سمات النشاط الجماهيري ووضع الحركة الماركسية

تنتصر الثورة حينما تتحد الحركة الماركسية بحركة الطبقة العاملة، ليؤسسا معاً النضال الثوري. ولا يتم ذلك إلا حينما تتبنى الحركة السياسية أهداف الجماهير وتدافع عنها، وحينما تندمج بالطبقات التي تعبّر عنها.
هذا الأمر يطرح قضية الارتباط بنشاط الطبقات الشعبية، كما يطرح قضية وضع هذه الطبقات، نشاطها، وتصوراتها.. إلخ. لكنه يطرح أيضاً المهمات التي من الضروري أن تسعى الحركة الماركسية لتحقيقها. وكل ذلك يفرض دراسة الظروف الراهنة، وتحديداً فيما يتعلق بالوضع الجماهيري، ووضع الحركة الماركسية. ومن ثم تحديد دور الحزب الذي يطمح لأن يلعب دوراً ثورياً، يتجاوز الدور الذي باتت تلعبه الحركة الشيوعية الراهنة، وهو في كل الأحوال دور هامشي، ويقوم على الفصل بين السياسي والمطلبي، مما لا يحوّل الصراع إلى صراع طبقي
.
الارتباط بنشاط الجماهير:

إن انتصار الثورة القومية الديمقراطية في الوطن العربي يرتبط أشد الارتباط ليس بمسألة واحدة بل بمسألتين. لقد ساد في المرحلة الماضية، ومازال، منطق يعتبر أن التطور الموضوعي هو الذي سوف يؤدي إلى حدوث التغيير في بنية المجتمع العربي. أي باعتبار أن كل الظروف الموضوعية هي التي سوف تحقق «الحتمية التاريخية»، التي هي انتصار الاشتراكية في نظر البعض(1)، أو انتصار النظام الديمقراطي البورجوازي في نظر آخرين. ولقد عبَّر هذا المنطق عن اتجاه إصلاحي ارتبط بمطامح فئتين مختلفتين، أولهما، الفئات المثقفة التي درست وتعلَّمت وحصلت على شهادات جامعية، وأصبح منطقها يختلف عن المنطق السائد في المجتمع، نتيجة اعتناقها أفكار ومفاهيم جديدة. فأخذت تشعر بأن عليها أن تلعب الدور الرئيسي في قيادة البلاد، لكنها في الوقت نفسه، ضد الثورات، والتغييرات العنيفة (الراديكالية)(2). لهذا رأت أن التطور التدريجي هو خيارها. وهو خيار بورجوازي ديمقراطي (وإن كنا نتحفظ على ذلك، بسبب من العجز عن بلورة اتجاه بورجوازي ديمقراطي حقيقي، رغم أنه يحمل سمات هذا الاتجاه العامة، التي يمثل في أحيان كثيرة، صورة مسخاً).
وثانيهما، الفئات «الثورية» من العمال والفلاحين والمثقفين التي اتبعت الماركسية. لكن ليس الماركسية الثورية، بل «الماركسية الاصلاحية»، ماركسية الأممية الثانية، وماركسية المناشفة في روسيا، التي كانت تعتبر أن الانتقال من الإقطاع إلى الرأسمالية، قضية «حتمية»، كما هي «حتمية» قضية الانتقال من الرأسمالية إلى الاشتراكية، لأن الظرف الموضوعي، هو الذي يقود ـ بشكل حتمي ـ إلى ذلك، فالمجتمعات تنتقل من مرحلة في التطور الطبقي، إلى مرحلة أخرى، وفق قانون محدد. أما دور الحزب فيتمثل في كونه عاملاً مساعداً: مساعدة البرجوازية ضد الاقطاع، لكي تتحقق الثورة الديمقراطية البورجوازية(3). هذه الثورة التي سوف تخلق ـ بشكل حتمي أيضاً ـ طبقة عاملة كبيرة العدد، وقوية(4)، تستطيع هزيمة البورجوازية دون عناء كبير، ومن خلال الطريق البرلماني(5).
إن هذا المنطق يلغي العامل الإرادي، عامل الوعي والتنظيم، ويغلِّب العنصر العفوي، مما يجعل قضية التغيير الثوري حلماً هو أقرب إلى السراب منه إلى التحقق.
كما ساد في المرحلة الماضية، المنطق المقابل، أي منطق تغليب العامل الإرادي، واعتبار أن دور الطبقات الشعبية هو دور هامشي، ثانوي، تابع، لاحق… إلخ. ولقد مثَّل هذا المنطق، موقف فئات نزقة، حاولت تغيير ظروفها بسرعة فائقة، وبالتالي حاولت إلغاء الوضع القائم الذي تعيشه بلمحة بصر. وهذه فئات كانت تهدف إلى الإثراء السريع، لتتحول فجأة من فئات محدودة الدخل إلى فئات ميسورة الحال، أو فئات «ثورية»، لكنها لا تثق بالنشاط الجماهيري، ولا تلقي أي اعتبار للمطالب المعاشية البسيطة، وتعتبر أن قضايا التغيير الثوري هي من صنع الأبطال وحدهم(6)، لهذا لجأت إلى «العنف الثوري»، أو «الدعاية الثورية المسلحة»… إلخ(7).
إذا كان ساد هذان المنطقان في الماضي، وما زالا، فلا بدَّ لنا أن نؤكد اليوم أنهما لم يقودا إلى تغيير. فلا الاتجاه الاصلاحي أدى إلى تحقيق «تراكمات كمية» تسمح بتطور مضطرد يحسِّن من وضع الجماهير، ولا الاتجاه الطفولي أدَّى إلى أن يقرِّر العامل الإرادي مصير الثورة، مما جعل الوطن العربي يعيش دوامة صعبة، قادت إلى الفوضى أحياناً، وإلى عدم الاستقرار أحياناً أخرى، لكنها كرَّست وضع الفئات الحاكمة، وأطالت في عمرها، وإن أدَّت أحياناً إلى سقوط سلطة والاتيان بأخرى، أو تغيير حاكم بحاكم.
لذلك يمكننا الجزم أن الثورة القومية الديمقراطية مرتبطة بمسألتين: الظرف الموضوعي من جهة، والعامل الإرادي من جهة أخرى. وهذه بديهية في الماركسية(8)، رغم أنها بحاجة إلى التأكيد فيما يتعلق بوضعنا، لأنها ليست بديهية في كل الأحوال، ولا هي الفكرة التي تتبناها القوى الماركسية العربية، التي تراوح في سياساتها بين العمل الإصلاحي والعمل الطفولي، بين النضال الديمقراطي البرلماني، وبين الارهاب، المسمَّى بـ«العنف الثوري»(رغم هامشية هذا الاتجاه). لهذا كان من الضروري التأكيد على أهمية الارتباط بنشاط الطبقات الشعبية إذا كنّا نسعى، حقيقة، إلى تحقيق الثورة الجذرية في الوطن العربي.
إن مأزق التغيير يكمن دائماً في قدرة الفئات المسيطرة، أي الحاكمة، على ضبط حركة التطور والنهوض، والتحكم فيها، نتيجة تحكمها بالاقتصاد، من خلال امتلاكها لرأس المال. ولكن أيضاً نتيجة سيطرتها على الدولة، كقوة قمعية كبيرة الشأن. ولكن ثالثاً نتيجة امتلاكها لايديولوجيا تعبِّر عن مصالحها تعبيراً مطابقاً، مما يجعلها قادرة على فهم مصالحها، ومن ثمَّ تحديد السياسة التي تخدم هذه المصالح. هذا في جانب، لكنه جانب واحد، لأنه يمكن مواجهة القوة بالقوة، وهذا يقودنا إلى الجانب الآخر، لأن مأزق التغيير يكمن أيضاً في عدم توفر القوى القادرة على هزيمة الفئات المسيطرة، وبالتالي فتح آفاق التطور والنهوض.
