بصدد رؤية مختلفة للعالم الماركسية والصراع الطبقي الراهن

يجب أن تستعيد الحركة الماركسية دورها الثوري. وأولاً يجب أن تستعيد الماركسية دورها ككاشف لحركة الواقع، و كمنظّر لها، وبالتالي كمحدّد لرؤية تهدف إلى تحقيق التغيير.

الفصل الأول

أزمة النمط الرأسمالي وبديله

(1)
هذه هي المهمة الراهنة، وهذا هو الهدف الراهن، حيث سيكون أمام الثوريين ولوج هذا الطريق، وحيث تفرض الضرورة ذلك بعد انهيار طال الحركة السياسية كلها. وأفضى إلى إعادة صياغة الوطن العربي، وكذلك العالم، وفق مصلحة الطغم الإمبريالية وانطلاقاً من إعادة إنتاج النمط الرأسمالي عالمياً بما يحقق هذه المصلحة، وخصوصاً مصلحة الاحتكارات الإمبريالية الأميركية. وبالتالي أسس لتفاقم التناقض مع الرأسماليات المحلية، وكذلك ـ وبالأساس ـ مع الرأسمالية الإمبريالية التي زحفت لفرض عولمتها الإمبريالية وهيمنتها المطلقة.
وحيث أدت «إعادة الرسملة» التي طالت العالم منذ بدء انهيار حركات التحرر القومي في سبعينات القرن العشرين، ومن ثمّ انهيار المنظومة الاشتراكية منذ نهاية ثمانينات القرن العشرين والتي قامت على أساس دمج «الأطراف» عبر فرض اقتصاد السوق، وتعميم قوانين الليبرالية الجديدة، وفرضها عن طريق تحكّم المؤسسات الدولية الطابع مثل صندوق النقد والبنك الدوليين، ومن ثم منظمة التجارة العالمية، وعبر الضغط والإكراه المباشر، أو عبر التحويل الداخلي الرجعي. أدت «إعادة الرسملة» هذه، التي عممت «النمط الرأسمالي التابع»، إلى إفقار العمال والفلاحين والفئات الشعبية، وهمشّت قطاعات متسعة منهم، حيث تفاقم النهب والاستغلال وتعمم الاضطهاد والسيطرة، مما وسّع من حال الإفقار النسبي والمطلق، ودفع قطاعات واسعة إلى الجوع أو إلى «حافة الموت جوعاً»، وأسّس لنشوء حالة من الاحتقان الطبقي الشامل، الأمر الذي فرض نشوء حالة من الاصطفاف و التعادي الطبقيين على المستوى القومي كما على المستوى العالمي.
إننا في لحظة تفاقم التناقضات الطبقية عالمياً بعد أن زحفت الجيوش الإمبريالية للاحتلال والسيطرة، لتوفير الظروف الدولية الضرورية لنشاط الرأسمال الإمبريالي، لسيطرته على المواد الأولية والأسواق، ولنهبه ثروات الأمم. وكذلك لتدميرها هذه الأمم وتكريس تخلّفها وانحطاطها و تهميشها في التكوين العالمي الراهن، لتبقى كما كانت في نظر الرأسمال، مجال النهب، عبر التحكم بالمواد الأولية والأسواق، وليظل تطورها محتجزاً حيث تمنع من تحقيق الحداثة المتمثلة ببناء الصناعة وتحديث الاقتصاد والمجتمع عموماً، وإقامة علاقات متكافئة على صعيد العالم.
وإذا كان انتصار الاشتراكية ومن ثَمّ انتصار حركات التحرر القومي في مناطق واسعة من العالم، قد أدى إلى تأزم الرأسمالية وتفاقم مشكلاتها الاقتصادية، مما سرّع في التمركز الرأسمالي الهائل، الذي بات يتمثل في الشركات الاحتكارية الإمبريالية، فقد أدى انهيار المنظومة الاشتراكية وتلاشي حركات التحرّر القومي نتيجة أزماتها الداخلية واختلال تطورها، إلى أن يعمل الرأسمال الإمبريالي على إعادة صياغة العالم انطلاقاً من سعيه لتجاوز أزماته وتحقيق «البيئة» الضرورية لنشاطه القائم على تحقيق الربح الأعلى. ولهذا عاد إلى ممارسة كل السلوكات التي كان اضطرّ للتراجع عنها خلال فترة المدّ الشيوعي، وانتصار حركات التحرّر القومي، وأقصد: الحقوق والضمانات التي تحصّلت عليها الطبقة العاملة في المراكز الإمبريالية. والاستقلال الذي تحقق في المستعمرات، والتصنيع الذي تحقق في البلدان الاشتراكية، وبلدان حركات التحرّر القومي، السيطرة المحلية على المواد الأولية والأسواق اللذين تحققا نتيجة الدور الذي باتت تضطلع به الدولة كمحرّك اقتصادي.
لقد تقلّص الربح وتزايد مفعول قانون «ميل معدّل الربح إلى الانخفاض» بتقلّص الأسواق العالمية، واشتداد المنافسة فيما بين الرأسماليات، ونتائج «المساومة التاريخية» التي تحققت مع الطبقة العاملة والتي فرضت ساعات العمل والأجر والضمان الاجتماعي، وأكدت على دور النقابات العمالية. وأفضى ذلك إلى أزمة الركود الطويلة التي شهدتها الاقتصادات الرأسمالية، والاقتصاد الأميركي خصوصاً منذ سبعينات القرن العشرين، وفرضت «تعويم» العملات وخصوصاً الدولار. وقادت إلى نشوء الميل المتسارع لتحقيق إندماج الشركات وتشكيل الاحتكارات الضخمة، في أميركا أولاً ومن ثَمّ في أوروبا واليابان. وبالتالي إلى بدء اختلال التكوين الاجتماعي، واهتزاز وضع الطبقة العاملة. وإلى غرق الاقتصاد الأميركي في مشكلات عميقة، تمثلت في المديونية العالية وعجز الميزان التجاري والعجز المزمن لميزانية الدولة. ولكن الأخطر تمثل في انتشار حالات الإفلاس في الشركات الاحتكارية ذاتها.
هذه الأزمة أعادت «القوى المحافظة» إلى السلطة في كل من أميركا (ريغان) وبريطانيا (تاتشر) وألمانيا (كول) منذ بداية ثمانينات القرن العشرين، حاملة برنامجها الليبرالي الجديد، حيث بدأت «هجومها» ضد الطبقة العاملة من أجل تجاوز الاتفاق القديم و”دولة الرفاه”، وضد الاشتراكية (برنامج حرب النجوم) وحركات التحرّر القومي. وساعية لتعميم وصفات الليبرالية الجديدة عبر صندوق النقد الدولي، مستفيدة من الديون التي اندفعت دول عديدة للاستعانة بها من أجل تجاوز أزماتها أو نتيجة فساد الطبقة الحاكمة. لهذا بدأ الميل للتخلّي عن كل منجزات القرن العشرين، في الأمم الرأسمالية وفي العالم، وبدأت عدوانية الرأسمالية (رغم أنها لم تكن قد هدأت، حيث انسحبت أميركا من فيتنام سنة 1974) من جديد. لكن انهيار المنظومة الإشتراكية كان نقطة البدء لتنفيذ رؤية جديدة أعطيت شعار تأسيس “النظام العالمي الجديد»، وكانت أزمة الرأسمالية، وسيطرة الفئات الرأسمالية المأزومة (التي تسمى عادة باليمين) في أساس رسم هذه الرؤية، مستفيدة من انهيار القوة العسكرية المكافئة (الاتحاد السوفيتي)، ومن التفوّق المطلق للقوة العسكرية الأميركية. الأمر الذي جعل النظام العالمي الجديد، الذي بات يعرف اختصارا بالعولمة، نظام أميركي خالص، حيث عمل الرأسمال الأميركي تحديداً وعلى الضد من مصالح الرأسماليات الأخرى، على صياغة العالم بما يحقق مصالحه هو، ويفتح له أفق تجاوز أزمته العميقة عبر تخلّصه من منافسة الرأسماليات الأخرى، عن طريق التحكّم بالمواد الأولية، واحتكار الأسواق، وبالتالي تقاسم العالم انطلاقاً من أولوية مصالحه، وإلحاق الرأسماليات الأخرى به. لهذا أصبحت الحرب سياسة يومية، وأصبح احتلال البلدان الأخرى مسألة في غاية البساطة، والضرورة.
وإذا كانت الرأسمالية تخوض صراعها ضد الطبقة العاملة في بلدانها بنعومة، وتقلّص حقوقها بهدوء، فقد خاضت صراعها العالمي بوحشية لأنها كانت تسعى لإرجاع العالم إلى الوضع المناسب لمصالحها، وبالتالي تسعى للتخلّص من كل منجزات الشعوب التي تحققت طيلة القرن العشرين.
لهذا أصبح الاستقلال محطّ تساؤل مع عودة الاستعمار، وغدت كل المنجزات الاقتصادية، بما فيها التصنيع مهدّدة بالدمار لكي تتوسّع أسواق الرأسمال، كما غدت المواد الأولية مجال احتكار خاص من قبل الرأسمال الإمبريالي، الذي عمل على تدمير الزراعة من أجل تصدير السلع الزراعية التي أفضى إدخال التعديل الجيني الى أن تشكّل فائضاً في المراكز. لينتهي دور الدولة الاقتصادي، ولتنتهي الدولة ذاتها لمصلحة تحكم الشركات الاحتكارية متعدية القومية ورسمها للسياسات، وتحديدها للقوانين، وتحويلها الدولة ذاتها إلى شرطي يخدم مصالحها، عبر سيطرة فئة مافياوية مرتبطة عضوياً بالطغم الإمبريالية.
وإذا كانت الرأسمالية الأميركية تسعى إلى حسم التنافس مع الرأسماليات الأخرى (والأوروبية خصوصاً) لمصلحتها، وتخشى تقدم الرأسماليات الجديدة (روسيا والصين)، فإنها تخوض حرباً طبقية صريحة ضد الطبقة العاملة وضد الشعوب بهدف تكريس الرأسمال كحاكم مطلق وتكريس الرأسمالية كنمط أبدي، بقيادتها وتحت سيطرتها. ومن أجل تحقيق ذلك كثرت حروبها منذ انهيار المنظومة الاشتراكية. وزاد تدميرها لكل التكوينات الاقتصادية الاجتماعية التي تطورت خلال القرن العشرين، وعادت تحتّل كما في أفغانستان والعراق، وتسيطر على المواد الأولية والأسواق مباشرة، أي عبر قوتها العسكرية (القواعد العسكرية)، من أجل أن «يناسب» هذا التكوين مصالحها. وهي الآن تنهب وتستغّل وتضطهد وتقتل، وتثير النزاعات الأثنية والطائفية، وتغذّي التخلّف والجهل وتكرّس الاستبداد. إنها حرب طبقية من أجل صياغة العالم بما يحقق مصالح الرأسمال. حرب استخدمت الرأسمالية الأميركية قوّاتها العسكرية من أجل حسمها، ومارست الرأسماليات الأخرى أساليب الاستغلال والنهب والقهر عبر فرضها اقتصاد السوق كأساس لعلاقاتها مع العالم، وتكريسها ـ بالتالي ـ اللامساواة و اللاتكافؤ، وأيضاً انهيار التكوينات الاقتصادية الاجتماعية والتخلّف.
الرأسمال الإمبريالي، إذن، كان يخوض حربه ضد الشعوب وضد الطبقات العاملة في مختلف الأمم، من أجل تكريس النهب والاستغلال والاضطهاد، لتكريس التراكم الأعلى للربح، لكي تحتكر قلّة فائض القيمة، ولكي تضاعف التراكم الرأسمالي لديها من أجل أن يزيد الأغنياء غنى ويتحكمون بكتلة الرأسمال، وبالتالي ليزداد الفقراء فقراً، حيث باتت مليارات من البشر تعيش تحت خط الفقر ومعظمها تدفع إلى حافة الموت جوعاً، لتغطي المجاعات أربعة أركان المعمورة، وكلما تعمّق النهب والاستغلال توسعت كتلة البشر المهددة بالموت جوعاً.
لقد تزايدت البطالة في الأمم الرأسمالية نتيجة سياسات الليبرالية الجديدة التي يفرضها الرأسمال على العالم، ووصلت اإلى نسب عالية من مجمل قوّة العمل، وتضخم جيش العمل الاحتياطي في الأطراف نتيجة توقّف النمو بعد انهيار تجارب حركات التحرّر القومي والاشتراكية، وتدمير الصناعة نتيجة الانكشاف الذي تعرضت له وفرض عليها منافسة غير متكافئة، كما تهمّش وضع الفلاحين في الأطراف نتيجة تطور الإنتاج الزراعي في المراكز، بعد استخدام الجينات المعدّلة وراثياً، بالإضافة إلى تراجع وضع الطبقات المتوسطة والفقيرة في المراكز وانحطاطه في الأطراف، لهذا اتسعت رقعة التمايز الطبقي في المراكز، ولكن بشكل أكثر حدّة في الأطراف، وبين المراكز والأطراف.
الأمر الذي كان يوضّح سبب التراكم الهائل لرأس المال، وتعمّق تمركزه، في الوقت الذي كانت تغرق الشعوب فيه في الإفقار إلى حدّ الإملاق.
وإذا كانت “سياسة العولمة” التي اتبعتها الإمبريالية الأميركية تهدف الى تجاوز الأزمة العميقة التي باتت تحكم النمط الرأسمالي ككل عبر السيطرة المطلقة على العالم والتحكّم في المواد الأولية والأسواق، والنهب الشامل للاقتصاد في الأطراف، فإن عمق الأزمة كان أكبر من أن تحلّ، بهذا تمظهر انفجارها في ما أسمي “الأزمة المالية” التي حدثت في أواسط سبتمبر/ ايلول سنة 2008. فقد حدث انهيار مالي هائل نتيجة “أزمة الرهن العقاري” الذي نتج عن افلاسات كبيرة لقطاع كبير من الفئات الوسطى التي كانت قد حصلت على قروض لشراء مساكن، فرضها الوضع الاقتصادي الصعب وارتفاع أسعار السلع وصعوبة العيش، مما جعل هذه الفئات تعجز عن سداد القروض وتكبيد البنوك خسائر هائلة (كانت قيمة القروض 62 تريليون دولار، بينما ظهر أن القيمة الفعلية للمنازل المحجوز عليها هو 8 تريليون دولار)، وهو الأمر الذي فرض تدخل الدولة لمنع انهيار البنوك، وتكبدها مديونية متصاعدة زادت عن مجمل الدخل القومي (وصل إلى 23 تريليون دولار).
هذا الأمر يفرض أن يقيم وضع الأزمة من جديد، حيث ظهرت أعمق وأخطر من كل الأزمات السابقة، ولها طابع مختلف كثيراً، يشي بتعفن النمط الرأسمالي حقيقة. فهي ليست ازمة فيض إنتاج و”كساد عظيم” كما حدث سنة 1929، بل أزمة فيض في التراكم المالي كذلك. فإذا كان فيض الإنتاج قد أفضى خلال العقدين اللذين تليا نهاية الحرب العالمية الثانية إلى حصول تنافس كبير في إطار السوق الرأسمالي، وفي السيطرة على الأسواق العالمية، خصوصاً مع بدء انهيار نظم حركات التحرر القومي، أثّر على وضعية الصناعة، هذا التأثير الذي تمثل في الأزمات التي عانتها، والافلاسات التي عاشتها. فقد أصبح القطاع الصناعي مضعضعاً، ومأزوماً، كانت الصناعات العسكرية الأميركية تحميه بعض الشيء.
لكن الأخطر هنا هو أن توسع الإنتاج فرض كذلك نشوء فيض في الأرباح هائل، كان يعاد تدويره فيما مضى في الإنتاج، لكنه بات أكبر من أن يوظف هنا نتيجة حالة الإشباع التي شهدها القطاع الصناعي، وخصوصاً كما أشرنا أنه بات يعاني من الكساد والأزمة. ولقد جرى توظيف جزء منه في “التطوير الزراعي” في المراكز، بما يسمى “الزراعة المعدلة جينياً، ثم جرى توظيف جزء آخر في التقنيات الحديثة بعد إخراجها من “حالة السرية” (وكان انهيار العدو السوفيتي هو الذي سمح بذلك)، وكذلك جرى توظيف جزء في ديون “العالم الثالث” منذ نهاية سبعينات القرن العشرين. رغم كل ذلك، كان التراكم المالي في تصاعد، وفرض على البنوك أن تبحث عن مجالات استثمار خارج “الاقتصاد الحقيقي” (الذي بات مشبعاً، في الزراعة والصناعة والتجارة والخدمات). فكان اختراع المشتقات المالية، وتعزيز سياسة القروض الداخلية والدولية (في أميركا خصوصاً)، وعولمة أسواق السهم، وفتح باب المضاربة على العملة والسلع والنفط. ليتشكل قطاع اقتصادي “ريعي/ مافياوي” هائل القوة، بات يسيطر على 90% من الحركة اليومية للرأسمال. وباتت الطغم المالية تتحكم بكلية النمط الرأسمالي.
هذا الأمر جعل النمط الرأسمالي يدمر القوى المنتجة لفائض القيمة ويعزز من القيم التضخمية بشكل لا مثيل له. لقد تراجعت نسبة الصناعة والزراعة في الناتج القومي الأميركي تراجعاً كبيراً، وربما بنسب أقل في البلدان الرأسمالية الأخرى. وطفت الأمولة، لتصبح هي العنصر المهيمن في مجمل النمط. هذا هو جوهر التعفن الذي تحدث عنه ماركس، وهو أساس استمرار الأزمة والعجز عن تجاوزها. فإذا كان المال قد تحوّل إلى رأسمال حين جرى توظيفه في الصناعة. وإذا كان قد تشكّل الرأسمال المالي من اتحاد الرأسمال الصناعي والرأسمال المصرفي (ومن ثم اندمج به الرأسمال الزراعي والرأسمال التجاري الخدمي)، التي يتحقق تراكمها من فائض القيمة الناتج عن العمل، وهذا ما بات يسمى الاقتصاد الحقيقي. فقد أدى فيض الرباح وتجاوزه مقدرة السوق على الاستثمار (حالة الإشباع في كل القطاعات القائمة: الصناعية والزراعية والتجارية والخدمية) إلى نشوء كتلة مالية أخذت تنشط خارج الاقتصاد الحقيقي، وبدأت تبحث عن منافذ للاستثمار غير تقليدية، هي مالية في جوهرها، وبالتالي باتت المعادلة هي ليس ن-س _ن، بل ن-ن، أي نقد نقد. وهذا هو “الربا” كما في القرون الوسطى. وهو نشاط يحقق الأرباح دون وجود فائض قيمة، وتدفع المضاربة إلى الحصول على أرباح خيالية من نشاط بسيط.
وهذا الاقتصاد “الافتراضي” بات هو المهيمن على الاقتصاد الحقيقي، وهو يسير في سرعة تفوق كثيراً سرعة الاقتصاد الحقيقي، وهو يجلب الرأسمال الموظف في الإنتاج إليه نتيجة النسبة العالية من الأرباح بعكس الاقتصاد الحقيقي، خصوصاً الصناعي (النسبة هنا هي 5% تقريباً بينما تصل في الاقتصاد الافتراضي إلى 15% والى 100% في أحيان كثيرة). ولهذا فهو يسحق الاقتصاد الحقيقي من جهة، ومن غير الممكن السيطرة على حركته من جهة أخرى.
بهذا يتحوّل النمط الرأسمالي إلى اقتصاد مضاربات ونهب، ونشاط مافياوي بشكل رسمي ومقرر، ويزداد تعثر الاقتصاد الحقيقي إزاء كل هذا النشاط، وتقع الصناعة تحت وطأة الإفلاس.
