الثورة السورية من منظور ماركسي

تبدو الثورة في سورية مشوشة، ويلفها اختلاط كبير. فقد «ظهرت فجأة» دون توقّع، وأصبحت مجالاً لتصوير إيهامي يرضي الذات من قبل نخب وأحزاب. ولهذا خضعت للتشوه «الخلقي» رغم أنها نقية وواضحة إلى أبعد الحدود. وبالتالي باتت هي وليست هي في الوقت ذاته. وأصبحت «صورتها الخارجية» تغطي على واقعها الحقيقي، وتشوهه. وإذا كانت أكثر الثورات العربية بطولة، إلى الآن، في مواجهة نظام وحشي، فإنها تبتلي بأكثر المعارضات هزلاً وهزالاً، وبأكثر الثورات توافقاً على تشويهها من قبل المعارضة والقوى الإقليمية والدولية معاً.
إنها ثورة أبطال حقيقيين، بقيادات هزلية، في مواجهة سلطة مافياوية مجرمة. لكن هذه البطولة سوف تفرض الانتصار، وبالتالي لا بد من فهم عميق لها من أجل تطوير آلياتها لكي تصل إلى ذلك.
 من هنا لا بد للماركسي من أن يفهم واقعها لكي يضع التكتيكات الضرورية لتطورها وانتصارها، ولانتصار العمال والفلاحين الفقراء، والطبقات الشعبية عموماً.
الجوهر والمظهر: واقع الانتفاضة وأشكالها
في النظر إلى الموضوع لا بد من التمييز بين الجوهر والمظهر، أو السبب الجوهري في الانتفاضة والشكل الذي اتخذته. ثم الفعل والشكل الذي يتخذه، فالظاهرة أعقد من أن تبتسر في شكل معين أو في سبب يظهر جلياً.
فما ظهر هو شعار الحرية، وجرى اختصار الأمر في أن هدف الانتفاضة هو الحرية والكرامة. ولقد جرى التركيز على ذلك إلى الحد الذي أظهر بأنه هو هدف الانتفاضة الوحيد، وهو الهدف الذي يحرّك كل المنتفضين بالسوية ذاتها.
ولا شك في أن الاستبداد الطويل ومسخ «الشخصية» من خلال كل الآليات التي تفرضها السلطة منذ دخول المدرسة إلى النشاط في أي من مناحي المجتمع، يفرض ضرورة تحرر الذات. خصوصاً بعد ارتقاء التعليم، ومن ثم التوسع الكبير في التواصل العالمي عبر الوسائل الحديثة، سواء تعلق الأمر بالنت أو بالفضائيات. وهو الأمر الذي أسّس لشعور كبير بـ «الفردية»، وأفضى إلى الشعور بالذات، وبدورها في الشأن العام. فإضافة إلى الإخضاع المستمر عبر المدرسة واتحاد شبيبة الثورة، وفي النقابات والاتحادات، والجامعات، كان التدخل في الشأن العام يعني السجن، وأصبح امتلاك رأي مخالف يعرّض الشخص للمساءلة والسجن.
لهذا أوجد الاستبداد، وأوجدت الشمولية، النقيض الضروري، الذي هو ضرورة التحرر وفرض الديمقراطية من أجل دور فاعل في المجتمع. وبالتالي ظهر واضحاً منذ وفاة حافظ الأسد بأن قطاع من الشباب بدأ يتحسس ضرورة أن يعبّر عن ذاته، وجده جزئياً في «ربيع دمشق»، الذي تلاشى سريعاً تاركاً الشباب في وضع يائس. لهذا كانت ثورة تونس، ثم ثورة مصر، وبالتالي البحرين وليبيا واليمن، هي اللحظة التي دفعت بعض منهم إلى البحث عن نشاط مشابه (خصوصاً وأن تلك الثورات اعتمدت على الشباب بالأساس).
أيضاً إن وطأة التدخل الأمني كان يطال كل مجالات الحياة، وكل نشاط اقتصادي أو ثقافي، أو رياضي، أو حتى ترفيهي. ولهذا كان المواطن يصطدم أينما أشاح وجهه بالأجهزة الأمنية. ولعب الفساد الذي تعمم في كل بنى الدولة دوراً كبيراً في أن يتزايد دور «التحرش» الأمني، والروتين السلطوي، ويصبح عبء السلطة أمراً لا يطاق.
هذه هي الوطأة المباشرة التي تفرض الصراع من الألم، لكن هذا الأمر كان قبلاً، ولقد عانت منه أجيال، دون أن تتمرّد أو تحاول الانتفاض. لقد تحركت نخب ممن ينشط في العمل السياسي (الأحزاب)، وقضت سنوات طويلة في السجون، لكن الطبقات الشعبية لم تتحرّك، ولهذا كانت متهمة من النخب بأنها رُوِّضت، و»خنعت»، و»خضعت» و»تبعثت»، وباتت مستكينة لا يخرج منها شيء. وفعلاً لم تظهر أية تحركات خلال العقود السابقة (وأحداث سنة 1980/ 1982 تخرج عن ذلك لأنها نشأت عن فعل سياسي طائفي). حتى الإضرابات المحدودة، أو أشكال الاحتجاج البسيطة، لم تظهر إلا بشكل محدود في السنوات الأخيرة، ولأسباب اقتصادية.
