مأزق الثورة وتناحر ‘الثوريين’

جنيف2 هي «صفقة بيع» أميركية لروسيا، بمعنى أن أميركا تتنازل فيها لروسيا عن سوريا، وتعمل على أن ينجح الحل الذي يحقق مصالح روسيا في إطار التقاسم العالمي الذي يجري بينهما.

يبدو كل الوضع السوري في مأزق «مأساوي»، حيث يظهر تعقد «المساومات» الدولية، وعدم مقدرة روسيا وأميركا الوصول إلى توافق نهائي يؤدي إلى فرض الحل الذي بات معروفاً على كل الأطراف.

حيث لازالت المناورات الدبلوماسية تحكم نشاط كل منهما، والآن من أجل قرار من مجلس الأمن يدين النظام السوري لاستخدامه الأسلحة الكيماوية، ويقرر الاتفاق بينهما كأساس لـ «وضع اليد» على هذه الأسلحة، وتدميرها.

فأميركا تريد قراراً ملزماً تحت البند السابع، وتناور روسيا من أجل عدم صدور القرار تحت البند السابق بل تحت البند السادس الذي لا يجيز استخدام القوة.

ومن تحت الطاولة يجري الترتيب لعقد مؤتمر جنيف2، وتجري تهيئة الأطراف المختلفة لحضوره. وهذا ما بات يوجد مفاعيل على الأرض متناقضة، وبات الضغط من أجل سحب الأسلحة الكيماوية يصبّ في «تهذيب» السلطة لكي تخضع لمنطق الواقع، رغم كل التصريحات «العنترية» الروسية، والكلام «التافه» الذي اعتاد لافروف إطلاقه، دفاعاً عن سلطة باتت تتهاوى، وتبريراً لممارسات بشعة تقوم بها. ففي الأخير يجب أن يأتي طرف من السلطة لكي يجعل على طاولة «البصم» في جنيف، بعد أن أصبح واضحاً أن «المعارضة» (بما هي هيئة التنسيق لقوى التغيير الوطني الديمقراطي، والائتلاف الوطني لقوى التغيير والثورة) «تهذبت» وباتت مستعدة لقبول هذا الاستحقاق، وفق الأسس الذي يقوم عليها.

هذا السياق الذي يدفع نحو جنيف2 والذي تأسس على التوافق الأميركي الروسي، هو الذي دفع السلطة (مدعومة من إيران وحزب الله وروسيا) لمحاولة تعديل ميزان القوى عسكرياً، من خلال استعادة المدن وتحقيق «انتصارات». نجح ذلك في مدينة القصير، وتل كلخ، بمجهود وفير من حزب الله، وجرى التحضير لكسب معركة حمص والغوطتين في ريف دمشق، على أن التوسع شمالاً وشرقاً بعدئذ. في حمص، وبعد أشهر من المحاولة، استرجع النظام بعض حي الخالدية، وبهذا لم يحقق شيئاً مهماً. وفي الغوطتين فشلت كل محاولاته لاستعادة أطراف مدينة دمشق (جوبر والقابون وبرزة البلد) وليس الغوطتين فقط. وبالتالي كان واضحاً بأن تكتيكه فشل في تعديل ميزان القوى قبل مؤتمر جنيف2. فقد كان من المقرر أن يعقد «الخبراء» الأميركان والروس جلسة يوم 26/8 لترتيب عقد المؤتمر في شهر أيلول/ سبتمبر. هذا يفسّر سبب استخدام الأسلحة الكيماوية يوم 21/8، وفي درجة أعلى من كل المرات السابقة. حيث كان يجب تحقيق انتصار في الغوطتين قبل استحقاق جنيف2.

وهذا يعني أن الأطراف الداعمة له، والمشاركة في حربه مسؤولة عن هذا القرار، لأنها تريد (بما في ذلك الروس) تعديل ميزان القوى لكي يستطيع الروس فرض منظورهم (وربما إيجاد مخرج لمجرمي الحرب الذين ارتكبوا كل الجرائم، أي السلطة ذاتها).

هذا الأمر فرض «التشدد» الأميركي، فقد وضعت أميركا في موقف حرج بعد أن كان قد صرّح باراك أوباما بأن استخدام الأسلحة الكيماوية هو «خط أحمر»، ومرّر استخدامه من قبل السلطة مرات قبلاً اعتماداً على مقدرة الروس ضبط السلطة، وردعها عن استخدامه.

