نحو تأسيس ماركسي جديد

نحن في مرحلة تفرض إعادة بناء الفعل السياسي، حيث تبدو الأحزاب “الشيوعية” و”الاشتراكية” و”الماركسية” في حالة موات طويلة الأمد. وحيث يبدو الواقع المتفجر بحاجة لقوى جديدة، ليس من حيث الأسماء والأشكال بل من حيث الفهم والمضمون والفعل. فالثورات أظهرت مدى تهميش وهامشية كل تلك القوى، كما أظهرت بالآن ذاته الحاجة الملحة لقوى تنظم هذه الثورات، وتؤسس رؤيتها وبدائلها وإستراتيجيتها.

ومهما كان الاسم الذي يمكن أن نوصّف فيه هذه القوة أو هذا الحزب: ماركسي، شيوعي، اشتراكي، يساري، فإن الأساس هنا هو أن الماركسية كمنهجية وأداة تحليل وفهم وهدي في الممارسة هي التي يجب ان تكون منطلق كل فعل جديد. وأن تمثّلها يتمظهر في مقدرتنا على وعي الواقع القائم ووعي صيرورته، الأمر الذي يؤسس لمعرفة دورنا في هذه الصيرورة القائمة على صراع الطبقات.

نحن في مرحلة جديدة تؤشر إلى أن أحزاب قد شاخت، وأنها باتت في عداد الموتى. تضيقت وانعزلت عن الطبقات، وهرمت، ولقد تكلست وتحدد خطابها في جمل وشعارات ومنطق تفكير هي أصلاً من قادها إلى هذا المصير الماساوي، ولم تعد تساعدها بالتالي الآن على التكيف مع وضع جديد، يتسم بالديناميكية بعد الثورات التي حدثت. في الوقت الذي باتت أجيال من الشباب المفقر والمعطل تندفع للانخراط في الفعل الثوري، ويتجه جزء مهم منها نحو “اليسار”، بالضبط نتيجة وضعه ذاك.

لكن قبل التأسيس من جديد لا بد من النقد، حيث يجب “تصفية الحساب” مع “الماضي اليساري” من أجل ماركسية حقة، علمية وثورية. ومن أجل حزب ماركسي ينهض من صفوف العمال والفلاحين الفقراء، ويكون قادراً على تشكيل “كتلة تاريخية” عبر تشكيل تحالف طبقي يضم الفلاحين المفقرين والبرجوازية الصغيرة المفقرة. ولكي يكون ممكناً للثورات أن تحقق المطالب العميقة التي يطرحها الواقع، وتعيد بناء التكوين المجتمعي لمصلحة هؤلاء.

أولاً: أزمة الشيوعية ونهاية الحركة القديمة

نتجت أزمة الحركة السياسية ليس عن القمع العاري فقط، لقد لعب هذا العامل دوراً لاشكّ في ذلك، لكن يجب أن نلحظ مشكلاتها البنيوية التي سبقت التحوّلات التي قامت بها “النظم القومية”، والتي تفاقمت بعدها، خصوصاً بعد انحسار الصراع الطبقي وتحوّل الكتلة العريضة إلى قاعدة للسلطة الجديدة، الأمر الذي جعل تلك الحركة في وضع مختلف لم تستطع التكيّف معه، وربما كان الوضع ذاته قد تجاوزها. كما أنها لم تسعَ إلى إعادة النظر في بنيتها وتصوّراتها بعمق، ولم تطوّر وعيها طيلة العقود السالفة، الأمر الذي أبقاها دون رؤية حقيقية ودون مقدرة على وعي الواقع. فأصبحت حركتها استجابة لفعل السلطة، مما وسمها بالتعامل انطلاقاً من ردود الفعل، وحصرها في المستوى السياسي.

و كانت التحوّلات الاجتماعية توجد ظرفاً مفارقاً، وبيئة غير مؤاتية للفعل السياسي. لتأتي سطوة السلطة وآلتها القمعية تكميلاً لوضع، لكنها قادت إلى تدمير الحركة السياسية وكذلك تدمير السياسة في المجتمع. ولهذا باتت استجابة التمرّد والرفض في هذه المرحلة لدى بعض القطاعات ترتبط بـ «الوعي العادي» لدى الفئات الاجتماعية، أي الوعي الديني (بمعناه التقليدي الشعبي). وهذا ما أوجد إشكالية جديدة، حيث أن هذا الوعي لا يؤسِّس لرؤية واضحة للواقع، ولا يطرح بديلاً يتجاوزه. على العكس من ذلك فهو يؤسِّس لاستنهاض تناقضات الماضي التي هي عبء على صيرورة التطوّر، وعلى عملية التغيير، كما على مواجهة الأخطار.

و إذا كان الخيار الذي ينتصر هو خيار: الليبرالية، والديمقراطية المغروسة في شقوق الماضي وثلومه، والميل الإنكفائي (السوروي) المتنازل عن المسألة الوطنية، والمتكيّف مع العولمة الإمبريالية. فإن خياراً آخر يجب أن يُطرح، وأن يُعمل على بلورته، خيار يمثّل الطبقات الشعبية، خصوصاً العمال والفلاّحين الفقراء وكلّ الفئات المهمّشة في الريف والمدينة، الأمر الذي يدفع إلى إعادة صياغة الوعي والتصوّرات والتكتيك، المعبّرين عن كلّ هؤلاء. وهذا ما يجب أن تقوم به قوة ماركسية اشتراكية مستندة إلى العمال والفلاحين الفقراء، ومطورة صراعهم الطبقي ضد الرأسمالية
الجديدة والقديمة معاً.