ما حدث منذ 15 آذار/ مارس سنة 2011 هو التحوّل الكبير الذي يحتاج إلى تحديد الأسباب التي جعلت هذا «الشعب المستكين» يتمرّد بهذا الشكل البطولي؟
كان الاستبداد لازال قائماً، لكن وطأته كانت قد تراجعت منذ سنة 2000. وشمولية السلطة كانت قد بدأت بالتراخي. ما تحوّل هو وضع الطبقات الشعبية نتيجة السياسة الاقتصادية التي حدثت منذ سنة 1991، وخصوصاً منذ سنة 2000. فقد تعممت اللبرلة، وجرى التخلي التدريجي (لكن السريع) عن دور الدولة في الاستثمار والتعليم والصحة والتوظيف، ودعم السلع والحفاظ على التوازن بين الأجور والأسعار، وضبط تأثير السوق العالمي على الاقتصاد المحلي لكي لا تخضع الأسعار لسعرها العالمي. وهو الأمر الذي أسس لانهيار الاقتصاد «المنتج» (الصناعة والزراعة)، وتشكل اقتصاد ريعي محتكر من قبل أقلية عائلية سلطوية (ومحظيين). وفرض انهيار الوضع المعيشي لكتلة كبيرة من الشعب (العمال والموظفون والفلاحون، و جزء مهم من الفئات الوسطى) بعد أن تمركزت الثروة بيد أقلية حاكمة. كما أفضى النمط الاقتصادي الريعي إلى نشوء بطالة كبيرة بلغت ما يقارب الـ 30% من القوى العاملة (وجزء مهم منهم هو من الشباب).
لقد انهارت الزراعة بعد تحقق الانفتاح الاقتصادي والخضوع للأسعار العالمية للمشتقات النفطية والبذور والأسمدة، فتضرر الفلاحون الفقراء والعمال الزراعيون والفلاحون المتوسطون، وحتى بعض كبار الفلاحين. وتوسع «القطاع الخاص» في بعض الصناعات الاستهلاكية، والورش، لكن أجور العمال كانت أدنى من الحد الأدنى الذي قررته السلطة (والذي كان هو ذاته لا يفي بثلث ما هو ضروري). وظلت أجور العمال والموظفون في «القطاع العام» متدنية كثيراً. وتعرّضت الفئات الوسطى التي تنشط في التجارة أو الخدمات، أو تتوفر على «مشاريع صغيرة» إلى انهيار في وضعها، وإفلاس قطاع كبير منها.
هذا هو الوضع الذي تبلور خلال العقد الأخير، خصوصاً في السنوات الخمس الأخيرة. وهي التي اسست لنشوء احتقان اجتماعي كان يختمر «تحت الرماد». وعبّر عن ذاته في أشكال بسيطة من التصريح أو التذمر أو الاحتجاج. لكن كان واضحاً بأن عمق الخوف فرض الانضغاط الأشد، إلى أن تفجّر بُعيد 15 آذار.
إذن ما كان يؤسس لاحتقان كبير هو الوضع الاقتصادي الذي وجدت الطبقات الشعبية ذاتها فيه. لكن ذلك كان يطرح كل المتراكم في العلاقة مع السلطة، من دور الأمن، إلى الفساد والنهب والإذلال والتدخل، والخوف. حيث كان كل ذلك ممكن التحمّل مادام هناك مقدرة على العيش، لكنه يصبح مجال رفض ويجري التمرّد عليه حين ينهار الوضع الاقتصادي.
لهذا فإن ما أسس «القاعدة» الأساس لانفجار الثورة هو هذا التراكم الهائل من الاحتقان نتيجة انهيار الوضع الاقتصادي، الذي تداخل مع مطالب فئات وسطى رفعت شعار الحرية والكرامة.
الآن، لم يبدأ الحراك بمطالب اقتصادية، أو بدأ الانفجار بسبب اقتصادي (كما في تونس)، بل بدأ عبر حراك فئات شبابية ديمقراطية من جهة، لكنه، من جهة أخرى، تفجّر بفعل رد فعل السلطة العنيف على مطالب تتعلق بمنطقة درعا، وهي مطالب تتعلق بتدخل الأجهزة الأمنية والسلطة استناداً إلى قانون يتعلق بالأرض الحدودية للحصول على رشاوي في كل معاملة تتعلق بها. ومن ثم تأثر أطفال بهذا الوضع الاحتقاني، وبالثورات العربية لكتابة شعار «الشعب يريد إسقاط النظام»، ومن ثم سجنهم وتعذيبهم وإهانة وجاهات المدينة. ولقد حسم الرصاص «عقدة الخوف» فتمردت درعا، وأصبح الرصاص هو الذي يكسر حالة الخوف ويحوّل التظاهرات من بضع مئات إلى مئات الآلاف. وأصبح تحدي عنف السلطة هو المسيطر على كل الحراك، وأصبح يهدف إلى «إسقاط النظام». وبالتالي كان من الطبيعي أن تكون الحرية هي بديل الاستبداد، وأن تكون الكرامة هي بديل الذل والإذلال.