لكن الأهم هو «المساومات» في جنيف2، وحيث ظهر بأن الروس بمنطق تعاملهم يرجحون كفة السلطة، الأمر الذي يفشل المؤتمر (وهي هنا تدافع عن مصالح روسيا أكثر من لافروف وبوتين، لأن جنيف2 هي «صفقة بيع» أميركية لروسيا، بمعنى أن أميركا تتنازل فيها لروسيا عن سوريا، وتعمل على أن ينجح الحل الذي يحقق مصالح روسيا في إطار التقاسم العالمي الذي يجري بينهما). ولهذا بات أوباما يربط إقرار الاتفاق الأميركي الروسي حول الأسلحة الكيماوية بوضع السلطة السورية «تحت التهديد» لكي لا تستمرئ تغيير ميزان القوى، ومن ثم يكون محسوماً أمر بشار الأسد، بالتالي يتحقق ترحيله.

في المقابل، اندفعت «دولة العراق والشام الإسلامية» للسيطرة على كل المناطق التي لم تعد تحت سيطرة السلطة. وقررت تصفية كتائب الجيش الحر، وحتى الكتائب الإسلامية. فأخذت تسيطر عن المدن من دير الزور إلى إعزاز في ريف حلب، مروراً بالرقة. وباتت في حرب مع الاتحاد الديمقراطي الكردي من جهة، ومع تلك الكتائب من جهة أخرى (بما في ذلك مع جبهة النصرة «توأم روحها»). ما الهدف من كل ذلك؟

ربما لأنها اعتبرت بأنها أصبحت قوية بما يكفي لفرض سيطرتها، لكن ماذا بعد ذلك؟ هل ستقاوم السلطة؟ لا يبدو في منطقها مقاومة السلطة، ولهذا يجب أن تنتظر لما جرى ويجري انطلاقاً من أنه جزء من إستراتيجية السلطة لتدمير الكتائب المسلحة، ومن ثم التقدم للسيطرة على كل هذه المناطق. وربما هي تنجح هنا أكثر مما نجحت بقوتها العسكرية المباشرة.

هذا الأمر، في كل الأحوال سواء ظننا سوءاً بداعش أو انطلقنا من «منظورها العقائدي»، سوف يفكك الكتائب المسلحة من جهة، ويصعّد من رفض الشعب لسلطة داعش من جهة أخرى. وربما هنا يكون دخول الجيش (جيش السلطة) حلاً لوضعهم.

وما زاد من المشكلة، وفرض فوضى أكثر ستظهر مفاعيلها في الأيام القادمة، هو تأثير الصراعات داخل الائتلاف الوطني على تفكك وتصارع الكتائب المسلحة. فقد أدى التوسيع الأخير لقوام الائتلاف الوطني إلى إضعاف جماعة الإخوان المسلمين وإعلان دمشق (أي المجلس الوطني)، وتجاوز سيطرتهم على القرار فيه، لمصلحة قوى أخرى أسميت «القوى الديمقراطية» (رغم أن هذه التسمية فضفاضة كثيراً عليها)، وهي في المجمل قوى تركت هيئة التنسيق منذ زمن بعد أن كانت ولازالت تميل إلى «الحل السياسي»، وأخرى ترتبط بالسعودية بالخصوص.

كل ذلك في سياق الترتيب الأميركي لمشاركة المعارضة في مؤتمر جنيف2. هذا يعني خسارة جماعة الإخوان المسلمين، ومجمل الإسلاميين، وعدم حصولهم على سيطرة في السلطة التي من المفترض أن تنبثق عن مؤتمر جنيف2 (الحكومة الانتقالية).

لهذا حاولوا منع توسيع الائتلاف، وحين فشلوا شاركوا على استحياء. ولقد كانت الرسالة التي بعثها أحمد الجربا رئيس الائتلاف للأمم المتحدة حول الموافقة على المشاركة في مؤتمر جنيف2 المدخل لتفجير كلية الوضع. حيث أصدر 13 فصيلاً «إسلامياً» (منها جبهة النصرة وأحرار الشام ولواء التوحيد) بياناً «نزعوا الشرعية» عن الائتلاف الوطني وعن الحكومة التي ينوي تشكيلها، واعتبروا بأن القرار هو لمن هم «على الأرض». وهذه جزء مهم من هذه الكتائب على علاقة بجماعة الإخوان المسلمين، لكن التحالف ضم كتائب سلفية «جهادية».

ماذا سيؤثر ذلك على مشاركة الائتلاف في جينيف2؟ وهل سينجح في السيطرة على الأرض؟ وكيف سيتعامل مع داعش التي قررت السيطرة على الأرض؟

باختصار التفكك في «المناطق المحررة» يتعمق، وهذا يضعف الائتلاف في مؤتمر جنيف2 لمصلحة السلطة، ولكن أيضاً لمصلحة هيئة التنسيق.

المصدر: العرب

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s