هنا سنلحظ وحشية النهب الذي بات يتخذ اشكالاً جديدة من خلال فرض نمط مافياوي في الأطراف، يعتمد على النشاط في القطاع الريعي، أي الخدمي والعقاري والسياحي والبنكي ويقوم على الاستيراد والنشاط التجاري. ومن خلال تشكّل نظم مافياوية عائلية وبوليسية، تترابط مع الطغم المالية الإمبريالية، وتكون مدخل هذه الطغم لنهب الاقتصاد المحلي.
هذه الأزمة باتت خارج السيطرة، ولم يعد من الممكن حلها. ولقد حاولت الإمبريالية الأميركية تجاوز “أزمة الرهن العقاري” التي عبّرت عن أزمة مجمل النمط الاقتصادي الذي تشكّل هناك، وبات مركز الطغم المالية، مع تراجع كبير في الصناعة والزراعة وتصاعد في المشكلات “التقليدية” (مشكلات عجز الميزان التجاري وعجز الميزانية والمديونية). لهذا قررت إدارة أوباما “إدارة الأزمة”، وبذل كل الجهود من أجل احتوائها خشية أن تكبر أكثر وتودي في مجمل الاقتصاد، وبوضع أميركا كقوة عالمية عظمى. وهنا سنلمس بأنها باتت على قناعة بعجزها عن الهيمنة كما كانت في السابق، أو أن ما هو ضروري هو الحفاظ على بقائها قوة عالمية فقط. وبهذا ينتهي “العصر الأميركي” وينفتح العالم على وضع جديد.
وأوروبا تغرق في أزمة المديونية التي شملت بلدان جنوبها، والتي تهدد بإفلاس هذه البلدان وانهيار البنوك (الفرنسية الألمانية) وبالتالي إغراق الرأسمالية في أزمة عويصة، لهذا تعمل على حلها من خلال إغراق الشعوب بالفقر من خلال سياسة التقشف التي اتبعتها، أي نهب الشعوب وتخليصها من كل الإنجازات التي تحقق عبر نضال الطبقة العاملة لعقود طويلة. واليابان لازالت تعاني من أزمتها التي حدثت منذ عقد.
وإذا كانت روسيا قد تدهور وضعها الاقتصادي بعد انهيار الاشتراكية ونهاية الاتحاد السوفيتي، وعملت الإمبريالية الأميركية على تحويلها إلى دولة عالمثالثية، فقد أخذت تعود إلى وضعيتها كدولة رأسمالية مع استلام بوتين السلطة، ومن ثم أخذت تسعى لأن تجد أسواقاً لسلعها، في ظل حصار أميركي شديد. لكن أزمة 2008 قد فتحت الطريق لكي يتقدم الدور الروسي عالمياً. ولم يتوضح ذلك بشكل جلي سوى بعد ظهور التراجع الأميركي وتغيير الإستراتيجية الأميركية عبر التركيز على آسيا والمحيط الهادي (منطقة الباسيفيك)، وخصوصاً في السنة الأخيرة (2011/2012)، حيث أصبحت روسيا قوة عالمية معترف بها. والصين كانت تتقدم بهدوء لكن باستمرارية هائلة، ولقد باتت قوة عظمى. وباتت تشكّل خطراً على الولايات المتحدة رغم كل التداخل الاقتصادي القائم، وهذا ما دفع أميركا إلى أن تجعل تلك المنطقة هي الأولوية في إستراتيجيتها العالمية.
بالتالي بتنا نشهد تضعضع وضعف الإمبريالية القديمة، وبدء تشكّل تكتل مقابل يتكون من كل من روسيا والصين والهند والبرازيل وجنوب أفريقيا. وإذا كانت الإمبريالية القديمة تعيش أزمة هائلة الخطر، فإن تشابك الرساميل واندماج الاقتصاد العالمي يجعل حتى هذا التكتل ببلدانه المختلفة يعيش الأزمة العميقة، رغم أن بعض بلدانه مثل روسيا يعتقد بأن السيطرة على الأسواق في الأطراف وتعزيز وضعه كجزء من المراكز سوف يجعله القوة المهيمنة البديلة عن أميركا.
نحن في وضع يتسم بتعدد “الأقطاب” وتصارعها الذي لا يتخذ شكلاً مباشراً بل يميل إلى “اللعب في الخفاء”، او إظهار التنازع السياسي مع الميل لتحقيق التوافق في تقاسم العالم. وهنا سنلمس بان التنازع بين القوى الإمبريالية عاد لكي يطفو على السطح، سواء بين أميركا وأوروبا، أو بين هذه معاً وروسيا والصين. ويظهر بأننا نعود إلى مرحلة تقاسم العالم من أجل السيطرة على النفط والأسواق.
لكن أيضاً فإن الأزمة التي انفجرت فتحت الطريق لتفاقم الصراع الطبقي العالمي. فقد فرضت سياسة التقشف في أوروبا وحتى في أميركا، وهذا سيدفع إلى تجاوز “المساومة التاريخية” التي تحققت قبل قرن تقريباً، والتي أسست لنشوء “دولة الرفاه”، والتي أسست للاستقرار الطويل. الآن ينحدر وضع العمال والفئات الوسطى، وتسير الأمور نحو إفقار مستمر سوف يؤدي إلى تفاقم الصراع الطبقي، ويفرض بالضرورة نشوب الثورات. كما أن الأزمة فرضت تصعيد نهب الأطراف، وخصوصاً هنا الأموال النفطية، وزيادة إفقار المجتمعات. وأدت المضاربات على النفط والسلع الغذائية (القمع والأرز والزيت) إلى زيادة الاختلال في الوضع المعيشي لشعوب الأطراف. وهو الأمر الذي فرض تفجر الثورات العربية، التي هي بداية لتفجر ثوري عالمي. إنها مبتدأ الصراع الطبقي العالمي.
إذن، الإملاق يتراكم، والشعوب نهضت.
(2)
هذه أرضية لتفاقم الصراعات،لكنها ارتبطت كذلك بميل الشعوب للدفاع عن «ذاتها» و«هوياتها» وبالأساس عن استقلالها وحقها في التطور في مواجهة موجة الاستعمار الجديد، وتدمير آليات التطور التي نشأت خلال القرن العشرين، وخصوصاً عبر إعادة دمج الأطراف بالمراكز الإمبريالية وإخضاعها لآليات هذه المراكز. هذه الآليات القائمة على التنافس الحرّ عبر فرض اقتصاد السوق، والتأثير السياسي المباشر عبر الاستعمار أو عبر التهديد بالقوة والعنف، والتي تمنع تحقيق التمركز الرأسمالي المحلي (القومي) حيث ينساب الرأسمال  إلى المراكز. كما تمنع ـ بالتالي ـ إمكانيات التوظيف في الإنتاج حيث ينساب الرأسمال إلى قطاع التجارة/ الخدمات/ المال نتيجة تفوّق الربحية وتحقق الأمان معاً، مادام هدف الرأسمالي هو الربح، الربح فقط، والربح الأعلى.
لهذا عاد التداخل بين الصراع الطبقي الناتج عن التناقضات على الصعيد العالمي، وبين الصراع من أجل إعادة صياغة العلاقات الدولية انطلاقا من تحقق «الذات القومية» (أي تحقق الأمة/ الدولة)، سواء في السعي من أجل الاستقلال وفتح أفق التطور الاقتصادي الاجتماعي والمجتمعي الشامل، أو/ و في السعي من أجل التوحيد القومي في الأمم المجزأة. وهنا تتداخل مصالح الطبقة العاملة والفلاحون ومصلحة الأمة في سياق السعي لصياغة عالم متكافىء وتسوده المساواة ويحقق المصالح الطبقية عبر تحقيق التكوين الاقتصادي الاجتماعي المعبّر عن العمال والفلاحين. ويتداخل كذلك المطمح القومي و مطمح تأسيس عالم إنساني، وتحقيق الترابط العضوي بين مختلف الأمم لتأسيس عالم خالٍ من الاضطهاد والاستغلال والتمييز والحروب، ومن إهدار البيئة.
لكن هذا الانحدار في وضع الطبقات العاملة والشعوب في نهاية القرن العشرين ارتبط بانهيار الحركات الماركسية (مختلفة التلاوين من الستالينية إلى التروتسكية، إلى الماوية و الجيفارية…) بعد تراجع متتالٍ بدأ في الربع الأخير من القرن العشرين، وتكرّس مع انهيار المنظومة الاشتراكية، حيث أفضى ذلك «معنوياً» إلى الشك في قيم و مبادئ، و«واقعياً» إلى التشكيك في ضرورة الاشتراكية، وفي إمكانية تجاوز الرأسمالية، وسمح بالولوج إلى ظلال الرأسمالية عبر التأكيد على سياسات الليبرالية الجديدة كمنقذ و مفعّل لاقتصاد أشيرَ إلى أنه منهار (وأقصد هنا الاقتصاد الاشتراكي واقتصاد رأسمالية الدولة في حركات التحرر القومي). لهذا تلاشى دور الحركات الماركسية (واليسار عموماً)، وبدا كأن الهجمة الرأسمالية تتقدم دون مقاومة سوى من قبل «مجموعات مغلقة»، نتيجة «التزمّت» الديني أو «التعصب» القومي، هذه المجموعات وإن كان بعضها يعبّر عن حلم التطور، أو يؤكد على الخصوصية والميل للاستقلال، إلا أنها تعبّر عن ميل رجعي في رؤاها العامة وفي أهدافها الاقتصادية الاجتماعية، وهي نتاج تخلف مزمن، وهي تعيد إنتاجه، مما يجعل الصراع ضد الرأسمالية وفق هذا المنظور يفقد طابعه الحقيقي، ولا يؤسس لبديل تقدمي.
لقد بدا أن الحركات الأصولية الإسلامية هي التي تواجه الرأسمالية وتعمل على هزيمتها، وأنها الأكثر جدية في هذا المجال، خصوصاً بعد حادث 11 أيلول سنة 2001 في نيويورك، لكن انطلاقاً من تحويل عميق في طبيعة الصراع، حيث «ناضلت» هذه الحركة، مؤسِّسة رؤيتها على أساس الدين، لهذا أصبح الصراع صراعاً دينياً، وأصبحت مواجهة الرأسمالية تنطلق من أن الدول الرأسمالية هي ذات دين محدّد هو المسيحية وليس لأنها رأسمالية، وأصبحت سيطرتها وميلها للاحتلال والتوسع كونها مسيحية. وبهذا تحوّل الصراع إلى صراع «حضاري»، بين ثقافات مؤسَّسة على أديان. وهذا ما عمل صامويل هينتنغتون على شرحه باعتباره «حركة موضوعية» (صامويل هينغتنغتون ” صدام الحضارات”)، لكنه في الواقع ميل لحرف الصراع عن طبيعته الحقيقية كونه صراع طبقي، وكون الرأسمالية هي القوة التي يجب أن ينتهي دورها التاريخي. ولأن الحركات الأصولية تؤكد على الملكية الخاصة (وبالتالي لا تنفي الرأسمالية) فقد أسست تناقضها مع الرأسمالية على أساس ثقافي محافظ، رافض لكل التطور الثقافي الراهن، ومؤسَّس على الدين كونه المعبّر عن «الوعي الجمعي». وبهذا فهي لا تنفي جوهر الرأسمالية لهذا تتكيّف معها لحظة انتصارها، بل توجه سهامها لما هو شكلي و طارئ (أي الدين)، لأنها تسعى لتكريس الملكية الخاصة حتى في شكلها الرأسمالي (لكن الهامشي).
وهنا يكون الصراع قد «انجرف» عن أسسه الحقيقية و تقولب في صيغة محافظة، وغير مجدية في سياق السعي لتجاوز الرأسمالية، أو تجاوز مفاعيلها الواقعية حيث أنها لا تسهم في تحقيق التطور الضروري، القائم على تأسيس «بنية منتجة» تكون الصناعة أساسها.
إذن سنلحظ بأن فئات كانت في طور الاندثار، أو فئات مهمشة هي التي تلعب دور المواجه للسيطرة الرأسمالية. ولاشك في أنها تعبّر عن احتقان عام، لكنها لا تعطي لهذا الاحتقان أساسه الضروري لكي يقود إلى تجاوز الرأسمالية، أو حتى لتحقيق الاستقلال والتطور الرأسمالي. لهذا لازال الصراع ضد الرأسمالية مشوّش وهزيل، وعاجز عن توحيد الطبقات الشعبية، وبالتالي فهو يعبر عن ردود أفعال، أكثر مما يعبر عن فَعل حقيقي.
لكن ربما كان رد الفعل الأهم هو نشوء الحركة المناهضة للعولمة الليبرالية، والتي مثلّت التعبير عن نهوض قطاعات شعبية في المراكز خصوصاً، وفي بعض الأطراف (أميركا اللاتينية)، ونشاطها ضد العولمة، عبر مواجهة سياسيات مجموعة السبع (G7) ومنظمة التجارة العالمية، وصندوق النقد والبنك الدوليين، والمنتدى الاقتصادي العالمي (دافوس)، و التكتلات الإقليمية التي تفرضها الرأسمالية، وكذلك مواجهة سياسات الحرب التي تمارسها الدولة الأميركية. وهي الحركة التي أصبحت ذات فاعلية على الصعيد العالمي، رغم أنها تحدّد ذاتها في الإطار الاجتماعي، أي كحركة اجتماعية، الأمر الذي جعلها غير محدّدة الرؤية، وخصوصاً في الصيغة التي يتحقق فيها تجاوز الرأسمالية. وكلما اقترب البحث في هذه المسألة كلما اقتربت من السياسة، وهذا هو وضعها الراهن.
لقد نشأت الحركات التي أسست الحركة المناهضة للعولمة الرأسمالية، مع بدء أزمة اليسار، حيث أفضى الشعور بمأزق اليسار وبدء تلاشيه إلى الاستنتاج بأن أساس ذلك يتمثّل في تجاهل «القضايا الاجتماعية والبيئية»، وتركيز اهتمامه على الدولة، وبالتالي «السياسة». مما جعله ينغلق في إطار فئة صغيرة من «السياسيين» الذين لا يولون قضايا المجتمع أهمية قدر اهتمامها بـ«اللعبة السياسية». وكانت قضية البيئة هي القضية الأولى التي حظيت باهتمام «اليساريين السابقين» انطلاقاً من الأثر المدّمر للرأسمالية على البيئة، لتصبح أساس نشوء حركة الخضر، التي لم تستطع الحفاظ على دورها «الاجتماعي» لتدخل «اللعبة السياسية». لكن سنوات التسعينات شهدت نشوء حركات اجتماعية متعددة الأهداف التي هي في الغالب عالمية، وتتعلق بآثار العولمة على المجتمعات وخصوصاً الجنوب. وهي حركات أصرت على طابعها الاجتماعي، وعلى التأكيد على أنها ليست «حركات سياسية»، بدأ دورها يتوضّح في المظاهرات ضد منظمة التجارة العالمية في سياتل سنة 1999، ومن ثم ضد نشاط كل الهيئات الدولية التي تقوم برسم وتنفيذ السياسات العولمية. وانتظمت في إطار المنتدى الاجتماعي العالمي في بورتو إليغري بداية سنة ،2001 وأصبحت تبحث في الأهداف التي توحدّها، وتتلمّس المهمات التي يجب أن تقوم بها، ولكنها أيضاً باتت تبحث في «العولمة الأخرى»، أي في «البدائل» عن العولمة الرأسمالية المتوحشة وبالتالي باتت تتلمّس السياسي.
لهذا طرح السؤال حول علاقة السياسي بالمجتمعي، بعد تجربة استمرت سنوات، وكان من الضروري ألا تقود الإجابة الى تكرار تجربة حركات البيئة، لأن دخولها معترك السياسة جعلها ذيل لأحزاب قائمة (هي أحزاب الاشتراكية الديمقراطية). ومن ثم أصبح من الضروري البحث الجاد في العلاقة بين السياسي والمجتمعي، لتجاوز «انعزال» الأحزاب السياسية، وانحصارها في «فئات ضيقة»، و«انفلات» الحركة الاجتماعية، دون لمس المسألة الجوهرية المتعلّقة بتجاوز الرأسمالية، الأمر الذي يفرض «السياسة». والتأكيد على أن الانتظام السياسي لا يلغي كل أشكال الانتظام الأخرى، بل أنه «المنظمّ العام» لها، دونها سوف يتهمّش ويضل. لهذا يجب أن يكون مندمجاً بها، وبالتالي متضمناً كل أهدافها و داعماً كل نشاطها.
ورغم استمرار المنتدى إلا أنه بات شكلياً بعد أن فقدت العولمة بريقها نتيجة تطورات الأزمة الرأسمالية، ولكن أيضاً نتيجة انخراط “منظمات المجتمع المدني” به، وتراجع تمثيل الطبقات الشعبية. وهو الأمر الذي حوّله الى “احتفال استعراضي” أكثر مما جعله قوة مناهضة للرأسمالية. لكن تمثلت المشكلة في أن أحزاب اليسار كانت قد تراجع دورها، وأخذت في التلاشي، رغم محاولات بعضها إعادة تفعيل دوره، والنشاط من جديد. وهو الأمر الذي ترك فراغاً كبيراً في الصراع ضد الرأسمالية تغطى بالصراع الذي اسسته الإمبريالية الأميركية ضد “الإرهاب”، الذي تمظهر في الحركات الأصولية الإسلامية (التي كانت قد اخترعتها الإمبريالية الأميركية ذاتها بالتنسيق مع العربية السعودية وباكستان في مواجهة السوفيت والشيوعية). ومن ثم أصبحت “الحرب على الإرهاب” هي مركز الصراع العالمي طيلة العقد الأول من القرن الجديد.
وهذا ما حرّك الشعوب في العديد من البلدان الرأسمالية ضد الحرب الإمبريالية، وحوّل الصراع من صراع ضد العولمة المتوحشة الى صراع ضد الحرب. لقد انهمك العالم ضد الحرب إذن، منذ الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول سنة 2001، والحرب على أفغانستان ثم العراق، والتوسع في التدخل في كل العالم، انتقل مركز ثقل الحراك الى النشاط الشعبي المناهض للحرب. ورغم محاولة الربط بين مناهضة العولمة ومناهضة الحرب إلا أن تراجع العولمة كخطاب، وعلو صوت المدافع لم بفض الى أن يتبلور بديل يواجه الرأسمالية، وظلت الأمور تسير انطلاقاً من أن كل هذه الصراعات تجري على أرضية الرأسمالية وليس من أجل تجاوزها. كما ظل الحراك منحصراص في الرد على السياسات الإمبريالية وليس طرح البديل عن الرأسمالية ذاتها.
اليسار الذي حاول أن ينهض من سرير الموت كرّر السياسات ذاتها التي أوصلته الى القبر، وظل يفكّر في الطريقة ذاتها التي أماتتهز فقد ظل يعيش أجواء الحرب الباردة رغم انهيار النظم الاشتراكية وتأزم وضع الإمبريالية، وتفكك مراكز السيطرة الإمبريالية، وبدء النهوض الشعبي في كل العالم. ولهذا فقد نهض يحمل كل العجز الذي سكنه منذ عقود، ويلوك الأفكار الذي أوصلته الى العجز.
الثورات بدأت إذن، ولا بديل عن النمط الذي تريد الشعوب أن تسقطه. لقد تلاشى الحلم، وماتت الأحزاب التي حملته لأكثر من قرن ونصف، وبدت في لحظة انها تغزو العالم وتحكم نصف الأرض.

