حول موقف الماركسيين من الثورة السورية

(رسالة من ائتلاف اليسار السوري إلى اليسار في البلدان العربية والعالم)

تعاني القوى الماركسية من تشتت حول الموقف من الثورة السورية، فهناك منهم منْ يدعم الثورة، وهناك من يرفض أصلاً أن يعتبر أنها ثورة، ويميل بعض هؤلاء إلى دعم السلطة الطبقية الحاكمة. ولقد ظهر أن هذا التشتت هو نتاج إشكالية في فهم الماركسية ذاتها أولاً، عدا عن تهتك القوى وانحكام العديد من أطرافها لفهم صوري يؤسس على السياسي/ الحدثي، ويتمسك بأفكار تجاوزها الواقع، وكليشيهات لم تكن صحيحة في أي وقت من الأوقات. وبالتالي أن الماركسية ذاتها كانت غائبة، بعد أن ظهر أن كل المخزون المعرفي حولها لم يخرج عن التسطيح الذي فعلته “الماركسية السوفيتية”، الذي كان يلغي الماركسية ذاتها بتحويلها إلى “منطق صوري”، و”عقائد لاهوتية”.

الآن لا بد من تحديد موقف ماركسي من الثورة السورية. موقف ينبني على الماركسية كمنهجية ( وليس كشعارات وكليشيهات )، أي التي تعني الجدل المادي كآلية تفكير وفهم ومعرفة في واقع يتغيّر لأنه في صيرورة. الماركسية فهم مادي وليست “عقيدة” او شعارات سياسية، وهي انطلاقاً من ماديتها (التي هي جدلية بالضرورة) تحدد تصورها للواقع من أجل تحديد الموقف العلمي الضروري للماركسيين في صراعهم من أجل التطور والحداثة والاشتراكية.

من هذا المنظور يمكن تحديد المسائل التالية:

1) المبدأ الذي يقود إلى تحديد موقف ماركسي هو دراسة البنية التي يتشكل المجتمع فيها. فالتناقضات التي تشير إليها الماركسية هي تناقضات في البنية الطبقية القائمة. هذا هو أساس أي تحليل وفهم، ومن ثم تحديد موقف. هو المفصل في كل التحليل. وأي تجاوز لهذه البديهية تجعل كل تحليل غير ماركسي، وغير علمي، لأنه لم ينطلق من الواقع الملموس. فالماركسية تبدأ من الاقتصاد (وليس من السياسة) في تحليل الواقع دون أن تقف عنده بل يتصاعد تحليلها للواقع إلى المستوى الطبقي، ومن ثم الأيديولوجي، فالسياسي. هذه الأخيرة التي قال لينين أنها التعبير المكثف عن الاقتصاد، بالتالي الذي يفرض فهمها فهم الاقتصاد اولاً.

البدء من الملموس يفرض أن نبدأ بسورية ونحن نناقش وضع الثورة فيها. وأن نبدأ من تحليل التكوين الاقتصادي الطبقي قبل أن نلمس الموقف السياسي والخلاف السياسي والصراعات السياسية. حيث يجب أن نبحث عن الخلافات والصراعات في الواقع الاقتصادي الطبقي كي نكون ماديين في التحليل. وسنلمس هنا أن كل الذين يرفضون الثورة ينطلقون من الخلافات والصراعات السياسية دون تلمس الواقع الاقتصادي الطبقي، أو باستنتاج هذا الواقع من الخلافات والصراعات ذاتها. وهذا فهم مثالي، هو مقلوب الماركسية بالضرورة. ولهذا يخرج عن كونه تحليلاً ماركسياً.

لهذا يصبح السؤال البديهي هو: ما هو الوضع الاقتصادي الطبقي في سورية قبل الثورة؟ ما هو وضع العمال والفلاحين والفئات الوسطى؟ وما هي الطبيعة الطبقية التي تسم السلطة؟ حيث أن الموقف ينبني على هذه بالضبط، وليس على أي شيء آخر، إلا إذا كان هناك وضعية احتلال بالمعنى المباشر فيصبح التحليل مرتبطاً بذلك. وسورية ليست محتلة (وفقط هناك احتلال للجولان، وسياسة السلطة تقوم على أساس أن السلام هو الخيار الإستراتيجي).

الليبرالية انتصرت في سورية في ظل بشار الأسد، حيث تحرر الاقتصاد وتهمّش “القطاع العام”، وبيعت بعض شركاته الرابحة، وأصبح الاستيراد هو الأساس في العملية الاقتصادية، فانهارت الصناعة والزراعة، وأصبح الاقتصاد اقتصاداً ريعياً متحكما فيه من قبل أقلية ضئيلة من العائلة الحاكمة وأتباعها. وبالتالي باتت أغلبية تعيش في وضع مزرٍ، من العمال والفلاحين والفئات الوسطى. وباتت البطالة كبيرة (30 -33%)، والأجر دون توفير المقدرة على العيش (الحد الأدنى هو خُمْس الحد الأدنى الضروري). وبالتالي أصبحت السلطة هي سلطة “رجال الأعمال الجدد” الذين أخضعوا البرجوازية التجارية التقليدية، حيث انتقل شكل السيطرة من الرئيس كما في زمن حافظ الأسد إلى هذه الفئة، التي باتت تشكل تحالفاً مالياً أمنياً. وبات العمال والفلاحون الفقراء والمتوسطون، والفئات الوسطى المدينية في غالبيتها دون المقدرة على العيش، بينما بات هؤلاء يسيطرون على 70 – 80% من الاقتصاد الوطني (ونسبتهم لا تتجاوز الـ 2%).