لما كانت القضية هي قضية فئات حاكمة، وطبقات شعبية مضطَهدة ومستغَلة ومحكومة، فإن هذه الجماهير هي القوة المقابلة، التي يقع على أكتافها عبء التغيير. وحين تعاني قضية التغيير من مأزق، يكون السبب الجوهري هو عجز الطبقات الشعبية عن تحقيق هذا التغيير. لماذا؟ لافتقادها المزايا التي تمتلكها الفئات الحاكمة. كيف؟ إن إسقاط الفئات الحاكمة وتحقيق التغيير الثوري يرتبط بمعرفة آفاق هذا التغيير أولاً، أي بمعرفة أهداف الطبقات الشعبية، أهداف العمال والفلاحين الفقراء، والشرائح الديمقراطية الثورية من البورجوازية الصغيرة. وهذا يحتاج إلى الوعي، والطبقات الشعبية أمية أو شبه أمية وبسيطة الوعي، وبالتالي تكون عاجزة عن تحديد أهدافها بوضوح ودقة، رغم أنها تعيش آلاماً كبيرة وتتلمَّس من خلالها «مطالبها» التي تكون في العادة مطالب معاشية. وهنا يكمن المأزق الأول، مأزق غياب الوعي المطابق لمصلحة الطبقات الشعبية. وهذه القضية ناتجة من أن الفئات الحاكمة، المستغِلة، تحرص على ديمومة تخلُّف الجماهير، وعلى عدم امتلاكها الوعي. بل أكثر من ذلك، تحرص على إكسابها وعياً زائفاً(9)، يخدم مصلحتها هي، لهذا فإنه في الظروف الواقعية تتبنى الطبقات الشعبية الايديولوجيا السائدة، النابعة من مصلحة الفئات الحاكمة ـ المستغِلة.
ثم إن غياب الوعي المطابق لمصلحة الطبقات الشعبية لدى الطبقات الشعبية ذاتها، واكتسابها «الوعي الزائف» الذي تدخله الفئات الحاكمة ـ المستغِلة لها، يجعلها، بالضرورة، تبتعد عن أشكال النضال الثوري، وتميل إلى خيارات أخرى مختلفة، فإما العمل من أجل الكسب الفردي، وبالتالي التحوُّل إلى الانتهازية، وهذا ما يصيب الفئات الطامحة من مختلف الطبقات الفقيرة، أو العمل الاصلاحي الذي يقوم على أساس التحسين التدريجي للوضع، أو القبول بالوضع القائم والاقتناع به كـ«قدر إلهي»(10)، وهذا هو موقف الأغلبية عادة، وإن سياسة هذه الاتجاهات لا يمكَّن من وحدة الجماهير ضد مستغِليها، فتبقى قوة ضعيفة، محدودة التأثير.
أما عملية التغيير الثورية فتعتمد تحقيق مصالح الطبقات الشعبية، وبالتالي تعتمد أن تلعب هذه الطبقات دوراً ثورياً لأجل إسقاط الفئات الحاكمة ـ المستغِلة، وتأسيس سلطة جديدة تحقق مصالحها. فبدون الطبقات الشعبية لا يكون ممكناً تحقيق التغيير. ولكي تلعب هذه الطبقات دوراً ثورياً من الضروري إكسابها الوعي المطابق لمصالحها، وإكسابها القدرة على تحقيق هذه المصالح.
وهذا هو دور الحزب، الحزب الذي يمثِّل طليعة على صعيد الوعي، من خلال قدرته على امتلاك المنهج المادي الجدلي كطريقة في الدراسة والبحث والعمل، وقدرته على التعبير عن مصالح الطبقات الشعبية. والحزب الذي يمثِّل القوة المقابلة لقوة وجبروت السلطة من خلال قدرته على أن يصبح طليعة مكافحة، وأن يندمج بالطبقات الشعبية. ولكن أن يمتلك، أيضاً، القوة اللازمة لتحقيق التغيير الثوري. وهذا يطرح قضية الارتباط بالنشاط الجماهيري، بالطبقات. لكن لابدَّ من توضيح مسألتين هامتين هنا، وهما:
أ) أنه رغم السياسات التي تتبعها الفئات الحاكمة ـ المستغِلة تجاه الطبقات الشعبية، والهادفة إلى تحويلها عن النضال الثوري، فإن عمق الأزمات التي تعيشها هذه الطبقات يدفعها إلى خوض غمار النشاط الثوري، وهو نشاط يتسم بالعفوية في الغالب، وبالتالي بعدم ارتباطه بتصور ثوري للتغيير.
ب) أن دور الحزب يتمثَّل في بث الوعي في أوصال الطبقات الشعبية، و«إقناعها» بإستراتيجية التغيير الثورية، وهذا دور دعاوي تحريضي من جهة، ويتمثل من جهة ثانية في السعي لتنظيم نشاطها لكي «يتحوَّل التراكم الكمي إلى تغيير نوعي»، ولكي تنقلب العفوية إلى إرادة، إلى فعل واعي. والحزب في كل ذلك لا يخترع أفكاراً أو «يستورد» مفاهيم، ولا يؤلِّف أشكال تنظيم على هواه، بل يُعمِل الفكر بواقع الطبقات لكي يفهم مصالحها ومطامحها، ومن هذه النقطة ينطلق.
ولقد حددنا ضمناً، فيما طرح سابقاً، القضية التي تجعل من الممكن للحزب أن يرتبط بالنشاط الجماهيري. إن تبني موقف فلسفي يرتبط بقضية التغيير الثوري، الذي بدوره يسمح بتحديد استراتيجية تعبِّر عن أهداف الطبقات الشعبية ومطامحها، ومن ثَّم طرح الشعارات التي تعبِّر عن حاجة هذه الطبقات، هي كلها ما يسمح بالارتباط بنشاط الطبقات، وبالتالي تفتح إمكانيات بث الوعي فيها وتنظيمها، على طريق تحقيق الانتصار الثوري. لهذا فإنه من الضروري الانطلاق من الحركة الواقعية للطبقات بهدف تطويرها. إن تطور العمل الثوري مرتبط بمدى اندماج الحزب بحركة الطبقات. وهذا يقتضي رؤية وضعها ، ومعرفة نشاطها، وعلى أي الأسس تقوم.
وحركة الطبقات هي الحركة العفوية الناتجة عن حالة الفقر التي تعيشها (وهذه هي الحالة العامة في الوطن العربي)، أو عن حالات السيطرة الامبريالية المباشرة (الاحتلال)، وغياب الحريات الديمقراطية (وهي حالات لها أهميتها المعنوية). إن الارتباط بالحركة الجماهيرية يفرض فهم الأزمات التي تعيشها، على الصعيد المعاشي الاقتصادي أولاً، نتيجة اتساع الظاهرة، وليس الغرق في الحديث السياسي السطحي، لأن تحوُّل المجتمع من مجتمع إقطاعي أو شبه إقطاعي (مجتمع كفاف) إلى مجتمع رأسمالي تابع، أدخل الصراع الطبقي بكل حدَّته إلى كل بقاع الوطن العربي، وجعل النضال القومي مرتبطاً أشد الارتباط بالنضال الطبقي. مما أوجد ظروفاً جديدة، تختلف أشد الاختلاف، عن الظروف التي سادت في فترة الاستعمار المباشر. ظروف كون الصراع الطبقي بات هو أساس الصراع القومي، وليس العكس.
وفي هذا الوضع تتقوَّم مهمات الحزب في التالي:
أ) طرح التصور السياسي الشامل، أي استراتيجية العمل الثوري.
ب) ربط مشاكل الطبقات الشعبية بالمشاكل السياسية العامة، أي تسييس الصراع الطبقي، أو التأسيس على الصراع الطبقي، لأن هذا الربط هو في جوهر الصراع الطبقي، في مقابل النضال المطلبي فقط أو النضال الديمقراطي المنعزل.
ج) تطوير حركة الطبقات الشعبية ومحاولة إعطائها بُعدها السياسي المنظم، من خلال تطوير النشاط النقابي والمطلبي، السياسي والثوري، من أجل تحقيق التغيير في مرحلته الراهنة، مرحلة الثورة «القومية الديمقراطية».