(3)
إننا في لحظة إعادة صياغة الأهداف التي تعبّر عن الطبقات المعنية بالصراع ضد الرأسمالية ومن أجل تأسيس نمط إنتاجي بديل، اشتراكي وديمقراطي، ويحقق إنسانية الإنسان. وإذا كانت الحركة الماركسية قد انهارت، والباقي منها ليس في وارد، أو عاجز عن تحقيق ذلك، فإن إعادة تأسيسها هي المسألة الحاسمة الآن، هي الهدف الراهن.
إن النهب والاستغلال، إن الاضطهاد والاحتلال،كلها دفعت الشعوب والطبقات الفقيرة خصوصاً إلى النهوض للدفاع عن ذاتها وعن وجودها، ولهذا بات يقابل هجوم الرأسمال بمقاومة متنوعة، وبرفض عام، لكنها أسست لاحتقان عميق يقود حتماً إلى الانفجار، وبالتالي يفتح الأفق لتوسيع المقاومة وتعميقها. وهذا ما حدث في تونس يوم 17/12/2010، وامتد الى مصر في 25،1/ 2011، ومن ثم الى البحرين واليمن وليبيا وسورية، ونشط في الأردن والجزائر والمغرب والعراق.
وإذا كانت طبقات عديدة، في المراكز والأطراف، معنية بالمقاومة، فإن الطبقة العاملة والفلاحون الفقراء هم الأكثر حاجة للتحرر من الرأسمالية، وهم الأكثر مقدرة على تنظيم المقاومة للتخلّص من الاستغلال ومن كل اضطهاد طبقي أو قومي، أو ديني أو جنسي. ولهذا تهدف الماركسية إلى تحقيق تنظيم هذه المقاومة وتأسيس الحركة الماركسية من جديد، على أنقاض وفي تجاوز للحركة القديمة، و انطلاقاً من إعادة بناء التصورات والأفكار، وتحديد رؤية الحركة بمجملها وفي تجاوز لكل إشكالات و تخبطات الحركة القديمة. مستفيدين منها، ومؤكدين على دورها الفاعل والمحرّك، و المثوّر، والموجّه. لهذا يجب أن تكون الحركة الماركسية حركة مقاومة، حركة نضال، حركة تجاوز وحركة تأسيس البديل. أن تكون حركة تفعيل لكل النشاطات الاجتماعية وكل مقاومات الرأسمالية. وأن تتبنى كل مطالب الطبقات الرافضة للرأسمالية، وتوحيد فِعلها، وتوجيهها في الاتجاه الذي يفضي للخلاص من النمط الرأسمالي.
لهذا يجب أن تستعيد الحركة الماركسية دورها الثوري، أن تعود قائدة الصراع ضد الرأسمالية، وحاملة المشروع البديل، المشروع الاشتراكي والديمقراطي معاً، من أجل الإنسان، والطبيعة والبيئة، ومن أجل إنهاء الاستغلال والاضطهاد، وعدم المساواة و اللاتكافؤ. من أجل إنهاء الفقر والتخلّف والتناحر الطائفي و الاثني وإلغاء التمييز القومي والديني والجنسي. من أجل عالم خالٍ من الحروب والأوبئة. إذن يجب أن تستعيد الحركة الماركسية دورها الإنساني، دورها في تحقيق التقدم والمساواة، و إنهاء كل أشكال الصراع.
وإذا كانت صورة الاشتراكية قد اهتزّت، وربما انهارت، على ضوء انهيار النظم الاشتراكية، وبدا أنها ليست خيار البشر، أو أن زمانها لم يحن بعد، فإن الوقائع توضّح الضرورة التي تفرض أن تعود حلماً ممكناً، وأن تظلّ مطمح البشرية و مبتغاها، لأن الانهيار لم يكن بسبب تحققها، بل كان بسبب نقص هذا التحقق، نتيجة إشكالات تحققها في الأمم المخلّفة، في الغالب، وبالتالي فقد أنجزت مهمات عظيمة، وحققت تطوراً مهماً، دون أن تستطيع الصمود إلى مدى أطول، وأن تحقق إنجازات أكبر، وهذا بسبب التحولات في التكوين الداخلي، ونشوء فئات باتت تسيطر على جزء هام من فائض القيمة، وتبذره في الاستهلاك، دون أن يستطيع المجتمع الإطاحة بها، بفعل التكوين الشمولي الذي سيطر فيها (أنظر، سلامة كيلة “أزمة الاشتراكية، دراسة في تجربة القرن العشرين” خطوات للنشر والتوزيع/ دمشق، ط1/2010). ولهذا يجب أن ترتبط الاشتراكية والديمقراطية، أن تكون ديمقراطية في أساسها كونها أصلاً كانت المتداد “الطبيعي” لفكرة الديمقراطية 0أنظر، كارل ماركس “المسألة اليهودية” دار دمشق/ دمشق ط1/ 2006).
إذن يجب أن تستعيد الاشتراكية ألقها، مستفيدة من تجربة ثلاثة أرباع القرن، ومن تحقُّقٍ في أكثر من نصف المعمورة. يجب أن تعود حلم البشر، لأن هذا الحلم لن يكون ممكناً إلا في مجتمع خالٍٍ من الملكية الخاصة، وبالتالي من الطبقات.
هذا الحلم هو الذي يفرض أن يعاد بناء الحركة الماركسية، وأن تعاد صياغة مفاهيمها وتصوراتها، وتحديد رؤيتها للواقع الراهن، ومن ثَمّ تحديد مهماتها الراهنة، وفي عالم سحقته القوة العسكرية الأميركية خلال العقود الماضية، وشكّلته في تكوين إمبراطوري، وتوسّع في نهبه، وبالتالي استغلاله واضطهاده و تهميشه وربما تدميره.
الرأسمالية لازالت قوة استغلال ونهب، قوّة اضطهاد واحتلال، رغم أزمتها العميقة التي تفجرت. ورغم مقدرتها على تحقيق التطور في التكنولوجيا، فقد كانت تؤسس كل الظروف التي تمنع تطور مختلف الأمم، وتكرّس تخلّفها و تهميشها، وربما موتها. وهي هنا قوة إعاقة هائلة، وقوّة قتل. وكلما تراجعت الحركة الاشتراكية ازداد طابعها التوحّشي والنهّاب، وازدادت غزواتها البربرية و لصوصيتها. لهذا، وحالما نشأت أزماتها العميقة، بدأت تتخلى عن وقارها، واتزانها، ودبلوماسيتها، بدأت تخلع ثوب “الإنسانية» وتحطم قيم الحرية والديمقراطية والعدالة، التي كانت تدّعى أنها قيمها، لتبدأ بقضم كل الحقوق التي تحققت خلال نضال قرنين  من الزمان في أممها، ومن ثمّ ـ وحالما انهارت النظم الاشتراكية- أظهرت طابعها التوحّشي، عبر الإمعان في التخلّص من النقابات العمالية، ومن حقوق العمال، ملقية بأعداد متزايدة إلى البطالة، خصوصاً هنا بعد سياسة التقشف التي اتبعتها العديد من الدول الرأسمالية لسداد ديون راكمها لصوصها على الدولة. لكنها كانت أشد وحشية ضد كل الأمم التي تمردّت عليها خلال القرن العشرين، فبدأت حروبها منذ سنة 1990 من أجل السيطرة والاحتلال، ووضع اليد على النفط والتحكّم المباشر بالأسواق (أي احتكارها). وكذلك بتغذية كل الحروب الإثنية والطائفية والقبلية، و المناطقية، وتعميم الأوبئة ورفض المساعدة في الحصول على الأدوية بأسعار مناسبة لوضع الأمم المخلّفة. كما بتدمير الدول ذاتها لمصلحة الفوضى وهدر السيادة. من أجل أن تتحكم الشركات الاحتكارية الإمبريالية الأقوى (التي هي الاحتكارات الأميركية) بالعالم، وأن تفرض السياسات التي تخدمها هي فقط، مادام الربح الأقصى هو الهدف الأول والوحيد. فالربح أكثر أهمية من البشر، ومن أجله ليس مهماً إن جرى إفناء البشر، بكل الطرق الممكنة.
الخيار البديل هو الاشتراكية، ليس من حاجة للتردد أو الخوف، ومن غير المفيد استمرار حالة الضياع و اللايقين.
لكن السؤال الهام هنا هو: أية اشتراكية، وهو الأمر الذي يفرض أن تحدّد مشكلات الاشتراكية المنهارة، وأن نعيد صياغة التصورات بما يفضي إلى صيغة ممكنة جديدة، تستفيد من كل التجربة الطويلة السابقة، وتسمح بأن يعود لحلم الاشتراكية ألقه، ويعود هو الخيار البديل حقيقة.