في هذا الوضع أين يجب أن يكون كل ماركسي؟ هذا تحديد مبدئي، أي قبل الثورة وفي كل الأحوال. حيث أن الماركسي هو مع العمال والفلاحين الفقراء، ومع التحالف الذي يضم كل الطبقات الشعبية. هذا هو موقعه المبدئي لكي يكون ماركسياً أصلاً. وهو بالتالي ضد السلطة الرأسمالية المافياوية البوليسية الحاكمة بالضرورة. ويجب عليه أن ينظر إلى كل القضايا الأخرى انطلاقاً من هذا الموقع وليس من منظور نخبوي منعزل، يغلّب ذاتيته وتحليله “الوهمي” على مصالح هذه الطبقات.

بالتالي، الماركسي هو مع الشعب، ويعمل من أجل تفعيل حراك الشعب ضد الرأسمالية المافياوية الحاكمة.
وهل ينتج هذا الوضع ثورة؟ بالتأكيد فهو الظرف المثالي لكل ثورة. وهو وضع مشابه على كل حال لوضع البلدان التي شهدت ثورة حيث تتشكل سلطة عائلية مافياوية بوليسية. هذا هو الوضع الثوري الذي بتنا نعيشه في كل البلدان العربية، وسوف نلمس أنه يطال بلدان أخرى كثيرة في العالم. بالتالي ما هو موقف الماركسي من الثورة؟

2) مع الأسف، وككل البلدان العربية (مع استثناءات جزئية)، كان كل من يسمي ذاته ماركسياً بعيداً عن تلمّس وضع الطبقات، ولم يحسّ بتراكم الاحتقان الذي كان يتصاعد لدى الطبقات المفقرة، خصوصاً هنا العمال والفلاحون الفقراء. وكان الميل العام يشي بأن هؤلاء باتوا يمحورون سياساتهم حول الديمقراطية ومقاومة الاستبداد، دون تلمّس الأساس الطبقي للاستبداد، ودون وضع الديمقراطية في سياق تغيير طبقي شامل. وهو الأمر الذي فرض انعزال هؤلاء عن الشعب، وتأسيس قطيعة ظهرت واضحة خلال الثورة.

لكن حين يتصاعد الاحتقان الطبقي ستكون النتيجة هي انفجاره بالضرورة. هذا ما حصل، ولهذا كان عفوياً إلى أبعد الحدود، خصوصاً في سورية التي لم يكن فيها لا أحزاب ولا نقابات تلاقي هذا الانفجار لتحاول التأثير فيه.
في هذه الوضعية، أين هو موقع الماركسي؟

في تاريخ الحركة الماركسية تجارب لم يجرِ الالتفات إليها، منها تجربة ثورات 1848 في أوروبا وكيف تعامل ماركس معها. ومنها كومونة باريس، حيث كان ماركس يحذر من الثورة التي ستفضي إلى إراقة دماء الطبقة العاملة، لكنه حين انفجرت دعمها وشارك فيها، لكي تتعلم الجماهير كيف تصنع ثورة منتصرة، ولم يقف يندب. ومنها ثورة 1905 في روسيا التي شارك فيها حزب العمال الاشتراكي الديمقراطي.

كل هذه الثورات كانت عفوية، وغير واضحة الأهداف في الغالب، و”برجوازية”، لكن كان موقف الماركسية هو الانخراط فيها مع العمال ليس من أجل انتصار عمالي لم يكن وارداً، ولا حتى نتيجة تحليل مسبق لحتمية انتصار الثورة، فقد كان واضحاً لماركس ولينين أن هذه الثورات فاشلة، لكن كان الهدف هو تطوير خبرات الشعب لكي ينتصر في ثورة أخرى، فالجماهير تتعلم في التجربة كما تؤكد الماركسية.

بالتالي فإن الموقف الماركسي الحقيقي يتمثل في الوقوف مع الثورة، المشاركة فيها، والعمل على تطويرها إذا أمكن ذلك. حيث ليس من خيار أمام الماركسيين حين ينشب الصراع بين الشعب المفقر والرأسمالية المسيطرة، وكل زوغان عن هذا الصراع هو انحراف عن الفهم الماركسي، وانزياح نحو الطبقة الرأسمالية. فالمفقرون هم الذين نهضوا من أجل تحقيق حياة أفضل، أو من أجل المقدرة على العيش فقط، لأن هناك من يريد العمل في بلد بلغت نسبة العاطلين عن العمل الـ 30- 33% من القوى العاملة, ومستوى الأجور في أسوأ وضع كما أشرنا قبلاً. وإذا كانوا يريدون إسقاط النظام فمن أجل تحقيق التغيير الذي يؤدي إلى تأسيس نمط اقتصادي يستوعب حالتهم، ويوجد حلاً لمشكلاتهم. وإذا كانت نخب من الفئات الوسطى “المدينية” قد حرّضت وشاركت من أجل تحقيق “الدولة المدنية” والحرية وإنهاء الاستبداد، فإن ذلك لا يغيّر من الطابع الاجتماعي للثورة، ولا يسمح بأن يصبح مطلبهم هو الأساس، لأن واقع المفقرين سوف يدفع إلى استمرار الثورة إلى أن يتحقق التغيير الجذري (كما نلمس الآن في تونس ومصر). فالمحرّض على الثورة هو البطالة والفقر والتهميش بالأساس، مع ارتباط ذلك بتحقيق الدولة الديمقراطية بعد أن ارتبط النهب والإفقار بالاستبداد.

ولا شك في أن تصاعد دور الماركسيين في الثورة سوف يفرض توضّيح طابعها الطبقي الجلي، وسوف يعمّق من صيرورتها.