بمعنى أن الاحتقان قد تفجّر ليس نتيجة الفعل الذاتي للوضع الاقتصادي بل نتيجة القمع العاري الذي أخذت تمارسه السلطة ضد المحتجين. وهنا كانت سياسة السلطة هي العنصر الأهم في تحقيق تفجّر وانتشار الثورة، كون شدة العنف أفضت إلى كسر حاجز الخوف عكس ما أرادت السلطة، التي اعتقدت بأن القمع العنيف منذ البدء سوف يخمد أي ميل للتحرك الشامل. وهي بذلك دفعت إلى الهاوية وجودها ذاته، لأنها بقمعها العاري فرضت نشوء الضرورة التي تقوم على نفيها. فهذا العنف العاري لا بد من أن يزال، ولن يكون ذلك إلا بزوال السلطة ذاتها.
بالتالي أصبح التخلص من عبء السلطة كلها هو الذي يحرّك الشعب المنتفض. وإذا كان ذلك يشير إلى (أو يفسّر بـ) الحاجة إلى الحرية فقط، كون الشعار هو الحرية، فإن التخلص من عبء السلطة يعني كذلك التخلص من كل الإرث الاقتصادي الذي نشأ في ظلها. فهذا هو الذي يختزن الاحتقان منذ سنوات، ويجعل إمكانية العيش صعبة، وربما مستحيلة، خصوصاً لفئات عاطلة عن العمل أو لا تستطيع توفير الخبز أو الدواء أو التعليم لأبنائها.
في المستوى الآخر، سنجد بأن هذا الجوهر الذي يحكم الانتفاضة أخذ يتمظهر في أشكال لا تعبّر عنه بالضرورة، أو لا تشير إليه. حيث عدا شعار الحرية كهدف يتصل بإسقاط النظام لم يُطرح هدف آخر. حملت بعض الشعارات مؤشرات لمطالب (ضد الفساد مثلاً) لكنها لم تحمل مطالب الطبقات الشعبية.
ونتيجة التدمير الطويل للسياسة كفعل وكثقافة، وحصرها في أحزاب سلطة مهمتها الدفاع عنها، كما في «ثقافة سياسية» هي «خطابات السيد الرئيس» التي باتت تدرّس في المدارس وفي الجامعات بما فيها أقسام الفلسفة، وبالتالي إلغاء الفكر وتعميم «كتابات إنشائية» بدلاً عنه. وحتى إلى تدمير الثقافة بالعموم من خلال المناهج التي باتت تدرّس، وأيضاً من خلال التسرّب من المدارس. نتيجة ذلك استقرت الثقافة التقليدية، وتعممت «الثقافة» الشعبية، وبات الوعي الشعبي العام «تقليدياً»، سهّل نشوء موجة التدين خلال العقد الأخير، والذي نتج بالضبط عن أزمة الشباب الذي كان يتلمس انسداد الأفق. ولهذا بدت «الشعارات» التي تتردد في التظاهرات دينية، وتنطلق من الثقافة التقليدية وليس من وعي ايديولوجي.
هذا الوضع تركبت عليه صورة تغذت من إعلام السلطة الذي أراد أن يصوّر الثورة بأنها حراك أصولي سلفي مرتبط بالإخوان المسلمين، لكي يكتّل الأقليات الدينية والعلمانيين خلفه، ولكي يبرر كل ممارساته البشعة. لكن الصورة تغذت كذلك من معارضة الخارج وامتداداتها الإعلامية (قنوات الجزيرة والعربية والوصال وبردى. وأيضاً مواقع النت خصوصاً هنا موقع الثورة السورية ضد بشار)، حيث استمرأت الأمر فبدأت تعطي الثورة صورة «إسلامية» من خلال التصريحات والمقابلات والتغطية الإعلامية، سرعان ما تطورت إلى فرض أسماء أيام الجمع والشعارات في التظاهرات ذاتها عبر شبكة من «المراسلين» الذين تحوّل بعضهم إلى «مقاول» يخدم رؤية خارجية.
هنا أصبح مظهر الانتفاضة وكأنها انتفاضة إسلامية «سنية»، وتطالب بالتدخل العسكري الإمبريالي (وكانت هذه هي سيتسة المعارضة الخارجية، خصوصاً الإخوان المسلمين). لقد عوّضت معارضة الخارج عن عدم مقدرة الشباب المنتفض على طرح رؤيته ومطالبه بشكل واضح (أي وفق تصور سياسي) بأن صاغت هي رؤيتها الذاتية معتبرة أنها هي رؤية الثورة. وهذه هي الصورة التي تعممت خارجياً، بما في ذلك على كل من يتابع الفضائيات والنت في سورية. وهو الأمر الذي أسهم في استمرار حالة الفصام بين «الأغلبية» و»الأقليات» التي لا ترى غير هذه الصورة، وبالتالي تصدّق ما يقوله الإعلام الرسمي. وأيضاً مع ملاحظة أن هذه الصورة أخذت في التأثير في بنية الثورة ذاتها في بعض المواقع.
بالتالي فإن هذا التمييز بين جوهر الثورة، وشكل تفجرها، والأشكال التي تظهر فيها، هو أمر ضروري من أجل صياغة «وعي مطابق» لما تهدف إليه الطبقات الشعبية بانتفاضتها هذه.