سمة النشاط الجماهيري

لاشك أن هناك تزايداً في نشاط الحركة الجماهيرية في عدد من الأقطار العربية، يمكن تلمسه من خلال متابعة حركات الإضرابات التي تحدث في كل البلدان العربية. ويمكن ملاحظته بشكل أوضح في الانتفاضات التي حدثت في هذه البلدان تحديداً خلال ثمانينات القرن العشرين. وإذا كان سلاح الإضراب يعبِّر عن نضال الطبقات من أجل تحسين أوضاعها فتلجأ إلى كل وسائل الاحتجاج، فإن الانتفاضة تعبِّر عن مرحلة أعلى من الاحتجاج، تبلغ حد السخط، تستخدم فيها الطبقات الشعبية وسائل عنيفة. ولا يبدو أن هناك تدرجاً في الانتقال من سلاح الإضراب إلى سلاح الانتفاضة، بل إن الانتفاضة غدت تحدث بشكل دوري كلما نشأ اختلال في العلاقة بين الأجور والأسعار، إلى الحد الذي جعل سلاح الانتفاضة سلاحاً أساسياً في تحقيق عملية التغيير في الوطن العربي.
لماذا تحدث هذه الانتفاضات؟
إننا معنيون بتحديد السبب الجوهري لحدوثها فيما إذا كنَّا معنيون بالنضال الواقعي، ومصممون على الارتباط بالحركة الجماهيرية، لأننا نطرح الأهداف التي تطرحها الطبقات الشعبية، وإن كنا معنيين بأن نراها انطلاقاً من رؤية علمية، وأن نضعها في سياق النضال السياسي الشامل. وهذا الذي يجعلنا لا نرى النشاط الجماهيري العفوي فقط، بل نرى إشكالاته في الوقت نفسه، وأن نحدِّد مهام الحزب، في إطار سعيه لتحقيق الثورة الجذرية العميقة. إذن لماذا تحدث هذه الانتفاضات؟ لماذا «تنفجر» الجماهير حين يُصدِر نظام من الأنظمة قراراً يقضي برفع الدعم عن السلع الأساسية، مما يقضي زيادة أسعارها، لكأن هذا الارتفاع «المحدود» في أسعار هذه السلع هو الذي ينقل الإنسان من الحياة إلى الموت؟
يمكن تلخيص السبب الجوهري الذي يؤدي إلى ذلك في مسألتين، هما: بطء النمو الداخلي (أو قد يكون الأدق، في أحيان كثيرة، الحديث عن انعدام النمو، أو النمو السلبي)، بسبب تحويل المجتمع من مجتمع ينتج السلع الضرورية لمعيشة الطبقات الشعبية إلى مجتمع يستوعب السلع المستوردة بشكل متزايد، أي باختصار محدودية الدخل المحلي، ومحدودية نموه. ومن المعروف أن التخلف «المتوارث»، والذي جرى دعمه من قبل الامبريالية العالمية، هو سبب ذلك. لأن الامبريالية العالمية معنية بتكوين أسواق لها تستوعب بضائعها وسلعها، وهذا يفرض وجود مجتمعات غير صناعية، لكي تستورد منتجات الصناعة الرأسمالية، وغير زراعية لكي تستورد، أيضاً، المنتجات الزراعية للرأسمالية. والمسألة الأخرى هي النهب الامبريالي الذي يؤدي إلى خروج جزء هام من الدخل المحلي إلى المراكز الإمبريالية عبر قنوات مختلفة، منها اختلال الميزان التجاري لمصلحة الواردات، وفتح الوطن لاستثمارات رؤوس الأموال الأجنبية والشركات متعددة الجنسية في القطاعات غير المنتجة أساساً، ثم من خلال تهريب الفئات المستغِلة الحاكمة لثرواتها التي نهبتها من الدخل الاجتماعي العام.
وإذا علمنا أن عدد السكان يتزايد بشكل متسارع ـ وهي سمة النمو السكاني في الوطن العربي، حيث يتضاعف عدد السكان كل ربع قرن تقريباً ـ بينما لا ينمو الدخل المحلي بما يوفر مستوى معيشة موازٍ لما كان قبل سنة أو سنتين، نعرف بأن عملية الإفقار في تصاعد. وتزيد من حدة المشكلة تزايد وتيرة التبعية للسوق الامبريالي، التي توجد مسألتين مترابطتين: تزايد أسعار السلع بنسب مرتفعة(11)، وتزايد النهب الذي تمارسه الشركات الاحتكارية(12)، وكذلك تزايد شره الفئات المستغِلة الحاكمة(13). فتستحوذ هذه كلها على جزء هام من الدخل المحلي، مما يفرض تناقص حصة السكان من الدخل المحلي تناقصاً متسارعاً يؤدي إلى إفقار الطبقات الشعبية، إفقاراً مطلقاً، يصل إلى حد الموت جوعاً. عندها لا يكون ممكناً بقاء هذه الطبقات راكدة، خانعة، لأنها لم تعد تستطيع العيش.
هذا ما حدث في مصر عام 1977، وتونس عام 1978، والسودان عام 1979، والمغرب عام 1981، والسودان عام 1982، ثم تونس والمغرب ومصر عام 1984، ومن ثم السودان عام 1985، ومصر عام 1986، والجزائر عام 1988، والأردن عام 1989. ولعل الوضع ينذر بانفجارات جديدة من جديد، في تونس والمغرب، ومصر، والجزائر، و الأردن، وسورية واليمن ودول أخرى، بعد الركون الذي طاول سنوات التسعينات.
والمشكلة التي تؤدي إلى كل ذلك هي السياسة التي تتبعها الأنظمة الحاكمة، وخصوصاً في المجال الاقتصادي(14)، النابعة من مصلحة الفئات المستغِلة الحاكمة، هذه الفئات التي اغتنت نتيجة الدور الذي لعبته في العملية الاقتصادية، حيث عملت في الرشوة والسمسرة. ولهذا شجعت الاستيراد لأنه مجال السمسرة والرشوة، وضربت كل تطور إنتاجي محلي، ففتحت البلاد مشاعاً لنهبها، وأساساً لنهب الشركات الاحتكارية متعددة الجنسيات، هذه الشركات التي تنهب دون حساب، ودون أن تحسب حساباً لفقر الجماهير أو لمصيرها. إن سيطرة فئة تسعى لأن تكوِّن ثروة كبيرة يدفعها إلى تكييف الاقتصاد المحلي في العلاقة مع السوق الإمبريالي بما يخدم هذا الهدف.
ولما كانت ظروف تطور الرأسمالية العالمية لم تعد تسمح بتطور بورجوازي مستقل، يقوم على أساس تطوير جدِّي في الصناعة والزراعة، يحقق فائضاً، تلجأ هذه الفئات من البورجوازية إلى أن تكون وسيطة  تعمل في تسويق السلع المنتجة من قبل الشركات متعددة الجنسيات، لكي تقتصَّ عمولة ـ أو سمسرة ـ، ولكي تنهب الطبقات الشعبية من خلال بيع السلع في السوق المحلي بأسعارها في السوق العالمي. لهذا فهي تستفيد من سيطرتها على جهاز الدولة لكي تصدر القوانين التي تدعم الاستيراد وتسهِّله، وتحطِّم وسائل الإنتاج المحلية، سواء الصناعات التي بنيت خلال قرن من الزمان، وهي صناعات تحويلية ِأساساً، أو الريف كمنتج للمواد الزراعية الأساسية(15).
وتؤدي هذه السياسة إلى حدوث عملية معقدة، تطيح بالدخل المحلي العام، وبالتالي بنصيب الفرد منه:
فأولاً: تؤدي السياسة الاقتصادية التي تتبعها هذه الفئة إلى تناقص نمو الدخل المحلي تناقصاً شديداً، وحتى إلى تناقص قيمته، أي إلى نمو سلبي في قيمة الدخل المحلي.
وثانياً: نهب الشركات الاحتكارية متعددة الجنسيات من خلال بيع سلعها بأسعار مرتفعة في السوق المحلي، مما يؤدي إلى خروج جزء هام من الدخل المحلي، من خلال العجز في الميزان التجاري، كما من خلال الأرباح التي تحققها هذه الشركات من الامتيازات التي تحصل عليها في إطار عملها في الوطن العربي.
وثالثاً: النهب الذي تمارسه الفئات الحاكمة من خلال التحكم بأسعار السلع وبيعها بأسعار باهظة.
ورابعاً: نهب الدولة ـ السلطة الحاكمة ـ المفروض من خلال الضرائب على الأموال والأفراد والسلع.