الفصل الثاني

وضع الرأسمالية وانهيار الاشتراكية

إذن كيف يمكن للحركة الماركسية أن تعود قوّة فعل، وتغيير؟ أن تقود النشاط ضد الرأسمالية، ومن أجل عالم مختلف؟
نهضت الحركة الماركسية منذ نهاية القرن التاسع عشر، وحققت انتصاراتها منذ ثورة أكتوبر الروسية سنة 1917، وتوسعت نتيجة ميزان القوى على ضوء الحرب العالمية الثانية (الامتداد إلى شرق أوروبا)، لكنها انتصرت في الصين سنة 1949، وكوريا، وكوبا، وجنوب شرق آسيا (الفيتنام، لاوس، كمبوديا)، وفي نيكاراغوا، لتصبح الاشتراكية قوة عالمية، تسيطر على مناطق واسعة من العالم. فرضت موضوعياً تحوّلات عميقة فيه. حيث كان ممكناً لحركات التحرّر القومي أن تنتصر وتستقل، وتبدأ تجربة التطور الاقتصادي التي كان النمط الرأسمالي يمنع تحققها. وإذا كانت الرأسمالية نتيجة أزماتها، وأمام نضالات الطبقة العاملة، ونتيجة انتصار ثورة أكتوبر في روسيا سنة 1917 ونشوء المنظومة الاشتراكية، قد سعت من أجل إعادة صياغة تكوينها الداخلي بتحقيق «المساومة التاريخية» مع الطبقة العاملة التي أسست لبدء تحوّل الصراع الطبقي إلى صراع «اقتصادي» (أي مطلبي)، وبدء تكريس الديمقراطية كتكوين سياسي، فقد أفضت انتصارات الاشتراكية (التي قلّصت من سوق الرأسمالية) إلى أن تتعزز «المساومة التاريخية» وإن ينفتح الأفق لوصول الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية (التي كانت قد تكيفت مع المساومة التاريخية واختارت الصيغة التي تقوم على وجود الرأسمالية، لكن مع الدفاع عن مصالح الطبقة العاملة، وتحقيق ظروف أفضل لها، وتعزيز الدور الاقتصادي للدولة عبر التأميم واحتكار قطاعات إستراتيجية في الاقتصاد والتعليم والاتصالات) إلى السلطة، إضافة إلى ميل الرأسمالية ذاتها إلى تجاوز مشكلاتها التي ظهرت بعد الحرب العالمية الأولى وخصوصاً بعد أزمة «الكساد العظيم» سنة 1929، وكأنها مشكلات مستعصية، إلى تأسيس «دولة الرفاه» في أوروبا، والنيو ديل في أميركا، على ضوء مبادئ عالم الاقتصاد جون كينز، حيث احتاجت إلى ضبط التنافس، وتحسين «القدرة الشرائية» للطبقات الشعبية، وتدخل الدولة، من أجل تشغيل الآليات الاقتصادية بما يحقق مصالحها.
هذا التكوين العالمي هو الذي حكم العالم في مرحلة الحرب الباردة، والذي كان يوضح (أو يوحي) بأن الرأسمالية تندثر (أو تتراجع). حيث كانت تفقد المنطقة تلو الأخرى لمصلحة الاشتراكية. كما أنها تضطر إلى «الميل الاشتراكي» سواء عبر انتصار الاشتراكية الديمقراطية، أو عبر اضطرارها المباشر لإدخال الدولة في العملية الاقتصادية (التأشير، المراقبة، التدخل، الاستثمار، والتأميم)، والإقرار بحقوق مهمة للطبقة العاملة. ولقد بدا بداية سبعينات القرن العشرين أن الرأسمالية تنهار، حيث هُزمت الرأسمالية الأميركية في فيتنام، ودخلت مجمل الرأسمالية في أزمة ظهرت مع فك ارتباط الدولار بالذهب (حسب اتفاق بروتون وودز) سنة 1971، وبدء مرحلة التضخم الذي فُسر على أنه نتاج السياسات المتبعة في ظل سيادة دولة الرفاه ومن ثم الركود الاقتصادي الناتج عن تراجع القدرة الشرائية (حول ذلك يمكن العودة الى، جون كينيث جالبريث “تاريخ الفكر الاقتصادي، الماضي صورة الحاضر” ترجمة أحمد فؤاد بلبع، سلسلة عالم المعرفة الرقم 261، سيبتمبر 2000).
لكن اختلفت الأمور منذ نهاية ثمانينات القرن العشرين، حيث انهارت الاشتراكية. رغم ذلك يجب أن لا نتجاهل عمق الأزمة التي عاشتها الرأسمالية منذ سبعينات القرن العشرين، سواء من أجل فهم أثر سيطرة الاشتراكية على مناطق واسعة من العالم، لم تعد سوقاً خاصاً للرأسمالية، ليبرز هنا تأثير قانون ميل معدل الربح إلى الانخفاض الذي عادة ما تحلّه الرأسمالية عبر السوق العالمي، حيث قلّصت السيطرة على السوق من مقدرة الرأسمالية على المناورة في هذا المجال. أو سواء فيما اتخذته (ولازالت تتخذه) الرأسمالية من سياسات على صعيد العالم بعد انهيار الاشتراكية. فقد كانت أزمة الرأسمالية المتفجرة بداية سبعينات القرن العشرين أزمة حقيقية، فرضت انهيارات أسواق المال والشركات في الثمانينات، وقادت إلى عودة انتصار الليبرالية منذ الثمانينات في أميركا وبريطانيا وألمانيا، مع وصول كل من رونالد ريغان ومارغريت تاتشر وهيلموت كول الى السلطة. ومع عودة إلى سياسات الحرب والهجوم والعدوان (سياسة ريغان خصوصاً)، والتي انفلتت بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، الذي كان يمثّل قوة الردع المقابلة.
إن انتصار الاشتراكية في الأطراف، إذن، كان يسهم في تأزم الرأسمالية في المراكز كذلك، نتيجة تقلّص الأسواق أولاً، والتحكم «الوطني» بالمواد الأولية ثانياً، والاضطرار إلى تقديم «تنازلات» هامة للطبقة العاملة ثالثاً. الأمر الذي كان يقلّص من إمكانية معالجة قانون ميل معدّل الربح إلى الانخفاض عبّر تصدير السلع والرأسمال والحصول على المواد الأولية بسعر متدنٍ (بهدف خفض كلفة الإنتاج). لهذا تطوّر الاقتصاد الرأسمالي في ثلاث سياقات، الأول: تمثّل في تسريع تحقّق التمركز الرأسمالي، مما فرض نشوء الشركات الاحتكارية متعدية القومية، التي أصبحت هي الماسك بمجمل الاقتصاد العالمي، حيث أن تقلص الأسواق والركود الطويل فرضا حالة من التأزم في الشركات، قاد إلى انهيار أسواق المال في الولايات المتحدة سنة 1987 (الأحد الأسود) ، مما جعل عملية الاندماج في إطار الشركات أمراً ضرورياً. لكن نشوء الشركات العملاقة أسس لأن تسعى إلى تشكيل وضع عالمي مختلف يعزّز من وضعها ويعظّم أرباحها، الأمر الذي جعل من بناء «نظام عالمي جديد» حاجة ملحّة، كان انهيار الاشتراكية هو لحظة تحققه الحاسمة.
الثاني: تمثّل في تداخل وتشابك الاقتصاد الرأسمالي، أو ما يمكن أن نسميه «تلاحم النواة»، أو تشابك المراكز، رغم عدم تجاوز التناقضات فيما بينها. وكانت مسألة التمركز الرأسمالي ونشوء الشركات متعدية القومية مجال تحقّق ذلك، عبر الهيمنة والهيمنة المقابلة عن طريق تصدير الرأسمال في الاتجاهات المختلفة بين هذه المراكز.
الأمر الذي جعل مصالح الشركات لا يتقاطع تماماً مع مصلحة المراكز ذاتها، ونشوء «انشقاقات» داخلية في كل مركز وبين الشركات المتعولمة، والأخرى التي لازالت «وطنية». وهذا الوضع جعل التناقض بين المراكز محكوماً بأساس ضروري يقوم على «التوحد». وهي الحالة التي أسست لنشوء وضع يمنع انشقاق الرأسماليات، والحروب فيما بينها، ليتحدّد الخلاف في طبيعة العلاقات التي تحكمها. بمعنى أن دفاعها عن ذاتها في مواجهة القوى البديلة، أصبح هو الأساس في مجمل علاقاتها.
ثالثاً: وإذا كان التمركز الرأسمالي قد ضخّم من حجم الشركات وجعلها أكبر من الكثير من الدول على صعيد الميزانيات، فقد أدى تقلص الأسواق والسيطرة على المواد الأولية (وبالتالي تقلّص الرأسمال المصدّر إلى الخارج)، ومع تراكم فائض الأرباح الذي أشرنا إليه قبلاً، إلى خروج كتلة هائلة من الرأسمال من مجال الإنتاج والاستثمار في المواد الأولية، وتحوّلها إلى عبء، جرى تجاوزه جزئياً منذ نهاية سبعينات القرن العشرين عن طريق الديون التي جرى توريط الدول المخلّفة فيها عبر إغراء فئات رأسمالية نهبت الدولة، لكنها ومنذ انهيار الاشتراكية تحوّلت إلى التوظيف في التقنيات الحديثة والمديونية الداخلية، ومن ثم في النشاط المضارب، أي في الاستثمارات قصيرة الأجل، الموظفة خصوصاً في أسواق المال والأسهم. ولقد تجاوز نشاطه 9 إلى 1 لنشاط الرأسمال الموظّف في الإنتاج والخدمات والتجارة وكانت السبب المباشر في حدوث هزّات عميقة في أسواق المال، خصوصاً في المكسيك سنة 1994، وجنوب شرق آسيا سنة 1997، وروسيا سنة 1998، وبعض دول أميركا اللاتينية منذ سنة 2000. وكذلك انفجار فقاعة التقنية الحديثة في أميركا سنة 2000. وبالتالي أصبحت تشكّل خطراً على مجمل النمط الرأسمالي، لأن ميلها لتحقيق الربح الأعلى والأسرع يدفعها إلى مغامرات غير محسوبة أو غير متوقعة النتائج.
رابعاً: ولقد تحقق كل ذلك في مرحلة اتسمت بأزمة «دورية» تعيشها الرأسمالية منذ السبعينات، وهي أزمة الركود الطويل التي تصل أحياناً إلى حدود الكساد، حيث لا يجد فيض الإنتاج منافذ مناسبة. وإذا كانت هذه الأزمة ملازمة للرأسمالية وهي تمّر بشكل دوري، فقد بدت هذه المرّة وكأنها عاجزة عن الخروج منها في إطار الوضع الدولي القائم، ووفق الآليات التي نشأت على ضوء نتائج الحرب العالمية الثانية، وفي الظروف التي تفرضها الحرب الباردة.
وعبر هذه السياقات يحاول الاقتصاد الرأسمالي منذ انهيار الاشتراكية إعادة بناء العالم بما يحقق له الاستقرار، ويكرّس النمط الرأسمالي كنمط نهائي.
وهذه العملية تستثير أمم العالم. والطبقات المضطهدة خصوصاً، لأنها تقوم على تعزيز الاستغلال والنهب والاضطهاد، حيث انهار البديل، وتلاشت تأثيراته العالمية. وبالتالي فإن الصراع ضد الرأسمالية يتفاقم، لكن في لحظة تلاشي الحركة الاشتراكية.
فقد كانت هذه الحركة قد بدأت تتراجع مع بدء أزمة المجتمع السوفيتي ( خصوصا بعد موت ستالين سنة 1953)، وأزمات الدول الاشتراكية الأخرى (مشاكل هنغاريا، بولندا، تشيكوسلوفاكيا، والصين..)، رغم تطور حركات التحرر القومي آنئذ، واستمرار تقدّم الاشتراكية عالمياً (الهند الصينية، كوبا، نيكاراغوا..). وإذا كانت حركات التحرّر القومي لم تطل أمد مقاومتها فانهارت بدءاً من سبعينات القرن العشرين، وتحوّلت دولها إلى «اقتصاد السوق» وإلى التبعية، وكانت مختبر الاستدانة، حيث أغرقت في الديون. وكذلك مختبر الليبرالية الجديدة عبر خضوعها لسياسات التكييف الهيكلي والخصخصة التي فرضها صندوق النقد الدولي مستفيداً من إغراقها في الديون. وحيث أدى ذلك إلى انهيار التكوين الذي تأسس فترة سيطرة الحركات القومية، خصوصاً فيما يتعلق بالتصنيع والتحديث، وفي الحقوق التي حصلت عليها الطبقة العاملة ومجمل الطبقات الشعبية (حق العمل، والأجر المناسب، الضمان الصحي والاجتماعي، دعم السلع، التعليم المجاني..) وسيطرت فئة رأسمالية تابعة، عادت تنشط في السمسرة والتجارة والخدمات، في إطار إعادة «اندماجها» في النمط الرأسمالي.
إذا كانت حركات التحرر القومي قد لاقت هذا المصير، وهو نابع من طبيعة الطبقات التي قادتها، حيث مثلّت في الغالب الفئات الريفية الفقيرة لكن الساعية إلى التملّك، و الطامحة في الارتقاء الطبقي، الأمر الذي سمح لها بتهديم البنية القديمة (الإقطاعية، أو الإقطاعية المترسملة من موقع التابع)، وجعل التكوين الجديد الذي صاغته (التصنيع والتحديث) أساس تحقيقها «التراكم الأولي» عبر نهب الدولة، وتحقيق التراكم الخاص عل شكل ثروة، عادت لتوظّف وفق آليات النمط الرأسمالي العالمي، أي في التجارة/ الخدمات/ المال وفي المراكز خصوصاً.
فإن السؤال الضروري هنا هو: لماذا انهارت الاشتراكية؟ ولماذا توقّف «توسعها» العالمي؟
هذه المسألة هامة في سياق أي مسعى من أجل إعادة بناء الحركة الاشتراكية، ليس بسبب ضرورة توضيح الأسباب التي قادت إلى الانهيار فقط، بل كذلك من أجل إعادة صياغة البديل الاشتراكي، حيث ليس من الممكن أن يعاد بناء الحركة الماركسية، وأن تعود قوة فعل، دون أن تحمل من جديد حلم المضطهَدين والفقراء و المهمَّشين والمسحوقين في هذا العالم. حلم الطبقة العاملة العالمية ومجمل الفلاحين الفقراء، و مهمَّشي المدن، وكل الفئات التي تسعى من أجل عالم إنساني، عادل وديمقراطي.
عادة ما تناقش التجربة الاشتراكية، منذ الانهيار، من زاوية هل أنها تجربة اشتراكية حقاً؟ انطلاقاً من «الصورة الذهنية» للاشتراكية التي قيل أن ماركس قد صاغها. ولاشك في أن هذا المدخل لتحديد موقف من الاشتراكية يعاني من قصور أساسي، لأنه «يقيس» الواقع بالمثال، أي «يقيس» ما جرى في الواقع والتكوينات التي تشكلت فيه، بصورة مجرّدة «مرسومة بريشة فنان»، أو مصاغة بعقل فيلسوف. رغم أن «الصورة» هي التشكيل الذي يخلّص الواقع من كثير من تفاصيله، ومن تناقضاته، ومن كل ما هو ثانوي وهامشي لحظة التشكيل (رغم أنه سوف يتحوّل إلى أساسي كذلك في مرحلة تالية). هذه المحاكمة مهمة ومفيدة حينما نحاول اكتشاف مشكلات الواقع وقصوره من أجل تطويره ودفعه في صيرورته لكي يتحوّل إلى «مثال». أي أن هذا المدخل مفيد في الإيجاب، في التطوير والتجاوز، لكنه مدّمر في السلب، أي حينما تصبح المسألة هي مسألة رفض وتخلّي، وبالتالي قبول وتبني الآخر الذي هو هنا الرأسمالية. لأن ذلك يهدر الحقائق، ولا يرى الصيرورة ذاتها، التي هي تحوّل الواقع، تغيّره، وبالتالي ارتقائه.
لهذا فإن السؤال الأولي هو: إلى ماذا كانت تهدف ثورة أكتوبر الروسية سنة 1917؟ وإلى ماذا كان يهدف تحقيق الاشتراكية في أوروبا الشرقية والصين..الخ؟
والمسألة هنا لا تتعلق فيما كُتب، وبالتصورات والأفكار والأحلام التي حكمت قادتها، بل تتعلق بهدف الحركة الواقعي، أي هدف الصيرورة ذاتها التي حرّكها الحزب الشيوعي الروسي، ومجمل الحركة الشيوعية، والذي ربما لم يكن قد تبلور في وعي كل الذين عملوا على تحقيق الثورة. أطرح هذه المسألة لأوضّح بأن دور الوعي في الحركة الواقعية (الصيرورة) ليس مقرِّراً رغم كل أهميته التي لا يجوز تجاهلها، حيث أن الحركة ذاتها سوف تتضمّن ما هو ممكن منه وتلفظ ما هو مستحيل (أو مؤجل)، وإذا كان ألقي على عاتق ثورة أكتوبر والثورة الصينية، وفي كل الأمم الأخرى تحقيق الاشتراكية، رغم أن هذا الهدف كان غير آني لأن الثورة الديمقراطية هي الهدف الذي حكم الفعل العملي فيها، وأصبح كذلك بعد الانتصار، فقد كان واقع هذه الأمم يفرض نقلها من النمط الزراعي الإقطاعي المتخلّف إلى الصناعة والحداثة وتحقيق تشكّلها القومي. وإذا كان الواقع يفرض أن تلعب الحركة الماركسية هذا الدور، لأن البرجوازية (وهي الطبقة التي حققت ذلك في أوروبا) عاجزة نتيجة تداخلها مع الإقطاع وميلها للارتباط بالنمط الرأسمالي، وبالتالي التحامها به عبر الهامش الذي يسمح به النمط ذاته (أي عبر التجارة/ الخدمات/ المال)، فإن هذا الدور، الذي يؤشر إلى الاشتراكية كون الاشتراكية هي هدف الحركة الأساسي حينما تشكّلت، وكذلك وفق «أيديولوجيتها»، هو من أجل تحقيق المهمات الديمقراطية كمعبر ضروري وحاسم نحو الاشتراكية (وهذا ما طرحه لينين أصلاً، أنظر: لينين “خطتا الاشتراكية الديمقراطية في الثورة الديمقراطية” دار التقدم/ موسكو. وايضاً: لينين “مقالات وخطابات لمناسبة اعياد ثورة أكتوبر” دار التقدم/ موسكو 1967) .
انطلاقاً من ذلك نستنتج بأن صيرورة التغيير التي بدأت مع ثورة أكتوبر حققت ما كان يحتاجه الواقع وعجزت عن تحقيق أحلام قادتها والطبقات التي عبّرت عنها (فقد كانت الطبقة العاملة حينها ضعيفة وقليلة العدد في مجتمع فلاحي يعيش مرحلة الاقطاع وتخلف القرون الوسطى). لكنها، بالتالي، أسست لوضع جديد. ويكون هدف «القياس» على المثال هو تحديد الإشكاليات التي منعت من انتقال الواقع إلى وضع آخر جديد، هو الاشتراكية. هنا نعود للسؤال عن مفاهيم وتصورات وأحلام الفئة التي باتت هي السلطة، وبالتالي عن السياسات التي تتبعها من جهة، وعن دور الطبقة العاملة والفلاحين الفقراء في التكوين الجديد. وبالتالي يصاغ السؤال في شكل جديد، يتعلق بالأسباب التي حالت دون الانتقال من تحقيق المهمات الديمقراطية (تصنيع المجتمع وتحديثه) إلى الاشتراكية؟ بمعنى أن الأحلام الاشتراكية، وحتى إلغاء الملكية الخاصة كأساس لتحقيق الاشتراكية، لم يكن بوسعهما سوى تحقيق الانتقال من النمط الزراعي المتخلف الى الحداثة “الرأسمالية” (أي التي ارتبطت بالرأسمالية)، هذا ما كان يستطيعه الواقع، وما يؤسسه وعي الشيوعيين.
عند هذا المستوى تعود الاشتراكية هي حلمنا. وتعود الأهمية لدور الحركة الماركسية. لأننا نعاني من احتجاز التطور، ومن ارتباط رأسماليتنا بالنمط الرأسمالي كتابع ومن موقع الهامش. وكذلك من فشل الفئات الوسطى (الريفية خصوصاً) في كسر حلقة التخلّف. ومن ارتباط تطورنا ـ بالتالي ـ بالصراع ضد رأسمالية المراكز التي هي، عبر دورها السياسي العسكري أو عبر آلياتها الاقتصادية في إطار حرية السوق، قوة الكبح والمنع وتكريس التخلّف (الذي يصبح بالتالي تخليفاً). ليس من خيار آخر يقود إلى تحقيق المهمات الديمقراطية، لا الاندماج في النط الرأسمالي وانتظار أن تقود آلياته إلى «نقل قوى الإنتاج» وبالتالي سيادة الرأسمالية كرأسمالية منتجة، لأن رأسمالية المراكز لا تسمح بنشوء قوى إنتاج جديدة (لا في الصناعة ولا الزراعة) تشكّل منافساً لها، وقواها الإنتاجية ـ كما أوضحنا ـ تعاني من فيض الإنتاج، لهذا فهي لن تتوسّع. وحتى حينما نقلت صناعاتها الى الأطراف فقد جعلتها جزراً منعزلة في بحر اقتصاد متخلف، وبالتالي لم يؤدِ الفائض المتحقق الى توسعة التصنيع لأنه بالضبط كان يصدر الى المراكز. ولا الرأسمالية المحلية معنية لأنها غدت هامش في عجلة النمط الرأسمالي، وارتضت أن تكون كذلك. ولقد حاولت الفئات الوسطى وفشلت. بالضبط نتيجة شرهها الى الملكية الخاصة، الأمر الذي جعلها تكتسب صفة اللص، لأنها عملت على سرقة التراكم المتحقق في شركات ومؤسسات الدولة.
هذا الوضع يجعل المهمات الديمقراطية هي جوهر برنامج الحركة الماركسية، وهدفها الراهن. ولقد أوضحت التجارب في روسيا والصين وأوروبا الشرقية (عدا ألمانيا والتشكيك وجزئياً بولندا التي كانت قد ترسملت وتصنعت إلى حدّ كبير قبل الاشتراكية) أن الحركة الماركسية، عبر «خيار لينين» الذي صاغه باختلاف مع «التصور الماركسي الرسمي»، هي القادرة على تحقيق هذه المهمات، وبالتالي تحويل المجتمعات المخلّفة، إلى مجتمعات مدنية حديثة. ولقد كانت قادرة على تحقيق ذلك لأنها كانت الأكثر جذرية في مواجهة النمط الرأسمالي العالمي، والأكثر وعياً بإشكاليات آلياته العالمية، وأثره على احتجاز التطور، وبالتالي القادرة على تقديم البرنامج الواقعي (وإن كان في فضاء من الأوهام ربما)، في الوقت الذي تحقّق فيه كذلك قسماً مهماً من مصالح الطبقة العاملة والفلاحون وحتى الفئات الوسطى المدينية. بمعنى أنها تحاول أن توازن بين التطور ومصالح الطبقات الفقيرة، لأنها تحاول تجاوز قانون الربح، وبالتالي تخضع قانون فائض القيمة لرقابة صارمة بما يجعل الفائض هو رأسمال يوظف في الاستثمار العام.
هذه العملية هي التي تؤسس لآليات مقاومة الاقتصاد للآثار التي توجدها آليات النمط الرأسمالي، وتؤسس لتماسك التكوين الاجتماعي في مواجهة الضغوط الإمبريالية، ومقاومتها.
هنا يجب التشديد على مواجهة كل الاستنتاجات المتسرعة التي راجت بعد انهيار الاشتراكية. ويجب تخليص الحركة الماركسية منها، لأنها تدمّر «الممر الوحيد» لتطور الأمم المخلّقة، وتفتح الأفق لتكريس الرأسمالية، تلك الرأسمالية المتخلّفة والتابعة التي ليس في برنامجها تحقيق التطور. إن «الهجوم» على «خيار لينين» وكيل المديح لبليخانوف المنشفي (وليس المفكّر، أي كيل المديح لخيار بليخانوف الداعي للتطور الرأسمالي)، والذي لا يستند إلى تحليل منطقي، أو يقوم على بحث واقعي، هو خيار استمرار هامشية الحركة الماركسية، وخصوصاً في الأمم التي اتبعت خيار بليخانوف منذ زمن طويل، رغم تسمَّيها بالماركسية اللينينية، مثل الحركة الشيوعية العربية ما بعد عام 1937 و الحزب الشيوعي الاندونيسي والإيراني والتركي، وكل الحركة التي اتبعت موسكو.
ولقد أوضح القرن العشرون أن كل الأحزاب التي تجاوزت «خيار لينين» فشلت في أن تصبح قوة تغيير، فظلّت هامشية، وملحقة بقوى أخرى (البرجوازية الوطنية، ثم البرجوازية الصغيرة).
ولقد أشرت إلى أهمية «خيار لينين» بالقياس إلى المهمات الواقعية، وليس بالقياس إلى الأحلام، حيث أن كل الأمم التي أصبحت اشتراكية، هي الآن أمم مصنعة وحديثة، رغم الانهيار الاقتصادي الاجتماعي الذي أصابها. بينما لم تتصنّع الدول التي ظلّت رأسمالية. ولاشك في أن أمم أميركا اللاتينية (المستقلة منذ قرنين تقريباً، والتي عاشت تجارب ديمقراطية عديدة، وحكمت بعضها أحزاب اشتراكية ديمقراطية في فترات مختلفة وهي كبيرة العدد…) تظهر هذه المسألة بوضوح شديد.
الآن، وعلى ضوء التأكيد على خيار الحركة الماركسية، يصبح طرح السؤال حول كيفية الانتقال إلى اشتراكية ديمقراطية وإنسانية، بعد تحقيق المهمات الديمقراطية (التي تتحقق بالتداخل مع تحقيق الاشتراكية في لحظة معينة)، سؤالاً نظرياً يحظى بأهمية كبيرة، لأنه يؤسس لتحقيق سلاسة الانتقال (وبالتالي تحقق الصيرورة ذاتها) عبر وعي الآليات الضرورية لذلك. وهنا تكون دراسة التجربة الاشتراكية ذات أهمية بالغة، لأنها تقدّم خبرة ما يقرب القرن، ومجهود أجيال، وأفكار الآلاف ممن حاول البحث أو حاول إبداء الملاحظات، أو انتقد، أو حتى عبّر عن الرفض.
والسؤال هنا هو كيف تكون الماركسية سلطة وناقدة لها في الوقت ذاته؟ أي كيف تظل الماركسية نقدية، وبالتالي كيف يبقى حاملوها نقديين، لكي يظلّوا المعبرين عن الطبقة العاملة وكل الفئات المنتجة والساعية لبناء مجتمع إنساني وعادل، والقادرين على تحقيق الانتقال، وتطوير الاشتراكية؟
يمكن الاستنتاج مبدئياً، بأن الديمقراطية ضرورة، وأن التعددية الاشتراكية ضرورة كذلك. وبالتالي فإن الاشتراكية يجب أن تتضمن كل قيم الديمقراطية، لأنها أساس فصل الحزب عن السلطة، وعلى ضوء ذلك أساس عدم تحوّله إلى حزب سلطوي بيروقراطي يسمح بتحوّل أعضائه إلى فئة معنيّة بتميّزها الاجتماعي وبحصولها على جزء من الفائض لتنمية نزعتها الاستهلاكية، وبالتالي تتحوّل إلى فئة معينة بالحفاظ على «الاستقرار»، ويجعلها تعيد بناء الماركسية كأيديولوجيا معبّرة عن مصالحها هي، ومن ثَمّ لا تعود معنية بمصالح الطبقة العاملة والمجتمع عموماً، لهذا تدّمر السياسة في المجتمع، وتعمل من أجل تحويل البشر إلى «حيوانات» هدفها العيش بمعناه الأوّلي (أي استمرار الحياة)، عبر السلطة الاستبدادية الشمولية، وبالتالي تدفع المجتمع إلى رفض الاشتراكية. الأمر الذي يهيئ لانهيارها. وستكون هذه الفئة هي ذاتها المستفيد من هذا الانهيار.
لكن المسألة أوسع من طبيعة السلطة في الاشتراكية، رغم الأهمية الكبيرة لهذه المسألة، حيث أن التطور ذاته، بمعناه الاقتصادي الاجتماعي و التحديثي، يحتاج إلى بحث، ولاشك في أن الدراسة الدقيقة للخطط الاقتصادية، والأولويات في هذا المجال أمر يسهم في وعي الصيرورة بشكل أفضل، وبالتالي تحديد آليات التطور انطلاقاً من وعي أفضل بالحاجات الموضوعية. لقد كانت التجربة الاشتراكية أول تجربة في بناء النمط البديل، وهو الأمر الذي يكشف عن نقاط ضعف عديدة، خصوصاً أنها تحققت في بلدان متخلّفة، وبالتالي كان المجتمع يطوّر ذاته لكي يصبح «عصرياً»، أي محققاً لمستوى التطور العالمي من جهة، كما كان من جهة أخرى يحاول تأسيس نظام حياة بديل كذلك. لهذا تكون دراسة التجربة ذات أهمية من أجل «تصويب» الوعي، لتحقيق وعي أفضل للصيرورة الواقعية، و الإمكانات التي يضيفها البشر فيها، للوصول إلى الاشتراكية الحقة.
إذن، الحلم هو جزء من تكوين البشر، لهذا ستبقى الاشتراكية (هكذا بشكلها العام) هي البديل الضروري، هي الحلم الذي يسعى البشر نحو تحقيقه.
ومن أجل ذلك يجب أن تعود الحركة الماركسية قوّة فعل، وتغيير، وأن تقود النشاط الاجتماعي ضد الرأسمالية ومن أجل عالم مختلف.