من هذا المنظور لا بد من رفض كل ميل لوضع “كاتالوجات” للثورة باسم الماركسية، سواء تعلق الأمر بالبرنامج أو بالحزب الذي، كما يقال، يجب أن يقود. أو سواء بسيادة نظرة “تطهرية” تريد ثورة “نقية” كـ “الثلج في أقاصي روسيا”. فهذه هي نظرة “المتفرّج”، أو الارستقراطي الذي لا يريد أن يتلطخ حذاؤه بتراب الأرض. نخبوية لا تزال تحكم “ماركسيين” كثر. فالثورة العفوية هي حراك شعب بكل ما يحمل من ثقافة وسلوك ودين وتمرّد، لكن الأمر الذي يحكمها هو هذا الشعور المشترك بالعجز عن العيش ومن ثم السعي لتحقيق التغيير. والثورة هي لحظات تصعيد “الحس السليم” لديه (كما كانت تشير الماركسية) التي تجعله يعرف من سيسقط وماذا يريد ممن يكون بديلاً.

يعرف أن الإسقاط يجب أن يجلب التغيير الذي يسمح له بالإحساس أن وضعه قد تغيّر، وأنه خرج من حالة الموت الذي كان يندفع نحوها نتيجة البطالة والفقر والتهميش. وهذا هو الأساس الذي يجب أن يبني عليه كل ماركسي حقيقي. كل ماركسي ثوري يريد تحقيق التغيير الجذري.

3) في هذا الوضع، حيث لا دور لليسار ولا لأي حزب سياسي، سوف تكون العفوية هي التي تحكم الثورة، وسوف يكون وعي الطبقات المفقرة هو المحدِّد لشعاراتها ولحدود طرح مطالبها. وإذا كان المنخرطون فيها قد أجمعوا على إسقاط النظام فإن لكل طبقة وفئة مطالب معينة، كانت تعبّر عنها بعفويتها فقط حين تٌسأل. ومن رسم المطلب العام فهو شباب من الفئات الوسطى الذي كان يطمح إلى الانتقال من الاستبداد إلى الديمقراطية. هو الذي رد على شعار السلطة: الله، سورية، بشار وبس، بشعار: الله، سورية، حرية وبس. أما المفقرين فلم يستطيعوا طرح مطالبهم بوضوح. فهم لا يجيدون الفكر ولا السياسة، ولكنهم يستطيعون التعبير المباشر عن حاجتهم. ومع الأسف لم يسأل اليسار هؤلاء عن مطالبهم، ولم يتقدم لصياغتها في برنامج وشعارات وسياسات، بالضبط لأنه كان بعيداً عن “روح” الثورة.

وفي هذا الوضع تضاربت مصالح القوى المعارضة، وظهر أن كل منها يحاول أن يفرض منطقه وأهدافه، وأن يستغل الثورة لكي يحقق أغراضه هو. هذا أمر طبيعي، حيث تسعى كل فئة أو طبقة لفرض سيطرتها من أجل أن تكون هي السلطة.

هنا، في الماركسية، يصبح من الضروري لمس مصالح هذه القوى، وتعبيرها الطبقي، وأيضاً فاعليتها في الصراع. هل هذه القوى، من الليبراليين واليسار والقوميين والإسلاميين، مؤثرة وفاعلة في الثورة؟ أي هل أنها تمثّل حقيقة الطبقات التي تعبّر عنها؟

في المنطق الرائج نجد أن الثورة قد جرى تلخيصها في الأحزاب المعارضة، وبالتالي ليس هناك شعب يقاتل بل هناك معارضة تقاتل السلطة. هذا المنطق الرائج، الذي يعبّر عن ماركسية ضحلة، يختصر الشعب بالمعارضة، وبالتالي يرى الثورة من خلال المعارضة. وهو هنا يتجاهل عفويتها، ويرتكب “جرماً” نظرياً لأنه لا يميّز بين الطبقة والحزب (الذي يقال أنه يمثلها)، والشعب والمعارضة (التي يقال أنها تمثل الشعب). لكن في الواقع أن الأمر أمرّ من ذلك، لأن هذا المنطق في الحقيقة لا يرى الشعب أصلاً، بل يعتقد بأن كل فعل سياسي هو من فاعلية حزب أو قوة. لهذا لا يرى في الوجود سوى الوجود السياسي (أي الدولة). ويتعامل هو أصلاً في السياسة من منظور الحزب/ السلطة بعيداً عن تلمّس الأساس الاقتصادي الطبقي كما اشرنا قبلاً. وهذا ما خاض ماركس صراعاً ضده من أجل الوصول إلى فهمه المادي الذي يبدأ من الاقتصاد ليصل المجتمع.

هذا الأمر لا يجعل هذا المنطق قادراً على معرفة أن في الثورة السورية هناك شعب يقاتل دون رؤية أو وعي سياسي، وبالتالي دون حزب. وأن هناك أحزاب معارضة ليس لها امتداد شعبي، ولا قاعدة اجتماعية، بل هي أحزاب نخب مهمشة، هرمة، نشطت وتنشط في المستوى “السياسي”، أي بما يعارض الدولة دون أن تلتفت إلى الشعب، أو تكون معنية بواقعه ومشكلاته. ولطالما اعتبرته “رعاعاً”.

لهذا لا بد من رؤية الشعب كشعب “مجرّد من السياسة”، وليس عبر تبلورات سياسية ليس بالضرورة أن تعبّر عنه، وهي في الغالب لا تعبّر عنه، بل تعبّر عن طموحات نخب لأن تكون بديلاً للسلطة. وهي كلها (تقريباً) ليبرالية الاتجاه، ورغم أنها تقول بالديمقراطية إلا أنها ليست ديمقراطية على الإطلاق.

