عن ثورة مصر وسورية

عن ثورة مصر وسورية: لقاء مع المفكر الفلسطيني السوري سلامه كيله/ حوار فادي سعد – صحفي سوري

بالقرب من ميدان طلعت حرب المتفرع من ميدان التحرير حيث كان مقرراً للثورة ان تقع في الامس، التقيت الاستاذ سلامه، جلسنا في مقهى ريش، حيث تلتقي أغلبية النخبة الثقافية المصرية، وحيث مرّ نجيب محفوظ وأمل دنقل وصلاح جاهين ورعيل كامل من المثقفين والسياسيين المصريين …

وكما في مقهى ريش، كانت ثورة مصر تنبض في كل مكان ولحظة، محور كل حديث بقربنا او بعيداً الى شوارع القاهرة ومدن مصر والعالم، ثورة مصر التي تتجدّد للمرة الثانية خلال ما يقرب من ثلاثة اعوام فتسقط زعيمين وتخلط اوراق الداخل والخارج في مصر والعالم العربي وتعيد فتح ملف الثورات العربية التي راهن البعض على أنها ستدفن في سورية، سورية التي وجهت ثورتها بتدمير شامل على صعد شتى مازال ينزف منه ملايين السوريين ….

والاستاذ سلامه كيله مفكر ماركسي فلسطيني معروف نفي من بلده الثاني سورية حيث كان يعيش بعد إطلاق سراحه إثر اعتقال استمر اسابيع طويله في سجون النظام السوري الرهيبة، وحيث تعرّض للتعذيب  النفسي والجسدي  ….

عن ثورة مصر الثانية وعن ثورة سورية كان هذا الحديث .

السؤال الاول: استاذ سلامه كيله، ماذا يجري في مصر ؟ هل هو ثورة ؟ ام هو استكمال للثورة؟ ام انقلاب ؟

الجواب: من المؤكد أنه قد بدأ هذا النقاس الان، وهو مبنى على سوء فهم للواقع نفسه، سوء فهم لما جرى منذ 25 يناير، سوء فهم لمعنى الثورة وللواقع الموجود، لانه من الواضح انه يوجد احتقان اجتماعي، المشكلات الاجتماعية لم تحل في زمن العسكر وفي زمن مرسي، الشعب لم يعد يحتمل استمرار الوضع الذي هو فيه، ولأنه لم يعد يحتمل ذلك، ثار الشعب المصري على مبارك الذي كان يعتبر جبار، من اجل ان يأتي بسلطة تحل مشكلات الناس، البطالة والفقر، الصحة والتعليم المنهار، والبنية التحتية المنهارة، ومن ثم تأسيس الدولة المدنية الديمقراطية  العلمانية، هذا الوضع هو الذي كان يؤشر الى ان انفجاراً سيحدث، بغضّ النظر عن  المسار السياسي الذي أسّس لانتخابات هي شكلية ولدستور استبدادي، بالتالي لم يغير في تكوين  السلطة القديمة إلا انه ادخل الدين كعبا ضد الناس، عبر سيطرة الاخوان المسلمين، بهذا المنظور ما حدث هو ثورة، الان لماذ حسمت عبر الجيش ؟  للأسف كل من يسألون هذا السؤال لا يشيرون الى السبب، وهو ان الشعب لا يملك القوة السياسية التي تضع استراتيجية واضحة للتغيير، لأن التغيير لا يتحقّق الا بوجود قوى سياسية ووعي سياسي واستراتيجية تفضي الى استلام الشعب السلطة، لهذا لا إمكانية إلا لتدخل طرف ثالث هذا الطرف هو الجيش لانه الطرف الاقوى، وبالتالي يحاول الجيش كما فعل زمن مبارك لكي يحافظ على السلطة عبرابعاد الرئيس، الآن يفعل نفس الشيء، وبالتالي الذي يجب ان يبحث بشكل جدي هو لماذا هذا الغياب للقوى الحقيقية التي تعبر عن مصالح الناس، والتي تضع رؤى استراتيجية واضحة لكيفية التغيير، لايصال الثورات الى منتهاها الحقيقي، والذي هو اسقاط الطبقة المسيطرة وليس فقط الرئيس، وتاسيس نمط اقتصادي مختلف يخدم الطبقات الشعبية،