الفصل الثالث

اندثار الماركسية الرائجة وماهية الماركسية

وأن تعود الحركة الماركسية قوّة فِعل وتغيير يعني أن يعاد النظر في الرؤية وفي الدور، وفي الرابط الطبقي. من أجل صياغة المشروع المعبّر عن العمال والفلاحين، والطبقات الشعبية عموماً، ومواجهة الرأسمالية، ومن أجل تحقيق التطور والحداثة، وصولاً إلى تأسيس النمط الاشتراكي.
من أجل ذلك يجب تغيير النظر إلى الماركسية أولاً. يجب تجاوز التعاطي الراهن مع الماركسية، كـ«عقيدة جامدة»، أو أيديولوجيا مكتملة مطلقة الصحة، و«عالمية» صالحة لكل المجتمعات وفي كل آن. والانطلاق من أنها أداة وعي ومنهجية تحليل.
لاشك في أن الماركسية تقدّم حلماً يخص البشرية هو الاشتراكية، وتشير إلى أنها تعبّر عن الطبقة العاملة، وتؤكد على صراع الطبقات، وعلى اعتبار أن التحليل الاقتصادي هو الحاسم في التحليل الأخير، وتؤكد على الأممية، وتطالب بتحقيق المهام الديمقراطية فيما يخص المسألة القومية والمسألة الزراعية والاستقلال.. الخ. بمعنى أنها تطرح ما هو عام، وما أوضح الواقع «وجوده» مصاغاً على المستوى النظري، وبالتالي تقدّم مفاهيم وأفكار وكذلك قوانين. لكنها يجب أن تطرح رؤية واقعية، أن تقدّم تحليلاً للواقع من أجل صياغة الرؤية التي تحكم تغييره. الماركسية لا تكتفي بالعام، ولا تكون ماركسية في حدود ذلك، لأنها تنطلق من الخاص، من الواقع دون أن تتجاهل العام، تنطلق من الخاص لصياغة العام المجرّد. لهذا فهي تقدّم المنهجية التي تجعل وعي الواقع ممكناً، وتجعل وعي آليات تغييره ممكنة كذلك.
الماركسية لا تطرح صراع الطبقات مجرداً، ولا تؤكد على ضرورة التغيير فقط، ولا تنطلق من دور الطبقة العاملة لتحقيق الاشتراكية بشكل عام، إنها تنطلق من واقع محدَّد ومن ظرف معين، ومن صراع طبقي مسمّى. وعلى أساس ذلك تبني التصورات وتؤسس الرؤية، وتتشكّل الحركة.
لهذا نحتاج إلى رؤية جديدة للماركسية، تنطلق من أنها أداة تحليل وأساس وعي الواقع، كما تجعلها ـ بالتالي ـ أداة تغيير وقوة فِعل. لم تقدّم الماركسية أفكاراً جديدة فقط، بل قدمت منهجية جديدة، قدمت منطقاً جديداً، كان في أساس تبلور الأفكار وصياغة القوانين والتصورات. وأقصد هنا الجدل المادي، الجدل الذي استوعبه ماركس استناداً إلى هيغل (مؤسسة الأوّل)، والمادية التي استوعبها استناداً إلى فيورباخ، ولكن أيضاً إلى كل الماديين السابقين (أنظر، فريدريك إنجلز “الاشتراكية: الطوباوية والعلم” سلسلة دفاتر ماركسية -2، دار الفارابي/ بيروت ط1/2013. وأيضاً، انجلس “لودفيغ فورباخ ونهاية الفلسفة الكلاسيكية الألمانية” دار التقدم/ موسكو). هذه المادية هي التي جعلت الواقع عنصراً أولياً (وأساسياً) في الماركسية، لأنها «الملموس» (أو في الحقيقة المشخّص)، ولا مشخّص خارج الواقع، و انطلاقاً من الواقع. لهذا نشير إلى الصيرورة الواقعية، حيث أن حركة الواقع هي جدلية، لأنها تتضمن التعدّد والتنوع وبالتالي التناقض (وجود الضدين) ومن ثَمّ التركيب (نفي النفي)، كما تتضمن التراكم والتقدم، و بالتالي التجاوز. وفي الواقع «عناصر» متداخلة ومتشابكة، وكذلك متناقضة، وهنا نشير إلى الاقتصاد (والعلاقات الاقتصادية) والطبقات، والوعي (الأيديولوجيا، الفكر والفلسفة والدين)، والسياسة (الدولة والأحزاب). وحيث تنحكم العلاقة فيما بينها لصيرورات متعددة نتيجة التناقضات التي تحدث فيها.
هذا «المجرد» في علائقه يقدّم المؤشر «الذهني» لوعي الواقع، بغض النظر عن الأفكار والتصورات السابقة، التي يمكن أن تتكرّر أو تختفي، أو تختفي ثم تتكرّر. الأمر الذي يجعل لكلمتي «الآن» و«اللحظة» أهمية كبيرة، لأننا نؤسس في العياني وليس في «المجرد» (أو كما أشار لينين “التحليل الملموس للواقع الملموس”). لكن «الآن» و«اللحظة» غير المنعزلتين، لأنهما جزء في صيرورة، وبالتالي فإن لهما تاريخية محددة. و«اللحظة» ليست ما هو ظاهر فقط، الظاهر الذي كان يصاغ على شكل «تقرير سياسي» هو أقرب إلى سرد الأحداث السياسية (تقرير صحفي بالتالي) مع تحديد موقف منها، دون البحث في العمق، والتحليل، ووعي الترابطات، ودون الخلفيات، وبالتالي دون الصيرورة كلها.
الجدل المادي يفرض، الغوص في «العمق» من أجل تجاوز الأشكال عبر وعي المضامين وصيرورتها.
ولقد عانت الماركسية التي راجت منذ أواسط ثلاثينات القرن العشرين، وتعممت عالمياً، وبكل تفرعاتها الستالينية والتروتسكية والماوية، من إشكالية مزدوجة لكن مترابطة، حيث أصبحت «أيديولوجيا»، بمعنى أنها أصبحت نصاً مكتملاً ومقفلاً، مما جعلها مقياس الواقع، وأصبحت «مهمة» الواقع السير وفقها، لتعود الأولوية للفكر الذي يصنع الواقع بإرادته المطلقة. كما أصبحت، بالتالي، بلا منهجيتها، افتقدت منهجيتها (أي الجدل المادي)، لأن «الأيديولوجيا» (أو العقيدة كما يشار أحياناً) تتنافى مع الجدل ومع المادية معاً، لأن الجدل يرفض السكون (و الستاتيك) لأنه يتنقّل بين الفريضة والنفي ومن ثم التركيب في صيرورة مستمرة، وبالتالي ليس من الممكن الوقوف عند حدّ، وتجاهل الحدّ الآخر، ومن ثَمّ تناقضهما، لينتجا تكويناً ثالثاً. كما أن المادية تنطلق من أولوية المادة على الفكر، الوجود على التجريد، وبالتالي فهي التي تؤسس لـ«الأيديولوجيا» وتصنع «العقيدة». وهي كذلك التي تُكسّرهما لتؤسس أيديولوجيا أخرى، وتخترع عقيدة جديدة في كل لحظة ومكان.
لهذا تحكّم بهذه الماركسية منطق أرسطو (وأساساً المنطق اللاهوتي الذي يقوم على مبدأ القياس) المنطلق من الشكل (دون الجوهر) ومن السكون (دون الحركة). حيث يهيمن مفهوم الهوية الأرسطي (أ هي أ وليست شيئاً آخر…). المنطق الذي أصبح «يختصّ» في الجدل المادي (بعد أن بات هو العنصر الأولي فيه) بالتحديد الابتدائي (الأولي) للمسائل قبل دراستها علمياً، انطلاقاً من تحديد الأشكال (وبالتالي التمايز والاختلاف)، الأمر الذي يعني التحديد من أجل وعي الترابطات والتناقضات وبالتالي الصيرورة. الأمر الذي أبقى ماركسيتنا ما قبل ماركسية، وأبقى وعينا ما قبل الوعي المدني الحديث. بمعنى أن وعي القرون الوسطى هو الذي كان ينتج أفكارنا وتصوراتنا، وإن بأشكال جديدة (كلمات، مفاهيم..)، حيث استمرت سيطرة «العقل الأحادي»، الذي استمر ينتج المطلقات ويدمّرها منتجاً ما هو معاكس لها، وكمطلقات كذلك.
لقد فشلت الماركسية الرائجة إذن، في أن تكون أداة وعي، وتحليل، فأسست رؤية منافية للواقع، وبالتالي أقامت تكتيكاً خاطئاً، الأمر الذي أوصلها إلى مأزقها، ومن ثَمّ تفككّها وتفتتها وتلاشيها.
ولقد شوّش انهيار المنظومة الاشتراكية، وأسّس لفوضى فكرية زادت من تلاشي الحركة ومن الانجراف في ضبابية فكرية. ولأن الماركسية لم تفهم كونها منهجية (أداة تحليل) كان التشوّش عميقاً، وأسّس للتشكيك في الماركسية ذاتها، وفتح باب الشك فيها. وإذا كان انهيار «الاشتراكية القائمة في الواقع» يعني انهيار أيديولوجيتها، حيث ستكون تلك الأيديولوجيا هي نتاج التكوين «القائم بالفعل»، ومبّرر له، فإن اعتبار هذه الأيديولوجيا (التي كانت تسمى الماركسية اللينينية، والتي يمكن أن توصف بأنها الماركسية السوفياتية) هي الماركسية كان يفرض التشكيك في الماركسية، وحتى القول بفشلها بالضرورة. لقد جرى تداول الماركسية السوفياتية، بصفتها هي الماركسية، دون التساؤل عن العلاقة بينهما، انطلاقاً من التقدير الايجابي العالي للتجربة الاشتراكية، ولتوكيد أنها نتاج الماركسية، من أجل الوصول إلى ضرورة الماركسية (كما إلى ضرورة الاشتراكية). لهذا أصبحت المفاهيم المتداولة في فضاء هذه الماركسية هي المفاهيم الماركسية، خصوصاً أن التشابه بينها عال من حيث الشكل، لأن الكلمات هي ذاتها. وفي هذه المقاربة (القائمة على الأشكال) تمّ تجاهل فروق، ربما كانت تبدو بسيطة، رغم جوهريتها. ولاشك أن المقاربة الشكلية لن تلمس هذه الفروق، حيث أن البناء الأيديولوجي للماركسية السوفياتية تأسس على منظومة المفاهيم الماركسية الأصلية، وكرَّر بعض تصوراتها.
وبالتالي فإن المقاربة الشكلية (أو الشكلانية) لن تلمس عملية التحوير التي تحققت في الماركسية من اللحظة التي بدأ الحزب الروسي يتبقرط، ويتحوّل إلى سلطة تحتاج إلى أيديولوجيا تبرّر وجودها وممارساتها، و اطلاقية دوامها.
وأوّل تحوير تحقّق هو التحوير الذي طال المنهجية الماركسية ذاتها. أو يمكن هنا التأكيد على «تدمير» هذه المنهجية (التي هي الجدل المادي)، وإعادة «إحياء» المنطق القديم، منطق أرسطو (وفي شكله اللاهوتي)، في قلب الماركسية. الأمر الذي سمح بتحويل مفاهيم الماركسية إلى أشكال (أي كلمات، تعابير) والتخلي عن مقاصدها الحقيقية (جزئياً أو كلياً). مما يدفعنا إلى القول بأن الماركسية السوفياتية استعارت مفاهيم الماركسية ووظفّتها في بنية «جديدة» تطابق مصالح الفئات الحاكمة، ولتكون هي أيديولوجيتها. دون أن نتجاهل هنا أن الماركسية السوفياتية كررت تصورات ماركسية صحيحة، وإن كانت وظفّتها في سياق مختلف.
لكن المسألة الأساسية هنا تمثّلت في تحويل النسبي إلى مطلق مما حوّل الماركسية (كما هي منقولة عن ماركس أو كما هي محوّرة) إلى نصّ مطلق (وبالتالي مقدسّ). وكانت العودة إلى منطق أرسطو تعزّز من هذه الإطلاقية، وتحوّل الماركسية إلى «دين». فقد أصبحت نصّ متعالٍ «يعرف» كل شيء، ويتضمن الحلول لكل شيء، ولكنه أيضاً ذو فِعل «سحري»، هو الذي يصيغ الواقع، ويهيمن عليه، ويتحكم بمساراته. الأمر الذي أعاد الماركسية فلسفة مثالية.
وكان تجاوز الجدل المادي وتحويل الماركسية إلى «نصّ مقدس»، يمنع وعي الواقع، حيث بدا وكأن الواقع محدّد مسبقاً (مكتوب)، وأصبحت الأهداف وكذلك الممارسة محدّدتان دون حاجة إلى بحث في الظروف الواقعية، ويمكن استنتاجهما على ضوء «النص» و انطلاقاً منه. وإذا كان هذا الوضع يؤسس لتجاهل أثر وعي الواقع في تغييره، وبالتالي يكرس غياب الفكر وازدراء الثقافة، (وهي من السمات التي رافقت الحركة الماركسية)، ويؤسس لسيادة العفوية، فإنه كذلك يكرّس رؤية خاطئة، وتكتيكاً هزلياً.
ورغم أن ماركسيين عديدين (وبالتالي أحزاب ماركسية) لم يتماهوا مع الماركسية السوفياتية، وانطلقوا من ماركس ومن الجدل المادي (ولقد حققوا انتصارات مهمة، مثل الحركة في الصين، والهند الصينية، كوبا…)، ورغم وجود تيارات ماركسية أخرى مثل التروتسكية ومن ثم الماوية، فإن هذه الماركسية هي التي تعممّت، وأصبحت أساس وعي ماركسيين كثر في العالم ومنطلق سياسات أحزاب شيوعية عديدة. وانطلاقاً من منهجيتها يعالج الآن الماركسيون الذين ينتمون إليها مشكلات انهيار الاشتراكية، لهذا توصّل الكثير منهم إلى التزام الليبرالية الرأسمالية والدفاع عنها، وتاه آخرون في تفسير ما جرى، كما غرق غيرهم في «تجديدها».
لقد أشرت إلى أن المشكلة الجوهرية هي مشكلة «تدمير» المنهجية لمصلحة منطق القرون الوسطى (منطق أرسطو، واللاهوت)، لهذا باتت تعالج مشكلات الانهيار وحاجات التجديد انطلاقاً من المنطق ذاته، الأمر الذي أوصلها إلى نتائج معاكسة لمطامح الطبقة العاملة والفئات الفقيرة عموماً، وأحياناً لمطامح الأمة كلها.
وحين يشار إلى تأسيس رؤية جديدة تكون مسألة المنهجية عنصراً محورياً. حيث عبر تمثّل المنهجية الماركسية التي هي الجدل المادي، يمكن وعي مشكلات الماضي، وتشكيل التصور حول الراهن من أجل بلورة الرؤية.
وضمن ذلك يمكن البحث في أسباب الانهيار انطلاقاً من منهجية مختلفة، وبالأساس انطلاقاً من فهم أعمق لطبيعة النمط الرأسمالي وللمشكلات التي يوجدها في المراكز وفي الأطراف خصوصاً.
وسنلحظ إشكالية «المنطق النصيّ» (وهو المنطق المستند إلى أرسطو اللاهوتي)، حينما يتناول مجمل القضايا التي شكلت رؤية الحركة الماركسية، منذ أواسط ثلاثينات القرن العشرين، حينما تبلورت الماركسية السوفيتية. هذه الرؤية التي شلّت الحركة وضلّلت تكتيكاتها، ومن ثَمّ أوصلتها إلى التفكك والتلاشي. وإذا كانت صيغت هذه الرؤية بالاستناد إلى ماركس أو إنجلز أو لينين، فسنلمس جملة إشكاليات منهجية في هذا الاستناد، أولها: اعتبار اسم هؤلاء كافٍ لتوكيد علمية وصحة الفكرة التي يطرحونها، وبالتالي تحويلها إلى قانون، و سنلمس هنا الطابع التقديسي الذي حكم النظر إلى هؤلاء، الأمر الذي عزّز النظرة المثالية. وثانيها: تجاهل مبدأ النسبية، وبالتالي تجاوز الظرف المحدّد والزمان المعيّن، بتحويل الفكرة المحدَّدة إلى فكرة مطلقة الصحة، وثالثها: تجاوز البحث الضروري من أجل إنضاج الأفكار، وبالتالي جرت المصادرة على البحث ذاته، الأمر الذي أسس لاعتبار بعض الأفكار بمثابة قوانين دون الخطوات الضرورية لذلك.
وسنلحظ ذلك حين تناول «قوانين» معينة كرستها الماركسية السوفيتية، وأصبحت أساس بناء استراتيجيات، لكنها في الواقع كانت مضلّلة. أقصد هنا، أولاً، ما أسمي «المادية التاريخية» التي انبنت على أساس أن الصيرورة التاريخية مرّت بمراحل كبرى يمكن تحديدها في خمسة. وإذا كان التاريخ يخضع للبحث من أجل تحديد تصورات علمية لتطوره فإن الانطلاق من الراهن يشير إلى إشكالية كبيرة كانت أساس رؤية خاطئة، فرضت سياسة «سلبية» قادت ـ في النهاية ـ إلى تفكك الحركة الشيوعية، لأن الصيرورة الواقعية (أو بمعنى أعم تطور الواقع) همشّت الحركة، الأمر الذي أدى إلى انغلاقها، ومن ثَمّ تفككها.
لقد أشار ماركس إلى فكرة ارتقاء المجتمعات البشرية واعتبر أن هذا الارتقاء يقوم على أساس الانتقال من نمط إنتاجي إلى آخر في صيرورة متصلّة، كما أنه حاول أن يتلمّس هذه العملية الارتقائية، وأن يحدّد أنماط الإنتاج المتعاقبة (أو المتتالية). وإشاراته في هذا المجال لم تكن نهائية، حيث كرَّر هذه الأنماط بأشكال مختلفة، لكن صيغة بدت وكأنها الأكثر نضجاً، هي صيغة المشاع، الرق، الإقطاع، الرأسمالية والاشتراكية (أنظر، ماركس/ انجلس “بيان الحزب الشيوعي” دار التقدم/ موسكو 1968 ص37). وأشار أحياناً إلى النمط الآسيوي. لكن اهتمامه الأساس تركز على النمط الرأسمالي وبدرجة أقل (كثيراً) على المشاعة كونها الأساس الذي انطلق منه لتأكيد إمكانية الشيوعية. بمعنى أن المشاعة كانت الفريضة (حسب لغة هيغل) التي تؤكد الانتقال «الحتمي» إلى التركيب الذي هو الشيوعية.
وكان هذا البحث يفتتح حقلاً جديداً في وعي التاريخ، وبالتالي لم يكن الوضع العلمي يسمح بالوصول إلى نتائج نهائية. ورغم محاولات إنجلز الجزئية، وقلة البحوث في هذا المجال، استطاعت الماركسية السوفياتية، أن تحوّل توقعات ماركس و تلمّساته إلى قانون، أصبح حاكماً للتطور البشري كله، وبالتالي كان حتمياً «حتمية حديدية» ليس من الممكن كسرها. ورغم أن لينين كسرها حينما تلمّس صيغة أخرى للتطور جعلت الحركة الماركسية هي قائدة تجاوز الإقطاع وتحقيق المهام الديمقراطية، فقد تجاهلت الماركسية السوفياتية ذلك، وأعادت توكيد الحتمية التزاماً بتصورات بليخانوف الأرثوذكسية، رغم أنها أعلنت أنها لينينية (وتسمت الماركسية اللينينية). هذه الرؤية القائمة على الدفع من أجل تحقيق الانتقال من الإقطاع (الذي كان يسيطر على الأمم التي لم تترسمل) إلى الرأسمالية، عبر دعم البرجوازية كقائدة لهذا الانتقال. هذه الرؤية كانت تدخل الحركة الماركسية (التي تبنت هذه الرؤية) في أزمة منذ البدء، لأنها كانت تجعلها بعيدة عن الحركة الواقعية، حيث غاب وعي الواقع في عصر السيطرة العالمية لنمط الإنتاج الرأسمالي.
وإذا كانت أوروبا قد بدأت تنتقل من الإقطاع إلى الرأسمالية منذ نهاية القرن الثامن عشر، فإن تحوّل الرأسمالية إلى نمط عالمي منذ نهاية القرن التاسع عشر/ أوائل القرن العشرين، قد صاغ العالم استقطابياً. حيث بات من المستحيل تحقق الانتقال من الإقطاع (حيث كان باقي العالم يعيشه) إلى الرأسمالية (بمعناها الصناعي الحداثي) لأن آليات المراكز الرأسمالية أصبحت آليات ضغط وضبط في الأطراف، من أجل صياغتها بما يحقق مصالح المراكز ذاتها، أي لتبقى منتجاً للمواد الأولية (الزراعية أولاً، ثم المواد الأولية وأساسها النفط ثانياً)، وسوقاً لسلعها من أجل تجاوز قانون ميل معدّل الربح إلى الانخفاض. الأمر الذي كان يفرض مقاومة تصنيعها وتحديثها، لأن ذلك يستهلك المواد الأولية الضرورية للمراكز ويحرمها الأسواق (أو يقلصّ منه). لهذا كان الاستعمار هو الصيغة الأولى من أجل منع التطور، والسيطرة على المواد الأولية والأسواق. وكانت الصياغة الطويلة في ظل الاستعمار، والفارق الهائل في التطور الذي نتج عن ذلك، الصيغة التالية لتحقيق ذلك حينما أصبحت تصفية الاستعمار شعاراً ممكناً بعد الحرب العالمية الثانية، حيث أصبح اللا تكافؤ في التطور الاقتصادي هو العنصر الضاغط في عالم بات يُفرض عليه سيادة “الاقتصاد الحر”، أو ممارسة كل أشكال الحرب ضده.
