أميركا تعود إلى الحرب؟

أميركا تعتبر سوريا من «مقتنيات» روسيا، حيث أقرت بـ «المصالح الحيوية» لروسيا فيها.

بعد استخدام الأسلحة الكيماوية في ريف دمشق ظهر تغير مهم في الموقف الأميركي، حيث اندفع باراك أوباما إلى تقرير ضربة عسكرية ضد السلطة السورية عقاباً لها على استخدام الأسلحة الكيماوية. لكن استخدام الأسلحة الكيماوية حدث خلال هذه السنة ونهاية السنة الماضية العديد من المرات في مناطق مختلفة دون أن يثير الأمر سوى بعض التصريحات الأميركية. لماذا إذن يندفع أوباما الآن لـ»عقاب» السلطة بشأن الكيماوي؟

طبعاً واضح مما قاله أوباما، وانطلاقاً مما يجري من حشد عسكري أميركي، ومن «عدم حماس» العديد من الدول الإمبريالية، أن الأمر يتعلق بضربة صاروخية فقط، ولا تتعلق بـ «زحف» أو احتلال.

وتبدو حتى أقل من مشاركة الطيران الأميركي في الحرب الإمبريالية ضد ليبيا. أي أن الأمر يتعلق بإطلاق صواريخ «كروز» على العديد من المواقع العسكرية، أشار أوباما إلى أنها تلك المواقع التي تخص الأسلحة الكيماوية، ربما إضافة إلى المطارات وصواريخ سكود، والمراكز الأمنية. ويمكن أن يتوسع الصراع فيما إذا ردت السلطة السورية بإطلاق صواريخ سكود على فلسطين المحتلة (رغم أنها لم تفعل ذلك حتى حينما ضربت الطائرات الصهيونية العديد من المواقع العسكرية والنووية في سورية خلال العقد الماضي). أو «تحمّس» حزب الله للرد، حيث سوف يتعرض لموجة من القصف. أو أن تجرؤ السلطة الإيرانية على إطلاق الصواريخ على القواعد الأميركية في الخليج العربي أو حتى على الدولة الصهيونية، وهذا مستبعد. ولا شك في أن الموقف الروسي واضح كل الوضوح من خلال تصريحات رسمية أكدت رفض الإنجرار إلى الصراع في سوريا، ولهذا سحبت قطعها البحرية من قاعدتها في طرطوس. إذن، هي ضربة «عقابية»، وربما من أجل إرهاب السلطة (وإيران) لكي توافق على الذهاب إلى مؤتمر جنيف 2 دون «عنجهية»، وبشروط أقل، أو على الأقل بموافقة كاملة على الحل الروسي. فأميركا لم تعد قادرة على خوض الحروب الكبيرة، ولا التدخل بقوى برية كما حدث في العراق وأفغانستان، وأوباما لم يعد حرا في تقرير ذلك نتيجة مراقبة الكونغرس.

فما يجب أن يكون واضحاً هو أن أميركا باتت تعتبر أن سوريا هي من «مقتنيات» روسيا، حيث اقرت بـ «المصالح الحيوية» لروسيا فيها. كما عملت خلال الأشهر الماضية على تغيير مواقف قوى إقليمية ودولية لكي توافق على الحل الروسي، وعلى التنازل لروسيا في سوريا (هذا ما حدث مع تركيا وفرنسا، وقطر، خصوصاً)، كما عملت على تغيير وضع الائتلاف الوطني لقوى المعارضة السورية بحيث يهمّش دور جماعة الإخوان المسلمين وكل التحالف الذي كان مرتبطاً بكل من فرنسا وتركيا وقطر (المجلس الوطني السوري)، لمصلحة قوى توافق على الحل السياسي كخيار وحيد، وأيضاً عبر الحل الروسي القائم على مبادئ جنيف، وبالتالي يوافق على الذهاب إلى جينيف 2. أي أن أميركا قامت بترتيب الطرف المعارض الذي يقبل بـ «بيع» سوريا لروسيا، ووقف معارضة القوى الإمبريالية والإقليمية الأخرى لعملية البيع هذه. لكن روسيا، التي سترث سوريا، لم تستطع إيجاد طرف في السلطة يوافق على الحل، وأيضاً لم تستطع ضبط استخدام السلطة لأسلحة فتاكة، من البراميل المتفجرة إلى صواريخ «سكود»، وخصوصاً السلاح الكيماوي. هذا الأمر شكّل إحراجاً لباراك أوباما الذي كان قد أعلن بأن السلاح الكيماوي هو خط أحمر، وكان قد تغاضى أكثر من مرة عن استخدامها نتيجة عدم اهتمامه بالتدخل العسكري في «الشرق الأوسط» بعد أن بنى إستراتيجيته على أن الأولوية في الإستراتيجية الأميركية باتت تتحدد في آسيا والمحيط الهادي وليس في «الشرق الأوسط».

وهو يعرف بالمعارضة العالمية الكبيرة لأي دور عسكري أميركي بعد احتلال كل من أفغانستان والعراق، ويعرف بضعف «التحالف الغربي»، وأصلاً يعرف بضعف قدرات أميركا ذاتها على ضوء الأزمة الاقتصادية المستمرة، والتي لازالت تهدد بانهيارات كبيرة.كل ذلك يجعل الضربة العسكرية «محدودة»، ربما كشكل من أشكال إظهار الوجود بعد أن بات «الشرق الوسط» ينزع للتخلص من سيطرتها، لكي لا تخرج مهزومة، أو يظهر أنها مهزومة. وربما يدخل ما حدث في مصر، والخلاف بين قيادة الجيش المصري (التي كانت تعتبر تابعة لأميركا) وبينها، وبالتالي الخوف من فقدان مصر، في تحديد ضرورة القيام بعملية عسكرية ما للتذكير بأن أميركا لازالت قادرة على التدخل العسكري. في كل الأحوال هو عمل عسكري محدود، لا يهدف إلى إسقاط السلطة، وربما يستغل بالدفع نحو عقد مؤتمر جنيف 2. ولكن في كل الأحوال هو تدخل إمبريالي، واعتداء على سوريا لا يجوز التهليل له أو دعمه، رغم كل وحشية السلطة التي ساعدت أميركا والدول الإقليمية، مثل روسيا وإيران على تشجيعها، البعض من أجل الحفاظ على السلطة ومنع انهيارها، والبعض من أجل تدمير سوريا البلد والحضارة. لكن كذلك يجب أن يكون واضحاً هو أن السلطة هي التي استجرت هذا التدخل بعد أن فاقت فظائعها كل تصور.

الضربة لن تسقط السلطة، وسوف تبقي الوضع كما هو، ربما مع ضعف في السلطة، لا يبدو أن وضع الكتائب المسلحة قادرةً على الاستفادة منه موضوعياً. لهذا يبقى السؤال: كيف تنتهي سيطرة آل الأسد لمصلحة قوى قابلة بالحل الروسي لفتح الأفق لمرحلة انتقالية؟ كل الوضع السوري بات يتلخص في الإجابة عن هذا السؤال.

المصدر: العرب

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s