لكن هذا الأمر يفرض تحديد المشكلات الأساسية للحركة الشيوعية وكل القوى الماركسية التي نشطت خلال العقود السابقة، من أجل بلورة تصوّرات تتجاوزها، بالاستناد إلى وعي جديد بالواقع، وانطلاقاً من منهجية ماركسية منفتحة تستند إلى المنهج المادي الجدلي. وفي هذا الإطار يمكن ملامسة ست مشكلات جوهرية اخترقتها وتحكّمت في تكوينها. ولقد طال ذلك الحركة الشيوعية كما طال الحركات الماركسية (اليسار الجديد) التي حاولت تجاوزها دون أن تفلح في ذلك، حيث بدت الاختلافات سياسية أكثر مما هي جذرية تطال كلية البنية، أو بالأساس تطال الوعي وتمثّل الماركسية، رغم أن هذه الاختلافات كانت تضع الحركة الشيوعية والحركات الماركسية في موقع التعارض وأحياناً التناقض. ورغم أن هذه المشكلات تحتاج إلى بحث مطوّل، إلا أن الضرورة تفرض تلخيصها في التالي:

1) الوعي المحدود بالماركسية، والانطلاق من أنها نصوص مكتملة غير قابلة للخطأ، وغير قابلة للإضافة. بمعنى أنها أصبحت تتضمّن «كلّ العلم»، الأمر الذي جعل هذه النصوص بديل الواقع، أو الواقع المحدّد مسبقاً. لهذا لم يتبلور الميل لوعي الواقع والبحث فيه من أجل الوصول إلى قوانينه المحدّدة في المكان والزمان. وبهذا غابت المسألة الأهمّ في الماركسية التي هي منهجيتها التي تسمى الجدل المادي، والتي هي أساس وعي الواقع وفهم متحوّلاته وتحديد رؤى تحويله.
و لقد جرى التعرّف على الماركسية عبر الماركسية السوفييتية في الغالب، فجرى الالتزام بمبادئها وتصوّراتها السياسية. وهذه الماركسية هي التي حوّلت الماركسية من طريقة في التفكير إلى «نصوص مقدّسة»، الأمر الذي قاد إلى العماء من خلال بنية فكرية تحدِّد الواقع مسبقاً، وبالتالي تؤسس لحركة لا أساس واقعي لها، بعيدة عن مشروع الطبقة التي تطرح أنها تعبّر عنها، وبالتالي جعل كلّ العمل السياسي ضائعاً خلف أوهام.
هنا يمكن القول بأن النقلة الضرورية في الوعي لم تتحقق، فظل الوعي “تقليدياً” رغم الطابع الحداثي الذي يتغطى به. ولهذا ظلت تفكر من منظور منهجية قديمة عبرت عن عقل أحادي تشرّب الموروث التقليدي بدل أن يقطع معه. لهذا ركنت إلى النقل والحفظ، وتكرار النصوص والأفكار، دون وعي كنهها، وتمثل منهجيتها. وكان كلّ ذلك يشير إلى الفشل في وعي كنه الماركسية والإفادة منها من أجل وعي الواقع القائم في بلادنا. حيث ظلّت طريقة التفكير القروسطية هي المسيطرة، هذه الطريقة التي لا تستطيع تجاوز الشكل إلى المضمون، والجزء إلى الكلّ، ولا يمكنها فهم أن الواقع متحوّل. لهذا أبدلت مفرداتها التقليدية بمفردات ماركسية، واستمرت تنظر إلى العالم والأشياء من منطلق: مع أو ضد، وكذلك: إما، أو. الأمر الذي جعلها لا تستطيع مسك سوى حلقة واحدة، هي في الغالب ما هو مكشوف، وما يؤثر عليها مباشرة.

2) وحيث فقدت وعي الواقع فقد كانت سياسوية، أي تلامس «السطح السياسي» المتعلّق بالحدث والتحرّكات والنشاط السياسي الذي تقوم به الدول أو الأحزاب وما ينتج عنه من أحداث، دون أن تغوص في أساساتها ودون أن تبحث عن مسبباتها. لهذا فهمت الفكر على أنه البحث في المجرّدات، وفهمت الوعي على أنه «المعرفة الزائدة» عن حاجة العمل السياسي. وباتت معنية بالحدث أو التصريح الصحفي أو التحرّك السياسي، من أجل تحديد موقف مباشر، والذي يكون غالباً مع أو ضد، التأييد أو الشتم.
و هذه ممارسة تشير إلى الدور الانفعالي المتأثر بفعل ما، وبالتالي الذي يرى ما يحدث (أو ما يظهر على السطح) دون ملامسة مسبباته وفهم جذوره. مما أسّس لأن يتحوّل «فعلها» إلى ردّ فعل، وبالتالي باتت تلهث خلف الأحداث دون أن يكون لها المقدرة على التأثير فيها أو فعلها. لقد كان منطقها يتأسس وفق “مفهوم الهوية” الأرسطي، لهذا كانت الأمور تتحدد في: مع أو ضد. وهنا كان التناقض يعني رفض شيء ما، طبقة أو سلطة أو سياسة، الأمر الذي يجعل السياسة المتبعة هي المعكوس فقط. ليصبح الصراع مع البرجوازية هو تمجيد في البروليتاريا، والتشدد في فرض “دكتاتوريتها”. والصراع مع السلطة هو نقد لآلياتها السياسية، ولسياساتها فقط. ورفض الاستغلال الرأسمالي يعني طرح القضايا المطلبية للعمال، وليس المشروع السياسي لهم. وهو الأمر الذي أوجد “نضالاً سياسياً” من أجل الحريات أو الديمقراطية، ورفض لسياسات “خارجية” تمارسها السلطة، هذا من جهة، ونضال مطلبي فقط من جهة أخرى. بما يعني أن السياسة هنا لم تكن تعني المشروع الطبقي للعمال في سعيهم الوصول إلى السلطة لتحقيق نمط بديل، بل عنت نضال من أجل تحقيق مطالب معيشية من جهة، ومطالب “ديمقراطية” و”وطنية” من جهة أخرى، تلك التي تتعلق بسياسات إقليمية أو عالمية.
وهنا كان غياب الوعي بالماركسية بما هي طريقة في التفكير سبباً جوهرياً في ذلك، الأمر الذي جعلها تنحكم للممارسة العفوية العشوائية القائمة على ردود الأفعال، وعلى برنامج مطلبي محدود الأفق.