آفاق الانتفاضة: حسب مصالح الطبقات
وتبدو الثورة كفوران جماهيري، جرى بشكل متتابع، معتمداً التظاهر وسيلة لمواجهة السلطة، ككل الثورات الشعبية العفوية، ككل الانفجارات الاجتماعية. وما كادت ملامح مطالب تبرز حتى طغى شعار إسقاط السلطة، فلم يظهر سوى شعار الحرية والشعب يريد إسقاط النظام.
وهذا الشكل كان يخفي المصالح المحدَّدة للطبقات، وأصلاً لم يُظهر مشاركة واضحة لـ «الطبقات»، بمعنى مشاركة الطبقة كطبقة عبر أشكال واضحة تنظم فاعليها. وبالتالي لم نشهد إضرابات عمالية، أو احتجاجات موظفين، أو نخب، أو تجار، بل شهدنا هذا الاندفاع العفوي نحو الشارع من قبل فئات من الطبقات الشعبية. في هذا الوضع تطغى الشعارات العامة (الأكثر عمومية)، وهي هنا إسقاط النظام وتحقُّق الحرية.
لكن تحت كل ذلك تتخفى مصالح الطبقات المشاركة، ويحدث تصارع مخفي بين «نخب» منها، بهدف سوق الثورة إلى المسار الذي يحقق مصالح هذه النخبة أو تلك (أو هذه الطبقة أو تلك). بالتالي فإن ما هو واضح هو العام، سواء الشعب المنتفض الذي يشكل كتلة موحدة متراصة، ومصممة على إسقاط النظام، أو الهدف الجامع الذي هو إسقاط النظام وتحقيق الحرية. لكن ما هو مخفي هو هذا الصراع الذي يدور من أجل أن تحقق الثورة مصلحة طبقية بعينها.
يظهر ذلك واضحاً في محاولة حصر الانتفاضة في الهدف العام ذاك، وبالتالي ترك كل الأمور الأخرى «إلى ما بعد»، إلى «اليوم التالي». لكن من يمسك الآن بمآلات الثورة سيفرض السياسات التي تناسب مصالحه فيما بعد إسقاط النظام، لهذا فإن المسألة الآن لا تفرض التمسك بالعام، فالعام هو الجامع، لكن كل طبقة تفهم من هذا «العام» ما يحقق مصالحها هي بالذات. وموازين القوى في الثورة بين الطبقات هي التي ستقرر طبيعة البديل الممكن.
هذا الأمر جعل النخب الليبرالية (أفراد وأحزاب) تدفع نحو التمسك بالعام (أي بإسقاط النظام والحرية)، وترفض كل ميل لطرح مطالب الطبقات المفقرة. أي أنها تركز على السياسي الذي يتعلق بإسقاط النظام، وبالتالي يحصر الحرية في الحقل السياسي الذي يعني دمقرطة الدولة، وترفض كل محاولة لتناول الاقتصادي أو المجتمعي بكليته. رغم أن الطبقات الشعبية هي الكتلة الأكبر في الثورة، وهي التي تعاني من الإفقار نتيجة البطالة وتدني الأجور كما أشرنا قبلاً، وهي التي تقاتل بكل قوة وبطولة. وهذه النخب ترفض ذلك بالضبط لأنه يقود إلى محاكمة النمط الاقتصادي الذي يقوم عليه النظام المراد إسقاطه، الذي هو نمط ليبرالي (ريعي مافياوي). فليس من حل لمشكلات البطالة وتدني الأجور إلا بـ «إسقاط النظام الاقتصادي» الذي تقوم على أساسه سلطة الاستبداد والنهب والفساد. وهذا ما لا تريده النخب الليبرالية، التي لا تتناقض مع النمط الاقتصادي القائم (وإنْ اختلفت ما الطابع الاحتكاري له، الذي يجعل العائلة وحواشيها هي المتحكم بكلية الاقتصاد)، وتريد استمراره، متجاهلة أنه الأساس الذي فرض الانفجار الاجتماعي الهائل هذا. وفي محاولتها الهرب من تفسير الانتفاضة بحالة الإفقار، واعتبار بأن الاستبداد هو السبب فيها، تميل للتعمية على الواقع من أجل حصر مطالب الانتفاضة في تغيير شكل السلطة فقط، حيث الديمقراطية هي بديل الاستبداد ونقطة على السطر. وهنا تتحوّل الديمقراطية على أرضية النمط الاقتصادي ذاته إلى شكل انتقال السلطة من أشخاص إلى اشخاص آخرين ليس من اختلاف بينهم من حيث المصالح الطبقية أو حتى ممارسة السلطة. رغم تغيّر شكل السلطة، الذي يمكن أن يكون ضيقاً أو متسع قليلاً، كل ذلك لأن النخب التي تعبّر عن هذا النمط الاقتصادي الريعي تريد ديمقراطية في الحدود التي تساعدها على الحكم وليس الديمقراطية التي تفتح الأفق لصراع طبقي ضدها.