لهذا دعمت رأسمالية المراكز البنى الإقطاعية التقليدية (وبالتالي الأيديولوجيا التقليدية وشكل الدولة القديم)، وسمحت بتغلغل الرأسمالية كعلاقات فقط، وبشكل بطيء. لكن هذا التكوين المضبوط القائم على اختلال عميق، جعل الرأسمال المتراكم لدى كبار ملاّك الأرض يتجه للتوظيف في قطاع التجارة/الخدمات/ المال، هارباً من التوظيف في الإنتاج الصناعي، حيث التنافس غير المتكافىء في ظل السوق الرأسمالي والوجود العسكري الاستعماري. وحينما كان يحاول ذلك كان ينهزم عبر الضغط (نتيجة الاستعمار) كما عبر المنافسة في وضع غير متكافىء. الأمر الذي أسس لنشوء برجوازية هزيلة تابعة، ومجتمع ينهب لمصلحة المراكز. مما كان يصعّد الصراع الطبقي القومي، ويدفع نحو ولوج طرق تطور أخرى. ورغم ترسمل العالم عبر تعميم علاقات الإنتاج الرأسمالية، وتجاوز التكوينات السابقة لها، فإن إعادة إنتاج النمط تعيد إنتاج آلياته والتكوينات التي ينتجها، والقائمة على منع تصنيع الأطراف، وإبقائها سوقاً للنهب، وبالتالي تكريس الطابع الاستقطابي هذا.
الرأسمالية في الأطراف، إذن، كانت متكيّفة مع النمط الرأسمالي العالمي، وبعض المحاولات التي جرت من قبل بعض أقسامها كانت مجهضة، نتيجة كل ما أشرنا إليه.
وبالتالي كان التصنيع والتحديث محتجزين. من هنا كانت فكرة الانتقال من الإقطاع إلى الرأسمالية قد باتت من الماضي. الأمر الذي كان يوحي بأن الأطراف قد غرقت في تخلّفها، وأن هذا التخلف قد أصبح ملازماً لها. هذا هو منطق الرأسمالية فيها التي راهنت على ما يمكن أن تفعله المراكز أكثر مما راهنت على تحويل محلي.
لقد كان تحقق «الثورة البرجوازية» في الأطراف مستحيلاً، لأن البرجوازية كيّفت مصالحها مع رأسمالية المراكز التي كانت قد صاغت العالم على أساس مصالحها. الأمر الذي جعل فكرة الانتقال الحتمي من الإقطاع إلى الرأسمالية فكرة مضللة، وتقود إلى تكتيكات مهلكة. هذا الأمر الذي أوضحته مسيرة القرن العشرين بوضوح شديد، حيث سنلحظ بأن التطور (بمعنى التصنيع والحداثة) تحقق في الأمم التي لعب فيها الحزب الشيوعي الدور الحاكم (وسوف نشير إلى المشكلات السياسية تالياً)، بينما ظلت كل الأمم التي لم تستطع (أو لم تسع) الحركة الماركسية إلى تحقيق التطور فيها، ظلت في الأطراف.
منذ العشرينات من القرن العشرين، كان الواقع يشير إلى تراجع احتمال الثورة الاشتراكية في المراكز، وبالتالي أصبحت فكرة الانتقال إلى الاشتراكية فيها محلّ تساؤل (وهو الأمر الذي أسسّ لنشوء إشكالات عميقة عانت منها الأحزاب الشيوعية التي ظلت تحمل فكرة الانتقال من الرأسمالية إلى الاشتراكية). بينما عاش الشرق أزمة احتجاز التطور. وإذا كان من المستحيل الانتقال من الإقطاع إلى الاشتراكية، لأن الاشتراكية تتضمن حداثة الرأسمالية وأدوات إنتاجها، فقد أصبح تحقيق «الثورة الديمقراطية» محل تساؤل. أنجز لينين الإجابة حينما «حوّل» من مهمة الماركسية، ملقياً عليها تحقيق هذه الثورة كخطوة ضرورة نحو الاشتراكية. وكان هذا هو الحلّ الممكن لكل أمم الأطراف، فالماركسية هي ضد الرأسمالية (التي تحتجز التطور وتستغل معاً)، وهي تحمل مشروع التقدم كذلك. وبالتالي أصبحت، إضافة إلى كونها قوة في الصراع الطبقي، قوة في تحقيق التقدم.
وإذا كانت تبدو أنها، عبر تصعيد الصراع الطبقي، تسعى لأن تقطف ثمار التقدم الرأسمالي، عبر حلّ التناقض بين قوى الإنتاج (التي كانت الرأسمالية قد طورتها إلى مداها الأقصى) وعلاقات الإنتاج (هذه الرؤية كانت تعزز الميل لدعم الرأسمالية لأنها القادرة على تحقيق التقدم التقني كما كان الوعي الماركسي الرائج يعتقد، وأساس التأكيد على أنها لم تستنفذ أغراضها. ليتحوّل دور الماركسية من مفاقمة الصراع الطبقي إلى كبته، ومن التغيير إلى الإصلاح) أصبحت هي التي يجب أن تحقق التقدم، أصبحت هي قوّة التغيير والتطوّر والحداثة، في الوقت ذاته الذي تلعب فيه دور مفاقمة الصراع الطبقي والتعبير عنه. وأيضاً التحضير للانتقال الى الاشتراكية.
وأصبح هذا الدور هو الذي يُخرج المراكز من مأزق «احتجاز» إمكانية تحقق الاشتراكية (حيث أن هذا الاحتجاز ناتج عن الشكل العالمي القائم على الاستقطاب الذي أوجدته الرأسمالية كما أشرنا)، و يهيئ لتحقق الاشتراكية عالمياً. لأن تطوير القوى المنتجة في الأطراف وتحديثها، وبالتالي دخول رأسمالية المراكز في مأزق نتيجة تقلّص الأسواق وعدم السيطرة على المواد الأولية، وأيضاً اتساع التنافس، وكذلك حداثة العالم وتشكلها على أساس إنتاجي، يفرض أن تعاد صياغة العالم على أسس غير رأسمالية، في إطار عالم موّحد واشتراكي.
إذن سيبدو «الخطأ المعرفي» أساس إستراتيجية «محتجزة»، لأنها تراهن على قوة (هي البرجوازية) لم تكن (ولازالت) معنية بتحقيق ممهدات التقدم. ولما كان الصراع الطبقي يتفاقم في مجتمعات الأطراف، تصدّرت قوى أخرى من الفئات الوسطى، حيث دخلت مجال الصراع وعبّرت عن حالة الاحتقان الطبقي، وعن الميل نحو التقدم، في شكل مستعار من الاشتراكية ذاتها، مما جعلها هي القوى المسيطرة. وهو الأمر الذي زاد في تهميش الحركة الماركسية وجعلها «خارج التاريخ»
***
المسألة الأخرى في هذا المجال، تتعلق بالموقف من المسألة القومية. وهي من المسائل التي أثارت في الماركسية نقاشات بعضها عنيف، لكن دون أن تصل إلى وعي علمي بها، وبالتالي تؤسس لسياسة صحيحة تجاهها. فقد اختزلت الماركسية السوفياتية المسألة محدِّدة تعريفاً للأمة مبهماً ومضللاً (وهو التعريف الذي وضعه ستالين وأصبح أساس رؤية الحركة) كان عاجزاً عن الربط الجدلي بين الشكل والمضمون، فأضاف إلى التعريف البرجوازي القائم على الشكل (أي اللغة والثقافة) «عنصراً مادياً» هو «الاقتصاد المشترك»، الذي بدا ملتبساً، ولم يفعل سوى تشويش التعريف، وفتح المنافذ لتشويه البحث في مسألة الأمة. حيث أن الاقتصاد هو المحدِّد «في التحليل الأخير» لمجمل المسائل (هو محدِّد للصيرورة بكليتها)، وبالتالي فهو محدّد تشكل الأمة، لكنه ليس عنصراً من عناصر تشكلها، هذه العناصر التي لا تبرز إلا في «تميَّز» البشر عبر الاستقرار (الأرض) واللغة/ الثقافة، التي تتشكل عبر الصيرورة التاريخية، أي عبر تفاعل البشر فيما بينهم ومع الطبيعة. لهذا نشأت التباسات عميقة فيما يتعلق ببعض الأمم، ومنها خصوصاً العرب، حيث كانت هذه مسألة إشكالية أفضت إلى مواقف سلبية كانت من الأسباب الأساسية لانعزال الحركة الشيوعية.
ولكن أيضاً تناول المسألة القومية في الاتحاد السوفيتي، حيث برّر «الاقتصاد المشترك» تجاهل وضع الأمم انطلاقا من أن هذا الاشتراك قد أفضى إلى دمجها. ولهذا تفكك الاتحاد السوفيتي على أساس قومي حال انهيار الاشتراكية، التي يبدو أنها كانت تغطي تكوينات موجودة بالفعل، وتكبح تعبيرها عن ذاتها، من خلال سلطة مستبدة.
وبالتالي بدل أن يستمر الحوار حول مفهوم الأمة من أجل بلورة تصور علمي، حسم النقاش في صيغة رثة، أصبحت هي أساس تعامل الحركة الماركسية مع المسألة القومية، الأمر الذي أنتج رؤية خاطئة من المسألة القومية ذاتها. حيث ألغيت الأمم كما لاحظنا توّاً (في الاتحاد السوفياتي)، أو لم يعترف بوجودها نتيجة تفككها (العرب، الأكراد، ألمانيا) مما جعل تناول المسألة القومية نافلاً، بل و«رجعياً».
البرجوازية الأوروبية في سياق تشكّلها حلت المسألة القومية في المراكز، بإنهاء التجزئة القومية وتشكيل الدولة/ الأمة، التي أصبحت أساس العلاقات الدولية، ومحوّر تشكل النظام العالمي. فقد كانت الحاجة لتشكل السوق الداخلي الضروري لتطور الصناعة، وبالتالي مجمل الاقتصاد، تفرض تحقيق التوحيد القومي، لكي تتحقق السيولة في تبادل السلع بما فيها اليد العاملة. لهذا كانت الدولة/ الأمة الأساس الذي انبنى عليه التطور الاقتصادي الرأسمالي، وكانت أساس تشكيل العالم. رغم هذا الأساس سوف نلمس بأن مصلحة الرأسمالية لتأسيس الدولة/ الأمة، وتأسيس العلاقات الدولية على أساسها، ارتبطت بمصلحتها في منع نشوء الدولة/ الأمة في الأطراف، حيث انطلقت سياستها من تفكيك الأمم وتأسيس «دولة قطرية» من جهة، أو دول تضم أجزاء من أمم متعددة، ربما تخضع لسيطرة أمة محددة (إيران، تركيا، أثيوبيا، باكستان)، أو لا تخضع لأية أمة (العديد من الدول الأفريقية، المتأسسة كتجميع لقبائل أو أجزاء من قبائل)، من جهة أخرى.
وبهذا شكلّت العالم على أساس الانقسام إلى أمم موحدّة في المراكز وشظايا أمم في الأطراف. الأولى تسيطر على الأخرى. ولاشك في أن الترابط الموضوعي بين التصنيع والحداثة من جهة وتشكيل الدولة/ الأمة من جهة أخرى، فرض أن يرتبط احتجاز التطور في الأطراف نتيجة قانون الاستقطاب الذي أوجده النمط الرأسمالي، أن يرتبط برفض تشكلّ الدولة/ الأمة في الأطراف (ربما سوى في بعض الأمم الصغيرة)، وبالتالي منع اكتمال التشكّل القومي لها. ولقد حلّت الدولة المتشكلّة وفق شروط النمط الرأسمالي محلّ الدولة/ الأمة المحتجزة كأساس في تشكّل العلاقات الدولية.
لهذا فإن إعادة بناء النمط الاقتصادي العالمي، انطلاقاً من تأسيس القوى المنتجة في الأطراف، يفرض حل المسألة القومية وتأكيد صياغة العلاقات الدولية على أساس الدولة/ الأمة في إطار من التكافؤ والمساواة والتفاعل والترابط، والتخطيط المشترك.
وسنلحظ هنا بأن الخط المهيمن في الحركة الشيوعية العالمية المتكيّف مع الرأسمالية ( كما سبق أن اشرنا) قد تجاهل المسألة القومية (حيث كانت البرجوازيات المحلية تتجاهلها نتيجة ميلها للتكيّف مع النمط الرأسمالي العالمي). وإذا كان تحقّق الدولة/ الأمة في المراكز وميلها لـ«التماثل» نتيجة النهوض الرأسمالي السريع (كما أشار ماركس مراراً)، فرض التأكيد على «الأممية»، وطرح المهمات التي تعيد تأسيس العلاقات العالمية، فقد جعل الحركة الماركسية، التي كانت تنطلق من هذا التصور، تتخذ موقفاً مناهضاً لكل حركة «قومية» وكل ميل قومي في المراكز، حيث أصبحت المسألة القومية من الماضي، وبالتالي أصبح شعار «يا عمّال العالم اتحدوا»، هو الشعار «المركزي» في دعاية الحركة كلها، رغم أن الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية، وكذلك الأحزاب الشيوعية كانت «قومية»، لكن بمعنى أنها تنشط في إطار أمة محدَّدة وتناضل ضد برجوازيتها (كما أشار البيان الشيوعي ص63). والمشكلة التي ستبدو هنا هي أن تحقّق المسألة القومية في المراكز شطبها من برنامج العمل، ومن ثم التأكيد المطلق على الأممية دون حلّ المسألة القومية بالتالي.
ورغم أن الماركسية شهدت نقاشات جادة في هذا المجال خصوصاً نقاشات لينين، وتأكيده على مبدأ حق تقرير المصير كحلّ للمسألة القومية، فإن تشكّل الماركسية السوفيتية تضمن موقفاً «أممياً» يتجاهل هذه المسألة، وبدا أن الماركسية المتحوّلة إلى أيديولوجيا الدولة السوفياتية تسعى لتوحيد نشاط شيوعي العالم من أجل الدفاع عن هذه الدولة، أكثر من سعيها لرسم إستراتيجية عالمية تهدف إلى تأسيس عالم بديل يتجاوز الرأسمالية ويقوم على أنقاضها.
وكان التأكيد على «الطابع الأممي»، والإعلاء من شأنه بتحويله إلى مطلق، ومن ثم رفض القومية، والتأكيد على رجعيتها. كان يهدف إلى أدلجة الحركة العالمية لكي تعتبر «الدفاع عن الدولة السوفيتية” (وطن الاشتراكية الأول) هدفها الأول، أكثر مما يهدف إلى تحقيق النضال الأممي المعبّر عن مصالح كل الأمم.
ولقد كانت الردود الرافضة للماركسية السوفياتية، تؤكد على الأممية من منطلق «الوعي الأوروبي»، وبالتالي كانت تجعلها ضد القومية في الغالب، وتنطلق من العالمي دون القومي (أو بالقبول بما دون القومي).
وفي هذه الحالات كان يجري الانطلاق من الشكّل الذي أوجده النمط الرأسمالي فيما يتعلق بأمم الأطراف، أي من الدولة التي شكلّها النمط الرأسمالي في الأطراف، غير القائم على التكوين القومي والمجافي له. وكانت الدعاية «الأممية» تغطي هذا التشكيل في الأطراف، وتناهض كل الحركات التي تسعى لتجاوزه في اتجاه تشكيل الدولة/ الأمة. هذا هو الأساس الذي أوجد الهوة بين الحركة الماركسية والحركة القومية (عكس الحركة الماركسية في الصين، الفيتنام، كوريا، التي كانت هي الحركة القومية كذلك…) ولهذا تجاهلت مهام أساسية تخصّ الأمم، سواء من أجل تحقيق توحيدها القومي، أو من أجل تحقيق مبدأ حق تقرير المصير لإعادة تشكيل الأمم على أساس مبدأ الدولة/ الأمة. وإذا كان العرب، والأكراد..الخ  يدرجون في سياق الحالة الأولى، فإن شعوب عديدة تدرج في سياق الحالة الثانية (إيران، تركيا، والشرق عموماً، أي مع الهند، باكستان، أفغانستان..).
وإذا كانت المسألة تتعلق بعدم المقدرة على وعي الواقع المتشكّل في إطار هيمنة النمط الرأسمالي العالمي، وميول فئات وسطى للتكيف مع رؤية الفئات البرجوازية التي كانت تلعب دوراً «احتجاجياً» على الطريقة التي يفرض النمط الرأسمالي عالميته، فإن الانطلاق من المنهجية الماركسية سوف يوضح إشكالين حكماً رؤية المسألة القومية، وأفضيا إلى تهميشها، ورفضها، أو تجاهل الدور الضروري لتحقيقها، ونحن نتناول هنا ما يسمى عادة بـ«الخطأ المعرفي»، حيث سنلمس أولاً: النظر الشكلي، الذي ينطلق مما يبدو «على السطح»، ما هو مكشوف، وينطلق من أنه ساكن (مطلق، أبدي ونهائي)، دون تحوّل، وبالتالي يؤكد القبول بالأمر الواقع، نتيجة الانطلاق من «الواقع» ذاك المشار إليه توّاً. لهذا يصبح الانطلاق في الأطراف هو من الواقع الذي شكلّه فيه النمط الرأسمالي. ولهذا تحدّدت الأهداف في الاستقلال والديمقراطية، في إطار النمط الرأسمالي ذاته. ولم يكن للمسألة القومية موقع في رؤية الحركة الماركسية. وحين تضطر لتحديد موقف تكون العموميات هي المسعف. وبالتالي تبقى الدولة المشكلة استعمارياً هي أساس الانطلاق والمنتهى معاً، رغم كل الخطاب الأممي الحماسي الذي سيبدو وكأنه البديل عن الميل لحل المسألة القومية، وبالتالي الغطاء المؤسس لـ«قومية» بديلة.
وسنلمس ثانياً: إشكالية الفهم المادي، فإذا كان الواقع هو الاقتصاد والسياسة والعلاقات بين البشر، فإن الوعي جزء منه كذلك. واقصد هنا أن «الشعور القومي»، «الوعي القومي» هو جزء من الواقع، وحين تكون الأمم لم تحقق وحدتها وتشكل الدول/ الأمة، سيكون هذا الشعور تقدمياً. وكذلك يكون فاعلاً. ولأنه كذلك يكون أساس تشكيل سياسي، أو عنصر استقطاب في إطار الصراع السياسي. وكما أن التطور الاقتصادي الرأسمالي كان يفرض الميل لتأسيس السوق القومية، كان الشعور القومي هو المكمّل الضروري الذي أوجد الحركة الاجتماعية ذات الانتماء الطبقي الواسع، الساعية لتحقيق السوق عبر تحقيق التوحيد القومي. وفي الأطراف يكون الميل لتحقيق التصنيع وبناء القوى المنتجة أساس الميل لتأسيس السوق القومي، وبالتالي يكون في ارتباط مع الوعي المتشكّل تاريخياً، والذي يعبّر عن الشعور القومي، من أجل تأسيس الدولة/ الأمة، التي تحقّق الأساس لتكوين اقتصادي قابل للتطور انطلاقاً من الصناعة. لهذا ستبدو الأمم الصغيرة في مأزق يفرض عليها السعي لتأسيس تكتلات أوسع.
وإذا كان وعي الصيرورة الواقعية عنصر حاسم في تحديد الدور الذي يكون للحركة السياسية، فإن «الوعي القومي» جزء من الصيرورة الواقعية، وهو يفرض تحققّه عبر تشكّل الدولة / الأمة، وبالتالي يظل على توتر مع كل الميول المعاكسة.
وسنلحظ ثالثاً: كيف أصبح الأممي على تضاد والقومي، حيث بدا أن الأممية تعني تجاوز كل انتماء قومي، وبالتالي كل مشروع قومي، وأصبحت العالمية هي أساس الرؤية، لكن ليس بالترابط مع القومي وإن ترابطت مع «الواقع» الذي سيبدو هنا محددّاً في «الأمر الواقع» (أي الدولة المشكلة ليس على أساس قومي، ربما فوق قومي، أو ما دون قومي). الأمر الذي يظهر بأن «الأممية» تتضمن كل التكوينات السياسية التي وُجدت ضمن النمط الرأسمالي العالمي، وليس إعادة صياغة لها، في سياق إعادة صياغة النمط بمجمله.
وإذا كان تعبير الأممية يتأسس على مفهوم الأمة، فقد بدت أنها ـ وفق الرؤية المعممة لها ـ مضادة للأمة، وكأنها بالتالي تساوي الكوزموبوليتية (التخلّع القومي)، وليست هي التوحيد المركبّ لمجمل الأمم، الأمر الذي يجعل تشكّل الأمم ونشوء الدولة/ الأمة خطوة ضرورية ولازمة. وأساسية في أي تشكيل عالمي. الأممية، إذن، هي توطيد الترابط بين أمم في سياق السعي لاتحادها في تشكيل سياسي عالمي يقوم على الإرادة والتكافؤ والمساواة.
الأممية هي التشكيل المركب للأمم، وليست التحلل القومي لتشكيل مجتمع عالمي موهوم. لهذا فإنها التصور لعالم بديل يقوم على حلّ المسألة القومية، وهي الحركة التي تقود نضالات مختلف الأحزاب الماركسية ضد النمط الرأسمالي، وفي تحقيق التضامن فيما بينها. لكن يبقى النضال «القومي» هو الأرضية الممكنة، حيث تناضل الطبقة العاملة ضد برجوازيتها أولاً (وهي حينها قومية، لكن ليس بالمعنى البرجوازي كما أشار البيان الشيوعي ص63)، وكذلك ضد محتليها ومضطهديها، ومحتجزي تطورها. ومن أجل ذلك يتحد النضال العالمي من أجل عالم بديل، والنضال «القومي» من أجل تحقيق التطور والحداثة والتوحيد القومي. وهذه هي المهمات الديمقراطية الضرورية كخطوة أولى نحو الاشتراكية، وعبرها يمكن أن تصبح عالمية النمط الاشتراكي ممكنة.
***
وكان طابع النظام السياسي السوفيتي، ومجمل الأنظمة التي سادت في البلدان الاشتراكية، الشمولية والاستبدادية، يطرح مسألة الديمقراطية، وبالتالي علاقة الماركسية بكل التراث الديمقراطي.