سؤال : حجّة الذين  لهم اعتراض على تسمية ماحصل في مصر على انه ثورة، هو ان مرسي وصل الى الحكم بطريق شرعي عبر الانتخابات، باعتقادك استاذ سلامه، أيها الأصل والأقوى؟  شرعية الانتخابات ام شرعية الشارع ؟ اليست الجماهير التي انتخبت مرسي هي من ارتأت النزول الى الشارع لتسقطه ؟

جواب: اولاً شرعية الشارع هي الاساس، في زمن الثورات الشارع هو الذي  يقرّر وهو الشرعي وليس اي سلطة، المسالة الاخرى : ايضاً حسني مبارك كان منتخب من الشعب وكان يحكم بالدستور، لماذا اعتبرنا ان اسقاط مبارك طبيعي رغم ان شكل الاسقاط ذاته  ؟ والآن نتحجّج بالشرعية، الاخوان المسلمين نجحوا بنسبة 12 بالمئة من الشعب الذي يحق له الانتخاب، والآن يسقط بنسبة تتجاوز ال 60 بالمئة من الشعب الذي نزل الى الشوارع، من هذا المنظور اجد ان الميل الليبرالي يتحكم بعقول الكثير من الاشخاص الذين باتوا يرفضون الثورات، والذين يعتبرون الثورات عمل خاطئ، والذين صاروا يعبدون صندوق الانتخابات رغم ان الديمقراطية ليست صندوق الانتخاب فقط، الديمقراطية هي بنية كاملة، صندوق الانتخاب هو نتيجة جزئية فيها، والانتخابات في بلادنا لا زالت تزوّر، لا زالت تخضع لسيطرة النظام نفسه لازالت تخضع لتأثيرات عدة، وبالتالي ليست هي المعبّر الحقيقي عن الديمقراطية .

سؤال: برأيك استاذ سلامه كيله هل سيكون للجيش دور سياسي في المستقبل ؟

جواب: انا لا اعتقد ان الجيش سيكون له دور، الجيش يحكم فعلاً وهو الذي يمسك الامور على الارض، كان في زمن( …؟)  وكان في زمن مرسي وسيكون في المرحلة القادمة مادامت الثورة لم تغير الطبقة المسيطرة، الجيش بنية تشكلت لخدمة الطبقة الرأسمالية المسيطرة، التي تنهب وتحتكر الاقتصاد، والتي كان حسني مبارك واجهة لها رغم كل جبروته، وكانوا الاخوان المسلمين ايضاً واجهة لها، بالتالي سيأتي الجيش بأشخاص آخرين وسيعمل على المناورة أكثر، ل( تنفيس ؟) الثورة دون الوصول الى حل حقيقي للمشكلات القائمة، من أجل الحفاظ على البنية القديمة وإعادة انتاجها، بما يجعلها تستقر، وتفشل الخيار الشعبي .

سؤال: انتقالاً الى الوضع السوري العديد من مثقفي الثورة ومثقفي الاخوان تحفظوا على مايجري في مصر، والبعض يعتبره انقلاب عسكري، برأيك ما يجري في مصر هل يمكن ان يؤثر على مسار المعارضة السورية او على مصير الاخوان السوريين في المستقبل ؟

