أنه يضعف الثورة عموماً نتيجة ما يوجده من تشكك ويأس ورفض.

الشعب يخوض صراعه مع السلطة وهو مستمر، وسيستمر. وهو يخوض الصراع ضد داعش والنصرة اللتين تحاولان فرض سلطة «سخيفة» (سخيفة بهزلها الاستبدادي وتمسكها بقيم أخلاقية مرضية، وتصور قروسطي متخلف جداً آتٍ من عصر الانحطاط)، وهو صراع مسلح أحياناً وشعبي أحياناً أخرى (مظاهرات وأشكال احتجاج مختلفة). ومن الواضح أن إستراتيجية داعش تحديداً تقوم على السيطرة الشاملة على الشمال، وتصفية الكتائب المسلحة الأخرى، ربما لتسهيل عودة السلطة إليها (وهذا احتمال كبير) بعد أن عجزت السلطة بقواتها فعل ذلك. ولقد بات هذا الصراع يومياً، وينزع إلى التحوّل إلى صراع مسلح شامل.

وربما تنزع التشكيلات الجديدة (جيش الإسلام) إلى السيطرة كذلك، وهو يتخلى عن الكتائب المسلحة الأخرى حين تتعرض لهجوم من قبل السلطة لكأنه يريد أن تنتهي بسحق السلطة لها لكي يبقى وحيداً في الصراع. ونتيجة كل الأخطار والمخاوف التي يجلبها تشكّلها لابد من خوض صراع فكري سياسي مع المجموعات التي تريد إقامة «دولة الإسلام»، صراع لكشف خطرها على الثورة، وآثارها المفككة لها، في سياق إعادة بناء الثورة. فما جرى هو خطوة خطيرة على مسار الثورة لأنها تزيد الخوف واليأس والتشتت والتناحر، تضعف القوى التي تقاتل السلطة والفئات الداعمة للثورة، وبالتالي تزيد من الاستعصاء القائم، ومن الميل لقبول «أي حل». هل هذا هو هدف الدول الداعمة لهؤلاء؟

لقد تشابكت الصراعات، وباتت مواجهة الشعب متعددة، ليس السلطة فقط، بل التكفيريين والسلفيين والأصوليين وكل الذين يريدون- وقبل انتصار الثورة- فرض تصورهم ورؤيتهم و»حكمهم». بالتالي هل سيحسم الصراع مع السلطة ومع الأصولية في الآن ذاته في سوريا؟ أظن ذلك.

المصدر: العرب

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s