هذه الأحزاب يجب أن تنقد بكل تأكيد، وأن يدان بعضها، تلك التي نادت بالتدخل العسكري الإمبريالي، أو التي نشرت خطاباً طائفياً، والمتحالفة مع الدول الإمبريالية والرجعيات العربية. هذه كلها كانت تشكّل عبئاً على الثورة، وتأخّر توسع الحراك، بالضبط نتيجة الخطاب “الإمبريالي” الطائفي الذي كانت تطرحه، والذي كان يخيف “الأقليات”، ولكن أيضاً قطاعا شعبيا أوسع من ذلك، هو قطاع داعم، ككل الشعب السوري، للمقاومة ولمواجهة الإمبريالية والصهيونية. ورافض للأصولية التي أرهقته فترة صراعها الطائفي ضد السلطة نهاية سبعينات القرن العشرين وبداية ثمانيناته.

هل يمكن لنا إذن أن نميّز بين الشعب والمعارضة؟ أن نلمس نشاط الشعب العفوي البسيط الذي يقاتل بجرأة وبطولة، ونلاحظ سياسات المعارضة التي يبدو أنها تستغل الوضع لتحقيق مصالحها؟

المعارضة بالتالي تعبّر عن مصالح فئات ليبرالية ضيقة همشتها دكتاتورية السلطة وسيطرة “العائلة” على الاقتصاد. وهي تستعين بالإمبريالية لكي تسترجع سيطرتها هي بديلاً عن آل الأسد وآل مخلوف وآل شاليش. رغم أن البرجوازية التقليدية السورية (تجار دمشق وحلب خصوصاً) هي في تحالف مع “العائلة”. هذه إذن تمثّل أقلية ليبرالية، وسياساتها تدلّ على ذلك بكل وضوح.

أيضاً، حين أصبح العمل المسلح هو سمة الصراع الرئيسية، ظهرت الفوضى نتيجة “قلة خبرة” الشباب الذي خاضها، وهو الشباب ذاته الذي كان يتظاهر سلمياً في الغالب، والذي دفعه عنف السلطة إلى ذاك. لكن أيضاً ظهر أن القوى الأصولية تحاول السيطرة عليه، وأخذت تعمل وكأنها القوة الأساسية، ولقد أثّرت عبر المال في تحديد أسماء الكتائب بأسماء إسلامية، حيث كانت هذه الكتائب بحاجة إلى المال والسلاح، دون أن تحصل على ما يكفي كذلك. لكن ظل الأمر هامشياً، تطوّر بعد الدفع السعودي لإرسال “جهاديين”، هم سلفيون منغلقون، صراعهم في إطار الدين وليس سياسياً أو طبقياً، طائفيون بالتالي، ويعملون على فرض سلطتهم على المناطق التي فرضت الثورة على السلطة الانسحاب منها، على أسس قروسطية.

هذا الأمر فرض نشوء تناقض جديد، فإذا كان الصراع مع القوى الأصولية السابقة (الإخوان خصوصاً) يتسم بطابع “أيديولوجي”، فإن الأمر هنا يتجاوز ذلك نتيجة ممارسات جبهة النصرة، التي باتت تمارس الخطف ضد الأقليات وتفرض “قوانين الشريعة” كما تفهمها الوهابية على الشعب. مما دفع إلى ميل الشعب إلى العمل ضد ممارساتها من خلال التظاهر وحتى استخدام السلاح. بالتالي باتت الثورة تواجه ليس السلطة فقط، بل كل القوى التي تحاول ركوبها، أو تعمل على حرفها.

وهنا يجب على الماركسي أن يكون مع الشعب ضد السلطة، لكن يجب أن يخوض صراعاً ضد هذه المعارضة بكل سياساتها، وضد هذه القوى الأصولية التي تهدد بتحويل الصراع إلى صراع طائفي تريده السلطة ذاتها، ولقد حاولته منذ بدء الثورة. وأن يعمل على تطوير فاعلية الشعب، وتوضيح مطالبه وبرنامجه، وعلى تنظيم الثورة ووضع الإستراتيجية التي يجب أن تتطور وفقها لكي تتجاوز عفويتها، وتصبح كتلة منظمة واعية.

ربما لا يجد الماركسيون في البلدان العربية متسع لهذا الصراع، فهم غارقون في صراعهم ضد نظمهم، وأيضاً لأوضاع مشابهة في الصراع ضد “المعارضة”، لكن عليهم دعم الماركسيين الثوريين في سورية، من منظور فهمهم لهذا الواقع المعقد. فالماركسيون السوريون يخوضون صراعاً متعدد الجبهات من أجل تطور الثورة وانتصارها، منطلقين من التمييز الدقيق بين الشعب الذي صنع الثورة والمعارضة التي تريد أن تجرها هنا أو هناك، أو أن تستغلها لمصلحة هذا الطرف أو ذاك.

ولا شك في أن صعوبات كبيرة تواجه ذلك، نتيجة “غياب السياسة” لدى الذين يخوضونها بكل بطولة. لكن لا بد من ذلك، خصوصاً أن الشباب الثوري يطوّر وعيه وخبراته بهدوء لكن باستمرار. وهو الوضع الذي نلمسه في كل البلدان العربية.