لهذا يبقى جزء ضئيل من الدخل المحلي الذي هو ضئيل بالأصل، ليوزع على الأغلبية الساحقة من الجماهير، مما يجعلها، مع تزايد النهب الامبريالي، والنهب المحلي، غير قادرة على العيش. ولهذا يزداد فقر الفقراء، وتنعم قلة بجزء هام من الناتج المحلي، وتنهب الشركات الاحتكارية ما يحلو لها. فلا يكون هناك مناص من الانفجار، لأن الطبقات الشعبية لا تستطيع العيش وفق الوضع الذي كانت عليه، حيث يصل النهب الامبريالي إلى مستوى يجعل فئات اجتماعية واسعة لا تستطيع الحصول على ضروريات الحياة، وعندها لا يعود ممكناً بقاء الطبقات الشعبية خامدة هامدة قانعة بقدرها ومصيرها.
ولا نخالنا معنيين بدراسة الأرقام التي توضح كل ما جاء سابقاً، لأننا لا نود تقديم دراسة اقتصادية، لكن يمكننا إعطاء بعض المؤشرات التي توضح ما نحاول تأكيده. تبلغ مثلاً نسبة تكوين رأس المال الثابت، الخاص، والعام، إلى مجمل الدخل القومي في البلدان العربية الفقيرة، للأعوام 79، 80، 81، على التوالي 23%، 25%، 28%، رغم أنها تذهب في معظمها لما يخدم القطاع التجاري. بينما بلغت نسبة الاستهلاك العام والخاص، إلى الدخل القومي لنفس الأعوام، 80%، 86.2%، 87.7%، على التوالي(16). وهذه الأرقام تؤشر إلى غياب نمو القوى المنتجة، مما لا يسمح بنمو متسارع في الدخل القومي. أما على صعيد التجارة الخارجية فقد بلغت نسبة العجز في الميزان التجاري للسلع والخدمات إلى الدخل القومي للبلدان العربية الفقيرة للسنوات ذاتها، كما يلي: 30%، 28%، 37%، على التوالي، حيث كان العجز 22.825 مليار دولار، 25.441 ملياراً و 35.545 مليار دولار(17). أما نهب الشركات الاحتكارية فالأرقام قليلة حوله، وتشير دراسة أميركية إلى أن الشركات الأميركية ربحت وحدها في العام 1976 مبلغ 27 مليار دولار(18). كما بلغت 7.6 مليارات دولار عام 1985 بالنسبة لمصر وحدها(19).
أما على صعيد التمايز الطبقي فيمكن النظر لوضع مصر كي يتوضح وضع الطبقات الشعبية، حيث يحصل أدنى 44% من الأسر على 20 من الناتج، وأدنى 57% من الأسر على 32% من الناتج، و71% من الأسر على 46% من الناتج(20)، بينما تشير احصائيات أخرى إلى أن 20% من السكان تعيش حالة فقر شديد، و40% في حالة فقر نسبي، بينما يحصل 20% من السكان على 49.5% من الدخل(21).
لهذا فإن حالة الإفقار المطلق التي تعيشها الطبقات الشعبية، تؤدي بالضرورة إلى انفجارات واسعة، تهز عروش، وتطيح بأنظمة. وإذا كانت الانفجارات التي حدثت في العديد من الدول لم تؤد إلى تحقيق التغيير الجذري، فقد أشّرت إلى عمق الأزمة من جهة، وأكسبت هذه الطبقات خبرات نضالية كبيرة من جهة ثانية. لكنها أشّرت أيضاً إلى غياب القوى السياسية القادرة على قيادتها، وخصوصاً هنا القوى الماركسية. مما أصبغ الطابع العفوي على هذه الانتفاضات. وهنا مكمن الضعف في النشاط الجماهيري.

إشكالية النضال العفوي:

كانت نتيجة الانتفاضات التي حدثت هي الفشل،أو حدوث أشكال من التغيير في بعض الحالات، هذا التغيير الذي خدم شرائح من البورجوازية على حساب أخرى، ولم يؤد في كل الأحوال إلى تحقيق التغيير الجذري، الذي يعني انتصار القوى المعبِّرة عن مطامح الطبقات الشعبية صانعة الانتفاضات. ولاشك في أن النضال العفوي المعزول عن النضال السياسي العام الذي تمارسه قوى ثورية، يقود إلى هذه النتيجة، حيث تبقى الطبقات الشعبية دون “عقل” وهدف جوهري. وبالتالي فإن الفراغ الذي يحدث في الحياة السياسية يملأ من قوى مختلفة لا تعبِّر عن مطامح تلك الطبقات. والسبب يكمن في أن النضال العفوي يقوم على أساس مطالب محددة، آنية في أغلب الأحوال، مثل زيادة الأجور، أو الحفاظ على ثبات الأسعار، ولا يعود ينحكم لتصور سياسي يطرح قضية التغيير بأفقها الاقتصادي الاجتماعي والسياسي، أي لا يطرح قضية السلطة. وهذه قضية منطقية فيما يتعلق بطبقات بسيطة الوعي، تتغلغل الأمية في أوساطها، وبالتالي تحكمها الايديولوجيا السائدة، هذه الأيديولوجيا التي تلعب دوراًً مهماً في اقتناعها بأن المطلوب هو «إحقاق الحق»، والحق يعني أن تقدِّم الفئات المستغِلة بعض التنازلات التي تحسِّن من وضع هذه الطبقات الفقيرة، ما دام التمايز الطبقي قضية إلهية. إضافة إلى أن هذه الأيديولوجيا تحصر القضية في جانب مطلبي ضيِّق، لأنها تقنع الناس بأن للسياسة «القادرين على ممارستها»، وهم غالباً الوجاهات والفئات الميسورة (المستغِلة).
ومن يدرس شعارات كل الانتفاضات التي حدثت في الوطن العربي، يلاحظ أنها شعارات تطالب بتحسين الظروف المعاشية. ولقد انتهت حين تحققت بعض المطالب (مثل التخلي عن قرارات وقف الدعم عن السلع، أو التخلي عن قرارات رفع أسعار السلع الأساسية، وخصوصاً الخبز ومشتقاته)، ولم نلمس أي شعار سياسي  يتعلق بطبيعة السلطة السياسية، أو طبيعة العلاقة مع الامبريالية(*). وهذا يشير إلى غياب الحركة الماركسية، وعجزها عن لعب دور في هذه الانتفاضات، لا بل إن دورها في العديد من الانتفاضات التي حصلت كان سلبياً، حيث أدانت معظم التحركات باعتبار أنها أعمال شغب وتخريب، ورأت أن المطلوب هو «التفاهم» مع الأنظمة، من خلال الحوار و«النضال الديمقراطي»، لكي يمكن التوصل إلى حلول شاملة للمشاكل التي تعانيها الجماهير.
لهذا يمكن التأكيد أنه لن تحقق أي انتفاضة الأهداف التي تطرحها الطبقات الشعبية إذا لم تلعب القوى الثورية دوراً مهماً فيها، من خلال تطوير الوعي العام لدى هذه الطبقات. وهذا يستلزم تطوير أساليب الدعاية والتحريض بهدف إكسابها وعياً مطابقاً لمصالحها ومطامحها، ومناقضاً لوعي عدوها (الفئات المستغِلة محلياً، والامبريالية عالمياً). لأن هذا هو الطريق الوحيد الذي يجعل من الممكن أن ترفع الطبقات الشعبية الشعارات السياسية كشعارات مرادفة لشعارات النضال المطلبي، وأن تلعب القوى الثورية دوراً مهماً في تطوير أساليب التنظيم التي تجعل للنشاط الجماهيري جدوى، وتمكِّن من أن تصبح هذه الطبقات قوة لا تقهر.
أما ما يجري حالياً، فيوضح أن الحركة الماركسية غير قادر على لعب أي دور جدِّي.

وضع الحركة السياسية:

وتكتسب الحركة السياسية طابعها من الظروف التي تولد فيها، والوضع الذي تعيش فيه. وتتحدد مهماتها على ضوء الظروف العيانية التي يعيشها الوطن الذي تولد فيه، والطبقات التي تدافع عنها. هذا إذا أرادت أن تتحول إلى حركة ثورية جذرية، أما إذا افتقدت كل ذلك، فستصبح حركة هامشية، قد تلعب أدواراً مختلفة، لكنها لن تستطيع لعب دور قوة الطليعة.
