الثورة في متاهات القوى الدولية

يبدو أننا لم نستطع أن نطور الثورة لكي تفرض إيقاعها، وتحقق الهدف الكبير الذي طرحته، والمتعلق بإسقاط النظام. فالمعارضة لم تكن تعرف كيف تدير ثورة، وأصلاً لم تبنِ رؤيتها على حدوث الثورة، وظلت تراهن على متغيّر ما يحقق ما تريد، وكان هذا المتغيّر متواضع جداً (إصلاح ما في السلطة)، أو انتقامي جداً (تدمير السلطة)، والشعب بذل كل ما يستطيع، لكنه حرم من الوعي السياسي نتيجة الاستبداد الطويل، وتخريب التعليم، و”تفاهة” الإعلام، وبالتالي كانت البطولة هي ما يستطيع أن يقدم دون مقدرة على “الخوض في السياسة”، وتحديد كيف تتطور الثورة وتنتصر.

وكان المنفذ “الوحيد” هو تفكك السلطة كما حدث في تونس ومصر، لكن “عبقرية” حافظ الأسد تجمعت في نقطة واحدة هي كيف يهيمن على الجيش، بحيث لا يعود قادراً على الانقلاب، لهذا فرض تعدد الأجهزة الأمنية، وفرض هيمنة الأمن على الجيش، الأمر الذي منع حدوث انشقاق يفتح على تحقيق التغيير، وكانت المراهنة على أن ضعف السلطة نتيجة توسع الثورة، وتنامي قوتها، سوف يدفع إلى التفكك حال الشعور بأن السلطة تتهاوى.

لهذا كانت احتمالات الوضع السوري تراوح بين الشكل التونسي المصري (انقلاب داخلي في السلطة) والليبي (التدخل الإمبريالي)، معارضة الداخل ظلت تراهن على “عقلانية” يمكن أن تنشأ من داخل السلطة ذاتها، تدفع إلى الإصلاح الذي يحقق الانتقال السلمي (بعد كل العنف الذي مارسته السلطة) من الاستبداد إلى الديمقراطية، مع وجود بشار الأسد، ومن ثم بدونه، دون أن يظل احتمال القبول بوجوده قائماً. معارضة الخارج (وبعض الداخل) راهنت مباشرة على تكرار الخيار الليبي، وبدأت تتشكل في أطر تأسيساً عليه (المجلس الوطني الانتقالي، العودة إلى العلم القديم، مناشدة “الغرب” التدخل).

وإذا كان مستحيلاً تحقيق التغيير عبر “عقلانية” مفاجئة تضرب السلطة، فقد كان واضحاً أن التدخل الإمبريالي لم يعد ممكناً، لهذا لا بد من تطوير الثورة لكي تنتصر بقواها الذاتية؛ هذا الأمر كان مستحيلاً نتيجة أزمة المعارضة (وربما يجب القول هزالها)، وغياب الوعي السياسي لدى الشعب المقاتل، الأمر الذي فتح بعد أكثر من سنتين من ثورة حقيقية على أن نندفع إلى الخيار اليمني (أي الحل القادم من خلال دور دولي/ إقليمي)، وربما بأسوأ منه، فقد بات الحل رهناً بالتوافق الأميركي الروسي، وفق الصيغة التي جرى التوافق عليها في “مجموعة العمل” نهاية شهر حزيران سنة 2012 في جينيف، والتي أسميت مبادئ جينيف، وأيضاً التي خضعت لتفسيرات متعددة بخصوص وضع بشار الأسد، حسمت لمصلحة التفسير الروسي، الذي كان يبعد الإشارة إلى بشار الأسد كأساس لبدء مؤتمر جينيف2، على أن يتحدد وضعه في النهاية (أي بعد التوافق وإقرار المبادئ وتشكيل الحكومة المؤقتة).

لكن لازال الأمر متعلقاً بـ “عقلانية” ما في السلطة، تؤسس لفرض منطق “الحل السياسي” بدل “الحل العسكري”، وبالتالي إقرار مبادئ جينيف، والقبول بالمرحلة الانتقالية مناصفة مع المعارضة (التي جرى ترتيبها أميركياً لقبول هذا الحل)، وهذا أمر يفترض إبعاد بشار الأسد والعائلة التي قررت منذ البدء القتال إلى النهاية، بطريقة ما. هذا ما كان على الروس العمل من أجله، لكن لا يبدو واضحاً أنهم أفلحوا، أو أن طرفاً في السلطة أصبح قادراً على فرض الميل نحو الحل “الروسي”، رغم بروز وجهات نظر في هذا الأمر خلال السنة الأخيرة، على العكس السلطة كانت تريد تحقيق انتصارات بعد أن سيطرت على القصير، حيث حاولت في حمص وحققت بعض التقدم المحدود، وفشلت في الغوطتين لهذا قررت استخدام السلاح الكيماوي لتحقيق انتصار قبيل عقد مؤتمر جينيف2، الذي كان مقرراً الإعداد له يوم 26/8، أي بعد خمسة أيام من استخدام الكيماوي.

هذا الأمر هو الذي فرض التصعيد الذي قام به باراك أوباما، والذي أفلح في الموافقة على تسليم الأسلحة الكيماوية (وربما ترتيب أفضل في جينيف2)، أو ستكون الضربة العسكرية أكبر مما كان يريد أوباما. هل يفتح ذلك على تحقيق ما بات يسمى “الحل الروسي”؟

ربما، وبهذا تكون الإمبريالية الأميركية قد رتبت كل شيء لكي تسلم روسيا سورية، وتشرع في نهبها.

لكن لا بد من إعادة بناء الثورة، فمهما حصل فعليا،ً لن يؤدي إلى تجاوز الظروف التي فرضت انفجارها.

المصدر: صدى الشام

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s