4) لا شك في أن عفوية الثورة وغياب اليسار قد أسس لنشوء مشكلات فيها، والوقوع في أخطاء، خصوصاً وأن الشعب يمارس تجريبية عالية لأنه يقاتل بقدراته. ولقد مارس التظاهر وكل أشكال الاحتجاج السلمية أشهراً، لكنه انتقل إلى العمل المسلح تحت عنف ووحشية وجرائم السلطة. وكل ذلك لا يزيل عنها كونها ثورة، أو يجعل الماركسي “يتعفف” عن دعمها والانخراط فيها.

لقد جرى نقد اندفاع الثورة نحو التسلح، ولقد نبهنا منذ البدء إلى عظم هذه الخطوة والأخطار التي يمكن أن تنتج عنها. لكن حين تكون الثورة عفوية لا يمكن لنا أن نضبط مساراتها. فالثورة لم تكتب في “كاتالوج” يجب الالتزام به، بل هي فعل شعبي يسير وفق الظرف القائم. وينحكم لطبيعة الممارسة التي تواجه السلطة بها حراك الشعب. لهذا لم نعتبر أنها انحرفت أو خرجت عن مسارها السلمي، بل قلنا أنها انتقلت إلى مستوى جديد علينا أن نحاول ضبطه لكي لا يقود إلى فوضى، وأن يترابط مع الحراك الشعبي ويكمله بدل أن يحلّ محله.

لا شك أن الأمور سارت في مسار جعل العمل المسلح هو “كل شيء”، لكن كل ذلك لا يلغي مسألة أنه جاء كرد فعل شعبي على العنف الوحشي الذي مارسته السلطة منذ البدء، دون أن يلقى حينها ولمدة أشهر رد فعل عسكري (وهذا ما اعترف به مؤخراً بشار الأسد، ثم فاروق الشرع) بل ظل التمسك بالسلمية أساسا في الثورة.
وبالتالي لم تكن المشكلة في الانتقال إلى العمل المسلح، الذي جاء نتيجة عنف وحشي، فالثورات يمكن أن تنتقل إلى أشكال متعددة، والماركسية تتناول ذلك، ونظّر لينين لـ “الانتفاضة المسلحة”. بل كانت في أن عفوية الثورة يمكن ان تقود العمل المسلح إلى فوضى (كما نلاحظ الآن)، الذي يشير إلى تقصيرنا كيسار وليس إلى خطأ في الثورة.

إن كل التنظير حول “اللاعنف” و”الثورات السلمية” (المخملية) ظهر كوهم، وبدا أنه نتاج عقل ليبرالي، أو مدخل لإفشال الثورات. فالعنف يلازم الثورة كما تقول الماركسية. وإذا كان هناك من اعتقد أن عصر الثورة قد ولى، وتبيّن أنه مخطئ، فإن كل الذين يقولون بأن عصر العمل المسلح (أو الثورات المسلحة) قد أفل سوف يصدمون نتيجة أنه ليس من ثورة اجتماعية لا تدخل في طور العنف في لحظة من لحظاتها.

بالتالي ليس النقد هو نقد للعمل المسلح، بل يمكن أن يطال هذا النقد طريقة ممارسة العمل المسلح والإستراتيجية التي تحكمه، وهل يخدم الحراك الشعبي أو يلغيه؟ ونحن معنيون بكل هذا النقد لأننا نلمس مشكلات العمل المسلح، وكيف أصبح مدخلاً لـ “شراء” كتائب مسلحة نتيجة الحاجة إلى المال والسلاح. أو اضطرار بعض الكتائب إلى التسمي بأسماء “إسلامية” نتيجة الحاجة إلى التمويل. أو مشكلات غياب الإستراتيجية العسكرية، أو طريقة حسم الصراع عبر السيطرة على المدن.

في الماركسية “الأصلية”، وليس في التشويه السوفيتي لها، يكون الصراع ليس مع طرف واحد فقط، بل مع عدد من الأطراف، لأن الواقع متعدد، والتناقضات فيه بالتالي متعددة. فإذا كان الصراع الطبقي هو ضد الطبقة المسيطرة وسلطتها، وأن الشعب يريد إسقاط نظامها، الاقتصادي والسياسي، فإن في الثورة ذاتها تناقضات لا بد من مواجهتها. هناك التناقض مع القوى الليبرالية التي تريد حصر الثورة في تغيير شكل السلطة (وربما أشخاص السلطة)، وهناك التناقض مع الإخوان المسلمين الذين يريدون فرض سلطتهم الأصولية (واقتصادهم الليبرالي)، ويحاولون أن يظهروا الثورة كـ “ثورة إسلامية” من أجل الوصول إلى ذلك، وهناك ثالثاً التناقض الذي ظهر مؤخراً مع جبهة النصرة كقوة طائفية أتت لكي تفرض سلطة على الأرض التي “حررها” الشعب، وتفتح صراعاً طائفياً، “عقيدتها” تفرضه عليها. ولقد بات انتصار الثورة مرتبط بكيفية إنهاء تأثيرها المضرّ، وتنظيم الثورة وفق إستراتيجية تنطلق من مطالب الشعب الأساسية، وتحدد السياسة التي تفضي إلى إسقاط السلطة.

إننا معنيون بتحقيق الترابط بين العمل العسكري والنشاط الشعبي، لأننا نرى أنه الأمر الذي يقوّي الثورة ويحقق نجاحها، حيث ليس من حسم عسكري دون فعل شعبي، وحيث أن مهمة العمل العسكري هي كسر مراكز قوة السلطة، وليس فتح “حرب شاملة” من أجل تسهيل الانتصار الشعبي.