الجواب: اولاً هناك نظرة سطحية تحكم النظر السياسي لدى اليسار وبقية القوى الاخرى ينطلق من ان هناك موقف معين  من قوى معينة تحدد باقي المواقف انطلاقاً منها، الآن يصبح في سورية الصراع ضد النظام السوري هو الصراع الاساسي، من هذا المنظور يصبح الاخوان المسلمين (المصريين) حلفاء  لدى هؤلاء، وبالتالي محمد مرسي قطع العلاقات الدبلوماسية مع النظام السوري  وبالتالي هو يدعم موقف الثورة، من هذا المنظور يفتعلون الحجج للقول ان إسقاطه خاطئ، سواء تكلموا عن الديمقراطية والانتخابات او تكلموا بأي شكل من الأشكال الاخرى ، هذا الاشكال له علاقة بالوعي والمنهج،  وبالتالي هو الذي اتى بالمعارضة السورية الى هذا المصير المأساوي لا يجب ان ننظر سطحياً الى المسألة، اعتقد ان انهيار المشروع الاسلامي في مصر انهيار لكل المشروع الاسلامي في المنطقة، هذا الامر مهم جداً لسورية لأن الاخوان المسلمين لعبوا دوراً تخريبباً تدميرياً في الثورة السورية، وهم مسؤولون عن الدم والتدمير الذي حدث، شاركوا النظام نتيجة جملة سياسات: اولاً دعوا للتدخل الخارجي وبخطاب طائفي جعل الفئات الخائفة والمترددة تتردّد بالانضمام الى الثورة، فأخّر كثيراً الانضمام للثورة، قطاع كبير من المجتمع وهذا ما اعطى فرصة حقيقية للنظام كي يحكم سيطرته، ومن ثم صاروا يعملون بطريقة التسليح السريع لدفع النظام كي يزيد من تدميره وقتله، لكي يفرضوا تدخل خارجي حينما اكتشفوا ان العالم الخارجي لا يميل للتدخل، من هذا المنظور فهم الآن عقبة وعائق ولهذا نجد ان الشعب السوري قد بدأ يتحرك ضدهم وبدأ يشعر انهم يعملون لمخطط خاص بهم وليس متعلق بالثورة ايضا اعتقد ان الاخوان المسلمون في سورية انتهوا من اللحظة التي وافق فيها امريكا على الحل الروسي وتوافق مع الروس على حل سياسي، وهذا ما ظهر في الصراع في اطار الائتلاف السوري، والذي يظهر اليوم او غدا نتائج الانتخابات، كان واضحاً الميل لإبعاد الاخوان المسلمين عن الهيمنة على المعارضة الخارجية وتهميش دورهم الواقعي،  الان ما يجري في مصر سيعزّز هذا الاتجاه كثيراً وسيدفع باتجاه انهاء الدور التخريبي

سؤال: صحيح ان الاخوان سقطوا من السلطة لكن عدد من وسائل الاعلام المصرية في اليوم الاول لسقوط مرسي مارست ما يشبه نوع من التهدئة والتوجيه الاجتماعي باتجاه احتواء الاخوان والقبول بهم،  السؤال استاذ سلامه كيله: برأيك هل سيستمر الاخوان المسلمون كقوة سياسية في مصر ؟ ومن ناحية ثانية، في حال لم يتم حل الازمة الاقتصادية للفقراء للشعب المصري عموماً، هل يعاود الاخوان المسلمون صعودهم السياسي في مصر ويشكلوا جزء من المعارضة المصرية   ؟

