الثورة السورية في دائرة التشوش

لم يكن وضع الثورة السورية واضحاً كما في تونس ومصر نتيجة الوضع الجيو- سياسي للسلطة السورية، وهذا أمر يمكن أن يناقش في سياق آخر، لكن لا بد من أن نلاحظ بأن الثورة دخلت في مرحلة التشوش بشكل أسوأ مما كان حين انطلقت. والمشكلة هنا تتمثل ليس في أن الآخرين تشوشوا، بل أن الثورة ذاتها باتت مشوشة. وهذا أمر خطر، وأخطر من تشوش. فئات وقوى “خارجية”، لأنه يمس الممارسين أساساً.

فمن يلقي نظرة على وضع الثورة سوف يصطدم بالفوضى والانفلات، والزعرنة، ويصطدم أكثر بالمعازب التي تتشكل حيث تهيمن كل مجموعة على منطقة وتقيم سلطتها فيها. والآن قيام “دولة العراق والشام” بفرض سلطتها على مناطق لم تحررها أصلاً، وبعكس ما يقال عنها لم تقاتل من أجل دحر قوات السلطة عنها، بل أتت على مناطق فارغة من السلطة، لم يعرف الناس فيها فرض سلطة بديلة لسلطة النظام الذي قرر الانسحاب منها نتيجة إشكالياته التي جعلت قواه العسكرية تتشتت وتضعف، بالضبط ليس نتيجة قوة عسكرية، بل نتيجة الاحتقان الذي جعل قطاعات واسعة من الجيش قابلة للانشقاق، الأمر الذي فرض عليه وضعها في معسكرات مغلقة، وبالتالي الاعتماد فقط على “البنية الصلبة” التي يمتلكها (والتي تهشمت، الأمر الذي فرض عليه الإتيان بقوى حزب الله، وكتائب أبو العباس، والحرس الثوري الإيراني).

هذا الانسحاب فرض كل تلك الفوضى، حيث سعت مجموعات إلى السيطرة وإقامة سلطة، واستطاع الشبيحة “السابقين” والمجرمين والعصابات انتحال صفة الجيش الحر. وأخيراً أتى “الجهاديون” الذين لا يظهرون إلا في “مناطق الفراغ” (وهذا معروف عنهم في كل المتابعات لنشاطهم). وهم لم يأتوا لقتال النظام، بل أتوا لكي يحلوا محل النظام بإقامة “الدولة الإسلامية”. وإذا كان هناك من رحّب بهم توهماً بأنهم آتون لمساندة الشعب، أو هلل لقدراتهم العسكرية، وإنسانيتهم، فقد هيئ لهم الأرضية لكي يستحكموا، وهذه هي الخطوة الأولى في طريق فرض سلطتهم.

الآن، باتوا يفرضون سلطتهم بالقوة، ويطبقون قوانينهم عبر الهيئة الشرعية، يعتقلون ويعدمون ويقتلون، ويفرضون قيماً هي قيم قرون الانحطاط والتخلف التي بادت منذ مئات السنين (حتى في أكثر مجتمعاتنا تخلفاً)، وبالتالي بات الوضع موزاييك مرعب.

بالتالي بات الشعب مشتتاً بين أن يقاتل النظام، أو يعمل على إنهاء الفوضى وضبط العصابات التي تحتمي باسم الجيش الحر، أو مواجهة “دولة العراق والشام”. البعض من المعارضة “العبقرية” يعتبر أن المعركة الرئيسية هي مع النظام، وبالتالي يدعو إلى تجنب “المعارك الجانبية”، و”عدم الانجرار إلى مخطط النظام”. وبتحليل كل هذه الكلمات نستنتج بأنه علينا أن نترك الفوضى والخطف والسرقة التي تمارس باسم الثورة، وان نقبل بسلطة “دولة العراق والشام”، وأن نقبل بهم كذلك.

لكن هل الفوضى تسمح بتحقيق انتصار؟ وهل تهريب الشعب من الثورة نتيجة كل هذه الممارسات يفيد الثورة وانتصارها؟ وهل تسليم الشمال والشرق لـ “دولة العراق والشام” يعزز انتصار الثورة؟

لن أتحدث هنا عن الترابط بين “جبهة النصرة” ومن ثم “دولة العراق والشام”، أو عموماً “الجهاديين” القادمين من كنف السعودية وأميركا وباكستان والخليج، والذين جرى “التبرع” بهم من الشبيحة والأمن، بأجهزة الأمن، لكن كفعل “تكتيكي”، أليس مدمراً لقوة الثورة أن نقبل هذا التشتت الذي لم نصنعه نحن بل صنعه آخرون؟ هل تنتصر “ثورة في فوضى”؟ وخصوصاً إذا كانت الفوضى ممنهجة، ومدروسة من قبل النظام وجهات عديدة لا تريد انتصار الثورة وسقوط النظام.

الأمر يحتاج الآن، أولاً لقرار من الائتلاف الوطني الذي يعتبر أنه ممثل الثورة السورية (والذي دافع العديد من قادته عن جبهة النصرة، وحمى ويحمي العصابات) بتجريم “دولة العراق والشام” وجبهة النصرة، وتحريم وجودهم في كل سورية. ثم أيضاً وكذلك تفعل مختلف الكتائب المسلحة في كل المناطق، ومن يشذ لا بد من أن يحاسب. هنا الصراع لا علاقة له بالإسلام، فهؤلاء “الجهاديين” جهلة في الدين، والعصابات لا تعرف الدين. بل هو من أجل انقاذ الثورة بعد أن غرقت في متاهات المصالح الذاتية، والتخريب في العديد من المناطق السورية.

الثورة بحاجة إلى إعادة بناء، وإعادة البناء تقتضي تنظيف الثورة.

المصدر: صدى الشام

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s