وفي هذا الإطار نخوض صراعاً ضد إستراتيجيات القوى الأصولية التي تعمل على تكريس التسلح كمبدأ يقود إلى إسقاط السلطة عبر “تحرير” سورية من “الاحتلال الأسدي”. ولا شك في أن هذه إستراتيجية صبيانية لا تقود سوى إلى مساعدة السلطة على زيادة التدمير والقتل. ما يهمنا هو شكل مقدرة السلطة على التدمير والقتل ومواجهة حراك الشعب.

5) هل السلطة ضد الإمبريالية؟
أولاً، بغض النظر عن توضع السلطة العالمي فإن الماركسية هي مع الشعب حين يثور لأنها أصلاً مع الشعب. ولهذا، وبغض النظر عن طبيعة السلطة، فإن الماركسي يجب أن يكون مع الشعب لأن ثورته لم تنتج عن “مؤامرة” (ولا يمكن لشعب أن ينخرط في مؤامرة، سواء عن وعي أو عن سذاجة) بل نتجت عن وضع لم يعد يستطيع العيش فيه. هذا ما هدّم الاشتراكية وفتح على التحوّل الرأسمالي. فكيف إذن إذا كانت السلطة رأسمالية مافياوية عائلية بوليسية؟

إن تحليلنا سابق الذكر يشير إلى طابع الطبقة المسيطرة، الذي هو طابع رأسمالي مافياوي ريعي. بالتالي يجب أن نجيب على السؤال: هل هذه الطبقة المسيطرة هي ضد الإمبريالية؟ ما هي شبكة علاقاتها المالية ونشاطها الاقتصادي؟ وكيف يؤثر ذلك على سياساتها؟

لقد عملت هذه الطبقة على تعميم الاقتصاد الريعي القائم على الخدمات والسياحة والعقارات والتجارة (الاستيراد خصوصاً) والبنوك. وتشابكت مع الرأسمال الخليجي والأوروبي، وعملت كوكيل للشركات النفطية الأميركية (محمد مخلوف مثلاً)، وحاولت أن تكون وكيل شركات السيارات، وكل الشركات الإمبريالية. وتشابكت كذلك مع الرأسمال التركي، إلى أن وصلت إلى التشابك مع مافيات أوروبا الشرقية وروسيا. هذه هي شبكة “علاقاتها” المالية. وكانت تطمح لأن ترتب وضعها مع الإمبريالية الأميركية، لكن سياسة بوش الابن منعت ذلك نتيجة “قصر نظر” أميركي انبنى على الشعور بالتفوق الكبير الذي دفع السياسة الأميركية إلى الشغل على تغيير السلطة السورية بعد احتلال العراق.

هذه الواقعة الأخيرة هي التي جعلت السلطة في “تحالف” آخر. حيث وجدت ذاتها محاصرة ومهددة بالإسقاط، لهذا أسست تحالفها مع إيران بتوقيع الاتفاق الإستراتيجي سنة 2006، وإتباعه بتوقيع الاتفاق الإستراتيجي مع تركيا (ربما لحفظ التوازن الذي اختل بعد الخلاف مع السعودية، ولكن لمصالح اقتصادية نتيجة أن تركيا رفضت تطبيق العقوبات الأميركية على هؤلاء).

إذن، هنا ليست المسألة هي مسألة تناقض طبقي، ولا تناقض وطني، بل مسألة صراع مصالح، كما يجري بين رأسماليات. ومن ثم فإن السلطة هنا هي ليست استمرار لـ “حركة التحرر الوطني”، ولا نظامها هو استمرار للنظم “القومية”. هو شيء آخر ليبرالي مافياوي، تناقض مع أميركا، وسعى لترتيب العلاقة مع إمبرياليات أخرى (فرنسا وألمانيا، والآن روسيا والصين). إن الرأسمالية التي تسم الطبقة المسيطرة هي رأسمالية ريعية كما يوضّح البحث في تكوين الاقتصاد السوري الذي تدمّرت القطاعات المنتجة فيه (الزراعة والصناعة). وهذا النمط من الرأسمالية لا يمكن إلا أن يكون تابعاً، لأن طبيعة النشاط الاقتصادي الذي يمارسه تفرض ذلك (الاستيراد والنشاط المالي، الخدمات). فمع فرض الانفتاح الاقتصادي وانهيار القطاع المنتج أصبح الاستيراد ضرورة، وهو ضرورة أصلاً لهذا النمط من الرأسمالية.

بالتالي يكون السؤال: كيف يمكن لهذه الرأسمالية أن تكون في تضاد مع الإمبريالية؟
الصراع كان هنا، صراع على الشكل الأفضل للسيطرة، الذي دفع الإمبريالية الأميركية إلى التفكير بتغيير السلطة بدل أن تتفاهم معها، وكانت السلطة تترجى ذلك، وتسعى إليه. فالـ “هوى” الليبرالي كان يفرض حينها تمتين العلاقة مع المركز الإمبريالي، الذي هو أميركا. وكان ذلك هو “هوى” النخب التي أتت مع بشار الأسد إلى السلطة، والتي على أساسه أبعدت النخب التي تربت زمن حافظ الأسد (في الغالب في الاتحاد السوفيتي).

إذن، كان الخلاف مع أميركا نتاج “سوء تقدير أميركي”، ربما كانت الأزمة الاقتصادية العميقة تفرضه، والذي ارتبط بفرض ما أسمي “الشرق الأوسط الموسع”. ولم يكن نتاج مصالح الطبقة التي سيطرت وباتت هي التي تحكم السلطة بعد أن خرجت من عباءتها.