جواب: اعتقد من حيث المبدأ انه انتهى دور الاخوان السياسي، خروجهم من السلطة يعني نهايتهم، هذا لا يعني انه مطلوب الحجر عليهم، طبعاً هذا يعتمد على طبيعة ردود افعالهم وتصرفاتهم، وما يمكن ان تؤدي إليه، فهم في بعض الاماكن يمارسون عنف، فبالتالي يمكن ان يتفاقم الامر، لكن من حيث المبدأ ليس خطأ التركيز انه ليس المطلوب تحريمهم ومنعهم كقوة سياسية، فقط المطلوب الان أن يحتوي الدستور ما يؤكد على منع تأسيس الاحزاب القائمة على اساس ديني، لكن اعتقد ان ما جرى انهى الوهم الذي رسم حول الاخوان المسلمين، بالتالي ينهي البيئة الاجتماعية التي كانوا يعتمدون عليها، وسيجعل قطاعات كبيرة منهم تترك الاخوان الآن، خصوصاً أن الصراع في مصر لم يأخذ فقط طابع اقتصادي إنما اخذت طابع مواجهة أصولية دينية تهيمن، وبالتالي سيكون هناك تحرر واسع في المرحلة القادمة على الصعيد الاجتماعي، على صعد العلاقات الاجتماعية التحرر العام، هذا سيهمش دور الاخوان المسلمين ويجعل قواهم معزولة ، مشروعهم السياسي انتهى وتبيّن انه غلط، واضح انه لا يختلف عن مشروع حسني مبارك والقوى الاخرى، مشروعهم الليبرالي ايضاً لا يختلف، فقط حاولوا ان يفرضوا على المجتمع قيم قروسطية قديمة، هذه القيم ترفض الان رفض كامل،  وسيندفع المجتمع لحالة تحرر جديدة لن تبقي للأخوان المسلمين سوى حيز ضئيل

سؤال: لنتحدث استاذ سلامة عن الحالة الاجتماعية في مصر، برأيك ما هو وضع الطبقات واصطفافها في مصر ؟ ماهو وضع الفقراء ؟ في الثورة هل كان هناك تحالف بين الفقراء والطبقة الاقتصادية الغنية المتضررة من الاخوان المسلمين ؟

جواب: لا يوجد تحالف لان التحالف يعني وجود احزاب ووعي سياسي، هذا غير موجود، لكن يوجد فئات شعبية مفقرة، نسبة البطالة عالية جداً في مصر ونسبة الفقر عالية جدا هناك 80 بالمئة من الشعب المصري يعانون من فقر شديد، بالتالي هناك وضع صعب جداً في المدينة والريف، هذا الوضع هو الذي يحرك الفئات الفقيرة، هناك فئات وسطى وتضررت هناك فئات وسطى تريد الحرية والديمقراطية بالمعنى السياسي، هناك بعض رجال الاعمال وهم محدودون وقفوا ضد حكم الاخوان ويريدون التغيير لمصلحتهم، كذلك رجال اعمال من زمن مبارك يريدون ان يسقطوا الاخوان، لكن القطاع الاساسي الذي يقود الصراع وملأ الشوارع هو الشعب الفقير، حتى الطبقة الوسطى التي شاركت في التظاهرات هي من الفئة المفقرة، نتحدث عن عمال وفلاحين، هؤلاء من يقود الصراع لكن للأسف لا يوجد تعبير سياسي عنهم، يضمن حل اقتصادي لمشاكلهم وحل سياسي للنظام السياسي، هذه هي المشكلة القائمة الآن، التي تجعل الجيش يكون في مركز الثقل

سؤال عن بنية الثورة المصرية: من هي حركة تمرد التي حشدت هذه الملايين  والتي كانت هيكل الثورة العظمي ؟ من هم بنية الثورة  هل هم الطلاب والموظفين ام الفلاحين والمهمشين ؟ من ناحية ثانية  بدت ثورة مصر متباينة في الايام الثلاثة التي استمر فيها الحشد بين 30 حزيران و3 تموز، ففي العاصمة ولاسيما في ميدان التحرير بدى الحراك سلمياً بل وراقياً، لكنه في الاطراف خصوصاً في الريف جرت صدامات وسمعنا عن جرحى وقتلى، ما تفسير ذلك برأيك ؟

“تمرد” ليست حزب، صعب ان نحدد ماهيتها، لكنها مجموعة شباب جمعت توقيعات تتعلق بتنحية الرئيس، لا يوجد إمكانية لتوصيفها من المنظور الاجتماعي، لكن الناس التي نزلت الشارع هم من العمال والفلاحين والفقراء والمثقفين الفئة الوسطى، هؤلاء من ملأوا الشوارع، بالتالي هذا هو الطابع الاساسي للثورة، فئات شعبية تحاول ان تغير النظام