إذن في جوف الثورة تيارين يعبّر كل منهما عن مصالح مختلفة، ومتناقضة في الجوهر، وإنْ كانا يتوافقان اليوم على إسقاط النظام وتحقيق الديمقراطية. وأيضاً إنْ كانت قاعدة تيار منها هي أوسع لأنه يضم الطبقات الشعبية المفقرة، والتيار الآخر يشكل أقلية، رغم أن ما يظهر على السطح يوضّح العكس تماماً، حيث تطفو الفئات الليبرالية، والليبرالية السلفية. والخلاف الجوهري هنا يتعلق بالتغيير الذي يحقق مصالح كل منهما. والذي يتمثل بالتحديد في هل نريد تغيير شكل السلطة لتحقيق «الانتقال من الاستبداد إلى الديمقراطية» (وهو الهدف الذي يلخص كل نشاط المعارضة خلال عقدين قبلئذ)، أم نريد تغير الشكل والمضمون، أي كلية النظام بما في ذلك النمط الاقتصادي من أجل إيجاد فرص عمل ورفع الأجور والتعليم المجاني، إضافة إلى تأسيس الدولة المدنية الديمقراطية؟
وإذا كان صوت الطبقات المفقرة خافت، أو حتى لا يبدو أنه موجود وهي تردد المطلب العام (الحرية وإسقاط السلطة)، أو تتكئ على مخزونها الديني، فإن النخب برعت في حصر الثورة في حدود المطلب الديمقراطي، متحججة أحياناً بأن المطالب الأخرى يمكن أن تُطرح بعدئذ، أي بعد ـاسيس النظام الديمقراطي (وهذا أخطر ما يتضمنه الخطاب الليبرالي)، أو معتبرة بأن الثورة هي أصلاً من أجل الحرية والديمقراطية متكئة على الشعارات التي تتردد في التظاهرات. هذه النخب التي ولدت في ظل عنف السلطة الذي كان يظهر من خلال طابعها الشمولي الذي يفرض «نمذجة» الفرد، أو من خلال القمع العنيف لكل رأي أو احتجاج، هذه النخب أصبحت تطالب بالأقصى الديمقراطي كرد على عملية الاستلاب الطويلة التي عاشتها أو ولدت فيها. لكن دون أن تكون بالضرورة ديمقراطية، حيث أن هدف الحرية هو المضاد لسلطة الاستبداد، وليس بالضرورة أن يحمل في مضمونه مفهوماً ديمقراطياً للدولة أو للعلاقات، وهذا ما يظهر في تكوين النخب والأحزاب التي يظهر واضحاً أن المفهوم لا يعبّر عن تبلور التكوين الذاتي للأفراد، أو الأحزاب التي تطرحها، ومن ثم ليس من الممكن القول بأن هؤلاء يظهروا كديمقراطيين منسجمين.
وهذه النخب تشمل فئات مارست السياسة خلال العقود الماضية، وتعرّضت للاعتقال والقمع، أو تكيفت مرغمة مع الطابع الشمولي للسلطة. أو فئات من الشباب الذي تفتح على الحاجة إلى الحرية، التي تلمسها من خلال التواصل الحديث (النت). وهي في الغالب تنتمي إلى الفئات الوسطى. ومنطقها يقوم على ربط الديمقراطية بالليبرالية الاقتصادية، أو التمسك بالحرية دون تلمس علاقتها بالاقتصاد. بالتالي نجدها تركّز على الحرية والديمقراطية فقط، وترفض كل حديث خارج ذلك بحجج مختلفة، منها أنه يجب التركيز على ما هو مشترك، ومن ثم يجري طرح كل المسائل الأخرى فيما بعد التغيير، أو أن الشعب يريد الحرية فقط مستندة إلى الشعارات التي صاغتها هي وليس الشعب، ورددها الشعب خلفها، وكلٌّ يضمنها مطالبه.
لكن هذا الطرح الذي يعبّر عنه هذا التيار يحقق مطالب قوى طبقية تريد تعديل ميزان القوى في إطار الرأسمالية ذاتها من خلال كسر سلطة الفئات المحتكرة الآن، دون تعديل أو تغيير النمط الاقتصادي القائم. هؤلاء هم التجار والفئات العليا من البرجوازية الصغيرة، وبعض الطامحين إلى الارتقاء الطبقي. فالبرجوازية التجارية التي هي إلى الآن خلف السلطة، تدفع نحو تغيير يعيدها القوة الاقتصادية الأساس، في مواجهة «رجال الأعمال الجدد» (الذين هم العائلة الحاكمة)، هؤلاء الذين يفرضون عليها علاقة تبعية الآن. رغم أن جزء كبير منها لم يشارك في الثورة، أو بدأ «الدعم» متأخراً، بعد أن دعم السلطة طويلاً.
وبهذا فما يقود إليه هذا التيار هو إعادة صياغة للعلاقة بين الفئات الرأسمالية في إطار الطبقة الرأسمالية لمصلحة فئات تشعر الآن بالتهميش، فقط مع تأسيس نظام يستوعب آراء وقوى أوسع، دون أن يعني ذلك تحقيق الديمقراطية الحقة. وربما أمثلة تونس ومصر واضحة في هذا المجال.
هذه الخطوة حين تتحقق لا تحقق مصالح الشعب. الشعب الذي لم يستطع التعبير عن مطالبه، وكرَّر ما رددته الليبرالية، لكن تحقق المطلب الليبرالي لن يجعله يحسّ بأن مطالبه قد تحققت. وهو الأمر الذي يبقي الصراع مفتوحاً، وهذه المرة مع القوى الجديدة. وما هو ضروري من قبل الماركسيين هو التعبير عن مطالبه من الآن، ومعرفة أن صراعه لن يتوقف قبل أن تتحقق هذه المطالب، وأن الليبرالية ليست معنية بتحقيقها، بالتالي يجب أن يكون واضحاً بأن الماركسية هي التي يجب أن تقتح الأفق لتحقيقها، من خلال بلورة العمال والفلاحين الفقراء في طبقة تعي مصالحها وتناضل من أجل تحقيقها.