ولقد ولّدت ظروف النضال ضد الاستعمار القديم الحركة الوطنية العربية منذ بداية هذا القرن، فاصطبغت بصبغة محددة تقوم على أساس رد الفعل ضد سياسات وممارسات القوى الخارجية، وحين انهار الاستعمار القديم وتمكنت بعض القوى الوطنية من الوصول إلى السلطة في عدد من الدول العربية، عجزت عن تحقيق الشعارات التي رفعتها في ميدان البناء الداخلي، وعلى صعيد الوحدة العربية. ولكن التحولات التي حدثت خلال السنوات الثلاثين الماضية، ومنها تصفية بقايا الإقطاع والبورجوازية التقليدية من جهة، ثم تزايد دور «الدولارات النفطية» من جهة أخرى، أوجدت وضعاً طبقياً جديداً، اتسم بـ«الميوعة» والاختلاط، حيث عملت القوى الوطنية على أساس «إلغاء الفوارق الطبقية». ولقد أوجدت هذه التحولات ظروفاً أسهمت في اتساع حجم البورجوازية الصغيرة والوسطى، وحصولها على امتيازات جعلتها تتكيَّف مع الأوضاع الجديدة، وحققت للطبقة العاملة والفلاحين تحسناً مهماً في أوضاعها المعيشية، رغم أن الفروقات الطبقية ظلت كبيرة، حيث كان الـ20% الأغنى في مصر، تحصل على 48.4% من الدخل المحلي سنة 1965، و48.1% في السودان سنة 1969. أما النفط فقد أثر في البنية الطبقية لكل الدول النفطية، وانعكس تأثيره على الدول الأخرى من خلال المساعدات والقروض، وتوظيف رؤوس الأموال، والعمالة.
وأخذ الوضع في التغير مع التحولات السياسية اليمينية التي حدثت منذ عام 1970، والتي كانت نتاج إشكالات المرحلة السابقة في المجال الاقتصادي الاجتماعي، حيث نمت فئات طفيلية استطاعت أن تتحول إلى قوة، وأفرزت تفارقاً طبقياً واسعاً. وقادت هذه التحولات إلى تزايد التبعية للإمبريالية سياسياً واقتصادياً، التي أدت بدورها إلى استشراء سياسة النهب. إن سياسة النهب الامبريالي هذه، والتي أوجدت حالة الإفقار المطلق، أدت إلى إحداث فرز طبقي جديد، اتسم بالاستقطاب الحاد، مما جعل الطبقات الشعبية في البلدان العربية الفقيرة تعيش حالة من الفقر الشديد، وصل لدى قطاعات معنية إلى حدّ الجوع، بينما عاشت فئات قليلة حياة مترفة. لقد ولد هذا الانقسام، وقادت هذه الحالة، إلى انتعاش الحركة الجماهيرية، واندفاعها في نشاط محموم، وإلى تحول ركودها الطويل إلى انتفاضات عارمة. وكلما ازدادت حالة الفقر، بسبب تعمق التبعية كلما تزايدت الانتفاضات، واتسعت وازداد تأثيرها.
لكن اتساع النشاط الجماهيري لم يرتبط بتزايد نشاط الحركة الماركسية، بل في تراجعه وانحداره. وكان ذلك يعبر عن مشكلة تعيشها الحركة الماركسية (سوف يجري تلمس بعض جوانبها لاحقاً). لكن يمكننا أن نتلمس طبيعة علاقتها بالطبقات الشعبية لارتباطه بما نحاول تبيانه في هذا الفصل. ويمكن القول إن الحركة الماركسية العربية اتسمت في السنوات الأخيرة بإحدى سمتين، الأولى: الإصلاحية، والثانية: الطفولية والانقلابية والتآمرية.  وهذه السمة وتلك أبعدا الحركة عن الطبقات الشعبية إلى حد كبير، لأن الاتجاه الإصلاحي، يركز على «ضرورة إقناع» الفئات الحاكمة بتحقيق مطالب محددة، لا تكون ثورية في جوهرها، لهذا يركز الاتجاه الإصلاحي على إقامة علاقات أساسية مع هذه الفئات، ويتكيف مع سياساتها، ربما يحتجّ أو ينتقد لكنه لا يميل إلى الرفض ولا يفكر في التغيير، لهذا فهو يبتعد عن المشاركة في النشاط الجماهيري الثوري. أما القوى الطفولية (الانقلابية، التآمرية)، فإنها تعتقد أن التغيير يتم بتصفية الفئات الحاكمة (مستخدمة أسلوب القتل، أو الانقلاب). وهي انطلاقاً من ذلك لا تعتقد أن للطبقات الشعبية دوراً سوى التأييد. وهذا وذاك لا يجدان كبير دور تقوم به هذه الطبقات سوى «التأييد والدعم والمساندة». وهما معاً، لا يطرحان قضايا الطبقات الشعبية الأساسية، ولا يدافعان عنها، ولا يخوضان معاركها.
ولقد أظهرت الانتفاضات التي حدثت في مصر، وتونس، والمغرب، والسودان (مع استثناء محدود للانتفاضة الأخيرة)، أن القوى السياسية، عدا قوى محدودة، تقف على الحياد، حين يتفاقم الصراع بين الطبقات الشعبية والبرجوازية الكومبرادورية الحاكمة، وتتخذ مواقف مرتبكة مهزوزة، لكنها في جوهرها إصلاحية(22). فهي لا تطالب بإزالة الفئات المستغلة الحاكمة وتأسيس سلطة جديدة تعبّر عن مصالح الطبقات الشعبية، بل تطالب السلطة القائمة بتحسين أوضاع هذه الطبقات ، أي تخفيف الظلم عنها، وإعطائها بعض الحقوق المحدودة، وهي تأمل من النظام، أن يحقق ذلك. بمعنى أنها تقف عند القضايا المعيشية المطلبية فقط، دون تلمس أنه حتى هذه القضايا لا تتحقق إلا بتغيير السلطة ذاتها.
وإذا كانت الانتفاضة الجماهيرية لحظة زمنية تقيِّم هذه الطبقات من خلالها الحركة السياسية، لأنها وهي تخوض معركة وجودها تكون في لحظة شديدة «الحساسية» و«الرهافة»، تستطيع من خلالها تقييم القوى المختلفة في موقفها من الانتفاضة ذاتها، وفي دفاعها عن المطالب الجماهيرية، وفي دورها في كل ذلك،. لذلك كانت الانتفاضات المتتالية لحظات اكتشفت الطبقات الشعبية أنها وحدها في المعركة، وأن الحركة السياسية تعيش «أحلاماً» غير أحلامها، وهي لا تمت بصلة لأحلامها في التحرر وإزالة الاستغلال.
لهذا نستطيع القول إن الحركة الجماهيرية تتجاوز اليوم الحركة السياسية التي نشأت منذ أكثر من ثلاثة عقود، وتبرزها كحركة إصلاحية. من هنا تأتي مشروعية البحث في تأسيس حزب جديد، حزب يقوم على ماركسية حقة، ويندغم بالطبقة العاملة والفلاحين الفقراء لكي يعبّر عن واقعهم، ويدفعهم للوصول إلى السلطة.