بالنسبة للشكل فهو مختلف عمى جرى في الايام الاولى للثورة ضد حسني مبارك ، كانت بنية الدولة  مهيئة للدفاع عن النظام السياسي بشكل كامل ولهذا لجات الى اعلنف ولكن ضخامة الحراك الشعبي حينها كسرت الامن المركزي الذي كان هو القوة الاساسية في القمع، وبالتالي جعلت قيادات الجيش تتشكّك في إمكانيتها ان تخوض صراع ضد الشعب، وقفت بحياد بين قوسين لكن مع منع الثورة من الاستيلاء على مؤسسات الدولة، بالتالي اوقفتها عن حد ان تبقى حالة احتجاج،  اصبحت كما رأيتها الان احتجاج في الميادبن دون ضغط الامن المركزي الجيش عمل على الحفاظ على الامن، الان كان واضح ان الحراك يمكن ان يكون هائل وبالتالي كان قرار الجيش منذ البداية ان لا يجري الاصطدام مع الناس خصوصا ان الجيش لم يكن مرتاحا لحكم الاخوان المسلمين، فمحمد مرسي والاخوان ارتكبوا حماقة ربما كانت طبيعية بالنسبة لهم، وهي انهم عملوا على الهيمنة على الدولة، كان ذلك يعني الاصطدام ايضاً مع بيروقراطية الدولة التي لها مصالح حقيقية لهذا لم تكن في وارد الدفاع الحقيقي عن مرسي  خصوصاً انها وجدت ان الشارع ملتهب وان الاعداد التي نزلت هائلة، طبعا ربما لو نزلت اعداد قليلة الى الشارع  لكانت قيادة الجيش اتخذت موقفاً آخرن لكن ضخامة الاعداد حددت ان هذا الجيش غير قادر على مواجهة الشعب لأنه يمكن ان يقوم بخطوة ابعاد مرسي، هذا الوضع جعل الحراك بلا عنف “جينتلماني” بلا عنف في المدن حيث سيطرت الملايين على الميادين وفي الارياف  الوضع مختلف لن الاخوان المسلمين كانوا يعتقدون أن سيطرتهم هي اساساً على الريف، ومعظم الذين حشدوا من الاخوان المسلمين في القاهرة أوتي بهم من الريف، هذا الوضع جعل الريف أكثر حساسية في الصراع، خصوصاً لأن الريف يدخل لأول مرة في الصراع، ففي الثورة ضد حسني مبارك لم يدخل الريف في الصراع، بقي الريف خارج إطار الثورة التي سيطرت على المدن الرئيسية، كان هناك بعض التحركات المحدودة في الايام الاخيرة للثورة في بعض القرى كقطع الطرق مثلاً لكن لم تصل الورة إلى عمق الريف، الان تصل الثورة إلى عمق الريف، لهذا يصبح الاشتباك في الريف أعنف.

سؤال: كلامك ايتاذ سلامة يدفعنا الى مقاربته بالوضع السوري، برأيك أن توازن القوى بين الجيش والحراك الشعبي هو الذي يحدّد طريقة تعامل الجيش مع الحراك، في سورية الاجهزة الامنية والجيش مصممان بشكل كامل من اجل الحفاظ على النظام، وكان لديها الشعور دائماً بقدرتها على السيطرة على الشارع، هذه الفكرة (توازن القوى) هي الاساس لمواجهة الجيش النظام السوري للثورة السورية في بدايتها  ؟