الانتفاضة والمعارضة
وإذا كانت الثورة عفوية، وانطلقت من فئات شعبية، وبعض النخب الشبابية، وبعض الشباب المسيس، فإن دور أحزاب المعارضة كان غائباً بشكل كبير. لقد فوجئت بما جرى، وحين استفاقت على ما يجري كانت أسابيع قد مرّت. بعض شبابها وأعضائها شارك في الحراك، لكن من منطلق فردي في الغالب، أي دون رؤية أو إستراتيجية، فانساق وراء الحراك أكثر مما كان مؤثراً فيه، أو حاول التأثير في شعاراته وتنظيمة في المراحل الأولى من الثورة قبل أن تشدد السلطة القمع والقتل والتشريد له.
الشباب المشارك كان يبتعد عن المعارضة، ويريد أن يؤسس دوراً خاصاً بعيداً عنها. أما هي فقد تبلورت في كتلتين، الأولى معظمها في الداخل وأسست «هيئة التنسيق لقوى التغيير الوطني الديمقراطي»، لم يخرج برنامجها بعد ثلاثة أشهر من الانتفاضة عن أن يكون إصلاحياً، يريد انتقال سلمي وسلس من الاستبداد إلى الديمقراطية، التي تعني تعديلاً جزئياً في الدستور، ومن خلال صيغة ما للتحاور مع السلطة بعد وقف القتل وإطلاق المعتقلين. وهو منطق لم يكن مقبولاً في وضع ثوري أصبح سقفه هو إسقاط النظام. وبالتالي دخلت هذه الكتلة في متاهة الإنتظار مبتعدة عن تطور الصراع الواقعي، وظلت تراهن على «حوار» مع السلطة لم يأتِ، ثم راهنت على الضغوط الخارجية ولازالت.
الكتلة الأخرى تبلورت بعد أكثر من ستة أشهر في «المجلس الوطني السوري»، وهي تتوضع في الخارج ولها وجود داخلي من خلال إعلان دمشق. والمجلس هو نتاج حراك معارضة الخارج منذ نهاية شهر نيسان، وبدء انعقاد المؤتمرات منذ نهاية شهر أيار (إنطاليا، ثم اسطنبول، وبروكسيل). وكان واضحاً بأن تقليد التجربة الليبية القائمة على التدخل الإمبريالي هو الذي يحكم مسارها، من إتخاذ الإسم ذاته (المجلس الوطني) إلى تغيير العلم، إلى التوجه إلى الخارج من أجل التدخل. وتحويل الثورة إلى «مناحة» نتيجة تصويرها كمجزرة ترتكبها السلطة، وليس كثورة ضد السلطة، بهدف استجرار عطف هذا الخارج.
كان الميل في الفترة الأولى من الثورة (15/3 إلى نهاية شهر آب) يتمثل في تشكيل قيادة موحدة للثورة من التنسيقيات والهيئات التي نشأت خلال الثورة. لكن كانت السلطة إلى نهاية شهر آب قد ضربت كل الفاعلين الأساسيين على الأرض. و لقد أخذ الشعور بضرورة وجود القيادة السياسية يتنامى بعد شهر رمضان وانكشاف الوهم الذي تعمم بالحسم خلاله. فطُرحت مسألة «وحدة المعارضة»، ثم جرى تشكيل المجلس الوطني في جو من التهليل الإعلامي، والحاجة الداخلية والدفع الخارجي لإظهار القبول الداخلي به، لكي يصبح هو «الممثل الشرعي والوحيد»، ومن ثم يتقدم لطلب التدخل الخارجي. ولقد انكشف دوره سريعاً، ودخل في أزمة فرض «إعادة تشكيل المعارضة» عبر تأسيس الائتلاف الوطني من المجلس الوطني والمنشقين عنه، لكن وفق توجه مختلف قليلاً يميل إلى «الحوار» بعد أن ظهر أن هناك استعصاءً وأن السلطة تدمرّ البلد وأن «الغرب»، خصوصاً أميركا، هو اقرب إلى الحوار عبر الدور الروسي.
والآن، تلاشى «التطبيل» وعاد يلفّ الحراك شعور بالحاجة إلى قيادة سياسية.
هذا الأمر يؤشر إلى الانفصال بين الحراك الشعبي وأحزاب المعارضة، ويؤكد  على أنه حراك شعبي بامتياز.