الاقتصاد والسياسة:
النضال المطلبي والنضال الثوري

ركزنا الاهتمام في الصفحات السابقة على مطالب الحركة الجماهيرية المباشرة، والمتعلقة أساساً بالجانب الاقتصادي، ولم نولِِ أي اهتمام للسيطرة الإمبريالية، أو للنضال السياسي، رغم الخطر التي تشكله القوى الإمبريالية، والذي يزداد تفاقماً، ورغم الإشكالات المعقدة التي يطرحها الواقع العياني، التي هي إشكالات أوسع مما تطرحه الطبقات الشعبية راهناً، مثل قضية تجاوز التخلف، وقضية الوحدة القومية مثلاً.. إلخ. فهل يعني الاهتمام بقضايا الجماهير انتقاصاً من النضال ضد الخطر الخارجي (الامبريالي الصهيوني)؟ وهل يعني طرح هدف عملي مثل هدف تبني المطالب الجماهيرية تغليب النضال الداخلي على النضال ضد الخطر الخارجي؟ وهل هناك أولوية في كل هذا النضال الداخلي والخارجي؟ وإذا كانت هناك أولوية على الصعيد النظري من منطلق أن مواجهة القوى الإمبريالية هي الهدف الأسبق قبل الخوض في غمار الصراع الطبقي، فهل يجوز إعطاء الأولوية لذلك في غمار النضال العملي؟ وأساساً هل تأخذ مطالب الطبقات الشعبية بعين الاعتبار؟ وإلى أي مدى؟
وما يزيد من أهمية الإجابة على هذه الأسئلة، «النضال الأحادي» الذي ساد العمل الثوري العربي في السنوات الماضية، حيث انفصم الربط بين النضال الطبقي والنضال القومي، وبين الداخل والخارج، فأولت بعض القوى النضال القومي الاهتمام الأول، وفي أحيان كثيرة الاهتمام الأوحد (النضال من أجل الوحدة، النضال من أجل فلسطين)، وأولت قوى أخرى النضال المطلبي المعاشي (الاقتصادي) الاهتمام الأول والأوحد. وإذا لمس الاتجاه الأول النضال المطلبي فمن بعيد، وبحياء شديد، وعادة مراعاة للنشاط الجماهيري. كما أنه إذا لمس الاتجاه الثاني النضال القومي، فخجلاً وعلى استحياء، وأساساً نتيجة المد الجماهيري العارم. لهذا انفصمت الحركة السياسية، انقسمت على نفسها، وقسمت الطبقات الشعبية، ثم انفصمت عن هذه الطبقات. وكانت الحركة الشيوعية العربية هي التي تعاني من الإرباك الأشد، حيث فصمت بين الطبقي والسياسي، فركزت على المطلبي من جهة، وفي الحدود المطلبية فقط، وعلى السياسي “الديمقراطي” من جهة ثانية، وعلى رفض الاستعمار دون نضال حقيقي ضده.
والآن، فإن أي فصم سوف يؤدي إلى تكرار تجربة فاشلة. لهذا كان من الضروري دراسة الحركة التاريخية الصاعدة، حركة الأمة باتجاه تحررها ووحدتها، وحركة الطبقات الشعبية من أجل تقدمها ونهضتها، من أجل إزالة الاضطهاد والاستغلال اللذين تعيشهما. وإذا كنا نسعى لتحقيق أهداف الأمة وجب علينا أن نربطها بحركة الطبقات الشعبية، لأنها بالأساس أهداف هذه الطبقات. وهذا يعني أن نتبنى مطالبها، أن ندافع عن أهدافها ومطامحها، وأن نبذل كل الجهود من أجل تحقيقها، في التحليل الأخير. لكن أزمات الطبقات الشعبية الملحة، أزمة الجوع والفقر والتخلف من جهة، وتخلف الوعي لديها من جهة أخرى، يجعلانها تخوض النضال المطلبي عموماً، وإن سعت بعض فئاتها إلى خوض النضال السياسي. وهنا لا يجب أن ننسى أن مهمة الحزب الماركسي تتقوم بالضبط في إكساب الطبقات الشعبية الوعي السياسي المطابق لمصالحها ومطامحها من جهة، وتنظيمها لكي تخوض النضال الثوري من جهة أخرى.
ولكي نضع القضية في إطارها الصحيح لابد من شرح لعدد من القضايا التي ترتبط بهذا الموضوع:
1ـ إن نمو الحزب، أي حزب، يرتبط بمدى انسجامه مع الحركة الجماهيرية، مع وضع الطبقات التي يسعى لأن يعبر عنها. والانسجام مع الحركة الجماهيرية لا يكون بطرح القضايا الكبيرة فقط (مثل التحرر والوحدة والديمقراطية)، لأن الطبقات الشعبية تعتبر هذه القضايا –في أغلب تقدير- حلم جميل، لكنه حلم «لا يسمن ولا يغني من جوع» بالنسبة لحالتها الراهنة تحديداً، وهي الحالة التي تكون مدخل اتحاد الحزب بها كطبقة، فالذي يكتوي بالنار لا يريد العسل. وهذا يعني بالضبط أن نربط بين البرنامج العام والمطالب الجماهيرية، وبتحديد المهام العملية التي تقنع الطبقات الشعبية. إننا لا نطرح «حلماً» فقط، بل ونطرح القضايا الواقعية أيضاً، أو بتعبير أدق نطرح الحلم الذي ينطلق من الواقع، حيث أن تحقيق الأهداف العامة هو الأساس الذي يسمح بتحقيق التطور والحداثة، وبالتالي تحقيق تحول في الوضع المعيشي لهذه الطبقات.
وإذا كانت هناك فئات تنسجم مع قضايا مثل قضية تحرير فلسطين، وتتطوع للقتال من أجل تحريرها، أو كانت هناك فئات أخرى تطالب بالديمقراطية والوحدة، فإن كل هذه الفئات ستبقى محدودة العدد، قليلة التأثير إذا لم ترتبط الحرية والديمقراطية والوحدة القومية بمواجهة الجوع والفقر، مادامت حركة الجماهير الأساسية تندفع، كما هو واضح في الكتلة الأساسية في الوطن العربي (الكتلة الأساسية من البشر)، في انتفاضات عفوية حين يهتز وضعها المعاشي، حين تزداد فقراً. فلماذا لا نعتبر هذه هي نقطة البدء لتسييس الحركة الجماهيرية، وإعطائها الوعي السياسي العميق، الوعي الذي يؤهلها لاستيعاب استراتيجية الثورة القومية الديمقراطية(*)، ومن ثَّم العمل من أجل تحقيقها؟ وهذه فكرة جوهرية في الماركسية، حيث أن الإنسان هو المبتدأ، وتحقيق الرفاه هو الضرورة.
ثم هل يستثير الخطر الإمبريالي كل الجماهير العربية لكي نعتبره الخطر الأول؟ على الصعيد النظري يمكن تحديد أن تحرير الأرض يحظى بالأولوية، ثم يجري تحقيق الثورة الديمقراطية، ومن ثمَّ الاشتراكية. وقد ينطبق ذلك على بلاد محتلة (مثل فيتنام قبل تحرير الشمال، وجنوب فيتنام قبل تحريرها)، ولكن وضعنا ليس كذلك، فالأرض المحتلة تشكل جزءاً من الوطن (رغم خطورة دور الكيان الصهيوني، ورغم اتساع دور الإمبريالية الأميركية واحتلالها العراق، وتهديدها كل الوطن العربي)، بينما الجزء الأساسي منه يعيش «مستقلاً» سياسياً، وتابعاً اقتصادياً، وهنا تتداخل السيطرة الامبريالية بأزمة الطبقات الشعبية، ويكون السعي لتحسين أوضاع هذه الطبقات سعياً لإزالة التبعية والتخلف. وهذا يعني ارتباط النضال من أجل «تحسين أحوال المعيشة» بالنضال ضد الإمبريالية، وضد أدواتها (ومن أدواتها الأساسيين الكيان الصهيوني والبرجوازية الكومبرادورية العربية)، وبالنضال من أجل الوحدة القومية. لذلك يمكننا القول إن الخطر الخارجي يستثير الجماهير في المناطق المحتلة (فلسطين، الأحواز، الإسكندرون، سبتة ومليلة…والآن العراق). أما في الوطن العربي فيمكن الإجابة بالنفي، حيث يمكن أن يستثير الخطر الخارجي فئات محددة فقط (خارج نطاق الأرض المحتلة مباشرة)، وقد يستثير عواطف قطاعات واسعة من الجماهير العربية بفعل الشعور القومي، ولكن استثارة كل الجماهير العربية تتطلب عملاً دعاوياً يوجد الوعي بهذه الحقيقة.
لذلك فإن خوض الطبقات الشعبية لمعمعان النضال الاقتصادي يفرض على القوى الماركسية أن تعمل من أجل إقناع الطبقات الشعبية بارتباط قضية تحسين الأحوال المعيشية بقضية السيطرة الامبريالية من جهة، وقضية استحالة النمو وتحقيق الرفاه دون تحقيق الوحدة القومية من جهة أخرى. لكن دون أن يكون شعار تحسين الأحوال المعيشية شعاراً راهناً للقوى الماركسية لا تستطيع إعطاء الحركة الجماهيرية توجهاً استراتيجياً مرتبطاً بتحقيق الثورة القومية الديمقراطية. هذا هو الشكل الواقعي، الذي علينا أن ننطلق منه، والذي نتج عن تحول وضع الوطن العربي من وطن مستعمر إلى وطن تابع بعض أجزائه محتلة.