ولاشك في أن النظام السياسي هو انعكاس لتكوين واقعي، الأمر الذي يفرض البحث في الواقع الذي نشأت الاشتراكية فيه. لكن سنلحظ هنا بأن الواقع ذاته ينعكس في الفكر ويخترق البنية الأيديولوجية، وهو الأمر الذي أسس تلك الرؤية المنافية للديمقراطية، وجعلها الرؤية الماركسية “الحقة” لشكل النظام السياسي.
لقد جرى تناول التجربة الاشتراكية من زاوية طبيعة النظام السياسي الشمولي والاستبدادي فقط، لهذا فإن توصيف هذا النظام متداول في عدد كبير من الكتب والدراسات، وهو صحيح بكل تأكيد (فيما عدا بعض التهويلات)، لكن المسألة الإشكالية هنا تمثلّت في أن هذه الطبيعة أُرجعت إلى الماركسية ذاتها. ولقد كان استناد الماركسية السوفياتية لماركس/ إنجلز ولينين، هو السبب (والمبرّر) في ذلك. وإذا كانت دراسة الماركسية من هذه الزاوية مسألة هامة، فإن تفسير مجريات الواقع بفعل النظرية أمر يحتاج إلى تدقيق، خصوصاً إذا كان المنطلق هو الماركسية ذاتها، لأن النظرية تفسَّر بالواقع، ومهما كان تأثير النظرية فإن الواقع هو الذي يحدِّد الشكل الممكن، وتجاوز ذلك يوقع في المثالية، ويفضي إلى التأكيد على أولوية الفكر. لهذا يصبح وعي الطبيعة التي تشكّل بها النظام السياسي السوفياتي مرتبط بوعي التكوين الاجتماعي الذي نشأت الدولة الاشتراكية انطلاقاً منه، وهو تكوين إقطاعي كان ينزع إلى الترسمل في وضع متشابك نتيجة تأثير النمط الرأسمالي من جهة، و«تبعية» الرأسمالية المتشكّلة للإقطاع وخضوعها لسلطته الاستبدادية من جهة أخرى. الأمر الذي جعل المدن (وبالتالي الطبقة العاملة) جزراً في التكوين الريفي. ولقد تشكل التكوين الجديد بعد الثورة (الجيش، الأمن، البيروقراطية، والطبقة العاملة) من المنبت الريفي، وارتبطت «إرادة» التغيير (التصنيع والتحديث) بالمركزية المطلقة التي انحكمت لوعي تلك الفئات. مما جعل «النمط البطريركي» أساسياً في التكوين الجديد، وبالتالي جعل الاستبداد ممارسة ممكنة. فالبشر هم الذين يصنعون تاريخهم بأنفسهم، وهؤلاء لم يمتلكوا لحظة الفردية من جهة، والتعددية من جهة أخرى. أي أنهم لم يمتلكوا منجزات الثورة البرجوازية التي لم تتحقق عندهم والتي كانوا يحققونها رغماً عنهم. فقد كانوا يحاولونها للتو، الأمر الذي جعلهم يعيدون إنتاج السلطة البطريركية.
وإذا كان التطوّر يفرض الدور الإرادي، فقد فرض تخلّف الواقع والحاجة الواعية لتحقيق التصنيع، أن تتحرّر الإرادة من نسبيّتها، الأمر الذي حوّلها اإلى استبداد، كان الواقع المشار إليه سابقاً يستوعبها، وبهذا تشكلت سلطة اشتراكية استبدادية. لكن الإرادة بررّت ممارستها أيديولوجياً، بصياغة الماركسية انطلاقاً من هذا التشكيل الجديد، لتصبح ماركسية استبدادية. وسيكون «اللعب على الكلمات» هو أساس الصياغة هذه، مما جعل «النظرية الماركسية للدولة» المصاغة هنا، تعيد جذورها إلى ماركس/ إنجلز ولينين، مستفيدة أحياناً من رؤى خاطئة، ومن تشديد ضروري على زاوية، ومن جمل ربما تكون مبهمة لدى هؤلاء، حيث أن الماركسية لم تنضج البحث في هذا المجال، كما في مجالات كثيرة أخرى، وربما كان كتاب «الدولة والثورة» الذي كتبه لينين يحتوي تصورات تحتاج إلى نقاش جاد فيما طرح حول دكتاتورية البروليتاريا، رغم أن هدف الكتاب كان أمراً آخر، هو مواجهة الميل الإصلاحي في الحركة الاشتراكية الديمقراطية في لحظة نشوء الوضع الثوري الذي أفضى لاحقاً الى ثورتي شباط وأكتوبر سنة 1917.
سنشير هنا إلى الـ«تجاهل» الذي حدث للعلاقة بين ماركس (والماركسية) والتراث الديمقراطي (تراث عصر الأنوار)، وبالتالي تجاهل تضمن الماركسية لهذا التراث، وتجاهل أن نقد ماركس له انطلق من عدم كفايته، لأن المساواة التي نادت بها الرأسمالية تحوّلت إلى مساواة أمام القانون، المحقِّق مصالح الطبقة المسيطرة/ الحاكمة. وبالتالي بما يحقق المساواة السياسية لكنه لا يحقق المساواة الاجتماعية التي لا تتحقق إلا بإلغاء الملكية الخاصة. الأمر الذي يجعل إلغائها إكمالاً لمبدأ الحرية الذي يتضمن الديمقراطية في المستوى السياسي، والاشتراكية في المستوى المجتمعي. مما يجعل الاشتراكية هي التحقق المكتمل للمساواة (هذا ما توصل إليه في كتابه “المسألة اليهودية”، الذي يدافع فيه بجدارة عن الحرية والديمقراطية والعلمانية، وكل قيم الحداثة الرأسمالية، ويتوصل عبره الى “تعميم الديمقراطية” من حقلها السياسي الى حقلها المجتمعي، أي الى الاشتراكية).
هذه «النقيصة» قادت إلى جعل «الديمقراطية الاجتماعية» (وهو التعبير الذي يطلق على الاشتراكية في مستواها الاقتصادي الاجتماعي) في تضاد مع الديمقراطية السياسية، كونها ديمقراطية برجوازية. ولقد انطلق تأسيس التضاد هذا من عودة إلى البطريركية مرتبطة بتقدم نحو الاشتراكية (إلغاء الملكية الخاصة، والحقوق الاقتصادية والاجتماعية) وكان هذا هو مدخل التنظير لطبيعة السلطة «القائمة بالفعل»، وتبريراً لوجودها مستنداً إلى المنجزات في المجالات الاقتصادية والاجتماعية. ليصبح حق التعدّد والتعبير، والتشكيل في تكوين سياسي أو اجتماعي مستقل، والانتخاب، وتصبح الحريات عموماً، هي كلها صيغ برجوازية بامتياز. وبالتالي ليصبح تكريس غياب «الفردية» في تكوين اجتماعي سياسي شمولي صيغة اشتراكية بامتياز. لهذا تكرّست سلطة الفرد (الإله أو الملك أو القيصر)، وتحوّل المجموع من تكوين مترابط متفاعل ومتناقض إلى رعايا تلتزم وتنفّذ، وترضى المنح والخير القادم من أعلى. مما أوجد حالة استلاب شاملة. حالة اغتراب مريعة. وتناقض هائل بين السلطة بممثليها والشعب.
هذه الصيغة أسميت «دكتاتورية البروليتاريا»، هذا التعبير المستعار من ماركس كي يكون غطاءاً لنظام استبدادي شمولي. وسنلمس هنا مسألة الاتكاء على ماركس التي تكررت كثيراً في تشكيل الماركسية السوفياتية، وكانت مدخل إرجاع الاستبداد والشمولية إلى الماركسية.
فقد أصبحت «دكتاتورية البروليتاريا» معرّفة بالنظام السياسي السوفياتي، وفي تضاد مع الديمقراطية البرجوازية. وأصبحت هي الصيغة الماركسية للنظام السياسي الاشتراكي.
وبالتالي تحوّلت نسبية التجربة بمعناها المكاني/ الزماني إلى مطلق حينما تحوّلت إلى قانون. وأفضت بصفتها كذلك إلى تجاهل الواقع ذاته. حيث فرضت التجربة في سياق تطورها الحاجة إلى الديمقراطية، لكن السلطة المستبدة دمرّت هذه الحاجة، الأمر الذي فرض الانهيار، الذي هو البديل عن التطور الموضوعي. لقد أوجد التصنيع الحداثة (في الاتحاد السوفياتي والمنظومة الاشتراكية)، وكان تبلور الحداثة يفترض الديمقراطية، التي كانت في تضاد مع السلطة الحاكمة، كونها المدخل لتخليصها امتيازاتها، وآليات عملها. فكانت الفوضى هي المدخل لإعادة صياغة جديدة عبر تهديم السلطة الشمولية.
وإذا كان النمط الرأسمالي يلغي الديمقراطية في الأطراف، ولا يسمح بتشكّل التكوين الضروري لنشوئها، فإن الديمقراطية سوف تكون من المهمات الجوهرية في سياق تطور الأطراف، وتشكيل تكوين جديد، يؤسس للانتقال إلى الاشتراكية. الأمر الذي يفرض أن تكون الديمقراطية هدفاً، وتكون ممارستها ضرورة. خصوصاً وأن التطور العالمي الذي نتج عن التجربة الاشتراكية ذاتها، وكذلك عن تجارب حركات التحرّر الوطني قد هدم الأساس البطريركي الذي كان سائداً في الأطراف، بفعل رسملة الريف وإلحاقه بالمدينة، وبالتالي جعل التأسيس الديمقراطي ضرورة، وأوجد القوى التي يمكنها أن تسهم في ذلك.
لهذا فإن الهدف الماركسي يتمثّل في تأسيس نظم أكثر عدالة وديمقراطية، وتأسيس عالم أكثر ديمقراطية ومساواة، لأن الهدف الماركسي هو أنسنة العالم، في مستوى المعيشة والتعبير عن الوجود (الوعي) والعلاقات في مستوى التكوين المجتمعي ككل.
***
وإذا كانت مواجهة الرأسمالية تفرض التأكيد على البديل الذي هو الاشتراكية، فقد أفضى انهيار المنظومة الاشتراكية لأن تكون موضع شك، وأن يؤجّل تحقيقها إلى أمد بعيد، أو حتى لأن تسقط من ممكنات التطور التاريخي، وفي كلا الحالين «تتأبد» الرأسمالية وفق التصور المهيمن في الذهن. فلا يسعى الماركسيون للبحث عن بديلها بينما تتفاقم الصراعات الطبقية والقومية ضدها نتيجة نهبها وسطوتها واستغلالها واضطهادها. الأمر الذي يؤسس لنشوء حركات مقاومة فاعلة، بينما تقود سياسات الماركسيين إلى تهميشه. هذه السياسات هي التي قادت إلى نشوء حركات التحرّر القومي،حيث نشأت في الأمم التي لم يلعب الشيوعيون دوراً حاسماً فيها، ولسوف يقود الاستنتاج بضرورة «تأبيد» الرأسمالية إلى تكرار المشكلات ذاتها.
لقد انهارت الاشتراكية، لكن هذه التجربة يجب أن لا تقود إلى التخلي عنها، بل يجب أن يفرض البحث المعمق في المشكلات التي أفضت إلى ذلك. منطلقين من الواقع وليس من المثال، لأن المثال سوف يظهر تشوّهات الواقع (وهذا أمر ضروري) لكنه لا يفسّر هذه التشوهات. ولقد أفضى إلى لفظ الاشتراكية انطلاقاً من وجود هذه التشوهات، وهو أمر غير علمي، ويقود إلى نتائج كارثية، ويكرّر إنتاج الرؤية التي كانت رائجة لدى الحركة الماركسية، وإن كان وفق رؤى أخرى، ليبرالية أو “ديمقراطية”، أو حتى “إسلامية”.
لقد انهارت الاشتراكية لأن البرنامج الذي طرحه الماركسيون الروس كان قد استنفذ أغراضه، وبالتالي كانت كل الرؤى التي طرحت بحاجة إلى إعادة تشكيل. لكن البيروقراطية الحاكمة كرست ما كان انتهى، مما أفضى إلى نهايتها، حيث كان الواقع قد تجاوزها. فقد كانت الصيغة «المطبقة» هي صيغة تحقيق المهمات الديمقراطية، وحالما تحققت كان من الضروري إعادة بناء السلطة على أسس مختلفة، ديمقراطية واشتراكية، تنزع نحو المثال.
لكن المشكلة الجوهرية هنا تمثلت في أن شكل الاشتراكية الواقعية (السوفيتية) أصبح هو شكل تحقيق الاشتراكية كونه الشكل النهائي. وأصبح المثال، كما أصبحت السياسات الممارسة هي «قوانين الاشتراكية». لقد أصبحت هذه الصيغة هي المطلق/ المثال، الأمر الذي فرض السكون والتكرار معاً. وهو الأمر الذي فرض أن تقمع كل ميل لتحقيق “المثال”.
والآن، أصبح من الضروري إعادة بناء التصور حول الاشتراكية وتوضيح ضرورتها، ولكن أيضاً صيرورة تحققها. وإذا كانت هي البديل للرأسمالية فإن تحققها مرتبط بتحقق المهمات الديمقراطية في الأطراف. حيث أن ذلك هو الذي يفتح الأفق لتحوّل عميق في المراكز يهيئ لتحقيق الاشتراكية، كما يؤسس لتحققها في الأطراف، التي تكون قد تجاوزت كونها أطرافاً. إن تحقّق المهمات الديمقراطية هو الذي يفرض إلحاحية الاشتراكية في الأطراف والمراكز معاً.
***
وإذا كانت الرؤية مشوشة نتيجة التأثير الكبير والمهيمن لـ”الماركسية السوفيتية”، وخصوصاً لأن “الماركسية” التي جرى “تدريسها” وتعميمها اعتمدت معرفة مصطلحات وأفكار، وتصورات مصاغة وفق مصالح “الطبقة المسيطرة” في الدولة الاشتراكية، منزوعة المنهجية، ومتكئة على المنطق الصوري ومنطق القياس. وإذا كانت تنطلق من أن “الدفاع عن وطن الاشتراكية الأول” هو الناظم لكل أفكارها ودورها، وبالتالي تكيفت مع الواقع القائم الذي أقرّ به ستالين في اتفاقات يالطا قبيل نهاية الحرب العالمية الثانية (وحل الكومنترن على أساسه). فقد اتخذت سمات عملية مطابقة، فقد فرض عليها التكيف مع “التطور الرأسمالي” لتجاوز “الاقطاع” شطب التفكير في السلطة، واعتبار أن البرجوازية هي الأحق فيها، على أمل أن تصل الطبقة العاملة بعدئذ، حيث تكون قد أصبحت أغلبية منظمة.
وربما نقول هنا بأنه قد جرت استعارة منظور الأممية الثانية، وسياسة الاحزاب الاشتراكية الديمقراطية، وتمثّل سياسة الأحزاب الشيوعية في أوروبا الرأسمالية، التي كانت قد تكيفت مع وجود النمط الرأسمالي، وقبلت باللعبة الديمقراطية والنضال المطلبي. حيث تمحور نشاط الحركة حول “النضال المطلبي” (دفاعاً عن الطبقة العاملة)، والنضال من أجل الديمقراطية، في سياق تأسيس “نظام وطني ديمقراطي”. كل ذلك في إطار إستراتيجية تقوم اساساً على “النضال ضد الإمبريالية الأميركية” والدفاع عن الاتحاد السوفيتي. وهو الأمر الذي كان يجعل التركيز في النضال على ما هو خارج  صراع الطبقات المباشر، وحيث كان يجري تقزيم صراع الطبقات الى نضال مطلبي وديمقراطي.
لهذا لم تكن مسألة تحقيق التغيير واستلام السلطة مطروحة في هذه الإستراتيجية. وظل التفكير ينحصر في دعم استلام البرجوازية السلطة، والصراع ضد كل القوى التي كانت تطالب بتجاوز هذه البرجوازية، وتجاهل “النضال الديمقراطي” والسعي الجدي لاستلام السلطة (هنا الخلاف مع البعث قبل استلامه السلطة، الذي كان يوسم بأنه يعبر عن البرجوازية الصغيرة النزقة والمتسرعة).
في هذه الوضعية تلاشت مفاهيم الصراع الطبقي، وانمحت تماماً، كما أصبح الحديث عن استلام السلطة يثير الخشية والرعب، ويوسم بالطفولية والنزق. وأصبح المنظور الإصلاحي هو الذي يحكم الحركة، ويتحكم في كل سياساتها وتكتيكاتها. وباتت الثورة ومفاهيمها ودور الحزب الماركسي فيها خارج التداول، وأيضاً يوسم كل الداعين إليها بالطفولية والنزق، وحتى التخريب. لقد باتت السياسة تنطلق من “النضال الاجتماعي الديمقراطي”، ومن تحقيق مطالب مباشرة معيشية للعمال والفلاحين، وبناء نظام ديمقراطي “يقوم على أساس الملكية الخاصة” كما أشار خالد بكداش منذ زمن بعيد. وهو أصلاً الناقل و”المنظر” لكل هذه الأفكار التي تعممت على مجمل الحركة الشيوعية العربية، كما تعممت عبر السوفيت على مجمل الحركة الشيوعية العالمية، وهي السياسات التي أوضحت فشلها وتهميشها، ومن ثم هامشيتها.
إذن، لم تنطلق الحركة من صراع الطبقات رغم التكرار الممل لهذا المصطلح. ولم تتأسس من أجل الثورة أصلاً، حيث صيغت في إطار إصلاحي كامل. وهي وفق ذلك لم تفكر في استلام السلطة لأن ذلك ليس دورها الآن (وهي لا تعتدي على دور أحد)، وهو الأمر الذي فتح الطريق لسيطرة العسكر، ومن خلاله التيار القومي، الذي حمل مطالب العمال والفلاحين التي كانت تطرحها الحركة، وحمل المشروع القومي كله، لكنه قرّر الوصول الى السلطة من أجل تحقيق تلك المطالب وذاك المشروع (بغض النظر عن الصيرورة التي أشرنا إليها قبلاً). وبالتالي كان وعيه أحدّ في فهم أن كل هذه المطالب، والتطور بمجمله، يفرض الثورة والوصول الى السلطة (وهذا ما كان يسمى من قبل الحركة طفولية البرجوازية الصغيرة). وبالتأكيد كان حمل هذا المشروع من قبل الحركة الشيوعية واستلامها السلطة سوف يفرض ان يكون التطور أعمق، والتحولات أكثر أهمية من تلك التي قامت بها البرجوازية الصغيرة الريفية.
كل ذلك يفرض معالجة مشكلات نظرية هي في صلب الماركسية، خصوصاً هنا مسألة الصراع الطبقي، ومن هي الطبقة التي بات عليها حمل مشروع التطور والحداثة وتحقيق الاشتراكية؟ ومن ثم مسألة السلطة، وهل أن استلامها هو عنصر حاسم في إستراتيجية الحركة؟ وعبر ذلك هل لازال للبرجوازية دور “تقدمي”؟ أو، كما طرح لينين، على الشيوعيين لعب هذا الدور التقدمي في سياق سعيهم لتحقيق الاشتراكية؟
بمعنى أن يلعب الحزب الماركسي الدور المحوري في الصراع الطبقي من أجل تطوير نشاط العمال والفلاحين الفقراء، وتحديد بديلهم، ورؤيتهم والإستراتيجية التي يعملون وفقها. هذه كانت إستراتيجية ماركس وإنجلز والرأسمالية لم تكن قد انتصرت في معظم أركان أوروبا، وليس العالم فقط. وهذه هي إستراتيجية لينين التي فرضت الانقسام في حزب العمال الاشتراكي الديمقراطي الروسي، ومن ثم في الأممية الثانية وتشكيل الأممية الثالثة. وهي إستراتيجية ماو تسي تونغ وكل الأحزاب الشيوعية التي انتصرت.
وإذا كانت سيطرة الرأسمالية على العالم وتشكل النمط الرأسمالي كنمط إمبريالي قد سمح بإعادة بناء التكوين الطبقي في المراكز عبر توسيع الفئات الوسطى والفئات القريبة من الرأسمالية، وكذلك سمح بتحقيق “المساومة التاريخية” التي أدخلت الطبقة العاملة في مسار “النضال المطلبي” ضمن النمط الرأسمالي، وبالتالي كان من الطبيعي أن تنشأ الميول الإصلاحية وأن تهيمن على الحركة الاشتراكية الديمقراطية (التي مثلت استمرار للأممية الثانية)، وايضاً على الحركة الشيوعية التي حاولت تجاوز ذلك في البداية لكنها تكيفت في الأخير من الميل الإصلاحي. إذا كان وضع أوروبا كذلك، فقد كان وضع الأطراف مختلفاً الى حدّ كبير، لأن النهب الإمبريالي لها (إضافة الى الاحتلال الذي كان يفرض الميل لتحقيق الاستقلال) كان يفرض حتماً تصاعد الصراع الطبقي، خصوصاً من احتجاز تطورها الذي جرى تناوله قبلاً. وحتى بعد الاستقلال ظل النمط الاقتصادي الذي شكله الاستعمار هو المهيمن، وكان يفرض استمرار النهب واحتجاز التطور، مما أوجد كتلة شعبية هائلة تعيش حالة إفقار شديد (في الريف خصوصاً، ولكن ايضاً لدى الطبقة العاملة)، كان صراعها يتصاعد ويشتدّ. وهذه هي الأرضية التي سمحت للتيار القومي السيطرة واستلام السلطة.
ونحن الآن نشهد تصاعد الصراع الطبقي العالمي، ومن الفشل الكبير الذي حاق بالحركة الماركسية في القرن المنصرم، ينفرض إعادة بناء الإستراتيجية لكي يعود دور الحركة الجديدة.