جواب: وضع الجيش في سورية محتلف عن وضع الجيش في مصر، في مصر  الجيش مؤسسة لها بنيتها المتماسكة الى حد ما، رغم خضوعها للقاعدة الاعلى، لكن لديها قدر من المرونة ان تستقل عنه، في سورية بني الجيش منذ زمن حافظ الاسد انطلاقاً من فكرة بسيطة هي: كيف لا يقوم هذا الجيش بانقلاب بعد حافظ الاسد. لهذا بنى الاسد بنية سياسية تعتمد على الامن وليس على الجيش، وعلى تعددية الاجهزة الامنية التي يراقب كل منها الآخر، وكلهم يقمع الشعب، وفي المستوى الآخر الهيمنة الامنية على الجيش، وبالتالي أصبح المسؤول الامني في أي فرقة عسكرية أهم من قائد الفرقة العسكرية، وهذا ما جعل الجيش ليس جيشاً منظماً وليس جيشاً قتالياً لأنه أخضع حتى اللواء مسؤول الفرقة مثلاً لأبسط عنصر أمن في الفرقة، هذا الوضع لم يسمح للجيش ان يلعب دور مستقل عن الآمن وأصبح خاضع لبنية السلطة،

ما جرى في سورية هو أن الثورة أدت الى احتقان اجتماعي داخل الجيش فبدأت الانشقاقات الفردية وتوسعت، لهذا لجأ النظام منذ سنة الى وضع الجيش في معسكرات مغلقة دون إجازات لكي يمنع إمكانية الانشقاقات، وهذا ما جعل النظام يعتمد على قوى اساسية صلبة محددة.

الآن أمام وضع الثورة يمكن أن تتفكك هذه البنية الصلبة لأنها تعرضت لضربات حقيقية أدت الى قتلى بأعداد كبيرة وهذا ما دفع أصلاً لإدخال حزب الله وايران في هذه الحركة لمصلحة النظام، وضع الجيش لم يكن يسمح بالتالي أن يحدث في سورية ما يحدث في مصر منذ اللحظة الاولى، النقطة الاخرى النظام قرر منذ البداية ممارسة العنف الشديد لكي يمنع حالات امتلاك الميادين وبالتالي جعل تطور الثورة بطيء ومحدود، وتوسّع على مدى سنة، هذا عنصر جعل هذه البنية الصلبة في النظام قادرة على مسك الوضع بطريقة لا تفلت منها،

تعقيب: هذا يعني انه لامجال للمقارنة بين الحالتين السورية والمصرية لا من حيث بنية النظامين ولا من حيث الحراك الثوري …

جواب: لا طبعاً، هناك شكلين مختلفين رغم ان الاساس واحد، لكن هناك اختلاف، من حيث ان مصر تعاني من انهيار اقتصادي اجتماعي  كبير قديم، الشعب مارس خلاله كل اشكال الاحتجاج قبل الثورة،وبالتالي كان مهيّأ في لحظة معينة ان يتجاوب لدعوة على الانترنت للثورة، في سورية اللبرلة انتصرت متأخرة تقريباً سنة 2007 والانهيار الاقتصادي الاجتماعي بدأ بشكل سريع بعد 2007 ، لكن هذا الزمن لم يكن كافياً ليكسر حاجز الخوف عند الناس، هذا فارق مهم، إضافة لأنه -كما اشرت- وضع الجيش وبنية السلطة مختلفان،

تعقيب: إضافة للتركيبة الاجتماعية والمشكلة الطائفية في سورية

جواب: ربما ليس مهماً لو كان الوضع الاجتماعي تفاقم بشكل اعلى، فمثلاً انا كنت في لحظة اتوقع ان الذي  يقوم بالثورة هي العشوائيات المحيطة بدمشق وجزء اساسي منها علويون وهم مفقرون حقيقة، ولكن للأسف آليات النظام وخطابه الاعلامي والمعارضة الخارجية التي ساعدت النظام على إظهار الثورة على انها اسلامية أخوانية سنية آتية كي تنتقم من العلويين، السعودية ودورها فيإبراز العرعور وتعميم الخطاب الطائفي، أيضاً قطر وقناة الجزيرة كلها كانت تلعب دور في خدمة النظام، لإبقاء الفئات المفقرة العلوية خائفة من التغيير، بدل ان تكون هي جزء أساسي منه، هذه مشكلة ولهذا قلت قبل قليل أن الأخوان المسلمين يتحملون مسؤولية كبرى إضافة للقوى الاقليمية التي أصلاً لا تريد للثورة السورية أن تنتصر،