3) وبالتالي فقد غلبت عليها النظرة التكتيكية، أي الانطلاق من الحدث ذاته فقط الذي بات هو «الحلقة المركزية»، والمحدَّد اعتباطاً (أي دون دراسة شاملة للواقع)، والذي غالباً ما كان نتيجة الشعور المباشر بوطأة الحدث، الذي هو السياسي المتمثّل في السلطة، مما كان يجعل الديمقراطية هي «الحلقة المركزية»، أو الاحتلال الأمر الذي كان يفرض البحث عن التحرّر الوطني.
و لاشك في أن المنطق السياسوي كان يقزّم الواقع إلى مستوى واحد هو المباشر (أي السلطة)، الأمر الذي كان يحدّد التكتيك في الوقوف معها أو ضدها. وإذا كان مفهوم «الحلقة المركزية» في الماركسية يعنى أن «اللحظة الراهنة» تفرض تكتيكاً محدّداً هو ما يشكّل الحلقة المركزية، فإن ذلك لا يكون إلا عبر بحث شامل في الواقع وتحديد لكل مشكلاته، وبالتالي للمهمات التي يطرحها. من هنا يكون التركيز في لحظة على مهمة ضرورة يفرضها الصراع الواقعي، وهي ضرورة متحوّلة، أي أنها ليست ثابتة لمدى متوسط أو طويل، بل تتعلّق بـ «اللحظة» ( بـ «الآن»)، وليس بالمدى المنظور. ولأن الواقع متحوّل فإن الحلقة المركزية متحوّلة، على ضوء المهمات العامة التي يطرحها الواقع في المستويات: الوطنية، وبالتالي الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والفكرية كذلك.
إن غياب الوعي العميق والشامل فرض معالجة «السطح السياسي» فقط، وحوّل مهمة اللحظة الراهنة إلى مهمة إستراتيجية. لهذا باتت “الحركة هي كل شيء أما الهدف النهائي فلا شيء” كما كان يقول بيرنشتاين. إن الطابع الشكلي للوعي كونه لازال قروسطياً كان يجعل الحدثي (اليومي) في أساس السياسة، وفي أساس تحديد التكتيك، لكن دون رؤية إستراتيجية ووعي عميق بالواقع، وبالتالي تحديد واضح للخطوات الضرورية، والتي هي وحدها تستطيع أن تؤشر على المسألة الضرورية في كل لحظة، ومن ثم تفرض التكتيك الضروري. وهو ما كان يجعل حركتها عشوائية، وبلا تراكم يطور من قوتها.
لقد كان تعلقها بـ “السطح السياسي” يجعل تكتيكها مركزاً هنا، ويخضع لمتحولات الأحداث دون ارتباط بالوقائع التي تنحكم هذه الأحداث لها، لأن تلك الوقائع كانت غائبة، أو منفصلة عن السياق العام للتفكير. لهذا ظل التكتيك منحصراً في “مقاومة الاستعمار” في البلدان المحتلة، دون فهم لطبيعة التكوين والمقاومة والدور. أو مواجهة النظم دون معرفة بواقعها الطبقي، وبكيفية تطوير نضال الطبقات من أجل التغيير، وبتركيز على المستوى السياسي، والقضايا المطلبية كما أشرنا للتو.