والآن، ماذا تمثل المعارضة بالنسبة إلى الشعب؟ لا أشير هنا إلى الدور، فقد أوضحته للتو، لكن أشير إلى المصالح. فماذا تمثل المعارضة من حيث المصالح؟
سأشير إلى أن هذا الانقسام الحاد الذي يلفّ المعارضة لا ينعكس في السياسات العامة التي تطرحها فيما يتعلق بـ «البديل» المطروح للسلطة القائمة. فهي تتفق على مسألة «الانتقال من الاستبداد إلى الديمقراطية»، سواء «عبر السلطة» أو عبر نفيها. والرؤية العامة التي انتشرت خلال العقد الأخير خصوصاً (وبعضها منتشر منذ ثلث قرن) تنصبّ على تغيير شكل السلطة نحو تأسيس «دولة ديمقراطية». وهذا ما توضح في برامج كل الأحزاب المعارضة، وبرامج تحالفاتها المشتركة. الخلاف الوحيد يتمثل في النظر إلى «العالم»، فهل نحن ليبراليون إلى حدّ التحالف مع الرأسمالية (وكانت تلخص في أميركا)، أم أننا «ديمقراطيون» معادون للسياسة الأميركية؟
أي أن الاختلاف هو في التوضّع العالمي لسورية، هل تكون ضمن السيطرة الإمبريالية أو تكون خارجها؟ وخارجها يحيل إلى استمرار السياسة «التحررية» التي سادت منذ نهاية أربعينات القرن العشرين، والتي كان البعث من ضمنها.
ولا شك في أن هذا الاختلاف مهم، لكن ما هو مطروح كـ «بديل» للوضع القائم هو الديمقراطية. أي أن كل النشاط الذي قامت المعارضة به سابقاً، والذي تسعى عبره الآن، يتمثل في تغيير «المستوى السياسي» للدولة، أي تأسيس دولة ديمقراطية (بغض النظر عن حدود هذه الديمقراطية، ومدى انسجام هذه المعارضة مع الديمقراطية كتكوينات). إن «الهدف المركزي» هو تأسيس «نظام ديمقراطي تعددي». ليبدو أن الخلاف هو في إستراتيجية الوصول إليه. المجلس الوطني يستخدم الثورة والشهداء ودموية السلطة من أجل تدويل القضية السورية واستجرار التدخل العسكري الإمبريالي. وهنا تقع إستراتيجية «الندب» و»العويل»، وتحويل الثورة إلى مناحة. أما هيئة التنسيق فقد ظلت تنتظر أن يقود الضغط الشعبي إلى اقتناع السلطة بضرورة التغيير من أجل تحقيق انتقال سلس للسلطة نحو دولة ديمقراطية تعددية. وظلت تقوم إستراتيجيتها على الضغوط على السلطة (الجامعة العربية، روسيا، وكوفي عنان) من أجل تحقيق ذلك.
وإذا كانت كلا المعارضتين تريدان ذلك، فإن الأساس الذي جعلهما كذلك هو توافقهما أيضاً على أنه ليس من الممكن هزيمة السلطة، فهي أقوى من أن تزيلها قوى محلية. وهو ما يُظهر نخبوية عالية لا تعتقد بأن الشعب قادر على التغيير. وأصلاً انهما لا تريان شعب، بل جموع أُخضعت خلال حكم البعث الطويل، من خلال الآليات التي اتبعها. لهذا ظل الشعب خارج كل حساب. وظل وضعه خارج المعرفة. فانحصر دورها في «الصراع مع السلطة» من أجل تغيير شكلها، ببقاء الأشخاص (كما كان يظن البعض) أو بدونهم.
هذا «الوعي» الذي يحكمها هو الذي جعلها لا تتلمس مشكلات الطبقات الشعبية التي كانت تتضخم، وتحصر سياساتها في «النضال الديمقراطي» من أجل تغيير شكل السلطة بتحقيق الانتقال من الاستبداد إلى الديمقراطية.
هذه المعارضة مثلت النخب التي تريد «الحرية» من أجل أن تجد لذاتها مكاناً في التكوين السياسي (الدولة). ولقد بررت ذلك بخطاب ليبرالي واضح، أو من خلال التفاف ينطلق من «أولوية الديمقراطية» وتوحيد كل القوى من أجل تحقيقها، ومن ثم يمكن بعد ذلك لكل حزب أو طبقة أن يطرح مطالبه. وهنا كانت تريد أن تُسند من قبل الشعب (الذي لا تراه) لتحقيق انتقال في السلطة يجعلها جزءاً من البنية السياسية السائدة، ومن ثم يمكن لهذا الشعب أن يطرح مطالبه. لكنها تكون قد أصبحت هي السلطة التي تقمع كل نشاطه من أجل مطالبه، حيث تعتبر بأنها هي التي تعي كيف تتحقق هذه المطالب. فتطلب منه الانتظار والتحمّل إلى أن تجد «اللحظة المناسبة» لذلك، كما نسمع اليوم في خطابات الإسلاميين في تونس ومصر، وحتى «الديمقراطيين» مثل الرئيس الجديد لتونس المنصف المرزوقي.
هذا هو «الخبث» الليبرالي الذي يريد تضييع مطالب الشعب من أجل أن تتحقق مطلب النخب الليبرالية، والتي تتمثل في الوصول إلى السلطة فقط.
