ضرورة تحديد التخوم – عن وحدة اليسار

فكرة طرحها لينين تستحق التوقف عندها، قالها والحديث يجري عن “توحيد” المجموعات الماركسية في حزب العمال الاشتراكي الديمقراطي الروسي، يقول لينين “”قبل أن نتحد ولكيما نتحد، ينبغي في البدء أن نحدد التخوم التي تفصل بيننا بحزم ووضوح”. وهي الفكرة التي أسست لبناء حزب قوي ومتماسك، ومنتصر.

الفكرة تعني بان تحقيق الوحدة لا يفترض تحديد نقاط التوافق فقط للتوحد حولها، بل أصلاً تحديد النقاط التي هي مدار خلاف. بمعنى يجب ان تتحدد الخلافات قبل أن يجري تحديد المسائل المتوافق عليها. بالضبط لأن المسألة لا تتعلق باصدار “بيان مشترك” بل تتعلق بتوحيد نشاط وفعل، وبناء حزب، وفي هذا الأمر لا يفيد التوافق العام بل لا بد من أن يكون واضحاً لكل طرف ماهية الآخر، كيف يفكر، وماذا يطرح في كل المسائل، وبالتالي أين يكمن الخلاف، وكيف يمكن أن يحلّ؟ ومن ثم تحديد إمكانية أن تكون نقاط التوافق أساساً موحداً فعلاً، وأرضية لإنهاض الحزب.

ولا شك في أن كل تجارب “توحيد اليسار” كانت تصطدم بالممارسة أكثر مما كانت تصطدم بالتوافق على نقاط عامة توحد بين الأطراف المختلفة. لهذا حالما كان يتحقق التوافق ويجري الانتقال إلى العمل تدبّ الخلافات ويكتشف كل طرف أنه في تناقض مع الآخر، ويستغرب أنه توافق معه أصلاً. ويظهر بأن كل طرف يفكّر بـ “طريقة مختلفة”، وله سياسات مختلفة، وينكمش على ذاته.

عادة يجري الركض نحو التوافق انطلاقاً من أن الخلاف هو الأساس، وبالتالي يظهر في بعض الفترات أن هناك توافقاً ممكناً، لهذا يجري الركض للمسك به. وفي هذه اللحظة يجري تناسي أن الخلاف هو الأساس الذي أوجد هذه التكتلات والتجمعات، والمجموعات و”الأحزاب”. وأن الصراعات هي أساس العلاقة من منظورات “أيديولوجية”، أو “حَرْفية”، أو “حِرَفية”، أو “ذاتية”، وهي كلها نتاج نوازع البرجوازية الصغيرة. وتعبّر عن تفككاتها. وعن “ذاتيتها”.

لقد توزعت الماركسية “بين القبائل”، و”تفرقت أيدي سبأ”، ليصبح عندنا ماركسيات، ما الخلاف فيما بينها؟ هل لازال الخلاف القديم يحفر في الحاضر؟ وهل له معنى اليوم؟ وما هو موقع كل منها من الماركسية الأصلية، ماركسية الجدل المادي؟

ثم هل يمكن ألا نرى اختلافات المواقف، الثورية والليبرالية، التي تنطلق من الصراع الطبقي والتي تنطلق من الصراع السياسي، التي تريد الثورة والتي تريد الإصلاح، التي ترى الواقع والتي لازالت تختزن قوالب مستدعاة من الماضي؟

من يريد مصالح المفقرين ومن يعبّر عن مصالح ضيقة لفئات وسطى؟
وبالأساس هل يمكن التوافق على فهم الواقع؟

لهذا، ما يجب أن يُبدأ به هو “تحديد التخوم”، وتوضيح الاختلافات، وليس الركض نحو التوافق، وقبل تحديد التوافق. فالوحدة الصلبة تتأسس على المعرفة الواسعة، والتفهم المتبادل. وهذا ما يعزز التوافق، ويعمق فيه.
ليجرٍ البدء من الاختلاف إذن.

المصدر: فايسبوك سلامة كيلة

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s