لم تعد السلطة هي سلطة “التحرر الوطني”، ولم يعد الاقتصاد هو اقتصاد “تنموي”، بل باتت سلطة رأسمالية مافياوية تتشابك مع الرأسمال الإمبريالي، وإن ليس بالضرورة مع الرأسمال الأميركي.

هذا هو التحليل الماركسي لطبيعة السلطة ولتشابكها العالمي. وهو الأمر الذي يجعلها في تشابه كبير مع النظم الأخرى رغم اختلافها مع أميركا. فهي سلطة رأسمالية ريعية مافياوية، تنهب البلد بالتشابك مع رأسمال إمبريالي، أو رأسمال هو جزء تابع للرأسمال الإمبريالي. وهذه الوضعية بالضبط هي التي جعلت “منظري” السلطة يطلقون على السلطة صفة الممانعة وليس المعادية للإمبريالية أو المقاومة لها. لأنهم يحددون بالضبط ما هم، حيث يجدون أنهم يتمنعون عن قبول بعض شروط السياسة الأميركية ولا يرفضونها كلها. ولهذا أبقوا الباب مفتوحاً لإعادة العلاقة مع أميركا، وبذلوا جهوداً في هذا المجال. لكن كانت التحولات العالمية ونشوب الثورات قد فرض تحالفات اضطرارية جديدة. لكن مع إمبريالية أخرى، هي روسيا. ومن يدرس الاتفاقات الاقتصادية التي جرى التوقيع عليها قبل أشهر يلمس هذا الأمر جلياً، لأنها اتفايقات اقتصادية شبيهة بكل الاتفاقيات مع أي بلد إمبريالي.

6) “المؤامرة الإمبريالية”
طبعاً ردد كثير من “الماركسيين” عبارة “مؤامرة إمبريالية”، واعتبروا أن الثورة هي ليست ثورة بل مؤامرة تنفذها الإمبريالية الأميركية (وعمم البعض هذه النظرة على كل الثورات العربية، ليعتبر أنها هي “الفوضى الخلاقة” التي عملت الإمبريالية الأميركية عليها منذ بداية القرن الجديد). ولقد أشرت إلى “مؤامرة” الإمبريالية الأميركية الفاشلة للتو، لكن هل لا زالت هذه “المؤامرة” قائمة؟

هذا المنظور يشير إلى قصور في المعرفة وليس في الفهم فقط، لأنه لا يرى كل التحولات التي حدثت خلال السنوات الخمس الأخيرة، خصوصاً بعد الأزمة المالية الإمبريالية سنة 2008، التي فتحت باباً عريضاً لتضعضع وضعف النمط الرأسمالي ككل من جهة، ولتبدل موازين القوى من جهة أخرى. فقد فشلت سياسة الإمبريالية الأميركية للسيطرة على العام التي بدأتها بعيد انهيار الاتحاد السوفيتي، وسرّعت فيها بعد أحداث 11 سبتمبر سنة 2001. ولم تعد قادرة على أن تكون القوة العالمية الأوحد في سياق سعيها لحل أزمتها المتنامية منذ بداية سبعينات القرن العشرين. الأمر الذي فتح على صراعات “خفية” لترتيب إعادة تقاسم العالم، وسمح لروسيا أن تصبح قوة مكافئة لأميركا، ويصبح الخوف الأميركي هو من الصين. وأن تصبح كل البلدان الرأسمالية في وضع انهياري نتيجة الأزمة الاقتصادية الناتجة عن تكوين الاقتصاد العالمي و”انحراف” الرأسمالية إلى شكل مالي يهيمن على كل النشاط الاقتصادي.

إذن، لم نعد في عصر السيطرة الأميركية، وإن كانت ظلالها لازالت قائمة. ونشهد توسعاً للدور الروسي يعمل على السيطرة على الأسواق ككل إمبريالية.

انطلاقاً من ذلك أين هي “المؤامرة الإمبريالية”؟

ما توضّح على الأرض هو أن هناك مؤامرة حقيقية، لكن على الثورة وليس على السلطة. فأميركا تبيع سورية لروسيا، والسعودية التي ترتعب من الثورات العربية تعمل جاهدة على افشال الثورة عبر دعم الأصولية (السلفيين)، وتصدير “الجهاديين” الذين باتوا مشكلة في الثورة. وتركيا التي فقدت سورية، وترى أن أميركا تبيع هذا البلد لروسيا، تعمل على دعم الأصولية و”الجهاديين” لكي تحصل على نصيب. وقطر تريد، كما تركيا ربما، وبدعم فرنسي، وصول الإخوان المسلمين إلى السلطة، لهذا سخّرت لهم قناة الجزيرة وعممت خطابهم الأصولي، وشوهت صور الثورة لكي تضخّم من قوتهم.
وهكذا هو الوضع الدولي الذي يصبّ كله في خدمة السلطة، وفي عرقلة الثورة.

مشكلة هؤلاء “الماركسيين” هي أنهم لازالوا يكررون خطاباً صار من الماضي، حفّظهم إياه الرفاق السوفيت، ولم يجدوا بعد من يحفظهم غيره. فالتناقض الرئيسي هو تناقض طبقي وليس مع الإمبريالية إلا من المنظور الطبقي، وهذا خطأ في الفهم الذي عممه السوفيت. والإمبريالية المسيطرة لم تعد أميركا التي كانت في مواجهة الاتحاد السوفيتي، وإن ظل لها دور لكن ليس ذاك الذي يريد السيطرة على العالم. رغم أنها لازالت إمبريالية، وبالتالي لا يمكن إلا أن نكون ضدها. لكن وضعها العالمي تغيّر نتيجة أزمتها العميقة، والتي لا حل لها، وانفتح العالم على تقاسم للأسواق لا بد من ملاحظته. رغم أن كل النمط الرأسمالي بات في “غرفة الإنعاش” نتيجة التكوين الذي بات يحكمه كاقتصاد مضارب مالي يهمّش قوى الإنتاج، التي هي في أزمة كذلك نتيجة “فيض الإنتاج”.