4) وغياب وعي الواقع جعلها تكرِّر ما عممته الماركسية السوفييتية بخصوص المسألة القومية (و الذي كان سلبياً)، كما بخصوص المشروع الصهيوني، وأيضاً فيما يتعلّق بالمهمات الديمقراطية. وإذا كانت لم تطرح تحقيق الاشتراكية فقد طرحت التطوّر الديمقراطي البرجوازي (أي بقيادة برجوازية) كخيار، في وضع كانت البرجوازية عاجزة عن فعل شيء (سنوات 1937- 1964). وحين استلمت الأحزاب القومية وعملت على تحقيق المهمات الديمقراطية (تحت شعار أنها تحقّق الاشتراكية)، وبضغط سوفييتيّ قبلت التحالف معها لتحقيق «الاشتراكية» (التي لم تكن أكثر من أوهام فئات فقيرة ريفية). أو طرحت تحقيق الاشتراكية ودكتاتورية البروليتاريا في وضع لم يكن قد تجاوز القرون الوسطى وكان يحتاج إلى تحقيق مهمات ديمقراطية (الإصلاح الزراعي والتصنيع وتحديث التعليم والفكر ومؤسسات الدولة والديمقراطية والعلمنة). لقد كان الانطلاق من الرؤية التي عممتها الماركسية السوفييتية كارثياً هنا، لأن «الصورة الذهنية» التي نقلتها كانت تتعلّق بوضع البلدان الرأسمالية، الأمر الذي رسم الصراع الطبقي كما هو في هذه البلدان دون ملاحظة الواقع المختلف الذي تعيشه والذي كان لازال يتسم بأنه زراعيّ متخلّف، مما أدى إلى تهميش مسألة الفلاحين التي كانت جوهر الصراع نتيجة أن البنية الزراعية كانت هي البنية الأساسية من حيث عدد السكان ومن حيث الإنتاج.
لهذا لم تستطع وعي الواقع العربي، ووعي مشكلاته. وصاغت «برنامجها السياسي» انطلاقاً من المفاهيم التي نقلتها الماركسية السوفييتية. فكان يجب أن تهمّش المسألة القومية لأنها نزعة برجوازية. وكان يجب أن تدعم تطوّر الرأسمالية لأن الانتقال إلى الاشتراكية يفرض انتصار الرأسمالية أوّلاً. وكان يجب أن تركّز على العمال لأن الصراع هو بين البرجوازية والبروليتاريا، وبهذا أهملت الفلاحين. وكان يجب رفض الديمقراطية لأنها من صنع البرجوازية. وكان يجب القبول بالدولة الصهيونية لأنها أمر واقع، ولأن الإتحاد السوفييتي في إطار صراعه العالمي قبل بوجودها كما قبل بتقاسم العالم مع الدول الرأسمالية بعد الحرب العالمية الثانية.

5) وكان كلّ ذلك يجعلها تنطلق من القبول بالأمر الواقع دون التفكير بتغيير الواقع، سواء في العلاقة مع السلطة حينما تؤيدها وتميل للتكيّف معها، أو وهي في المعارضة حينما تخضع لقوّة فيها. إن رؤيتها التي تنطلق من التأييد أو الرفض كانت تجعلها لا تطرح مسألة دورها هي بالذات، ولا تسعى للبحث عن فاعلية تمارسها لكي تتحوّل إلى قوّة، خصوصاً أنها لم تطرح في الغالب مسألة التغيير، ولم تعتبر أن دورها الأساس هو تحقيق التغيير، وبالتالي تطمح لأن تلعب دوراً قيادياً.
إن غياب تحليل الواقع منعها من أن ترى الدور الذي يجب أن تلعبه، وهو الدور الذي يشكّل ضرورة في مسار التطوّر. حيث ظلّت تفكّر من منطلق أنها تلعب دورها «في الظلّ» خلف قوى أخرى، وبالتالي كانت تخضع لمتطلبات تلك القوى، وتنشط انطلاقاً من برامجها. ولهذا لم تطرح على نفسها مهمة الوصول إلى السلطة، وظلّت هذه المسألة مكبوتة لأنها «مرعبة»، الأمر الذي جعلها تنطلق من أن السلطة هي لقوى أخرى.
البحث هنا ينصبّ على الفاعلية والإرادة، وعلى الاقتناع بأن للماركسيين دون ريادي في قيادة عملية التغيير، وأن مهمتهم تتمثّل في تفعيل الحراك المجتمعي من أجل إيصاله إلى مرحلة من القوّة تؤهله لفرض سلطة تمثّله. هذا الدور المبادر والمواجه والطامح، والقادر على أن يفعّل صراع الطبقات، وأن يجعله يتطوّر في اتجاه تغيير ميزان القوى الواقعي لمصلحة الطبقات الشعبية، هذا الدور هو ما كان ينقص القوى الماركسية.

6) ولقد كانت هذه القوى غير ديمقراطية في بنيتها، حيث ظلّت تميل إلى «التكوين التقليدي» القائم على العلاقات البطركية، وعلى التمايز بين المستويات «المقامات»، كما على ميل كلّ فرد إلى أن ينظر لذاته على أنه «الفرد المكتمل» وبالتالي مطلق الصحة وكامل المعرفة، رغم عدم اضطلاعه على الثقافة والمعرفة، ورفضه القراءة والبحث. وهو ما كان يجعل المسئول قريباً من الإله.
و لاشك في أن استمرار بنية الوعي التقليدي كان يفرض استمرار العلاقات التقليدية، مما أدى لأن تتحوّل إلى «طائفة مغلقة» يسيطر عليها زعيم.

لكلّ ذلك، في اللحظة التي كان يجب أن تلعب دوراً فاعلاً وقيادياً (منذ تأسيس الحركة الشيوعية، وخصوصاً منذ سنة 1937، إلى انتصار الناصرية في مصر سنة 1952، والبعث في سوريا والعراق سنوات 1963 و1969) رفضت ذلك، وراهنت على مشروع برجوازيّ مجهض مسبقاً ومسدود الأفق. وحينما انتصرت الحركة القومية وأجرت تحوّلات مجتمعية، بات منطقها وباتت برامجها من الماضي، وتجاوزها الزمن، لتلتحق بالسلطة الجديدة، وأصبحت جزءاً من تكوينها رغم دورها الهامشي، وليفجّر ذلك بنيتها ويفتتها. لقد أضاعت الوقت المؤاتي للتغيير برسمها إستراتيجية تقوم على الالتحاق بالبرجوازية، لهذا التحقت بالفئات الوسطى. لكن انشقاقاتها والميول الماركسية الجديدة التي نشأت داخلها في الغالب، قرّرت أن تغيّر بعد أن أصبح الوضع غير مؤاتٍ نتيجة فعل الحركة القومية الذي قلت البنية الطبقية وحقق استقراراً طويلاً نتيجة ذلك.