2ـ إن الخطر الخارجي ليس هو الاحتلال المباشر فقط، إنه في هذه المرحلة يتمثل في السيطرة الامبريالية، التي تعني إخضاع الأسواق العالمية لنشاط الشركات الاحتكارية متعددة الجنسيات(23). وينتج عن إخضاع السوق العربي لنشاط الشركات الاحتكارية حالة إفقار مطلق، تم الحديث عنها في الصفحات السابقة. كما تأتي الإشكالات الأخرى، مثل الاحتلال والتجزئة، من السعي لضمان السيطرة على السوق المحلي. وهذا يعني أن الطبقات الشعبية العربية معنية بمواجهة الخطر الإمبريالي، ولن يتم ذلك إلا على أساس برنامج يعبر عن هذه الطبقات ويمثل مصالحها. وإذا كان تحرير الأرض المحتلة (كما في حالة الوطن العربي)، وتحقيق الوحدة القومية، هما هدفان أساسيان، وضروريان لتحقيق التطور، فإن الطبقات الشعبية، وبحكم عبء الأزمة التي تعيشها، تبتدئ بالأهداف الأكثر تأثيراً في حياتها. إنها ترى في التحرير والوحدة والديمقراطية مطامح مستقبلية، وأهدافاً بعيدة، وأحلاماً جميلة (وهنا نتحدث عن كتلة الجماهير الأساسية)، لكنها تنجذب بقوة إلى القضايا العملية، إلى المشاكل الراهنة، إلى اللحظة الراهنة، أي باختصار إلى وضعها «اليومي». ولذلك فهي تلحظ ارتفاع سعر رغيف الخبز، وتعتبر ذلك قضيتها الملحاحة. إنها تدافع عن قوت يومها لكي يتسنى لها أن تفكر بالتحرير والوحدة والديمقراطية. وحين تعيش حالة من الفقر الشديد، وتشعر أنها على حافة الموت، يكون الحديث عن الوحدة والديمقراطية والتحرير بالنسبة لها وعظاً لا مبرر له، فهي مع تجاوز جوعها أولاً، ثم تسعى لتحقيق القضايا الأخرى. رغم أن هذه الرؤية تحمل إشكالية هامة، وهي أن تجاوز الجوع يقتضي تحقيق القضايا الأخرى. وهذا ما يجب على الحزب الماركسي أن يؤسس الربط فيه.
لذلك فإن «تجاوز الجوع» يرتبط أشد الارتباط بثلاث قضايا جوهرية:
أولها: إن «تجاوز الجوع» يفرض إسقاط الفئات الكومبرادورية الحاكمة، لأن النمط الاقتصادي على تؤسسه، والسياسات الاقتصادية التي تتبعها هي التي تؤدي إلى الجوع والفقر. وثانيهما: الاصطدام بالامبريالية الأميركية ـ تحديداً ـ وأدواتها، لأنها تلعب دوراً مهماً في إفقار الطبقات الشعبية، ولأنها تدافع عن مصالحها أمام أي تهديد محتمل، حيث تلجأ إلى القوة لضمان «عدم انتهاج الدول النامية طريقاً مستقلاً، وبقائها خاضعة للاحتياجات الأساسية للديمقراطية الصناعية»(24). وفي هذا الإطار يطرح الصراع مع الكيان الصهيوني كمنفّذ للسياسة الإمبريالية في الوطن العربي، وثالثها: تحقيق الوحدة القومية لتجاوز التأخر والتبعية معاً. وهذه كلها أهداف الثورة القومية الديمقراطية.
وإذا كان شعار الدفاع عن مصالح الطبقات الشعبية، والسعي من أجل تحسين أوضاعها، هو شعار أولي، فإنه يفضي إلى صيرورة تحقيق الثورة القومية الديمقراطية، ومن هنا يكتسب أهمية راهنة. وإذا كان الحزب الماركسي يتبنى هذا الشعار، فليس لأنه ينزع إلى «النضال الاقتصادي المطلبي» كما ساد في الحركة الشيوعية القديمة، بل لأنه شعار أساسي مادام يعبر عن أكثر قضايا الطبقات الشعبية حساسية والتهاباً. وما دامت هذه الطبقات تخوض هذا النضال وتندفع للدفاع عن قوتها اليومي، وعن حياتها. ولأنه يفضي إلى الإستراتيجية السياسية الشاملة. ومهمة الماركسية الثورية وضع هذا الشعار في سياقه الصحيح. ولهذا يقع على عاتقها عبء طرح هدف إسقاط أنظمة الحكم، وتطوير النضال الجماهيري، من أجل تحقيقه أولاً، والعمل على مواجهة السيطرة الإمبريالية، من خلال تنظيم المقاومة المسلحة، والاهتمام بتأسيس القوى العسكرية اللازمة لتحقيق ذلك. وهي كلما نجحت في تجاوز مشكلة الفقر من خلال إسقاط الفئات الكومبرادورية الحاكمة (رغم أن تجاوز الفقر يحتاج أساساً، لنهوض شامل، يوفر إمكانيات التقدم الاجتماعي، لكن سيكون الأمر نسبي هنا)، وهذه خطوة أولية لابد منها، كلما مهدت الظروف المؤاتية لتطوير الصراع ضد القوى الإمبريالية.
3ـ وهناك قضية نظرية، يبدو أننا بحاجة لإعادة النقاش حولها، رغم أنها نوقشت كثيراً في الماركسية(25)، وهي هل أن للصراع مستوى واحد؟ أجابت الماركسية أن له ثلاثة مستويات، نظري، سياسي واقتصادي(26)، وهي مستويات مترابطة متداخلة، رغم أنه يمكن أن تكون الأولوية لأحدها في لحظة من اللحظات. والأولوية لا تعني تجميد، أو إلغاء المستويات الأخرى، بل تكون مدخلاً لتطورها.
لهذا فإن النضال الاقتصادي المطلبي يعبر عن مستوى في النضال. والنضال السياسي (مواجهة العدو الإمبريالي، تحقيق الوحدة القومية، إسقاط الفئات المستغِلة الحاكمة)، مستوى آخر. والنضال النظري مستوى ثالث. ولقد كانت مواجهة الاستعمار مدخلاً لتحقيق الثورة الديمقراطية في بعض البلدان، وكان النضال المطلبي مدخلاً لتحقيق الثورة الديمقراطية في بلدان أخرى، تبعاً للحالة المباشرة التي تواجهها الطبقات الشعبية.
ثم إن الجماهير العفوية تخوض نضالاً مطلبياً، بينما تخوض الحركة السياسية نضالاً مطلبياً وسياسياً ونظرياً. ومهمتها أن تخرج الطبقات الشعبية  عن أسلوبها العفوي، وليس معارضة «تصور» الجماهير، بتصورها الخاص. ولا يجب أن تنظر من هذه الزاوية لأنها تكون قد وضعت الطبقات الشعبية في صف آخر يقابلها، بينما هي تفعل عبر ومن خلال الطبقات الشعبية. لهذا فحين يجري اعتبار شعار الدفاع عن مصالح هذه الطبقات شعاراً أولياً فلأن نشاط الطبقات الشعبية يتخذ منحى مطلبياً بسبب عمق الأزمة في هذا المجال، حيث إن حالة الفقر هي الطاغية اليوم. ولما كانت الحركة الماركسية تسعى لتحقيق مطامح هذه الطبقات، وبالتالي للارتباط بها، رفعت هذا الشعار، وأعطته الاهتمام الذي يستحق.. بعد ذلك يجب أن تعطي للحركة الجماهيرية أبعادها السياسية والنظرية. وهذا يعني البدء بالاقتصاد (على صعيد النشاط العملي) ما دام النشاط المطلبي الاقتصادي هو البارز على صعيد الحركة الجماهيرية، وهو الدافع لنشاطها. وهذا يطرح الخوض في المستويات الثلاثة:
أ) فالحزب لكي يبلور اتجاهاً نظرياً متماسكاً، ولكي يتبلور كحزب ماركسي ثوري، يخوض النضال النظري ضد الاتجاهات السلفية والطائفية الإصلاحية والطفولية.