وحين بدأت الثورة بهتاف «الله، سورية، حرية وبس»، وهتاف «حرية»، طار الليبرلي فرحاً لأن الشعب يحمل مطلبه هو بالذات، رغم أن من أدخل هذين الهتافين هو «نخب» من الشباب المتأثر بـ «ربيع دمشق»، أي بثقافة هذه المعارضة. وكان عجز الطبقات الشعبية عن طرح مطالبها، وحاجتها إلى من «يلقنها»، هو المسرب الذي بلور الخطاب الذي يقول بأن الشعب هو الذي يريد الحرية والكرامة فقط. وأن يجري الصراع ضد كل من يطرح مطالب «اقتصادية» تخص هذه الطبقات، بحجة أن هذا خطاب يساري مقحم على الثورة. ولا شك في أن سوء معرفة هؤلاء بوضع الطبقات الشعبية من حيث نسبة البطالة وتدني الأجور وانهيار التعليم والصحة، وانهيار الزراعة والصناعة، هو الذي يجعلهم يصدقون ما اخترعوه. ومن ثم لا يلقون بالاً لوضع مزرٍ تعيشه الطبقات الشعبية.
إن البديل الذي يطرحه هؤلاء يقوم على مرتكز أساسي هو تغيير شكل السلطة دون المسّ بأساسها الاقتصادي، وتعديل التوازن بين فئات الرأسمالية المسيطرة بما يضعف أو ينهي «رجال الأعمال الجدد» (أو بعضهم على الأقل). لكن مع استمرار النمط الليبرالي سائداً، بما هو نمط ريعي يتمركز حول العقارات والسياحة والخدمات والبنوك والتجارة. وتجاهل ضرورة إعادة بناء الصناعة وتطوير الزراعة والبنى التحتية. وهي المسائل التي تسمح بحل مشكلة البطالة والأجر المتدني، وتعيد فرض ضرورة تطوير التعليم وضمان الصحة.
أي إبقاء المشكلات ذاتها بالنسبة للطبقات الشعبية، عبر التركيز على السلطة السياسية فقط. وهذا الوضع هو الذي يجعل أطراف المعارضة تحصر كل المطالب في «الحرية والديمقراطية»، وتشدد الهجوم على كل دعوة لطرح مطالب الطبقات الشعبية. وتحاول تحقيق ذلك ليس من خلال الشعب بل من خلال «السلطة» أو «الخارج»، لضمان الحفاظ على النمط الاقتصادي ذاته.
بالتالي فإن المعارضة بمجملها تمثل تلك النخب التي تعبّر عن الرأسمالية التي تريد تعديل ميزان القوى السياسي داخل السلطة من أجل تعديل ميزان القوى الاقتصادي لمصلحتها. عن طريق توسيع القاعدة الاقتصادية السياسية للسلطة، من خلال إنهاء احتكار فئة لها، وتحقيق تقاسم اقتصادي يعتمد على «لعبة ديمقراطية». وهي تريد سَوق الثورة إلى إعادة إنتاج السلطة على أساس الواقع الاقتصادي ذاته، في شكل جديد. ولكي تصبّ في مصلحة رأسمالية تشعر بأنها قد تهمشت خلال العقود السابقة، ومن أجل احتكار جديد ينهي احتكار الفئة المسيطرة الآن (العائلة).
من ضمن ذلك يأتي ميل «الأسلمة» الذي تحمله جماعة الإخوان المسلمين، الذي لا يختلف في التوجه الاقتصادي عن كل ما ذكرنا، لأنها تنطلق من اللبرلة كذلك، لكنها أصبحت تعتقد بأن الزمن هذا هو زمنها لفرض «حكم الشريعة». وإنْ كانت لا تجاهر اليوم بذلك، وتميل لتكرار ما كانت تقوله جماعة الإخوان المسلمين في مصر قبل انتصارها الانتخابي، أي العمل من أجل دولة مدنية ديمقراطية (ووثيقة العهد التي قدّمتها تعبّر عن ذلك). وهي تجهد الآن من أجل «أكل» الثورة عبر السيطرة العسكرية عليها، في سياق سعيها لأن تكون هي بديل السلطة.
إذن، الثورة التي وقودها هم الفقراء، يدعي تمثيلها سياسياً نخب لا تعرف مشكلات هؤلاء الفقراء، وليست معنية بأن تعرف أصلاً. لأن كل ما يهمها هو كيفية الوصول إلى السلطة من أجل تحقيق تغيير شكلي لا يلمس تلك المشكلات. الثورة بالنسبة لها مطية فقط.
لهذا، فإن الأمر يطرح دور القوة المعنية بوضع الطبقات الشعبية، وإذا كان الليبراليون يعتبرون أن كل من يطرح مطالبها هو من اليسار، فإن هذا الأمر صحيح تماماً، حيث لم يعد معني بوضع الشعب سوى اليسار، لأن كل نخب الرأسمالية والفئات الوسطى هي ليبرالية حتى العظم، وهي تنطلق من ضرورة تكريس الرأسمالية بوضعها القائم، أي الريعي التبعي المافياوي. وقلة منها من يتلمس مشكلات الشعب، أحياناً من منظور أخلاقي. وما تريده هو مشروعها و»حريتها»، و»فرديتها»، وسلطتها.
هنا لا بد من النظر إلى دور العمال والفلاحين الفقراء، الذين يجب أن يكونوا أساس القوة الفاعلة في الصراع من أجل انتصار بديل حقيقي. هذا البديل الذي يجب أن يبلوره اليسار.
الدراسة جزء من كتاب «ثورة حقيقية، منظور ماركسي للثورة السورية»
المصدر: دمشق
Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s