و بالتالي لم تلامس كلّ محاولات تجديد الحركة الماركسية (وهي الموجة التي مثلت تشكل اليسار الجديد)، التي بدت كردّ فعل على سياسات الحركة الشيوعية، الوضع الجديد. ورغم تأكيدها على الإرادة وعلى ضرورة التغيير واستلام السلطة، فقد كان التكوين الطبقي الواقعي يشهد «وضعاً انتقالياً» قام على دعم الطبقات الشعبية للسلطة الجديدة أو على الأقل عدم الميل لمواجهتها، الأمر الذي جعل التغيير مستحيلاً. وربما كان هذا الوضع هو الذي أنتج كلّ تشوّهاتها. وكذلك ربما كانت إرادويتها تلك وفي الوضع المشار إليه، هي التي أنتجت ميلها الراهن، الاستسلامي الليبرالي، والمعادي للماركسية كذلك. لقد «تكسّرت» وهي تحاول إسقاط السلطة دون جدوى، الأمر الذي أقنعها بأن هذه السلطة هي كلية القوّة والجبروت، ولم تلحظ أن المشكلة تكمن في وعيها وفي رؤيتها للواقع ذاته، وبالتالي خوضها الصراع في لحظة خاطئة تكتيكياً.

إذن، لقد غابت الرؤية المبنية على وعي الواقع، مما قاد إلى سياسة خاطئة وتكتيكات في غير أوانها، وبنية تنظيمية ليست ديمقراطية. لقد إنبنت رؤيتها على تصور ينطلق من دورها الداعم لطبقة أخرى، هي البرجوازية، من أجل تحقيق “المرحلة الرأسمالية”، ولهذا كيفت مجمل سياساتها انطلاقاً من هذا المبدأ، فكانت ترفض أن تنظم العمال والفلاحين في سياق يجعل هؤلاء هم السلطة، عبر تطوير صراعهم الطبقي، لأنها كانت تنطلق من أن مهمات الواقع الديمقراطية هي من اختصاص البرجوازية، وهو الأمر الذي جعل موقفها من السلطة منوط بتولية البرجوازية في إطار نظام ديمقراطي، بينما تطرح هي المطالب المعيشية لهذه الطبقات في إطار مطلبي إصلاحي وليس في إطار ثوري طبقي. كما تكيفت مع البرجوازية التي كانت تهادن الاستعمار وتقبل في الحدود السياسية التي رسمها، وبالتالي فقد نظّرت للقطر/ الأمة. وأيضاً ابتعدت عن طرح قضية الفلاحين، التي كانت هي جوهر الصراع الطبقي آنئذ، نتيجة الموقف ذاك من البرجوازية. وبالتالي لم تعبر عن جوهر الصراع الطبقي، وتجاهلت الشعور القومي، كما لعبت على الشعور الوطني. لهذا تهمشت بعد أن أفضى تفاقم الصراع الطبقي إلى التغيرات التي أشرنا إليها. وكل محاولات تجاوز هذا المنطق إما كانت ردة فعل تطرفت في وضع لم يكن مؤاتياً، أو لم تنضج كفاية ومالت نحو اللبرلة.

ثانياً: حول البديل
من أجل ماركسية مناضلة

و إذا كانت الظروف الجديدة تفرض تأسيس تحالف واسع ديمقراطي وعلماني يدافع عن الطبقات الشعبية في مواجهة السيطرة الإمبريالية والليبرالية الجديدة والميل الأصولي الطوائفي ومن أجل الاستقلال والتطوّر، فإن البدء بتأسيس القوّة المعبّرة عن العمال والفلاحين الفقراء والمهمّشين يبدو ضرورة من أجل هؤلاء، كما من أجل ذاك التحالف، وبالأساس من أجل تحقيق الاستقلال والتطوّر والتفاعل مع كل القوى المقاوِمة في الوطن العربي في سياق السعي لتحقيق المشروع القومي الديمقراطي العربي. ولاشكّ في أن تبلور هذه القوّة سوف يدعم التحالف الواسع ويزيد من فاعليته. لهذا من الضروري تحديد طبيعة هذه القوّة، خصوصاً أن كل الأحزاب الشيوعية والماركسية فشلت في أن تكون قوّة تغيير وباتت تعاني من أزمات عميقة، وهي ككلّ الحركة السياسية مفككة ومنعزلة وهرمة، وبعيدة عن قاعدتها الطبقية، ودون توجّهات واضحة، ويخترقها الميل الليبرالي والاستسلام لميزان القوى الراهن الذي يشير إلى التفوّق الأميركي المطلق.