ب) وهو لكي يصبح حزباً جماهيرياً، وبالتالي يوفر الظروف التي تسمح بتحقيق الثورة الجذرية، يطرح قضايا الجماهير الملتهبة، فيخوض النضال الاقتصادي المطلبي.
جـ) وهدفه الأساسي هو تحقيق المشروع السياسي الذي يطرحه، من خلال بلورة القوى الثورية، وتطوير نشاط الطبقات الشعبية، ليتحول من نشاط مطلبي إلى نشاط سياسي ثوري يسقط الأنظمة ويحقق الوحدة القومية، ويواجه السيطرة الإمبريالية.
إن تبني شعار الدفاع عن مصالح الطبقات الشعبية (أي خوض النضال الجماهيري) لا يعني أن تكرس القوى الثورية كل جهودها في هذا المجال، لأن من واجبها أساساً تأسيس القوة التنظيمية المتماسكة، القادرة على اكتساب الوعي الثوري. كما أن من واجبها تأسيس التحالفات الضرورية لخوض النضال القومي الديمقراطي، وأشكال العمل النقابي والديمقراطي لتأطير أوسع قطاعات هذه الطبقات. ولكن من واجبها العمل على تأسيس القوى المسلحة من أجل تطوير الصراع ضد الكيان الصهيوني، والاحتلال الأميركي، وللتصدي للخطر الخارجي عموماً. لكن القدرة على تطوير القوى المسلحة ترتبط بتغيير موازين القوى في الوطن العربي لمصلحة القوى الثورية.
إن النضال في الوطن العربي معقد، وهو ذو أشكال مختلفة، منها المطلبي الديمقراطي، ومنها الثوري العنيف، ولا يجوز أن نسقط شكلاً لمصلحة آخر، أو نقلل من أهمية شكل من أحل التهويل بشكل آخر، لأن ذلك سوف يؤدي إلى حدوث اختلالات أساسية، خصوصاً إذا ظل إطار الفهم ينطلق من أولوية مواجهة “العدو الخارجي”.
·         فصل من كتاب “مهماتنا، الثورة ومشكلات التنظيم” منشورات الوعي ط1/ 1986

(1) هذا ما تقول به الأحزاب الشيوعية على وجه الخصوص. انطلاقاً من حتمية الانتقال من المشاع إلى الرق، إلى الإقطاع، فالرأسمالية ومن ثم الاشتراكية.
(2) د. حليم بركات «المجتمع العربي المعاصر، بحث استطلاعي اجتماعي، مركز دراسات الوحدة العربية، ط1 نيسان 1984 (ص 154).
(3) يمكن مراجعة موقف لينين من المناشفة، وخلافه معهم حول هذه النقطة تحديداً، انظر لينين «خطتنا الاشتراكية ـ الديمقراطية في الثورة الديمقراطية» دار التقدم ـ موسكو، والأحزاب الشيوعية العربية تتبنى الخط المنشفي رغم أنها تسمت باللينينية.
(4) يمكن مراجعة موقف تروتسكي من هذه القضية، انظر، دون ذكر المؤلف «سيرة حياة فلاديمير ايليج لينين» مكتبة النهضة ، بغداد، دار الفارابي (بيروت) ط2 نيسان 1975 (ص171)
(5) لا تطرح الأحزاب الشيوعية، هذه القضية بوضوح تام في أدبياتها، لكنها تظهر واضحة للدارس لكل نهجها، خصوصاً أن هذه الأحزاب عادة مع تقلد تجارب أخرى.
(6) انظر بهذا الخصوص، لينين «ما العمل؟» دار التقدم ـ موسكو، وخصوصاً الفصل الخاص بما هو مشترك بين الاقتصادية، والإرهابية (ص99ـ 104).
(7) تظهر هذه الصيغ عندنا، ليست كما ظهرت في البلدان الأخرى، ولكن بصورة مسخ، فلا يكون هناك مناضلون يتبعون طريقاً خاطئاً، بل أدوات تنفذ سياسات أجهزة مخابرات مختلفة.
(8) بهذا الخصوص، يمكن مراجعة، لينين «ما العمل» مصدر سبق ذكره، خصوصاً القسم الرابع الصفحات (131ـ 200).
(9) هذا ما سوف يجري التطرق له في القسم الثاني.
(10) د. حليم بركات، مصدر سبق ذكره (ص167- 168).
(11) بهذا الخصوص، يمكن مراجعة، الأمم المتحدة، اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا «المجموعة الإحصائية لمنطقة اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا 1974-1973» العدد الثامن، بغداد 1985.
(12) منظمة العمل العربية، مكتب العمل العربي «الشركات المتعددة الجنسية، وسياسات الاستخدام والتكنولوجيا في اليلاد العربية» ط1 القاهرة، 1979، ط2 دون تاريخ. وكذلك د. مصطفى الدباس «الاحتكارات الدولية، وممارساتها في الوطن العربي» دمشق 1982 إصدار الاتحاد العام لنقابات العمال في القطر العربي السوري.
(13) يظهر ذلك واضحاً من خلال اتساع رقعة التمايز الطبقي تحديداً
(14) يمكن مراجعة د. فؤاد مرسي «هذا الانفتاح الاقتصادي» دار الوحدة للطباعة والنشر (بيروت) ط2، 1980.
(15) لعل مثال مصر، من أنصع الأمثلة على هذا الطريق، بهذا الخصوص أنظر، عبد القادر شهيب «محاكمة الانفتاح الاقتصادي في مصر» دار ابن خلدون (بيروت) ط1، آذار 1979.
(16) الأرقام مأخوذة من مجموعة من الكتاب «التنمية العربية، الواقع الراهن والمستقبل» مركز دراسات الوحدة العربية، ط1 تشرين الثاني 1984، (293).
(17) نفس المصدر، واحتسبت من الصفحات (292و293).
(18) بيتر دويجنان ول. هـ غان «الشرق الأوسط في مخططات الولايات المتحدة في الثمانينات» دراسات استراتيجية، المجلد الأول 1980، رقم 7 (ص29) إصدار مؤسسة الأبحاث العربية (بيروت).
(19) ميشيل كامل «أزمة المعارضة الوطنية بين الفكر والممارسة» اليسار العربي العدد 76ب آذار 1986 (ص9).
(20) د. جنات السمالوطي، بحث مقدم للمؤتمر العاشر للاقتصاديين المصريين، نقلاً عن «الأهرام الاقتصادي» العدد 880 تاريخ 25/12/1985 (ص32).
(*) هناك استثناءات محدودة في هذا المضمار، خصوصاً في انتفاضة السودان عام 1985، نتيجة نشاط القوى السياسية البورجوازية، التي كانت لها اعتراضات حول صيغة الحكم.
(22) يمكن مراجعة، نقد ميشيل كامل لخط المعارضة المصرية، انظر ميشيل كامل «أزمة المعارضة الوطنية…» مصدر سبق ذكره الصفحات (4-9). وأيضاً أديب ديمتري «مصر مبارك وأوهام التغيير» اليسار العربي العدد 76، آذار 1986 الصفحات (10-13).
(*) يجب التوضيح هنا أن تخلف الوعي لا يسمح بأن تستوعب الطبقات الشعبية إستراتيجية الثورة الديمقراطية بكل أبعادها. ولعل الفئات الأكثر وعياً ونشاطاً هي التي تستطيع ذلك، وهي المعنية بتنظيم حراك هذه الطبقات من أجل تحقيقها.
(23) يقول نعوم تسومسكي، إن الدولة الأميركية تسعى «مستجيبة لمطالب أولئك الذين يسيطرون على الاقتصاد المحلي، والنظام الاجتماعي، إلى بناء إطار دولي تزدهر فيه المؤسسات الأميركية»، انظر، تشومسكي «حقوق الإنسان، والسياسة الخارجية الأميركية» مؤسسة الأبحاث العربية (بيروت) ط1، 1984.(ص7).
(24) نفس المصدر (ص7).
(25) مثلاً يمكن مراجعة لينين «ما العمل؟» دار التقدم ـ موسكو، ولينين «مهمات الاشتراكيين الديمقراطيين الروس» دار التقدم ـ موسكو.
(26) لينين «ما العمل؟» مصدر سبق ذكره (ص33).

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s