كل ذلك يجعل الثورة السورية في صراع متعدد الأشكال، لأنها في مواجهة قوى متعددة، محلية وإقليمية وعالمية. ليس روسيا والصين وإيران فقط، بل أميركا والسعودية وكل الدول الإمبريالية أيضاً.

الماركسي يجب أن يرى كل ذلك، لا أن يظل متمسكاً في “كليشيهات” باتت من الماضي. يجب أن يرى واقع وسياسات الإمبريالية الآن وليس كما حفظها منذ عقود.

والماركسي يعرف بأن كل حدث مهم سوف يفرض تدخلات كثيرة لقوى لها مصالح، وعليه أن يعرف أين تصبّ هذه التدخلات؟ وما هي مصالح هذه القوى بالتحديد والآن وليس في وقت مضى؟

من هذا المنظور تسقط نظرية المؤامرة رغم تدخلات القوى، وتصبح “المؤامرة” هي على الثورة والشعب وسورية. وتكون السلطة هي أداة فيها تنفذ ما فعلته أميركا في العراق من تدمير وقتل واعتقال وحشي. فقط لأنها تدافع عن مصالح المافيا الحاكمة.

7) لكل ذلك يجب أن يبلور الماركسيون في البلدان العربية موقفاً واضحاً من الثورة السورية:
فهي أولاً ثورة بكل معنى الكلمة، نتجت عن الانهيار الاقتصادي الذي حدث خلال العقد الأخير، وفرض إفقار وتهميش قطاعات واسعة من الشعب، ومركزة الثروة بيد أقلية عائلية مافياوية.

ولهذا، ثانياً يجب أن تدعم من أجل أن تنتصر وتفتح الأفق لتحقيق تحولات اجتماعية وسياسية مهمة. وأيضاً لكي ينفتح الطريق لامتداد الثورة إلى البلدان الأخرى (من المغرب إلى السعودية).

وثالثاً لا بد من رفض كل منطق يدعو إلى التدخل العسكري الإمبريالي، وبالتالي رفض تدخل روسيا، وإيران. ورفض كل منطق طائفي أو يريد فرض طابع ديني على الثورة. وكشف سياسة المعارضة التي تلخص الثورة بمطلبها هي، الذي هو مطلب ليبرالي لا يحل مشكلات الشعب، بل يحل مشكلات أفراد يريدون السلطة.

ورابعاً فضح السلطة في ممارساتها الوحشية ضد الشعب، والتي تصل إلى حد ارتكاب جرائم ضد الإنسانية. وأيضاً فضح التخريب السعودي القطري الخليجي الذي يهدف إلى افشال الثورة بالنسبة للسعودية، وسيطرة الإخوان بالنسبة لقطر. وفضح عملية تصدير “الجهاديين” إلى سورية كجزء من عملية تخريب الثورة.

وخامساً دعم اليسار السوري، سياسياً وإعلامياً، وبكل ما هو ممكن، كجزء من سياسة تهدف إلى تنسيق نشاط كل الماركسيين في البلدان العربية، الذين يعملون على المشاركة في الثورات، ويسعون إلى تطويرها، وتحويلها إلى ثورات شعبية منتصرة.

وسادساً التنسيق في المجال الإعلامي لكسر سيطرة الإعلام الخليجي الإمبريالي الذي يشوّه الثورة وينقل صورة مختلفة عن ماهيتها، من خلال تبادل المعلومات، ونشر تحليلات الماركسيين السوريين عن الثورة.
وسابعاً العمل على صعيد كل الماركسيين في العالم لتوضيح طابع الثورة، والسعي لتحويل مواقف اليسار الذي يدعم سلطة مافياوية مجرمة تحت حجة “مناهضة الإمبريالية” كي تتخذ موقفاً ثورياً حقيقياً يدعم الثورة، ويعتبر أنها جزء من الثورات العربية، ومن نهوض عربي ثوري جديد، هو الشرارة الأولى لنهوض عالمي كبير، تدفع أزمة الإمبريالية إلى تفجره في أوروبا وآسيا وربما كل العالم.

وربما يحتاج ذلك إلى تنظيم مؤتمر عام يضم كل الماركسيين المعنيين بالثورة والتغيير، وتطوير الثورات لكي تنتصر حقيقة بإسقاط الطبقة الرأسمالية الريعية المسيطرة في كل البلدان العربية. فالثورة باتت بحاجة (وهي بحاجة أصلاً) إلى قوى جذرية منظمة، واضحة الإستراتيجية والأهداف والرؤية، لكي تحقق مطالب الشعب. وما دام الحل ليس رأسمالياً على الإطلاق، لأن الحل الرأسمالي الذي جرى تطبيقه منذ قوانين الانفتاح التي قررها أنور السادات أواسط سبعينات القرن الماضي هو الذي فرض نشوب الثورات، فإن الحل يكمن في تجاوز الرأسمالية. وهذا ما يؤسس لأن يكون للماركسيين الدور الأهم، لأنهم من يستطيع حمل مشروع يتجاوز الرأسمالية، ويتضمن حلاً للمشكلات المجتمعية كلها.

نأمل التفاعل، والتواصل، والحوار لتحقيق المهمات المطروحة الآن في أفق تحقيق الاشتراكية.

سلامة كيلة
ائتلاف اليسار السوري

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s