و إذا كان الحزب الشيوعي قد تشرذم إلى خمسة أو ست أحزاب. وإذا كانت قد نشأت أحزاب ماركسية أخرى مثل حزب العمال الثوري وحزب العمل الشيوعي والبعث الديمقراطي (إضافة إلى الأحزاب الماركسية الكردية). فإن الكادرات الشيوعية في الغالب باتت خارج كلّ تلك الأحزاب. وإذا كانت الأحزاب قد باتت هرمة، فإن خبرات ووعي مشكلات التجربة الطويلة يحملها أفراد في هذه الأحزاب ومن الكادرات التي باتت خارجها. وبالتالي فإذا كان العمل الماركسي ينطلق من السعي لإدخال الشباب معترك الصراع الطبقي، فإن الدور الملقى على هؤلاء مهمّ وضروريّ من أجل المعرفة والخبرة والتجربة، في سياق السعي لإعادة التأسيس.

وفي إطار هذا الوجود للأحزاب القديمة، والتشتت الذي يعيشه عدد كبير من الماركسيين، يجب البحث عن الصيغة الممكنة لبناء حزب مترابط مع الطبقة العاملة والفلاحين الفقراء وكلّ المهمّشين، ومتلاحم مع كلّ الطبقات الشعبية. يضمّ كل المجموعات والأفراد المعنيين بذلك، في الأحزاب وخارجها، وموجه للقطاعات الشابة والنشطة من هذه الطبقات، انطلاقاً من مبادئ أساسية يمكن تلخيصها بالأمور التالية:

أ) التمسّك بالماركسية كونها منهجية وليست «نصوصاً مقدّسة»، وهي طريقة في التفكير هدفها فهم الواقع، وليست «مجرّدات نظرية» قيمتها معنوية، ولا هي نصوص قالها ماركس أو إنجلز يجب الالتزام بها كونها باتت مقدّسة، وليست كذلك تصوّرات للواقع مسبقة التحديد. إنها بالأساس طريقة في التفكير تنطلق من الجدل المادي الذي تبلور مع ماركس استناداً إلى هيغل. وبعد ذلك يمكن التأكيد على قوانين توصّل إليها ماركس وإنجلز (و ربما آخرين)، لكن تحديد هذه القوانين مرتبط بالجدل المادي ومؤسَّس عليه ولا يمكن أن يتمّ بالتالي بمعزل عنه. ولأن «الماركسية الدارجة» عمّمت قوانين انطلاقاً من أنها قوانين ماركسية، من الضروري الحذر وإعادة البحث في الماركسية بما هي القوانين العلمية المتوافقة مع الجدل المادي.
بمعنى أن المرتكز الأساسيّ هو المنهجية، وانطلاقاً منها يمكن تحديد كلّ ما هو علمي في الماركسية، من قوانين وتصوّرات ومفاهيم وغيرها. لهذا يجب الانطلاق من أفق مفتوح، ومن تفكير جديّ في مناقشة كلّ المفردات والتصوّرات الماركسية التي نعرفها، من أجل الانطلاق من منهجية ماركسية متماسكة حين البحث في الواقع الراهن.

بـ) إن العمل الماركسي يهدف إلى التعبير عن العمال والفلاحين الفقراء وكلّ الفئات الاجتماعية المعنية بمصالح هؤلاء. بمعنى أن الحزب الماركسي هو الحزب الذي يدافع عن المصالح الطبقية لهؤلاء، ويعمل معهم من أجل مطالبهم الراهنة، ومن أجل تحقيق حلمهم في الاشتراكية. والحزب هو الاندماج بين الثقافة الماركسية وهذه الطبقات، أي بين المثقفين الذين يحملون الرؤية الماركسية وهذه الطبقات، بحيث يتشكّل النشاط من هذا الترابط، ويصبح الصراع الطبقي هو ذاك الممتلك رؤية وبرامج وخطط عملية لطبقات ضد الطبقة المهيمنة. الحزب هو عناصر مثقفة تندمج في جموع هذه الطبقات لتفعيل وتنظيم نشاطها، وبلورة مصالحها ومطامحها في رؤية واضحة تشكّل البديل للخيار المهيمن. الأمر الذي يجعل بنيته منغرزة في الطبقات، ونشاطه هو نشاطها المنظّم الذي يسعى لتحقيق هدف واعٍ.
و الحزب ينطلق من أن وجوده مرتبط بالتكوّن داخل الطبقات التي يعبّر عنها بالأساس، بالإضافة إلى كلّ من ينضمّ من الفئات الوسطى انطلاقاً من وعي عميق بضرورة الاندماج في هذه الطبقات من أجل تحقيق أهدافها. ودون أن يتكوّن الحزب داخل الطبقات لن يستطيع أن يكون قوّة تغيير، ولا أن يكون حزباً ماركسياً.
و بالتالي فهو يسعى لأن يقود نشاطها الاعتراضي لتحقيق مطالب معيشية، وأيضاً نشاطها من أجل تأسيس بديل مجتمعي ينطلق ليس من مصالحها فقط، بل من مصالح المجتمع ككل كذلك.