سؤال: استاذ سلامة كيلة برأيك هل كن لثورة 25 يناير في مصر أثر حاسم في انطلاق الثورة السورية، رغم أن الظرف الاقتصادي الاجتماعي في سورية لم يكن وصل الى مستوى من النضج يؤهله لتفجير ثورة ؟

الجواب: بالتأكيد ن الظرف الاقتصادي كلن ناضج لكن الاحتقان الاجتماعي لم يكن قد وصل الى لحظة كسر حاجز الخوف من سلطة كانت استبداديتها واضحة، في مصر كانت استبدادية السلطة قد تراجعت شكلاً، منذ نهاية عهد السادات حيث بدى هناك – بين قوسين- ديمقراطية، وبالتالي احزاب تشتم ليلاً نهاراً الرئيس والحكومة، اصبح هناك امكانية لإضرابات وحركات احتجاج، في سورية لم يكن كل ذلك قائماً أصلاً، حدث انهيار اقتصادي سريع، دون ان يعبّر الشعب عن أزمته، النظام كان مازال مستبد من آثار الاعتقال الطويل للمعارضة، آثار مجزرة حماه، كانت بعدها في ذهن الشعب،  لهذا كان الشعب بحاجة لوقت اطول كي ينفجر بشكل طبيعي . الآن اتت مسألة الثورات العربية تونس ومصر لكي تدفع قطاع من الشباب للتحرك، وكي تعطي الجرأة لقطاعات من الشعب للتعبير عن نفسها كما جرى في الفحامة  ودرعا

ماكسر حاجز الخوف هو رصاص السلطة، طبعاً بعكس ما ارادت، هذا من زاوية/ لكن خدم السلطة من زاوية أخرى بحيث جعل اي تحرك في المناطق الاخرى يحتاج الى جرأة اعلى كي ينفجر ولهذا كنا نلاحظ ان توسع الحراك في المناطق كان يعتمد على استشهاد اشخاص، هذا الاستشهاد هو الذي كان يكسر حاجز الخوف، اما دون استشهاد كان يبقى الحراك بسيطاً

سؤال: يرأيك ان ثورة مصر الآن ونحن نعيش ساعاتها الاولى يمكن ان يكون لها ارتدادات في تونس او في سورية او ليبيا إن كان من حيث التأثير على حركة الاخوان المسلمين او من حيث إعطاء الحراك الشعبي دفعة جديدة ؟

جواب: بالتأكيد ستؤثر على كل المنطقة، اولاً الاسلاميين انتهى دورهم كما اشرت وبالتالي الآن يجب ان تنتقل المسألة الى تونس ايضاً السودان يجب ان ينتهي البشير، الاسلاميين في سورية سيهمشون في الفترة القادمة، لك نالاهم كما اعتقد هو ان القوى الاقليمية السعودية قطر القوى الامبريالية ايضاً حاولت ان تجعل الثورة السورية هي نهاية الثورات العربية، لهذا دفعت باتجاه تصعيد العنف السلطوي ضد الشعب وتحويل الصراع الى مسلح وكأننا في حرب جماعات مسلحة، وإعطاؤه شكل طائفي، من اجل تخريب الثورة وتدميرها، ومن ضمن ذلك ارسال جبهة النصرة بالتوافق مع النظام لكي تحوّل الصراع الى شكل آخر وتخربه.

الآن تبيّن انه لا يمكن إيقاف الثورات في المنطقة العربية فالثورة في مصر أعادت فتح الطريق بشكل طبيعي للثورات في المنطقة  العربية، بالتالي نحن امام لحظة يعاد فيها فتح آفاق الثورات بعد ان وقفت امام ابواب دمشق نتيجة كل هذا التكالب الدولي والاقليمي والمعارضاتي في سورية لتخريب الثورة .

القاهرة

3 تموز 2013

فادي سعد – صحفي سوري

المصدر: صفحات سورية

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s