****
هذه المسائل، التي جرى تناولها نقدياً، تفتح على منظومة كاملة من المفاهيم والأفكار، وتؤشر على إشكالية «طريقة التفكير» الماركسية الرائجة. حيث سيكون كسرها هو الخطوة الضرورية في إطار إعادة صياغة المفاهيم والتصورات المعبّرة عن الرؤية التي تحكم فهم الواقع الراهن، وتحديد المهمات الأساسية من أجل تجاوزه.

الفصل الرابع

بصدد مهمات الحركة الماركسية في القرن الواحد والعشرين

العالم يقوم على أساس استقطابي إذن، وسوف يحتّل تجاوز هذا الوضع جوهر المهمات العالمية، لأن استمراره يكرّس الرأسمالية كطبقة مهيمنة في المراكز وكذلك عالمياً، كما يكرّس اللاتساوي والتخلف المريع في الأطراف. ولاشك في أن هذه المهمة لا تتحقّق إلا على أنقاض النمط الرأسمالي، لأن الاستقطاب في أساس هذا النمط. وهنا يتحدّ النضال من أجل تقدم الأطراف وتطورها، تصنيعها وتحديثها عبر تحقيقها المهمات الديمقراطية، يتحد بالنضال ضد الرأسمالية كطبقة مستغلة نهّابة. بالتالي يتحد المجتمعي المعبّر عن الأمة بالصراع الطبقي. حيث يصبح توضع الأمة كأمة مستقلة في العالم مرتبط بتغيير النمط الرأسمالي المهيمن، وسيطرة الطبقات الشعبية.
هذا الوضع هو الذي يعطي للحركة الماركسية دورها العميق، ويؤسس لأن تكون هي قوة التغيير الحقيقية. حيث يبدو التكيّف مع النمط الرأسمالي، أو القبول ببعض قوانينه وآلياته، هو المدخل لإجهاض مشروع التقدم، وهو ما توضح في وضع حركات التحرّر القومي، فجعلها تنهار سريعاً دون أن تحقّق الأساس الضروري للتقدم، الأمر الذي جعل مرحلة انتصارها هي مرحلة إعادة إنتاج الرأسمالية التابعة، عبر تفريخ فئات جديدة أصبحت هي الطبقة المستغِّلة/الحاكمة بعد تغيير النمط الزراعي القديم (الاقطاعي) ومحاولة تحقيق الحداثة.
وإذا كانت الظروف لتحقّق الاشتراكية التي أشار إليها ماركس متوفرة في المراكز، حيث بلغ التناقض بين قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج حدّه الأعلى، نتيجة التمركز الهائل للرأسمال، وسيادة الطابع الاجتماعي للعمل، فإن الظرف «الذاتي» لم يكن يسمح بذلك، لأن الرأسمالية، عبر سيادتها كنمط عالمي، شكلّت التكوين الطبقي لمجتمع المراكز في إطار غلبت فيه الفئات الوسطى (أنظر، فرانسوا بيرو “الجمهور والطبقة” دار التكوين/ دمشق ط1/2012 ص95)، وبالتالي ظلّت الطبقة العاملة قوّة لكنها تحظى بنسبة لا تؤهلها لأن تصبح هي السلطة. إضافة إلى أن عالمية النمط الرأسمالي سمحت بتحقيق ما أسمي «المساومة التاريخية» التي حسنت من وضع الطبقة العاملة ألمعاشي، وفتحت لها الأفق لنضال ديمقراطي مستمر يمكنها من أن تحقّق مطالبها بشكل متتالٍ، الأمر الذي عزّز الميل للتكيف مع وجود الرأسمالية وبالتالي التخلي عن حلمها الاشتراكي.
هذا الوضع كان يجعل التدرج والإصلاح في صلب كل سياسة إشتراكية، ولم يعد هدف إزالة الرأسمالية ممكناً (أو وارداً). وبالتالي تمركزت المطالب في الوضع ألمعاشي والبيئي والإنساني والثقافي والديمقراطي. وأصبح تطوير وضع المجتمع على أرضية الرأسمالية بما يحقق رفاهه وإنسانيته و«ذاتيته» هو الهدف العام. كان يجب أن يطرح كل ذلك في إطار سياسات اشتراكية ومن قبل أحزاب اشتراكية. ولقد بدت الأحزاب التي تناضل من أجل الاشتراكية الماركسية، أي التي تسعى إلى نفي الرأسمالية، صغيرة ومهمشة. لهذا فإن المهمات المطروحة هنا كان يبدو أنها تتحقق في إطار “التدرج” و”الإصلاح”، لكن الذي يعمّق من سيطرة البشر على مصيرهم ويحسّن من شروط حياتهم، المادية والروحية. لكن الحركة الماركسية بمختلف تياراتها ظلت هامشية، ودون وضوح كافٍ أو إستراتيجية واضحة، ولهذا تهمشت أمام الميل العام نحو الانخراط في مسار “إصلاحي” مثلته أحزاب “الديمقراطية الاجتماعية”، التي صارت في الأخير هي التي تحقق تخلي الدولة عن دورها الذي تحقق بقوة الصراع الطبقي.
ولقد كانت مجتمعات المراكز تبدو مرتاحة للوضع المتشكل، رغم نشوء مظاهر إشكالية عميقة تحتاج إلى حلّ، مثل اختلال التوازن ألعمري لمصلحة كبار السن، واختلال العلاقة بين المعيلين العاملين والمتقاعدين. وكذلك الشعور باستهلاك العمل، والوحدة، وكثير من أمراض الرفاه، والآن البطالة وتراجع المستوى المعيشي في بعض المراكز (أوروبا) والعودة الوحشية للرأسمالية التي باتت تعتمد سياسات التقشف لسلب الطبقة العاملة والموظفين كل الحقوق التي حصلوا عليها عبر نضالهم الطويل، وباتت جزءاً من التشكيل الرأسمالي ذاته.
وربما كان هذا في أساس غياب الاهتمام الكافي بالإشكالية العميقة التي تحكم العالم (الاستقطاب)، حيث أنها في أساس نشوء هذا الوضع في المراكز، الأمر الذي يجعل النظر لدى تلك المجتمعات ينصبّ على الجانب الإنساني، وبالتالي تحكّم المنطق الأخلاقي حين تناول مشكلات الأمم المخلّفة، والهرب من التفكير العميق في جذر الوضع الذي لازالت تعيشه، والذي هو من نتاج الرأسمالية ذاتها.
وإذا كان الخيار القديم لدى الحركة الماركسية (والذي ظل يخترق وعيها) يتمثّل في أن الاشتراكية في المراكز هي التي ستحّل هذه الإشكالية، وستساعد الأمم المخلفة على النهوض، فإن انسداد أفق الاشتراكية في المراكز فرض انتقال مركز الثورة إلى الأطراف، لأن تحققها هو المدخل لإعادة تكوين المراكز على أساس اشتراكي.
وإذا كان الصراع ضد الرأسمالية في المراكز هو صراع تدرجي مطلبي الآن، فإن الصراع ضدها في الأطراف هو صراع ثوري، و لسوف يبقي الوضع في المراكز، سواء وضع الطبقة العاملة، أوالطبقات الوسطي في وضع ملتبس تجاه ثورية الأطراف، وطموحها لتحقيق المهمات الديمقراطية نتيجة الخشية من تحولات دراماتيكية تطيح بـ«نمط حياتها». لكن صياغة واضحة للمشروع الاشتراكي العالمي سوف تسهم في تجاوز هذه الخشية، والانخراط في مشروع اشتراكي أصبح أكثر أهمية من أي وقت مضى، الأمر الذي يفرض تعزيز الحركة المناهضة للرأسمالية والحرب وللعولمة التي تفرضها على العالم في إهاب دموي، والانتقال الى خوض الصراع الطبقي العالمي الذي باتت نذره واضحة تماماً.
الآن نلمس أن أزمة الإمبريالية والتناقضات بين طغمها التي تظهر من خلال التنافس والتصارع بين الدول الإمبريالية، القديمة والجديدة، والتي تنعكس في سياسات اقتصادية تقوم على حل مشكلات تلم الطغم المالية على حساب الشعوب، باتت تفتح أفق الصراع الطبقي في مختلف بقاع العالم.
فالوضع المعيشي ينحدر في كل البلدان الرأسمالية القديمة، وهو سيء في الرأسماليات الجديدة (روسيا والصين). والأطراف تعاني من انهيار معيشي، حيث بات 80% من الشعب في حالة بطالة أو فقر مدقع. والاقتصاد ينحرف إلى مسار مدمر من خلال انتصار المال على الرأسمال، وتعميم اقتصاد المضاربة والريع. وتنهار كل الصيغ والاتفاقات التي فُرضت بقوة النضالات الطبقية، أو بفعل انتصار حركات التحرر الوطني. لتتحكم في العالم طغم مالية مافياوية ريعية، عمقت النهب وصعّدت التضخم، وجعلت العالم يعيش في وضع مقلق نتيجة الانهيارات المستمرة في الاقتصاد، التي باتت تنتج عن نشوء الفقاعات المالية التي سرعان ما تنفجر، والتي يحكمها شره الربح الذي بات يساوي النهب.
عالم يدخل إذن، مرحلة الصراع الطبقي بعد ركود طويل، ومقدرة رأسمالية على التحكم في كل الأزمات وفي ضبط الصراع الطبقي. فالأزمة العميقة التي باتت تتحكم في النمط الرأسمالي تفرض انهيار الوضع المعيشي للطبقات العاملة والفئات الوسطى في المراكز، وكذلك لشعوب الأطراف (العمال والفلاحين والفئات الوسطى).
شعوب جنوب أوروبا باتت تدافع عن وضعها بعد أن اصبح مهدداً، وأصبحت قطاعات مهمة منها تنحدر إلى حالة الفقر، وهي تندفع مع أزمة الدول التي باتت محكومة بالديون التي نهبتها مافياتها، إلى وضع أسوأ هو الذي سوف يفتح الباب أمام عودة الصراع الطبقي الجدي. وهكذا شعوب أوروبا الشرقية والوسطى، وحتى فرنسا وبريطانيا. وشعوب آسيا باتت تعاني الفقر (حتى في الصين وروسيا). وأيضاً أميركا اللاتينية دون أن نتجاهل وضع أفريقيا. فالتراكم المالي السريع والمتضخم الذي بات يفرضه النمط الريعي المافياوي القائم على المضاربة يفرض الإفقار السريع لكل شعوب العالم. فقد بات كل التراكم المالي يصبّ في جيوب الطغم المالية التي تتضاعف أموالها بشكل ليس له مثيل طيلة التاريخ السابق، فتقفز من المليارات إلى التريليونات، ومن التريليونات إلى مئات التريليونات. ويتحكم بعض مئات فقط بكل هذه الثروة على حساب كل شعوب العالم، الذين يدفعون نحو الجوع والتشرد والتهميش.
ولأن المنطقة العربية كانت في أولويات سياسة النهب والسيطرة خلال العقود السابقة فقد كانت السباقة لتفجر الثورات، التي بدأت في تونس في 17/12/2010 وامتدت إلى مصر والبحرين واليمن وليبيا وسورية، وأثارت تحركات مختلفة القوة في باقي المنطقة، من المغرب والجزائر إلى العراق وعمان مروراً بالأردن. وهي ثورات نتجت عن التكوين الإمبريالي للعالم الذي فُرض خلال تلك العقود وخصوصاً مع سياسات العولمة التي انطلقت بعد انهيار المنظومة الاشتراكية. والتي تؤشر إلى أن الصراع الطبقي قد بدأ في التفجر، وأنه سيمتد إلى باقي العالم. فنحن في وضع مفصلي كما أشرنا، حيث الأزمة الإمبريالية عميقة ولا حل لها، وهي تفرض زيادة الإفقار والتهميش، وحيث أن وضع القوى الإمبريالية بات غير مستقر نتيجة الأزمة هذه، الأمر الذي فتح الأفق لانهيار السيطرة الإمبريالية الأميركية واندفاع العالم إلى أن يتشكل من جديد في تنازع بين أقطاب متعددة، كل منها يعاني من الأزمة ذاتها.
هذا الأمر يفرض على الماركسية أن تعيد تكوين “ذاتها”، وأن تكون هي وعي العمال والفلاحين الفقراء وكل المفقرين. وأن تقدم البديل الضروري لتجاوز الرأسمالية بعد أن تعفنت، وبعد أن تشوهت الاشتراكية بفعل التجارب التي تحققت وانهارت (والتي تشوه البحث فيها، قصداً من أجل تشويهها). البديل بات مشوشاً وربما لم يعد قائماً، وهذا ما يركز عليه الإعلام الإمبريالي، لكنه في جزء منه صحيح نتيجة تلاشي الماركسية ذاتها بعد أن تحوّلت إلى دوغما وشعارات وكلمات بموت منهجيتها. هذا الموت الذي تحقق عبر صيرورة فعلها خلال قرن ونصف، والذي كان فعلاً إيجابياً في كل الأحوال.
لقد استهلكت التجربة الماركسية من حيث هي منهجية كما أشرنا قبلاً، واستهلكت الاشتراكية كبديل، بالضبط ليس لأنها فشلت، بل لأنها حققت ما يتناقض مع “أحلامها الأولى”، فقد نقلت مجتمعات من الفقر والتخلف والقروسطية إلى الحداثة. وربما كان هذا التفارق بين حلمها الأول والنتيجة التي تحققت هو الذي أفضى إلى القول بفشلها، وقاد إلى اعتبار انها ليست البديل الحقيقي للرأسمالية.
نحن اليوم بحاجة إلى إعادة بناء الماركسية كمنهجية، بالعودة إلى الجدل المادي (أي إلى ماركس) والتخلي عن كل التبلورات الأيديولوجية التي رافقت مسيرتها خلال كل هذا الزمن. فكل هذا الزمن كاف لتجاوز تصورات نتجت عن تحليل الواقع ووضع مهمات في مرحلة معينة، ويفرض ان ندرسه انطلاقاً من المنهجية ذاتها لتحديد الرؤية والإستراتيجية والبديل. بالتالي نحن بحاجة إلى “نقلة في الوعي” من أجل فهم الواقع الآن، وبناء الرؤية وصياغة البديل الاشتراكي على ضوء كل التجربة الطويلة والمهمة التي تحققت فيها.
إذن، لدينا مهمات كبيرة تتعلق ببناء الوعي الماركسي انطلاقاً من أن الماركسية هي أولاً وأساساً منهجية قبل أن تكون قوانين وتصورات وأيديولوجية. وتتعلق كذلك بإعادة بناء التصور الاشتراكي على ضوء إخفاقات التجربة، وانطلاقاً من فهم مشكلاتها التي يجب أن تكون الأساس الذي يسمح لنا بإعادة صياغة البديل الاشتراكي في منظومة جديدة علمية. وتتعلق ثالثاً برسم الإستراتيجية التي يجب أن ينطلق منها العمل الماركسي من أجل انتصار العمال والفلاحين الفقراء، الاستراتيجية التي تعتمد على الصراع الطبقي المتفجر الآن، والتي يجب أن توصل إلى استلام هؤلاء السلطة، فهذا هو الحل الوحيد الذي يسمح بتجاوز كل المشكلات التي أوجدتها الرأسمالية في المراكز وفي الأطراف، ويؤسس عالماً يضمن إنسانية الإنسان.
إن انفتاح أفق الصراع الطبقي يفرض أن يمتلك العمال والفلاحون الفقراء بديلهم الاشتراكي، وأن يمتلكوا الوعي الذي يسمح لهم بتطوير الصراع الطبقي في الوجهة التي تفضي إلى استلام السلطة وتحقيق التغيير الجذري. كما يمتلكوا كل الآليات التنظيمية التي تجعلهم قادرين على ذلك، وهذا يطرح السؤال: كيف يتنظم هؤلاء الآن؟ كيف يصبح لهم أحزابهم ونقاباتهم وهيئاتهم التي تدافع ليس عن مصالحهم المباشرة فقط، بل أيضاً عن حقهم في استلام السلطة. فالماركسية تعمل على تنظيم الطبقة وليس تشكيل مؤسسة تسمى حزباً. وهذا التنظيم يتخذ أشكال متعددة منها الحزب (البنية الصلبة المتماسكة نظرياً وبنيوياً) وكل أشكال النقابات والاتحادات والتجمعات والهيئات الضرورية لتفعيل نشاط هؤلاء.
بالتالي يجب أن ينتهي “الحزب/ المؤسسة” لمصلحة “الحزب الطبقة”، أي الطبقة منظمة في حزب. ويجب أن ينتهي كل تفكير في الإصلاح كسياسة دائمة لمصلحة العمل من أجل استلام السلطة عبر الثورة، وليبقى الإصلاح سياسة مؤقتة، وبداية تحريك الفعل الشعبي، وجزءاً من تكتيك كشف أوهام الطبقة لاقناعها بأنْ لا حل سوى بالثورة وباستلامها السلطة.
إن انتصار العمال والفلاحين الفقراء وكل المفقرين في العالم اليوم متوقف على صياغة البديل الذي يحقق مصالحهم، البديل الذي يتجاوز الرأسمالية ويرسي أسس حقيقية لبناء الاشتراكية. فلم يعد ممكناً أن يتقدم الصراع الطبقي دون وضوح البديل، الذي هو وحده ما يكتل كل هؤلاء المفقرين ويجعلهم قوة موحدة، وبالتالي قادرة على هزم الرأسمالية واستلام السلطة.
لهذا أمامنا مجهود كبير نظري، يرتبط بالصراع الطبقي الذي بدأ، والذي سوف يتصاعد في السنوات القادمة في أفق تجاوز الرأسمالية نحو الاشتراكية. وأمامنا جهد بناء كبير بعد ان تلاشت الأحزاب التي كانت تدعي تمثيل الطبقة العاملة، واصبحت هامشاً متكلساً منغلقاً ودون حياة، حيث يجب بناء الأحزاب التي تعبّر عن العمال والفلاحين الفقراء وكل المفقرين، لكن الآن في خضم الثورات ذاتها، ومن أجل أن تنتصر.
يجب تغيير العالم الآن، ولا شك في أن عودة الصراع الطبقي وانفجار الثورات سوف يسمح بتحقيق ذلك. لكن علينا، نحن الماركسيين، أن تعيد بناء الوعي بالعودة إلى ماركس، ماركس الجدل المادي بالأساس. وأن نعيد صياغة المشروع الاشتراكي بما يجعله حلم كل المفقرين من جديد. فالرأسمالية تعفت، هذه المرة حقيقة وليس تكهناً أو شطحاً، فقد غرقت في المضاربات وهيمن المال على الرأسمال. وانفتح الأفق لصراع طبقي عالمي يمكن أن يكون الأساس الذي يفرض تغيير العالم إذا بذل الجهد الضروري الآن. فالصراع الطبقي يجب أن يخرج من العماء، وبالتالي أن تتحدد الرؤية ويصاغ البديل.
لكن، وفي سياق ذلك، يمكن أن نطرح خطوطاً عامة لمطالب مطروحة الآن، وهي مدخل لتحقيق مصالح العمال والفلاحين الفقراء وكل المفقرين.

أولاً: إن النضال العالمي يطرح الأهداف التالية:
1) الوقوف ضد الرأسمالية وضد كل سياساتها المدمّرة، وضد حروبها الإمبريالية.
2) الوقوف ضد النهب والاضطهاد والاستغلال الذي تمارسه.
3) الوقوف ضد الآليات الاقتصادية التي تفرضها على العالم والقائمة على أساس اقتصاد السوق والخصخصة وتصفية دور الدولة التدخّلي الحمائي، وكذلك منع كل النشاطات المحلية التي تخدم الاقتصاد الوطني.
4) الوقوف ضد تدمير البيئة، واستنفاذ مصادر الثروة، والتعامل العقلاني مع الطبيعة.
5) العمل من أجل إعادة صياغة العالم على أساس المساواة والعدالة والتكافؤ.
6) النضال ضد كل الآثار التي أوجدها تضخم الرأسمال المنفلت، والسعي لضبطه عبر فرض ضريبة مرتفعة على نشاطه توظف من أجل تطوير الأمم المخلّفة.
7) النضال من أجل إلغاء ديون الأمم المخلّفة.
8) حل مشكلة العمالة ورفض منع الهجرة.
9) السعي من أجل ميزان تجاري عادل، عبر التحكم بحركة التجارة.
10) سعر عادل للمواد الأولية.
11) دعم زراعة الجنوب، وكذلك التعليم والتحديث فيه.
12) دعم تصنيع الأمم المخلّفة، لأنها المجال الوحيد الذي يغيّر من معادلة الهجرة القائمة من الجنوب إلى الشمال (أي من الأمم المخلّفة إلى المراكز)، ويفتح الأفق لتغيير كلية الوضع العالمي.

ثانياً: وسيبدو أن النضال في المراكز سيكون منصباً على التالي:
1) النضال من أجل تحسين «المساومة»، عبر زيادة الأجور، وتطوير الضمان الاجتماعي وتعزيزه.
2) إدارة الدولة للقطاعات الاقتصادية الاستراتيجية و/أو الضرورية لتحسين أوضاع المجتمع.
3) زيادة الضرائب على الرأسمال، من أجل الخدمات العامة، والإسهام في تحسين أوضاع الأمم المخلّفة.
4) تحسين دور الطبقة العاملة السياسي والاجتماعي وإعادة تنشيطها لكي تكون محور القوى الاشتراكية.
5) السعي لتجاوز اختلال العلاقة بين المراكز والأطراف ليس على صعيد الديون والتجارة والمساعدات فقط، بل على صعيد تجاوز احتجاز تطوّر الأمم المخلّفة بالتأكيد على التالي:
أـ تغيير آليات العلاقة الاقتصادية القائمة على النهب، وبالتالي تغيير آليات العلاقة السياسية القائمة على الإخضاع والسيطرة.
ب ـ السماح بتصدير التكنولوجيا، وتأهيل الأطراف لكي تتطوّر صناعياً.
جـ ـ توظيف الرأسمال في القطاعات المنتجة في الأطراف.
د ـ الإسهام في التحديث (التعليم والتأهيل).

ثالثاً: إن تجاوز الأمم المخلّفة لمأزقها، يفرض أن تحقق تطورها الديمقراطي، القائم على تحقيق المهمات الديمقراطية التالية:
1) تحقيق استقلالها وتوحدّها القومي.
2) تحقيق برنامج التصنيع والحداثة.
3) تأسيس روابط وثيقة فيما بينها، وتنسيق تطورها المشترك.
4) إنجاز العلمانية وتأسيس الدولة على أساس ديمقراطي.
5) أن تلعب الدولة بما هي سلطة الطبقات الشعبية، دوراً مركزياً في الاستثمار في البنية التحتية وكذلك في قطاع الإنتاج وخصوصاً الصناعة.
6) تحقيق ضمان العمل، والضمان الاجتماعي ومجانية التعليم و الطبابة.
7) سيطرة الدولة على المواد الأولية، والقطاعات الاستراتيجية في الاقتصاد.
8) التحديث العام، وإقرار حقوق المرأة كاملة كونها مساوية للرجل، وبالتالي اعتبار كل منهما شخصية اعتبارية مستقلة.
إن المهمة المركزية للحركة الماركسية إذن، تتمثل في تجاوز احتجاز تطور الأمم المخلّفة، بالعمل من أجل تصنيعها وتحديثها. تطوير القوى المنتجة فيها، وتطوير التعليم وبناء المؤسسات وتحقيق الديمقراطية من أجل عالم إنساني يقوم على المساواة والتكافؤ ويستند إلى العدالة. حيث سيكون التكافؤ في بناء القوى المنتجة هو أساس التكافؤ في العلاقات ونمط الحياة، ولن يتحقق ذلك في ظل الرأسمالية، لهذا يفترض تحقيق التطور خوض الحرب ضد الرأسمالية ومواجهة توسعها الاقتصادي وسياساتها وحروبها، وكذلك مواجهة استغلالها ونهبها.
وهذا ما لا تستطيعه إلا القوة الثورية حقاً، والجذرية حقاً، أي الطبقة العاملة متحدّة مع الفلاحين الفقراء، وفي إطار تحالف يضم كل الفئات المتضررّة من الرأسمالية والمسماة الطبقات الشعبية، وحيث تلعب الحركة الماركسية الدور الفاعل والمهيمن، لأن تجاهل جذرية الصراع مع الرأسمالية سوف يؤسس لانكسار الحركة المناهضة للرأسمالية وانهيارها حالما تحقّق بعض الانتصارات، حيث تسعى الفئات المنتصرة إلى التكيف من جديد مع النمط الرأسمالي مما يجعلها تخسر كل رصيدها، وتتجاوز كل الأهداف الضرورية لتحقيق التطور. إن تجاوز «التطور المحتجز»، وفتح الأفق لبناء القوى المنتجة، وخصوصاً في الصناعة، وبالتالي تحقيق المهمات الديمقراطية يفترض هذا الدور الفاعل والمهيمن للطبقة العاملة وللحركة الماركسية.
لهذا سيكون تحقيق المهمات الديمقراطية بالنسبة للحركة الماركسية، هو المفصل لكي تصبح الظروف العالمية مهيأة من أجل تحقيق الاشتراكية، في المراكز وفي الأطراف.
* إذن يجب أن يتصاعد الصراع ضد الرأسمالية كنمط عالمي، وكسياسات تسكنها الحروب ويقبع في أساسها الميل للسيطرة والاحتلال من أجل النهب.
* ويجب أن يتصاعد الصراع ضد الرأسماليات التابعة في الأطراف كونها قوة السيطرة المحلية، وكذلك كونها «الملحق» (أو «الهامش») في النمط الرأسمالي.
* من أجل التطور والتقدم والتحرّر، وإكمال تأسيس الأمة/ الدولة، والتصنيع والتحديث، في سياق الانتقال إلى الاشتراكية.
* ومن أجل نمط آخر يحقق إنسانية المجموع البشري، ويسمح بتحقيق تقدمهم و رفاههم, ويطلق طاقاتهم، ويسمح لهم بتجاوز الاغتراب، و التهميش ويحوّلهم إلى فاعلين اجتماعيين.
* نمط ينهي الاستغلال والاضطهاد والنهب ويؤسس عالماً جديداً.

المصدر: الحوار المتمدن

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s