جـ) يؤكد على الثقافة والوعي، وبالتالي على دراسة الماركسية لبناء القدرات المنهجية، ودراسة الواقع من أجل فهمه وتأسيس التصوّرات الضرورية لتغييره. لكن يؤكد في الوقت ذاته على «العملية» والنشاط، لهذا فهو يجمع بين الخبرات النظرية والمعرفية العالية والقدرات العملية والتنظيمية والتخطيطية الكبيرة. حيث أن أهمية الوعي والمعرفة يتحدّدان في قيمتهما العملية، أي في إضاءتهما الواقع بما يفضي إلى تغييره، وفي مساعدتهما على تحديد الممارسة والتكتيك الصحيحين. وبالتالي فإن الوعي هو الذي يسهم في المقدرة العملية، لأنه يؤسِّس لفهم الواقع وفهم صيرورته وتحوّلاته وطبيعة القوى فيه، وبالتالي العمل الضروري انطلاقاً من هذا الواقع للوصول إلى تحقيق الأهداف الممكنة والضرورية في آن من أجل التطوّر.
و إذا كان الواقع يفرز تناقضاته، ويُنتج انفعالات الطبقات المفقرة، فإن الوعي هو الذي يؤسّس لآليات وتكتيكات ضرورية من أجل أن يتحوّل النشاط العفوي إلى فِعل منظّم، انطلاقاً من تحديد الأهداف العامة واختيار التكتيك المناسب. وهنا الوعي لا يطال المفاهيم والبرامج والتحليل السياسي فقط، بل يطال العمل ذاته. لهذا فإن الوعي الأعلى يقود إلى عمل أكثر إنتاجية وتأثيراً ودقة.

د) لهذا فهو ليس دوغمائياً، يرى الواقع كما يرى تحوّلات الواقع، فهو لا ينطلق من أفكار مسبقة بل من مبادئ عامة ومنهجية هدفها تحليل الواقع. الأمر الذي يجعله دائم النظر إلى الواقع نظرة نقدية فاحصة لكي يستكشف التغيّرات فيه، ولكي يحدّد الخطوات الضرورية على ضوء ذلك.
و إذا كان يتمسّك بالمبادئ وبأهداف الطبقات التي يسعى للتعبير عنها، فإنه يسعى لتتبّع حركة الواقع ومتغيّراته من أجل أن يحدِّد التكتيك الضروري في كلّ لحظة.
إضافة إلى أنه دائم النظر إلى تجربته ونشاطاته بعين نقدية فاحصة ومدقِّقة، من أجل أن لا يقع في الأخطاء القاتلة.
إن رفض الدوغما يعني أن يظلّ النقد أساس المعرفة، وأيضاً أساس العمل. وأن يظلّ الشكّ عنصراً جوهرياً في المعرفة والممارسة. لأن اليقين نسبي، ولا يمكن أن يتحقّق إلا من خلال الشكّ ذاته.

ذ) يعرف أن التحوّلات الواقعية تفرض تحوّلات في الأولويات والتحالفات، بمعنى أن تكتيك العمل تفرضه تحوّلات الواقع انطلاقاً من المبادئ العامة والأهداف التي يسعى إلى تحقيقها. ولهذا فهو يزاوج بين الرؤية التي تمثّل تصوّراً راهناً وبعيد المدى، وبين الخطوة العملية في لحظة محدّدة. وينحكم للرؤية وليس للحظة، وإلا أصبحت «الحركة هي كلّ شيء أما الرؤية فلاشيء»، وبات ينحكم للعفوية وردود الفعل وليس للفعل. ولحركة الآخرين وليس لحركته الذاتية.
وهنا للوعي أهمية هائلة لأنها أساس معرفة متحوّلات الواقع والتكتيك الضروري المناسب في اللحظة المحدّدة.

ر) أن ينطلق من برنامج واقعيّ، يجيب على مشكلات الواقع. حيث يجب أن نلحظ أثر الأيديولوجيا في رسم الواقع في إطارات مسبقة التحديد، لهذا يجب أن يكون الواقع هو أساس الرؤية لأنه أساس العمل، وما تقدّمه الماركسية هو طريقة في التفكير وليس تصوّرات جاهزة. الأمر الذي يفرض أن تنبع البرامج من الواقع وانطلاقاً من مشكلاته.
وإذا كان الحزب يسعى لتحقيق الاشتراكية انطلاقاً من تعبيره عن الحلم الأساس للطبقة العاملة وللفلاحين الفقراء وكلّ المهمّشين، وانطلاقاً من كونه ماركسياً كذلك، فإنه الآن يسعى لتحقيق المهمات الديمقراطية الضرورية من أجل تحقيق التطوّر وتشكيل مجتمع مدنيٍّ حديث هو الأساس في أن تصبح الاشتراكية خياراً ممكناً، وبالتالي تحقيق الانتقال إلى الاشتراكية من خلال الديمقراطية.
لكن يجب أن نلحظ بأن ذلك لن يتحقّق وفق المسار الذي تحقّقت فيه الثورة الديمقراطية في أوروبا. لأن الواقع مختلف، وهو ما يفرض صيغة أخرى لم تعُدْ البرجوازية قادرة عليها، نتيجة عالمية النمط الرأسمالي بالذات. لهذا يجب تحقيق المهمات الديمقراطية في إطار طبقي مختلف ولمصالح طبقية مختلفة، لأن ذلك هو ما يحقِّق هذه المهمات. وحيث ليس من الممكن الانتقال إلى الاشتراكية دون إنجاز المهمات الديمقراطية المتعلّقة بتطوير قوى الإنتاج من خلال بناء الصناعة وتحديث الزراعة وتطوير البنية التحتية، وتحديث التعليم والثقافة والعلم، وتشكيل المجتمع القائم على مبدأ المواطنة والدولة الديمقراطية، وإنجاز المسألة القومية.
وإذا كان دور الحزب الماركسي المعبّر عن الطبقات آنفة الذكر يسعى لتحقيق مصالحها، فقد بات معنياً في تحقيق كلّ تلك المهمات من أجل ذلك.

ز) والحزب هنا يحدِّد مهمات هي أوسع من أن تقتصر عليه، لأنها حلم طبقات أخرى كذلك، وبالتالي هدف تيارات سياسية عديدة، وإنْ انطلاقاً من مصالح طبقية مختلفة. الأمر الذي يفرض التحالف مع كلّ القوى التي تتوافق على تلك المهمات. وهو تحالف طبقي مع الفئات الوسطى، وعبر أشكال متعددة، وسياسي مع القوى التي تعبّر عن هذه الفئات.
و هنا يجب أن نلحظ التوافق والتناقض بين هذه القوى التي يجب أن تتحالف من أجل تحقيق المهمات الديمقراطية، وأن تتصارع في إطار ديمقراطي، وأيضاً أن يسعى كلّ منها لأن يكون القوّة الأساسية في التحالف. لكن دون تحالف ليس من الممكن تحقيق تلك المهمات، وهذه مسألة يجب أن تكون واضحة ومحدّدة.
و لاشكّ في أن التوافق على المهمات العامة ( أي التي تتعلّق بالمجتمع)، لا يلغي التناقض في المصالح الطبقية، وبالتالي حول طبيعة النظام الاقتصادي الضروري من أجل تحقيق التطوّر، وشكل السلطة التي تحقّق هذا التطوّر أو تخدم المصالح الخاصة لهذه الطبقة أو تلك. وفي هذا الإطار يجب التأكيد على تحقيق النظام الديمقراطي العلماني.

س) حزب ديمقراطي، ينطلق من التنوّع وتعدّد الآراء ومن الاختلاف. ويشكّل هيكليته انطلاقاً من ذلك. وإذا كان من الضروري أن يجري التوافق على مبادئ أساسية وبرنامج محدَّد، فإن كلّ القضايا النظرية والمتعلّقة بالواقع وبالنشاط التي تعترض العمل، تبقى مجال حوار واختلاف وتصارع ديمقراطي.
لهذا فهو ينطلق من أن التنوّع سمة أساسية للحزب الطامح لأن يصبح قوّة تغيير. وإذا كان يسعى لتحقيق الديمقراطية في المجتمع، ويؤسِّس دولة ديمقراطية، فيجب أن يكون هو أوّلاً ديمقراطيّ.
و انطلاقاً من ذلك يمكن صياغة الهيكلية المناسبة، التي تسمح بتوحيد «الاتجاه» والعمل دون أن تمنع الحوار والانتقاد والتنوّع. ودون أن تلغي التكتلات والمحاور التي يمكن أن تنتج عن الاختلاف.

ش) وهو مرن، ويعمل بأشكال مختلفة، علنية وسرّية. سياسية ونقابية واجتماعية. وعلى برنامج يعبّر عن الطبقات التي يسعى لتمثيلها، ونقاط توافق مع تحالف عريض. كما على نشاطات اجتماعية تقوم على مطلب واحد لفئات محدَّدة، أي قضايا مطلبية ونوعية (العمال، الفلاحون، المرأة، المهنيون، وقضايا الديمقراطية والحريات عموماً).
لهذا فهو يؤسِّس لتحالفات متنوّعة ونشاطات مشتركة متعدِّدة. كما يمارس وفق آليات متنوّعة وفق الظرف الموضوعي، دون قسر مسبق لآليات العمل، ودون التزام شكل محدّد يمكن أن يكون قاصراً. الأمر الذي يفرض العمل في مستويات متعدِّدة وفق الأشكال الممكنة. وهو هنا يجمع بين العمل السياسي والعمل النقابي المطلبي، وكلّ الأشكال الضرورية التي يفرضها الواقع.

ص) يكون جزءاً من حركة ماركسية عربية، وينطلق من أنه معنيّ بالمشكلات الأساسية في الوطن العربي انطلاقاً من أن العرب أمة يجب أن تتوحد، وأن المشروع الصهيوني هو مشروع ضد العرب عموماً وبالتالي يجب أن يواجه في إطار عربيّ، وأن الاحتلال الأميركي للعراق والسيطرة الأميركية على الوطن العربي يجب أن تواجه في إطار مقاومة عربية شاملة. وأن التطوّر الاقتصادي والاجتماعي لن يتحققا إلا في إطار عربي.
و بهذا فهو يعمل لتحقيق الثورة القومية الديمقراطية في الوطن العربي، التي تحلّ المسألة القومية العربية، ومسألة القوميات المتداخلة مع العرب (الأكراد)، وكذلك مسألة الأقليات القومية (الأكراد في سوريا والتركمان والأرمن وجنوب السودان)، وأيضاً مسألة المجموعات البشرية التي كانت في أصول العرب ( الأشوريون والسريان والآراميون والكلدان والأمازيغ).

ض) ويلعب دوراً عالميّاً ضد النمط الرأسمالي، والعولمة المتوحشة، والليبرالية الجديدة، من أجل عالم متكافئ ومتعاون وينبني على المساواة والتضامن. وهو يسعى لأن يعاد تأسيس الحركة الأممية العالمية، انطلاقاً من كونها تحالف أحزاب ماركسية، ومركز تنسيق بينها في مواجهة الرأسمالية.

المصدر: الحوار المتمدن

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s